Indexed OCR Text

Pages 741-760

٦٨٣
لفظِ الشارع، ولو جاز ذلك لجاز للثالثِ الراوي عن الثاني، والرابعِ الراوي عن
الثالثِ، وهكذا، وذلك يستلزم سُقوطَ الكلام الأولِ بالكلية، فإِنَّ المعبّرَ إذا ترجَمَ
وبالغَ في الْمُطابَقَةِ تعذَّرَ عليه الإِتيانُ بلفظٍ ليس بينه وبين اللفظِ الأولِ تفاوتٌ بالكلية،
فتنتفي المناسبةُ بين كلامِ النبي عليه الصلاة والسلام وكلامِ الراوي الأخير.
والجوابُ أنَّ من أدَّى المعنى بتمامِه يُوصَفُ بأنه أدَّى كما سَمِعَ وإن اختلَفَتْ
الألفاظ، ولهذا يُوصَفُ الشاهدُ والمترجِمُ بأداءِ ما سَمِعا وإن عَبِّا بلفظٍ مُرادِفٍ، على
أنَّ هذا الحديثَ حُجَّةٌ لنا، فإنه عليه الصلاة والسلام ذَكَر العلةَ وهي اختلافُ الناس
في الفقه، فما لا يَخْتلِفُ فيه الناسُ كالألفاظِ المترادفة، لا يُمنَعُ منه. على أنَّ هذا
الحديثَ بعينِهِ قد نُقِلَ بألفاظٍ مختلفةٍ والمعنى واحد، يُروَى: رَحِمَ الله امرأً، ونَضَّر الله
امرَأَ، ورُبَّ حاملٍ فقهٍ لا فِقِهَ له، وغيرُ فقيه. وهذه الألفاظُ وإن أمكّنَ أن يكون
جميعُها قولَ الرسول في أوقاتٍ مختلفة، لكنَّ الأغلبَ أنه حديثٌ واحد. اهـ.
وقد رأيتُ بعضَ من ألَّف في أصولِ الحديثِ أو أصولِ الفقه، قد أطالَ في
بيان ما قيل في هذه المسألة، فأحببتُ أن أُورِدَ من كلامِهم هنا ما يَزِيدُ المسألةَ جَلاءً،
فأقول :
ذهَبَتْ طائفةٌ من العلماء إلى أنه لا تجوزُ الروايةُ بالمعنى مطلقاً، ونُقِلَ ذلك عن
كثيرٍ من المحدِّثين والفقهاءِ وأهلِ الأصول، وهو مذهبُ الظاهرية، ونُقِلَ عن
عبد الله بنِ عُمَر وجماعةٍ من التابعين منهم ابنُ سِيرين، وبه قال الأستاذ أبو إسحق
الإِسْفِرائِيني وأبو بكر الرازي .
قال القرطبي: وهو الصحيحُ من مذهب مالك، ويَدلُّ على ذلك قولُه:
لا أكتُبُ إلَّ عن رجلٍ يَعرِفُ ما يَخْرُجُ من رأسِه، وذلك في جوابٍ من قال له: لم لم
تكتُبْ عن الناسِ وقد أدركتُهم متوافرين؟ وكذلك تَرْكُهُ الأخذَ عمن لهم فَضْلٌ
وصلاح إذا كانوا لا يعرفون ما مُحدِّثون به.
قال بعضُ العلماء: وفي هذا إشارةٌ إلى انتشارِ الروايةِ بالمعنى في عصرِه، وقد

٦٨٤
كان الحديثُ في الصُّدُورِ، فخشِيَ مالك أن يَخِلِطوا فيما يُحدِّثون به، فَتَرَكَ الروايةَ عنهم
لذلك، ولو كانوا يحفظون لفظَ الحديث لم يترك الأخذَ عنهم. ونَقَل البيهقيُّ والخطيبُ
وغيرُهما عن مالكٍ أنه مَنَع الروايةَ بالمعنى في الحديثِ وأجاز ذلك في غيره.
وقد شدَّد بعضُ المانعين من الرواية بالمعنى أعظَمَ تشديد، حتى لم يُجيزوا أن
يُبْدَلَ حرفٌ بَآخَرَ وإن كان معناهما واحداً، ولا أن تُقدَّمَ كلمةٌ على أخرى وإن كان
المعنى لا يختلفُ في ذلك، بل زاد بعضُهم في التشديد فمنَعَ من تثقِيل خفيفٍ،
أو تخفيفِ ثقيلٍ ، ونحوِ ذلك ولو خالَفَ اللغةَ الفُصْحَى.
وذلك لما في تبديلِ اللفظِ المرويِّ من خوفِ الدخول في الوعيد، حيث نَسَبُ
إلى النبي وَ﴿ه لفظاً لم يَقُله، ولأنَّ النبي عليه الصلاة والسلام قد أوتي جوامعَ الكَلِم
واختُصِرَ له الكلامُ اختصاراً، وغيرُهُ ولو كان من أربابِ الفصاحةِ والبلاغةِ لا يَبلِّغُ
درجتَه. وكثيراً ما يَظنُّ الراوي بالمعنى أنه قد أَتَى بلفظٍ يقومُ مَقامَ الآخَرِ، ولا يكونُ
كذلك في نفسِ الأمر كما ظَهَر ذلك في كثيرٍ من الأحاديث.
وانظُرْ إلى ما وقع لشعبة مع جلالتِهِ وإتقانه، فإنه سَمِعَ عن إسماعيل بن عُلَيَّة
حديثَ النهي عن أن يُتَزِعْفَرَ الرجلُ، فرواه عنه بالمعنى بلفظ: نُبِيَ عن التزعفر.
فَأَنكَر إسماعيلُ ذلك عليه، لدلالةِ روايتِهِ على العموم، مع أن الرواية في الأصل إنما
تدلُّ على اختصاصِ النهي بالرجال، فانتْبَهَ إسماعيلُ لما لم يتنبه له شعبة، مع أنَّ رواية
شعبة عنه إنما هي من قَبِيل روايةِ الأكابر عن الأصاغر.
/٣٠٦
ولأنه عليه الصلاة والسلام قد ردًّ على من عَلَّمَه ما يقول / إذا أخَذَ مضجعه
إذ قال: ورَسُولِك، فقال عليه الصلاة والسلام: لا، ونبيِّك.
ولأنه عليه الصلاة والسلام قال: نَضَّر الله امرَأْ سَمِعَ منا حديثاً فأدَّاه كما سمعه .
وقد اعتَنَ مسلم في صحيحه ببيانِ اختلافِ الرواة، حتى في حرفٍ من المتن
ربما لا يَتغيَّرُ به المعنى، بخلافِ البخاري. وقال بعضهم: كان ينبغي أن يكون هذا
المذهبُ هو الواقعَ ولكن لم يَتَّفِقِ ذلك.

٦٨٥
وذهب جمهورُ العلماء إلى جواز الرواية بالمعنى لمن يُحسِنُ ذلك، بشرطِ أن يكون
جازماً بأنه أدَّى معنى اللفظِ الذي بَلَّغه. وهؤلاء الُجِيزون:
منهم: من شَرَط أن يأتيَ بلفظٍ مُرادفٍ كالجلوسِ مكانَ القعودِ أو العكس.
ومنهم: من شَرَط أن يكون ما جاء به مساوياً للأصل في الجَلَاء والخفاء.
وقال أبو بكر الصيرفي: إذا كان المعنى مُؤْدَعاً في جملةٍ لا يَفهمُها العاميُّ إلَّ بأداءِ
تلك الجملةِ، فلا تجوزُ روايةُ تلك الجملةِ إلَّ بلفظها.
ومنهم: من شَرَط أن لا يكون الحديثُ مما تُعبِّدنا بلفظِه، كالأذان، وهذا
الشرطُ لا بُدَّ منه، ويُقالُ إنه مُجمَعٌ عليه .
ومنهم: من شَرَط أن لا يكون الحديثُ من قَبِيلِ الْمُتَشابِهِ كأحاديثِ الصفات،
وقد حَكَى بعضُهم الإِجماعَ على هذا، وذلك لأنَّ اللفظ الذي تكلّم به النبيُّ صلَّى الله
عليه وسلَّم لا يُدْرَى هل يُساوِيه اللفظُ الذي تكلّم به الراوي ويحتَمِلُ ما يَجْتَمِلُه من
وجوه التأويل أم لا .
ومنهم: من شَرَط أن لا يكونَ الحديثُ من جوامع الكَلِم، كقوله عليه الصلاة
والسلام: إنما الأعمالُ بالنيات. وقولِهِ: من حُسْنٍ إسلامِ المَرْءِ تَّرْكُه ما لا يَعِنِيه.
وقولِهِ: البِّنَةُ على الْمُدَّعِي، ونحوِ ذلك.
وقال بعضُ العلماء: للرواية بالمعنى ثلاثُ صُوَر: أحدُها أن يُبدِلَ اللفظَ
بُجُرادفِه، كالجلوسِ بالقعود، وهذا جائز بلا خلاف. وثانيها أن يَظُنَّ دلالتَهُ على مِثلِ
ما دَلَّ عليه الأوَّلُ، من غير أن يَقطع بذلك، فهذا لا خِلافَ في عدم جواز التبديل
فيه. وثالثُها أن يَقْطَعَ بفهم المعنى ويُعبِّرَ عما فَهِمَ بعبارةٍ يَقْطَعُ بأنها تدلُّ على ذلك
المعنى الذي فَهِمَه، من غير أن تكون الألفاظُ مترادِفة. فهذا موضعُ الخلاف،
والأكثرون على أنه متى حَصَل القطعُ بفهم المعنى مُستنِداً إلى اللفظ إمّا بمجرَّدِهِ، أو إليه
مع القرائن، التّحَقّ بالمترادفِ.

٦٨٦
وقد تبينَّ من البحث في هذه المسألة والتُّعِ لما قيل فيها أنَّ للمُجِيزين للرواية
بالمعنى ثمانية أقوال:
القولُ الأوَّلُ: قولُ من فَرَّق بين الألفاظِ التي لا مجالَ للتأويلِ فيها وبين
الألفاظِ التي للتأويل فيها مجال، فأجاز الروايةَ بالمعنى في الأولى دون الثانية، نَقَلَ ذلك
أبو الحسين القطان عن بعض أصحاب الشافعي. ويَقْرُبُ من هذا القولِ قولُ من
فَرَّقَ بين المُحْكَمِ وغيرِهِ، كالمُجْمَلِ والمشتَرَكِ، فأجاز الروايةَ بالمعنى في الأول دون
الثاني .
القولُ الثاني: قولُ من فَرَّقَ بين الأوامر والنواهي وبين غيرهما، فأجاز الروايةً
بالمعنى في الأولى دون الثانية. قال الماوَرْدِيُّ والرُّوْيَاني: وشَرْطُ الروايةِ بالمعنى أن يكون
ما جاء به مُساوياً للأصلِ في الجَلاَءِ والخَفَاء، وإلَّ فَيَمْتَنِعِ، كقوله صلَّى الله عليه
وسلّم: لا طَلَاقَ فِي إِغْلاق. فلا يَجوزُ التعبيرُ عن الإِغلاق بالإِكراه وإن كان هو
معناه، لأنَّ الشارعَ لم يَذكره كذلك إلّ لمصلحة.
وجَعَلًا مَحَلَّ الخلاف في غير الأوامر والنواهي، وجَزَما بالجوازِ فيهما، ومَثَّلَا الأَمْرَ
بقولِهِ عليه الصلاة والسلام: أَقْلُوا الأَسْوَدَينِ الحَّةَ والعقربَ. فيجوزُ أن يقالَ: أَمْر
بقتلهما، والنِّهْيَ بقولِهِ عليه الصلاة والسلام: لا تَبِيعُوا الذَّهَبَ بالذَّهَبِ إلَّ سَوَاءٌ
بِسَوَاء. فيجوزُ أن يقالَ: نُهِيَ عن بيع الذهبِ بالذهبِ إلَّ سَوَاءٌ بسواء.
القولُ الثالثُ: قولُ من فرَّق بين من يَستحضيرُ لفظً الحديثِ / وبين من
لا يَستحضِرُ لفظَه بل نّسِيَه، وإِنما بَقِيَ في ذهنِهِ معناه، فأجاز الروايةَ بالمعنى للثاني دُونَ
الأول، وذلك لأنه كان مأموراً بأداءِ الحديث كما سَمِعَه، وذلك إنما يكون بروايتِهِ
باللفظِ، فلما عَجَز عن ذلك بسبب نسيانِه لم يَبْقَ في وُسعِه إلَّ روايتُه بالمعنى، فإذا أَتَّى
بلفظٍ يؤدِّي ذلك المعنى فقد أَتَى بما في وُسْعِه، قال تعالى: ﴿لا يُكلِّفُ الله نَّفْساً إلاّ
وُسْعَهَا﴾ .
/٣٠٧
. وهذا القولُ أقوى الأقوال، لأنَّ الرواية بالمعنى إنما أجازها من أجازها من
العلماءِ الأعلام للضرورة، ولا ضرُورةَ إلَّ في هذه الصورة، وإلَّ فلا يُظَنُّ بذي كمالٍ

٦٨٧
:
في العقلِ والدين أن يُجيزَ تبديلَ الألفاظِ الواقعة في كلام النبي صلَّى الله عليه وسلَّم
مع استحضارِهِ لها، بألفاظٍ من عندِه، ثم يَنْسُبَها إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم بلفظٍ
صريح في صُدورِها منه
قال الماورديُّ في ((الحاوي)): لا تجوزُ الروايةُ بالمعنى لمن يحفظُ اللفظَ، لزوالٍ
العلَّةِ التي رُخِّصَ فيها بسببها، وتجوزُ لغيره، لأنه تحمَّلَ اللفظ والمعنى، وعَجَز عن
أحدِهما فَلَزِمَه أداءُ الآخَر، لا سيما إن كان في تركه كَتْمٌ للأحكام، فإن لم يَنْسَهُ لم يَجُز
أن يُورِدَه بغيره، لأنَّ في كلام النبي صلَّى الله عليه وسلَّم من الفصاحةِ ما ليس في
غيره .
القولُ الرابع: قولُ من فرَّق بينهما غيرَ أنه عَكَسَ الحكم، فأجاز الروايةَ بالمعنى
لمن يَستحضيرُ اللفظَ، لتمكُّنِهِ حينئذٍ من التصرُّفِ فيه بإيرادِ ألفاظٍ تَقومُ مَقامَ تلك
الألفاظ في المعنى، ولم يُجزها لمن لا يَستحضرُ اللفظَ، لعدمِ تمكُّنِهِ من ذلك، ولم يكتفٍ
بوجودِ المعنى في الذهن، لاحتمالٍ أن يكون ذلك المعنى أزيَّدَ مما يَدلُّ عليه اللفظُ
الذي نَسِيَهُ، أو أنقَصَ منه، ولذا مَنَع العلماءُ من وَضْعِ العامِّ في موضع الخاصّ،
والمُطْلَقِ في موضع المقيّد، ومن العكس، وذلك لاشتراطهم أن يكون ما جاء به
الراوي مُساوياً للأصل.
القولُ الخامس: قولُ من أجاز الروايةَ بالمعنى، بشرطِ أن يَقتَصِرَ في ذلك على
إبدالِ اللفظِ بُرادِفِه، مع بقاءِ تركيبِ الكلام على حالِه، وذلك لأنَّ تغييرَ ترکیب
الكلام كثيراً مَّا يُحِلُّ بِالَرَامِ، بخلافِ إبدالِ اللفظ بُمُرادِفِه فإنه يَفِي بالمقصود من غير
محذور فيه، وهو قولٌ قويٌّ، وقد ادَّعى بعضُ العلماء أنَّ هذا جائزٌ بلا خلاف.
ومِثالُ ذلك إبدالُ القَتَّاتِ بالنَّمَّامِ والعكسِ. قال مسلم في صحيحه: حدَّثَنَا
شيبان بن فُرُّوخ وعبدُ الله بن محمد بن أسماء الضّبعي، قالا حدثنا مَهدِيُّ وهو
ابنُ ميمون، قال حدَّثَنا واصلٌ الأحدَبُ، عن أبي وائل، عن حُذَيفة: أنه بلَغَه أنَّ
رجلًا يَنُمُّ الحديثَ، فقال حذيفة: سمعتُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول:
لا يَدخُلُ الجنةَ تَمَّام.

٦٨٨
حدَّثَنا علي بن حُجْرِ السَّعْدِيُّ وإسحاقُ بن إبراهيم، قال إسحاق: أخبرنا
جرير، عن منصور، عن إبراهيم، عن هَمَّام بن الحارث، قال: كان رجلٌ يَنْقُلُ
الحديثَ إلى الأمير، قال: فجاء حتى جَلَس إلينا فقال حذيفة: سمعتُ رسولَ الله
صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: لا يَدخُلُ الجنَّةَ قَّات.
القولُ السادسُ: قولُ من فرَّق بين من يُورِدُ الحديثَ على قصدِ الاحتجاج
أو الفُتْيَا وبین من یُورِدُهُ لقصدٍ الرواية، فأجاز الروايةَ بالمعنى للأول دون الثاني.
القولُ السابع: قولُ من أجاز الروايةَ بالمعنى للصحابة خاصةً، وذلك لأمرينِ:
أحدُهما كونُهم من أرباب اللسان الواقِفِين على ما فيه من أسرارِ البيان. وثانيهما
سَمَاعُهم أقوالَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم مع مُشاهدتِهِم لأفعالِهِ، ووقوفهم على
أحوالِهِ، بحيث وقفوا على مَقْصِدِه جملةً، فإذا رَوَوْا الحديثَ بالمعنى استَوْفوا المقصدَ
کلَّه.
على أنهم لم يكونوا يَرْؤُون بالمعنى إلَّ حيثُ لم يَستحضروا اللفظ، وإذاْ رَوَوْا
/٣٠٨ بالمعنى أشاروا في أكثر الأحيان إلى ذلك، فصارَتْ / النفسُ مطمئنةً لما یروونه بالمعنى،
بخلافٍ من بَعْدَهم، فإنهم لم يكونوا في درجتهم في معرفةِ اللسان، والوقوفِ بالطبع
على أسرارِ البيان، مع عَدَمِ سماعِهم لشيءٍ من أقوالِهِ عليه الصلاة والسلام، ولا
مشاهدتهم لشيءٍ من أفعالِه، ولا وقوفهم على حالٍ من أحوالِه. وقد حَكَى هذا
القولَ الماورديُّ والرُّويَانيّ، وجَزَما بأنه لا يَجُوزُ لغيرِ الصحابي الروايةُ بالمعنى، وجَعَلا
الخلافَ في المسألة في الصحابي دون غيره.
وقد استدلَّ بعضُهم على أنَّ بعض الصحابة كانوا يَرْؤُون الأحاديثَ بالمعنى، كما رُوِيَ
عن بعض التابعين أنه قال: لَقِيتُ أناساً من الصحابة، فاجتمعوا في المعنى واختلفوا
عليَّ في اللفظ، فقلتُ ذلك لبعضِهم، فقال: لا بأس به ما لم يُخُلِّ معناه، حكاه
الشافعي. وبما رُوِيَ عن جابر بن عبد الله، عن حذيفة، أنه قال: إنَّا قومٌ عَرَبٌ نُورِدُ
الأحاديثَ، فنقدِّمُ ونؤخَّر. وبما رُوِيَ عن بعضِ الصحابةِ كابن مسعود أنه كان يقولُ
في بعضٍ ما يرويه: قال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: كذا أو نحوَه.

٦٨٩
القولُ الثامنُ: قولُ من أجاز الروايةَ بالمعنى للصحابة والتابعين فقط، ومنَعَ من
ذلك غيرهم .
قال: لأنَّ الحديثَ إذا قيَّده الإِسنادُ وجَبَ أن لا يختلِفَ لفظُه فيَدخُلَه الكذبُ،
وذلك لأنَّ الرواية بالمعنى - لا سيما إنْ تعدَّدَ الراوون بها - تُوجِبُ روايةَ الحديثِ على
وجوهٍ شتى مختلفةٍ في اللفظ، والاختلافُ في اللفظِ كثيراً ما يُوجِبُ الاختلافَ في
المعنى وإن كان يسيراً بحيث لا يَشعُرُ به إلَّ قليلٌ من أهلِ الفضلِ والنُّبْل،
والاختلافُ في المعنى يدلُّ على أنَّ ذلك الحديثَ لم يُرْوَ كما ينبغي، بل وقَعَ خَطاً في
بعضٍ رواياتِه أو في جميعِها، فيكون فيها ما لم يَقُلِه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم.
وهذا المحذورُ إنما يظهر بعدّ تدوينِ الحديث وتقييدِهِ بالإِسناد، فإذا مُنِعَ أتباعُ
التابعين فمن بَعْدَهم من الرواية بالمعنى لم يظهر ذلك المحذور، هذا فحوى كلامِه.
هذا، وقد كان التابعون فريقين، فريق يُورِدُ الأحاديثَ بألفاظِها، وفريق
يُورِدُها بمعانيها، رُوِيَ عن ابن عون أنه قال: كان الحسَنُ وإبراهيمُ والشعبيُّ يأتون
بالحديثِ على المعاني، وكان القاسمُ بن محمد وابنُ سِيرين ورجاءُ بن حَيْوَة يُعِيدون
الحديثَ على حروفه. ورُوِي عن سفيان أنه قال: كان عَمْرُوبن دينار يُحدِّثُ الحديثَ
على المعنى، وكان إبراهيم بنُ مَيْسَرَة لا يُحدِّثُ إلَّ على ما سَمِع.
وهنا تَمَّتْ الأقوالُ الثمانيةُ التي قِيلَتْ في أمرٍ الرواية بالمعنى.
وقد ذَكَر بعضُهم قولاً تاسعاً، وهو قولُ من قال: تجوزُ الروايةُ بالمعنى إن كان
مُوجَبُ الحدیثِ عِلْماً، فإن كان مُؤْجَبُهُ عَمَلاً لم تجز في بعضٍ کحديث أبي داود وغيره:
مِفتاحُ الصلاة الطَّهُور، وتحليلُها التسليم. وحديثِ الصحيحين: خْسٌ من الدَّوَابِّ
كلُّهن فَوَاسِقُ، يُقْتَلْنَ في الحِلِّ والحَرَمِ: الغُرَابُ، والحِدَأَةُ، والعَقْرَبُ، والفأرةُ،
والكَلْبُ العَقُور. وتَّجُوزُ في بعض.
وقد أَشكَّلَ هذا القولُ على كثير من الباحثين، وذلك لأنَّ مُوجَبَ الحدیثِ إِن
كان ◌ِلْماً يجبُ الاحتياطُ فيه كثيراً، لأنَّ الروايةَ بالمعنى كثيراً مَّا لا تكونُ وافيةً

٦٩٠
بالمقصود، فكيف تَسُوغُ الروايةُ بالمعنى فيه مطلقاً، مع أنَّ كثيراً من العلماءِ قد شَدَّدوا
في أمرِ العِلْم - يُريدون بذلك ما يَتعلَّقُ بالاعتقاد - ما لم يُشدِّدوا في غيره، فقالوا:
لا يُقبَلُ فيه إلَّ الدليلُ القطعي، وذلك إمَّا آيَةٌ صريحةٌ فيه، أو حديثٌ متواترٌ كذلك،
أو دليلٌ عقلي ليس فيه شبهة .
وقد تعرَّض الأستاذ الأجل أبو الحسين أحمد بن فارس لأمرِ الرواية بالمعنى في
رسالتِهِ التِي سَمَّها ((مأخذ العلم)) فقال في باب القول في اللَّحْن: ذهَبَ أناسً إلى أنَّ
/٣٠٩ المُحدِّثَ إِذا رَوَى فَلَحَنِ، لم يَجُز للسامِعِ أن يُحدِّثَ عنه إلَّ لحناً كما سَمِعَه، / وقال
آخرون: بل على السامع أن يَروِيَه - إذا كان عالماً بالعربية - مُعْرَباً صحيحاً مقوَّماً،
بدليلٍ نَقُولُهُ وهو أنه معلومٌ أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان أفصَحَ العرب
وأعرَبَها، وقد نزَّهه الله عز وجل عن اللَّحْن، وإذا كان كذا فالوَجْهُ أن يُروَى كلامُه
مهذَّباً من كل لحن، وكان شيخنا أبو الحسن علي بن إبراهيم القطانُ يكتُبُ الحديثَ
على ما سَمِعَه لحناً، ويكتُبُ على حاشيةِ كتابِه: كذا قال، يعني الذي حدَّثُه،
والصوابُ كذا، وهذا أحسَنُ ما سمعت في هذا الباب.
فإن قال قائل: فما تقول في الذي حدَّثکموه عليّ بن إبراهيم، عن محمد بن
يزيد، حدثنا محمد بن عبد الله بن ◌ُمَير، حدثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، عن
عبد السلام، عن الزهري، عن محمد بن جُبيربن مُطْعِم، عن أبيه، قال: قام
رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالخَيْفِ من مِنِىِّ، فقال: نَضَّرِ اللَّهُ امْرَأْ سَمِعَ مِقالَتِّي
فبلَّغها كما سَمِعَ، فَرُبَّ حاملِ فقهٍ غيرُ فقيه، ورُبَّ حاملِ فقٍ إلى من هو أفقَهُ منه.
وقد أَمَر رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يُبلِّغُ المبلِّغُ كما سَمِع.
قيل له: إنما أراد أن يُبلِّغه في صحةِ المعنى واستقامةِ المرادِ به، من غير زيادة
ولا نقصان يُغيِّرانِ المعنى، فَأَمَّا أن يَسمَعَ اللَّحْنَ فَيُؤدِّيَه فلا.
وبَعْدُ فمعلومٌ أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان لا يَلْحَنُ، فينبغي أنْ تُؤدِّى
مقالّتُه عنه في صحةٍ کما سُمِعَ منه.

٦٩١
وقال في باب الإِجازة: واعلَمْ أنَّ جماعةً من الناس سَلَكوا فيما تقدَّمَ ذِكرُنا له
مَسْلَكاً، لعلَّ غيرَهُ أسهَلُ منه وأقرَبُ من التعمُّقِ والتنطَّع، فقالوا: إن حَدَّثَ المُحدِّثُ
جاز أن يقالَ: حَدَّثنا، وإن قُرِىءَ عليه لم يَجُزْ أن يقالَ: حَدَّثنا ولا أخبَرَنا، وإن حَدَّثَ
جماعةً لم يَجُزْ للمحدِّثِ عنه أن يقول: حدَّثني، وإن حَدَّث بلفظِهِ لم يَجُزْ أن يَتعدَّى
ذلك اللفظَ وإن كان قد أصاب المعنى.
قال أحمدُ بن فارس: وهذا عندنا شديدٌ لا وَجْهَ له، لأنَّ من العلماء من كان
يَتْبَعُ اللفظَ فُيُؤدِّيه، ومنهم من كان يُحدِّثُ بالمعنى وإن تغيَّرَ اللفظُ، وبَلَغنا أنَّ الحَسَنَ
كان يُحدِّثُ على المعاني، والتثبّتُ حسَنّ لكنَّ أهلَ العلم قد يتساهلون إذا أدَّوْا المعنى،
ويقولون: لو كان أداءُ اللفظِ واجباً حتى لا يُغفَلَ منه حَرْفٌ لَأَمَرَهم رسولُ الله
صلَّى الله عليه وسلَّم بإثباتِ ما يَسمعونه منه، كما أمَرَهم بإثباتِ الوَحْي الذي لا يجوزُ
تغييرُ معناهُ ولا لفظُه، فلمّا لم يأمرهم بإثبات ذلك دَلَّ على أنَّ الأمرَ بالتحديث أسهَلُ
وإن كان أداءُ ذلك باللفظِ الذي سَمِعَهُ أحسَنَ . وبالله التوفيق .
وقال في باب الفّرْق بين قولِ المحدِّث: حدثنا وبين قولِهِ: أخبرنا: ذهَبَ أكثُرُ
علمائِنا إلى أنه لا فَرْقَ بين قولِ المحدِّث: حدثنا وبين قوله: أنبأَنا. وذهب آخَرُون
إلى أنَّ قوله: حدَّثَنَا دالُّ على أنه سَمِعَهُ لفظاً، وأنَّ قولَه: أنبأنا يَدِلُّ على أنه سَمِعَه
قراءةً عليه، وهذا عندنا بابٌ من التعمُّق، والأمرُ في ذلك كلُّه واحِدٌ.
سَمِعتُ عليّ بن أبي خالد يقول: ما سَمِعتُ محمدَ بنَ أيوب يقول في حديثه إلاَّ
أنْبَنا، وما سَمِعناه يقول: حدَّثَنا، وابنُ أيوب عندنا من كبار المحدِّثين، والذي
حكيناه عنه دليلٌ على ما قلناه من أنَّ التحديث والإِخبار واحد. فأمَّا العَرَبُ فلا فَرْقَ
عندهم بين قول القائل: حدَّثَنِي وبين قولِهِ: أخبَرَني، وقد سَمَّى الله تعالى كتابَهُ حديثاً
مرةً، ونبأَ مرةً، والنَّبأُ هو الخَبّرُ، ثم إنَّ الشاعر يقولُ مرةً هذا ومرةً هذا. أنشْدَني أبي،
قال أنشدني أبو إسحاق الخطيب:
لِلَيْلَ إذا ما الصَّيْفُ أَلقَى المَرَاسِيَا
وخَبَّرْتُمَانِي أَنَّ تَيْمَاءَ مَنزِلٌ
1

٦٩٢
وأنشدنیه غيره: وحدَثْتُمَاني .
وأنشدَني الطيِّبُ بن محمد التميمي، قال أنشدنا القَصْباني لكَعْبٍ بن / سعد
الغنويّ :
/٣١٠
وحَدَّثْتُماني إِنمَا الموتُ بالقرى فكيف وهاتا هَضْبَةٌ وقليبُ
وأنشدني غيرُهُ: وخَبَّرْتُماني .
وقال الحافظ ابن حجر في ((شرح نخبة الفِكَر)): وأما الروايةُ بالمعنى فالخلافُ
فيها شهير، والأكثرُ على الجواز، ومن أقوى حُجَجِها الإِجماعُ على جوازٍ شَرْح الشريعة
للعَجَم بلسانِهِم للعارف به، فإذا جاز الإِبدالُ بلغةٍ أخرى فجوازُهُ باللغةِ العربية
أولى، وقيل: إنما تَجوز في المفردات دون المركبات، وقيل: إنما تَجوزُ لمن يستحضر
اللفظَ ليتمكّنَ من التصرف فيه، وقيل: إنما تَجوزُ لمن كان يحفظُ الحديثَ فَنَسِيَ لفظه
ويَقِيَ معناه مُرْتَسِماً في ذهنه، فله أن يَروِبَه بالمعنى لمصلحةٍ تحصيل الحكم منه،
بخلاف من كان مُستحضِراً للفظه.
وجميع ما تقدَّمَ يَتَعلَّقُ بالجواز وعَدَمِه. ولا شكَّ أنَّ الأَولَى إيرادُ الحديثِ بألفاظِهِ
دون التصرُّفِ فيه، قال القاضي عياض: ينبغي سَدُّ باب الراوية بالمعنى، لئلا يَتسلَّطَ
من لا يُحسِنُ ممن يَظُنُّ أنه يُحسِن، كما وَقَعَ لكثيرٍ من الرواةِ قديماً وحديثاً، والله الموفق.
وأشار بعضُ من أمعَنَ النظر في هذه المسألة، إلى أنَّ الأدلة التي يُورِدُها
المجيزون للرواية بالمعنى إنما تَدلُّ على جواز ذلك للضرورة. وذلك إذا لم يُستحضير
الراوي لفظَ الحديث، وإنما بَقِيَ في ذهنِهِ معناه، ومع ذلك فقد كان المحتاطون في
الأمر، يُشيرون إلى أنَّ الروايةَ إنما كانت بالمعنى.
قال ابن الصلاح: ينبغي لمن يَروِي حديثاً بالمعنى أن يُتْبِعَه بأن يقولَ: أو كما
قال، أو نحوَ هذا، وما أشبه ذلك من الألفاظ، رُوِيَ ذلك من الصحابةِ عن
ابن مسعود وأبي الدرداءِ وأنس.

٦٩٣
قال الخطيبُ: والصحابَةُ أربابُ اللسان وأعلَمُ الخلق بمعاني الكلام، ولم
يكونوا يقولون ذلك إلاَّ تخوُّفاً من الزَّلَل، لمعرفتِهم بما في الرواية على المعنى من
الخطر .
وأمّا استدلالُهم بالإِجماع على جوازِ شُرُحِ الشريعة للعَجَم بلسانهم للعارِف
به، وأنه إذا جاز ذلك بلغةٍ أخرى فجوازُهُ بالعربية أولى، ففيه أمران:
الأمْرُ الأولُ: أنَّ ذلك إنما أُجِيزَ للضرورة، وهو شَرْحُ الشرع لمن لا يُحسِنُ
العربيةَ، بلسانِهِ الذي يُحسِنُه، لا سيما إن كان ممن دَخَل في الدِّين حديثاً، ولم يكن له
إلمامُ بالعربية، فإنه يُعرَّفُ الدِّينَ أولاً بلُغَتِهِ، ثم يُؤْمَرُ بأن يَتعلَّم من العربيةِ ما يَعرِفُ
به ما يلزمُه من أمرِ الدين رأساً من غير احتياج إلى ترجمة، وذلك تقديمً للأهم على المُهِم.
قال الإِمامُ الشافعيّ في ((الرسالة)) في أصول الفقه(١): فإنْ قال قائلٌ: ما الحُجَّةُ
في أنَّ كتابَ الله مَخْضّ بلسانِ العرب لا يُخالِطُهُ فيه غيرُه، فالحُجَّةُ فيه كتابُ الله،
قال الله تبارك وتعالى: ﴿وما أَرْسَلنا من رسولٍ إلَّ بلسانِ قومِهِ لِيُّبِينٌّ لهم﴾.
فإن قال قائل: فإنَّ الرسل قَبْلَ محمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم كانوا يُرسَلون إلى
قومِهم خاصَّةً، وإنَّ محمداً صلَّى الله عليه وسلَّم بُعِثَ إلى الناس كافة. قيل: فقد
يَحَتمِلُ أن يكونَ بُعِثَ بلسانٍ قومِهِ خاصَّةً، ويكونَ على الناسِ كافَّةً أن يَتعلّموا لسانَه
أو ما أطاقوه منه، ويَحتمِلُ أن يكونَ بُعِثَ بألسنتِهم.
فإن قال قائلٌ: فَهَلْ من دليلٍ على أنه بُعِثَ بلسانِ قومِهِ خاصةً دون أَلْسِنةٍ
العجم؟ قال الشافعيُّ : فالدلالةُ على ذلك بيِّنَةٌ في كتابِ الله عز وجل في غير موضع،
فإِذا كانت الألسِنَّةُ مختلفةً بما لا يَفْهَمُه بعضُهم عن بعض، فلا بد أن يكون بعضُهم
تَبَعاً لبعض، وأن يكونَ الفضلُ في اللسانِ المُتْبَع على التابع.
وأولَى الناس بالفضلِ في اللسانِ من لسانُهُ لسانُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلم،
ولا يَجوزُ - والله تعالى أعلم - أن يكونَ أهلُ لسانِه أتباعاً لأهلِ لسانٍ غير لسانِه في
(١) ص ٤٥.

٦٩٤
/٣١١ / حرفٍ واحد، بل كلُّ لسانٍ تَبَعٌ للسانِهِ، وكلُّ أهلِ دين قَبْلَه فعليهم اتِّبَاعُ دِينِه.
وقد بينَّ الله تعالى ذلك في غير آية من كتابه، قال الله عَزَّ ذِكرُه: ﴿وإنه لَتَنزِيلُ
رَبِّ العالمين، نَزَلَ بهِ الرُّوحُ الأمينُ على قلبِكَ لِتَكونَ من المنذِرِينِ بلسانٍ عَرَبِيٍّ
مُبِينَ﴾، وقال: ﴿وكذلك أنزلناه حُكماً عَرَبِيّاً﴾، وقال: ﴿وكذلك أَوْحَيْنا إليك قُرْآنَاً
عَرَبِياً لِتْذِرَ أُمَّ القُرَى ومَنْ حَوْلهَا﴾، وقال تعالى: ﴿حَم والكتابِ الُبِينِ، إِنَّا جعلناه
قُرْآناً عَرَبًِّ لعلكم تَعْقِّلون﴾ .
ثم قالَ: فعلى كلِّ مسلم أن يَتعلَّمَ من لسانِ العرب ما بلَغَهُ جُهْدُه حتى يَشْهَدَ
به أنْ لا إله إلَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لا شريكَ له، وأنَّ محمداً عبدُه ورسولُه، ويَتْلُوَ به كتابَ الله
تعالى، ويَنطِقَ بالذكر فيما افْتُرِضَ عليه من التكبير، وأُمِرَ به من التسبيحِ والتشهدِ
وغير ذلك، وما ازدَادَ من العلم باللسانِ الذي جعَلَه الله لسانَ من خَتَّمَ به نُبَوَّتَه،
وَأَنزَلَ بِه آخِرَ كُتُبِه كان خيراً له، كما عليه أن يَتعلَّمَ الصلاةَ والذكرَ فيها، ويأتيَ البَيتَ
وما أُمِرَ بإتيانِهِ، ويَتوجَّهَ لما وُجِّهَ له، ويكونَ تَبَعاً فيما افتُرِضَ عليه لا متبوعاً ..
الأمرُ الثاني: أنَّ استدلالهم بما ذُكِرَ غيرُ ظاهر، وذلك أنهم إن أرادوا أنّ
الحديثَ حيث جاز إبدالُ ألفاظِهِ بألفاظٍ أخرى من اللغةِ الأعجميةِ على طريق
الترجمة، يكونُ إبدالُ ألفاظِهِ بألفاظٍ أخرى من اللغةِ العربية على طريقِ الرواية بالمعنى
أولَى بالجواز: وَرَدَ عليهم القرآنُ، فإنهم أجازوا إبدالَ ألفاظِهِ بألفاظٍ أخرى من اللغةِ
الأعجمية على طريقِ الترجمة، ولم يُجِز أحدٌ إبدالَ ألفاظِهِ بألفاظٍ أخرى من اللغة
العربية على طريقٍ الرواية بالمعنى.
ولهم أن يقولوا: إنَّ بينهما فرقاً من وجهين:
أحدُهما أنَّ القرآن مُعْجِز، والإِعجازُ فيه يَتعلَّقُ باللفظِ والمعنى، فإذا أُجِيزَ إبدالُ
ألفاظِهِ بألفاظٍ أخرى من اللغة العربية على طريقِ الرواية بالمعنى، وَقَعَ إِخلالٌ بأمرٍ
الإِعجاز من وجهٍ، مَعَ حصولِ الالتباسِ على كثير من الناس، مَعَ عدَمِ الاضطرارِ إلى
ذلك.

٦٩٥
فإن أَشكّل شيء منه على من يَعرِفُ العربية، أُزِيلَ إشكالُهُ بطريقِ التفسير
أو التأويل، بخلافِ إبدالِ ألفاظِهِ بألفاظٍ أخرى من اللغةِ الأعجمية على طريقٍ
الترجمة لمن لا يُحسِنُ العربية، فإنه مَعَ الاضطرارِ إلى ذلك، ليس فيه ما ذُكِرَ من
الالتباس. وأمَّا الحديثُ فإنه ليس كذلك، فلا محذورَ في إبدالِ ألفاظِهِ بألفاظٍ
أخرى، سواءٌ كانَتْ من اللغةِ العربيةِ أو الأعجميَّة.
الثاني أنَّ القرآنَ متواترٌ مشهورٌ عند الأُمَّة، بحيث لا يَخْفَى أمرُهُ على أحدٍ
منهم، فلا دَاعِيَ لروايتِهِ بالمعنى، لأنها إنما أُجِيزَتْ للضرورة، وإن أَطلَق الإِجازةَ
أُناسٌ لم يُعِنوا النظرَ في المسألة، ولا ضرورةً تُلجِىءُ إلى ذلك في القرآن. وأما الحديثُ
فكثيرٌ منه من قَبِيل أخبارِ الآحاد التي يَخْتَصُّ بمعرفتها فَرْدٌ أو بِضعُ أفراد، فإذا مُنِعَ من
لا يَستحضرُ اللفظَ من روايتِهِ بالمعنى، ربما ضَاعَ كثيرٌ من الأحكامِ المُهِمَّة التي وَرَدَتْ
فيه، فسَوَّغ الجمهورُ ذلك، إلَّ أنه يقال: إن كثيراً ممن مَنَع الروايةً بالمعنى كأهل
الظاهر قد جَرَوْا على طريقةٍ قويمةٍ لا يَضِيع فيها شيءٌ من الأحكام، وقد سَبَق ذكرُها
في مقالةَ ابنِ حزم(١).
وقال الطَّيْبِيُّ في ((الخلاصة في أصول الحديث))(٢): قال في شَرْح السنة:
ذَهَبَ قومٌ إلى أَتِّباعِ لفظِ الحديث، منهم ابنُ عمر، وهو قولُ القاسم بن محمد
وابنِ سِيرين ورجاءٍ بن حَيْوَة ، ومالكِ بن أنس ، وابنِ عُيَينة، وعبدِ الوارث ،
ويزيدَ بن زُرَيع، ووهبٍ، وبه قال أحمدُ ويحيى .
وَذَهَبَ جماعةٌ إلى الرخصةِ في نقله بالمعنى، منهم الحسَنُ والشعبيُّ والنَّخَعِيُّ .
/٣١٢
قال ابنُ سِيرين: كنتُ أسمعُ الحديثَ من عشرةِ اللَّفْظُ مختلِفٌ / والمعنى واحد. وقال
سفيانُ الثوريّ: إن قلتُ: إني أُحدِّثْكم كما سَمِعتُ فلا تُصدِّقُوني، فإنما هو المعنى.
وقال وكيع: إن لم يكن المعنى واسعاً فقد هَلَكَ الناسُ.
(١) في ص ٦٧٨ .
(٢) ص ١١٦ .

٦٩٦
وقال ابن الصلاح: من ليس عالماً بالألفاظ ومَقاصدِها، ولا خبيراً بما يُخِلُّ
بمعَانِيها لا تَجُوزُ له الروايةُ بالمعنى بالإِجماع، بل يَتعينُ اللفظُ الذي سَمِعَه، وإن كان
عالمً بذلك فقد مَنْعَه قومٌ من أصحاب الحديث والفقهِ والأصول، وقالوا: لا يَجوزُ إِلَّ
بلفظِهِ. وقال قومٌ: لا تَجُوزُ في حديثِ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وتَّجُوزُ في غيرِهِ.
وقال جمهور السلف والخلف من الطوائف: تَجُوزُ في الجميعِ إذا قُطِعَ بأداءِ
المعنى، وهذا في غير المصنَّفات، أمَّا المصنّفُ فلا يَجوزُ تغييرُ لفظِهِ أصلاً وإن كان
بمعناه.
أقولُ: قولُ من ذَهَبَ إلى التفصيل هو الصحيحُ، لأنه صلواتُ الله وسلامُهُ
عليه أفصَحُ من نَطَقَ بالضاد، وفي تراكيبِهِ أسرارٌ ودقائقُ لا يُوقَفُ عليها إِلَّ بها كما
هي، فإنَّ لكل تركيبٍ من التراكيب معنى بحسبِ الفَصْلِ والوَصْل، والتقديمِ
والتأخير، لو لم يُراعَ ذلك لذهَبَتْ مَقاصِدُها، بل لكل كلمة مَعَ صاحبتها خاصِيَّةٌ
مُسْتَقِلَّة كالتخصيصِ والإِجمال وغيرهما (١).
وكذا الألفاظُ التي تُرَى مُشْتَرَكَةً أو مُتَرَادِفة، إذ لو وُضِعَ كُلِّ مَوْضِعَ الآخَرَ لفات
المعنى الذي قُصِدَ به، ومن ثَمَّ قال صلوات الله وسلامه عليه: نَضَّر الله عَيْداً سَمِعَ
مقالتي فحفِظَها ووَعَاها وأدَّاها، فُرُبَّ حاملِ فقٍ غيرُ فقيه، ورُبَّ حامِل فقهٍ إلى من
هو أفقّهُ منه. رواه أبو داود والترمذي عن ابن مسعود(٢).
(١) وقع في الأصل وفي ((الخلاصة)) للطيبي: (كالتخصيص والاهتمام وغيرهما). فأثبتّهُ كما
ترى.
(٢) عزا الإِمام الطيبي رحمه الله تعالى حديثَ (نضَّرَ الله عَبْداً سَمِعَ مقالتي فحفِظَها ... )
إلى أبي داود والترمذي عن ابن مسعود. وأبو داود لم يَروِ حديثَ ابن مسعود هذا، وإنما رَؤُی حدیثَ
زيد بن ثابت، في كتاب العلم في (باب فضل نشر العلم) ٣: ٤٣٨، ولفظُهُ: ((سمعت رسول الله
صلَّى الله عليه وسلّم يقول: نضَّر الله امرءاً سَمِعَ منا حَدِيثً فحفِظَهُ حتى يُبلِّغَه، فربَّ حاملٍ فقهٍ إلى
من هو أفقَهُ منه، ورب حاملٍ فقٍ ليس بفقيه)).
أما الترمذي فَرَوَى حديثَ ابن مسعود في كتاب العلم في (باب ما جاء في الحث على تبليغ =

٦٩٧
وكفَى بهذا الحديث لفظاً ومعنىّ شاهِدَ صدقٍ على ما نحن بصَدَدِه، فإنك إن
أقمتَ مَقامَ كلِّ لفظةٍ ما يُشاكِلُها أو يُرادفُها اختَلَّ المعنى وفَسَد.
السَّمَاع) ٣٤:٥، رواه عنه من طريقين: طريقٍ سِمَاك بن حَرْب، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن
مسعود، عن أبيه، وطريقٍ عبد الملك بن عُمَّير، عن عبد الرحمن، عن أبيه، ولفظُهُ في الطريق
الأولى: ((نضَّر الله امرءاً سَمِعَ منا شيئاً فبلَّغه كما سَمِع، فرب مبلَّغ أوعى من سامع)). وفي الطريق
الثانية: ((نضَّر الله امرءاً سَمِعَ مَقَالتي فوعاها وحَفِظَها وبلَّغها، فربَّ حاملِ فقهٍ إلى من هو أفقَهُ
منه)).
ورواه ابن ماجه في مقدمة ((السنن)) في (باب من بلَّغ علماً) ٨٥:١، من طريق سماك
مختَصَراً. وعَزًا الحافظُ المِّيُّ في ((تحفة الأشراف)» ٧: ٧٥، حديث ابن مسعود إلى الترمذي من
الطريقين وإلى ابن ماجه، ولم يَعْزُّهُ إلى أبي داود، إذ ليس هو عنده كما أسلفتُ.
والحديثُ بلفظِهِ المذكور تقريباً رواه ابن ماجه في مقدمة («السنن» ٨٦:١، في (باب من بلَّغ
علماً) كما يلي: ((عن أنس بن مالك قال، قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: نضَّر الله عَبْدأْ سَمِعَ
مقالتي فوعاها، ثم بلَّغها عني، فرب حاملٍ فِقٍ غيرُ فقيه، ورب حاملٍ فِقٍ إلى من هو أفقَهُ منه)).
فالطيبيُّ وَهِمَ في عزوِ الحديث إلى أبي داود، وعزوِهِ إلى ابن مسعود، وما ذاك إلاّ للاعتماد
على الحفظ، والحفظُ خَوَّانٌ كما يقولون. وبَنَ رحمه الله تعالى على هذه الرواية ما بناه من المعاني
الدقيقة، والحديث قد رُوي بطرق كثيرة صحيحة، بألفاظٍ أخرى مقاربة، وعلى كل حال: الخطبُ
سهل.
أما مرتبةُ الحديث، فمن رواية الترمذي فقد قال فيه: ((حديثٌ حسن صحيح))، ومن رواية
ابن ماجه هو حديثٌ ضعيف، ففي سنده (محمد بن إبراهيم الدمشقي)، وهو منكرُ الحديث، وفيه
أيضاً (مُعَانُ - بالنون - بنُ رِفَاعة)، وهو ليُّ الحديث كثيرُ الإِرسال، فالحديثُ بهذا الإِسناد
ضعيف، ولکن له شواهد كثيرة تقویه وتشدُّه.
قال الترمذي بعدَ رواية حديث زيد بن ثابت: ((وفي الباب عن عبد الله بن مسعود،
ومُعَاذٍ بن جَبّل، وجُبَيرِبنِ مُطْعِم، وأبي الدرداء، وأَنَس)). انتهى. وقال الحافظ ابن حجر في
((تخريج مختصر ابن الحاجب)): ((حديثٌ مشهور، خُرِّج في ((السُّنَّن)) أو بعضِها، من حديث
ابن مسعود، وزيد بن ثابت، وُبَير بن مُطعِم، وصحَّحه ابنُ حبان والحاكم، وذكر أبو القاسم بن
منده في ((تذكرته)) أنه رواه عن المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم أربعةٌ وعشرون صحابيا)). أفاده
المناوي في ((فيض القدير)) ٦: ٢٨٤ .

٦٩٨
فإنك لو وَضعتَّ موضعَ: نَضَّرِ اللَّهُ، رَحِمَ اللَّهُ، أو غَفَرَ اللَّهُ، وما شاكَلَهُما
أَبَعَدْتَ الَرْمَى، فإنَّ من حَفِظَ ما سَمِعَه وأدَّاه من غير تغيير، فإنه جَعَل المعنى غَضَّأُ
طَرِيّاً، ومن بَدَّلَ وغيَِّ فقد جِعَلَه مُبْتَذَلًا ذاوِياً.
وكذا لو أَنَبْتَ آمْرَأْ مَنابَ العَبْدِ فات المعنى، لأنَّ العبودية هي الاستكانةُ والمُضِيُّ
لأمرِ الله ورسولِهِ بلا امتناع ولا استنكافٍ من أداء ما سَمِعَ إلى من هو أعلَمُ مِنه ..
وخُصَّتْ المقالَةُ بالذكر من بين الكلامِ والخَبَرِ، لأنَّ حقيقةً القول هو المركّبُ
من الحروفِ المُبْرَزَةِ، لِيَدُلَّ على وجوبٍ أداءِ اللفظِ المسموع.
وإردافُ وَعَاها: حَفِظَها مشعِرُ بِمَزِيدِ التقرير، لأنَّ الوعيَ إدامةُ الحفظ وعِدَمُ
النسيان. وفي روايةٍ أخرى: فأدَّاها كما سَمِعَها. أُوثِرَ أَدَّاها على رَوَاها وبَلَّغها ونحوِهما
دلالةً على أنَّ تلك المقالةَ مستودَعةٌ عنده، واجبٌ أداؤها إلى من هو أحقُّ بها وأهلُها
غیرَ مُغَيِّرةٍ ولا متصرَّفٍ فیها.
وكذا تخصيصُ ذكرِ الفِقهِ دُونَ العِلم، للإِيذانِ بأنَّ الحامِلَ غيرُ عارٍ من العلمِ،
إذ الفقهُ عِلْمٌ بدقائِقَ مستنبطةٍ من الأقيسةِ والنصوصِ ، ولو قيل: غيرُ عالم لَزِمَ
جَهْلُه.
وكذا تكريرُ رُبٍَّ، وإناطَةُ كلِّ بمعنىَ يَخُصُها (١)، فإن السامعَ أَحَدُ رجلينٍ، إِمَّا
أنْ لا يكونَ فقيهاً فيجبُ عليه أن لا يُغيِّرَها، لأنه غيرُ عارفٍ بالألفاظِ المتشاكلةِ
فُيُخْطِىء فيه، أو يكون عارفاً بها لكنه غيرُ بليغ، فربما يَضَعُ أحَدَ المترادِفِينِ موضعَ
الآخَر، ولا يَقِفُ على رعايةِ المناسباتِ بين لفظٍ ولفظ. فإنَّ المناسبةً لها خَوَاصُ ومَعَاٍ
لا يَقِفُ عليهما إلَّ ذُو دُرْبَةٍ بأساليبِ النظم، كما قررناه في ((شرح التُّبيان)) في قسم
الفصاحة، والله أعلم(٢) .
(١) قولُ الطيبي: (وإناطة ... ) خطأً لغوي، والصوابُ لغةً: (وَنَوْطِ ... )، لأنه ليس
في اللغة فِعلٌ (أناط) رباعياً، وإنما فيه (ناطٌ) ثلاثياً.
(٢) هنا انتهى نقلُ كلامَ الإِمام الطيبي، وكتابه ((شرح التبيان)) مطبوعٌ بعنوان «التبيان =

٦٩٩
واعلَمْ أنَّ الحديثَ المرويَّ بالمعنى إنما يُستشهَدُ به فيما يتعلَّقُ بأصلِ المعنى فقط،
فاستدلالُ بعضِهم بنحوِ تقديم كلمةٍ على أخرى فيه، أو نحوِ وُرُودِ العطفِ فيه بالفاءِ
دون الواوٍ أو بالعكس، ليس في محلِّه. وكذلك استدلالُ بعضِهم به في الأمور المتعلّقةِ
بالألفاظ وتركيبها، وذلك لأنَّ كثيراً ممن كان يَروِي بالمعنى، / كان لا يهتمُّ حین
الرواية بمراعاةِ ذلك، بل كان بعضُهم ليس له وقوفٌ تامّ على اللغةِ العربية، فضلاً
عن أسرارها التي يَخْتَصُّ بمعرفتها أناسٌ من أئمة اللسان.
/٣١٣
= في علم المعاني والبديع والبيان»، طبعته دار عالم الكتب في بيروت سنة ١٤٠٧.
وللمؤلف الشيخ طاهر الجزائري رحمه الله تعالى كتابُ ((التبيان لبعض المباحث المتعلقة
بالقرآن))، قال تلميذه الأستاذ محمد كرد علي في ترجمته له في كتابه (المعاصرون) ص ٢٧٤، وهو
يذكرُ بعضَ مؤلفاته: ((والتبيانُ لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن. وهي المقدَّمةُ الصغرى من مقدمتي
تفسيره)). انتهى. وهكذا طُبع على وجه الكتاب أيضاً، وهو مطبوع بمطبعة المنار بالقاهرة سنة
١٣٣٤ في ٢٨٠ صفحة، ولحسن هذا الكتاب وتفرده بمباحث نادرة محققة، قمت بخدمته وضبطه
والاعتناء به، وطُبِعَ ببيروت سنة ١٤١١، طبعة محقَّقة في ٣٥٦ صفحة بفهارسه العامة.
وقد تعرَّضَ رحمه الله تعالى لمبحث (رعاية المناسبات) في كتابه ((التبيان)) فقال في ص ٢٨٠
منه: «المبحث الرابع في الأمور التي تَحْدُثُ لأجل مراعاة الفواصل. اعلم أن المناسبة أمرٌ مطلوب في
اللغة العربية، يُرتكَبُ لها أمورٌ تُخالِفُ الأصل، وقد تتبّع الشيخُ شمس الدين بنُ الصائغ الحنفي:
الأمورَ التي وقعَتْ في آخِرِ الآي مُراعاة للمناسبة، فعَثّر منها على نيِّفٍ وأربعين أمراً، وقد ذكر ذلك
في كتاب «إحكام الرَّاي في أَحكام الآي)). وقد رأينا أن نوردَ تلك الأمورَ هنا، فإنها مما ينبغي
الوقوفُ علیه».
ثم ذَكَر أربعين نموذجاً جاءت في آياتِ القرآن الكريم، رُوعيت فيها المناسبة، منها تقديمُ
الفاضل على الأفضل نحو (بَرَبِّ هَارُونَ ومُوْسَى)، ومنها تقديمُ ما هو متأخر في الزمان، نحو﴿فللَّهِ
الآخِرةُ والأُولَى﴾، ولولا مراعاةُ الفواصل لقُدِّمَتْ الأولى كقوله تعالى: ﴿له الحمدُ في الأولَىَ
والآخرة﴾، ومنها حَذْفُ ياء الفعل غير المجزوم، نحو ﴿والليلِ إذا يَسْرِ﴾. ومنها زيادةُ حرف المد،
نحو ﴿الظُّنونا﴾ و﴿الرَّسُولا﴾ و﴿السَّبيلا﴾. ومنها إيثارُ أغرب اللفظين نحو ﴿قِسْمَةٌ ضِيْزَى﴾،
ولم يَقُل: جائرة)). انتهى. وهو مبحث جدير بالوقوف عليه لطرافته وفرادته ونفاسته.

٧٠٠
وقد ذكر العلامة جلال الدين السيوطيُّ حكمَ الأحاديث المرويةِ بالمعنى عندَ
علماء العربية، في كتاب ((الاقتراح في أصول النحو))، فقال: فصل:
وأما كلامُهُ صلَّى الله عليه وسلَّم فيُستدَلُّ منه بما ثَبَتَ أنه قالَهُ على اللفظِ
الَّرْوِيّ، وذلك نادرٌ جداً، وإنما يوجد في الأحاديثِ القِصار على قلةٍ أيضاً، فإنَّ غالب
الأحاديث مرويَّةٌ بالمعنى، وقد تداوَلَتْها الأعاجمُ والمولَّدون قبلَ تدوينها، فِرَؤُوْها بما
أدَّت إليه عبارتُهم، فزادوا ونَقَصوا، وقَدَّموا وأخَّروا، وأَبدَلوا ألفاظاً بألفاظ، ولهذا
تَرى الحديثَ الواحد في القصةِ الواحدة مروياً على أوجهٍ شتى بعباراتٍ مختلفة، ومن
ثَمَّ أُنكِرَ على ابن مالك إثباتُهُ القواعدَ النحوية بالألفاظِ الواردةِ في الحديث.
وقال أبو حيان في ((شرح التسهيل)): قد أكثرَ هذا المصنّفُ من الاستدلال بما
وَقَعَ في الأحاديث على إثباتِ القواعدِ الكلية في لسان العرب، وما رأيتُ أحداً من
المتقدِّمين والمتأخِّرين سَلَك هذه الطريقة غيرَهُ، على أنَّ الواضِعين الأوَّلِين لعلم
النحوِ، المستقرِئين للأحكامِ من لسانِ العرب، كأبي عَمْرِو بن العلاء وعيسى بنِ عُمَر
والخليلِ وسيبويه من أئمةِ البصريين، والكسائيِّ والفَرَّاءِ وعليّ بن مباركٍ الأحَمَرِ
وهشامٍ الضريرِ من أئمة الكوفيين، لم يفعلوا ذلك، وتَبِعَهم على هذا المسلكِ
المتأخِّرون من الفريقين وغيرُهم من نُحاةِ الأقاليم، كنحاةِ بغدادَ وأهلِ الأندلس.
وقد جَرَى الكلامُ في ذلك مع بعض المتأخِّرين الأذكياء فقال: إنما تَرَك العلماءُ
ذلك لعَدَمِ وُثوقِهم بأنَّ ذلك لفظُ الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم، إذ لو وَثِقُوا بذلك
لَجَرَى مَجْرَى القرآنِ في إثباتِ القواعد الكلية، وإنما كان ذلك لأمرين:
أحدُهما أنَّ الرواة جَوَّزوا النقلَ بالمعنى، فتجدُ قِصَّةً واحدةً قد جَرَتْ في
زمانِهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، لم تُنْقَل بتلك الألفاظِ جميعِها، نحوُ ما رُوِيَ من قوله:
زوجْتُكَها بما مَعَك من القرآن. ملَّكْتُكَها بما مَعَك. خُذْهَا بما مَعَك. وغير ذلك من
الألفاظِ الواردة في هذه القصة.
فنعلمُ يقيناً أنه صلَّى الله عليه وسلَّم لم يَلِفِظ بجميع هذه الألفاظ، بل لا تجزِمُ

٧٠١
بأنه قال بعضَها، إذ يحتمِلُ أنه قال لفظاً مُرادِفاً لهذه الألفاظ غيرَها، فأَتَتْ الرُّواةُ
بالمرادِفِ، ولم تأتِ بلفظِهِ، إذْ المعنى هو المطلوبُ، ولا سيما مَعَ تقادُمِ السماع وعدَمِ
ضبطهِ بالكتابةِ والاتكالِ على الحفظ. والضابطُ منهم من ضَبَط المعنى، وأما ضَبْطُ
اللفظِ فبعيدٌ جداً لا سيما في الأحاديث الطوال، وقد قال سفيان الثوري: إن قلتُ
لكم: إني أُحدِّثُكم كما سَمِعتُ فلا تُصَدِّقوني، إنما هو المعنى. ومن نَظَر في الحديثِ
أدنى نَظَّرٍ عَلِمَ العلمَ اليقينَ أنهم إنما يَرْؤُون بالمعنى.
الأمرُ الثاني أنه وقع اللَّحنُ كثيراً فيما رُوِي من الحديث، لأنَّ كثيراً من الرواةِ
كانوا غيرَ عربٍ بالطبع، ولا يَعلمون لسانَ العَرَب بصناعةِ النحو، فَوَقَع اللحنُ في
كلامهم وهم لا يعلمون ذلك، وقد وَقَع في كلامهم وروايتهم غيرُ الفصيح من لسان
العرب .
ونَعلمُ قطعاً من غير شكّ أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان أفصحَ
الناس، فلم يكن ليتكلَّمَ إلَّ بأفصحِ اللغاتِ وأحسَنِ التراكيبِ وأشهرِها وأجزِها،
وإذا تكلُّمَ بلغةٍ غيرِ لغتِهِ فإنما يَتكلَّمُ بذلك مع أهلِ تلك اللغةِ على طريق الإِعجاز
وتعليمِ الله ذلك له من غير معلِّم، والمصنَّفُ قد أكثرَ من الاستدلالِ بما وَرَدَ في الأثر
متعقِّباً بزعمِهِ على النَّحْوِبين، وما أمعَنَ النظرَ في ذلك، ولا صَحِبَ / مَنْ له التمييزُ،
وقد قال لنا قاضي القضاة بدرُ الدين بنُ جَمَاعة - وكان ممن أخَذَ عن ابن مالك - ،
قلتُ له: يا سيدي هذا الحديث روايةُ الأعاجم، ووَقَع فيه من روايتهم ما يُعلَمُ أنه
ليس من لفظِ الرسولِ صلَّى الله عليه وسلّم، فلم يُجِب بشيءٍ.
/ ٣١٤
قال أبو حيان: وإنما أمعنتُ الكلامَ في هذه المسألة لئلا يَقولَ المبتدىءُ: ما بالُ
النَّحْوِيين يَستدلون بقولِ العَرَب وفيهم المسلمُ والكافر، ولا يَستدلون بما رُوِي في
الحديث بنقلِ العدول كالبخاري ومسلم وأضرابهما؟ فمن طَالَعَ ما ذكرناه أَدَرَك
السببَ الذي لأجلِهِ لم يَستدل النُّحَاةُ بالحديث. انتهى كلامُ أبي حيان بلفظه.
وقال أبو الحسن بن الضَّائِع في ((شرح الجُمَل)): تجويزُ الرواية بالمعنى هو السببُ
عندي في تركِ الأئمةِ كسيبويه وغيرِهِ الاستشهادَ على إثبات اللغة بالحديث، واعتَمَدوا

٧٠٢
في ذلك على القرآنِ وصريحِ النقلِ عن العرب، ولولا تصريحُ العلماء بجوازٍ النقل
بالمعنى في الحديث، لكان الأولَى في إثباتِ فصيح اللغة كلامَ النبي صلَّى الله عليه
وسلَّم لأنه أفصَحُ العرب.
قال: وكان ابنُ خَرُوفٍ یَستشهِدُ بالحدیثِ کثیراً، فإن كان على وجهِ الاستظهارِ
والتبُّكِ بالمرْوِيِّ فحسن، وإن كان يَرَى أنَّ من قَبْلَه أغفَلَ شيئاً وَجَبَ عليه استدراكُه
فلیس کما رأی. انتھی .
ومثلُ ذلك قولُ صاحب ((ثمار الصناعة)»: النحوُ عِلمٌ يُستَنبَطُ بالقياسِ
والاستقراءٍ من كتاب الله تعالى وكلامٍ فصحاء العرب، فقَصَرُه عليهما، ولم يَذكُر
الحديثَ.
نعم اعتمد عليه صاحبُ ((البديع))، فقال في أفْعَلِ التفضيل: لا يُلتَفَتُ إِلى
قولِ من قال: إنه لا يَعْمَلُ، لأنَّ القرآنَ والأخبارَ والأشعارَ نَطَقَتْ بَعَمَلِهِ، ثُمِ أَوْرَدَ
آيات. ومن الأخبار حديثُ: ما من أيامٍ أحَبَّ إلى الله فيها الصومُ. ومما يَدلَّ على
صحةٍ مَا ذَهَبَ إليه ابنُ الضائع وأبو حيان أنَّ ابنَ مالك استَشهَد على لغةٍ أَكلُوني
البراغيثُ بحديثِ الصحيحين: يَتعَاقَبُون فيكم مَلائِكةُ بالليل وملائكةٌ بالنهار. وأكثرَ
من ذلك حتى صَارَ يُسمِّيها لغةً يتعاقبون. وقد استدلَّ به السُّهَيلي.
ثم قال: لكني أقولُ: إنَّ الواو فيه علامةُ إضمارٍ، لأنه حديثٌ مختَصِرٌ رواه
البَزَّارُ مُطَوَّلاً مجوّداً، قال فيه: إِنَّ اللَّهِ ملائكةً يَتعاقَبُون فيكم، ملائكةً بالليل،
وملائكةً بالنهار. وقال ابنُ الأنباري في ((الإِنصاف)) في مَنْعِ أَنْ في خَبَرِ كادَ: وأما
حديثُ: كاد الفقرُ أنْ يكونَ كُفراً. فإنه من تغييراتِ الرُّواة، لأنه صلَّى الله عليه
وسلَّم أفصحُ من نَطَقَّ بالضادِ . - انتهى كلامُ السيوطي - .
وحديثُ: كاد الفقرُ أن يكونِ كُفراً. ضعيفٌ، قال بعضُ المحدِّثين: أُخرَج
أبو نعيم في ((الحِلية)) والبيهقي في ((الشُّعَب)) عن أنس مرفوعاً: كاد الفقرُ أن يكون
كُفراً، وكاد الحسَدُ أن يغلِبَ القدرَ. وفي لفظٍ: أَن يَسْبِقَ القَدَرَ. وفي سنِدِهِ يَزِيدُ
الرَّقَاشِيُّ، وهو ضعيفٌ، وله شواهدُ ضعيفة.