Indexed OCR Text

Pages 701-720

٦٤٢
أو ثلاثة، فقال ابنُ عمر: لوباع لعلَّه كان يَخِسَرُ فيه أكثرَ من ذلك. قال أبي: هذا
خطأ، إنما هو ابنُ ثَوْبَانِ، عن لیثٍ، عن طاوس.
٣٩ - سألتُ أبي(١) عن حديثٍ رواه عَمْرُو بن عثمان بن سعيد بن كثير بن
دينار، عن اليمانِ بن عَدِيِّ الْحَضْرَمِي، عن الزُّبَيْدِي(٢)، عن الزهري، عن أبي سلمةِ،
عن أبي هريرة، قال: قال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: أَيُما امرِىٍ أفلَسُ وعنده مالٌ
امرىءٍ بعينه لم يَقْبِضْ منه شيئاً، فهو أحقُّ بعين مالِهِ، فإن كان قَبَضَ منه شيئاً فهو
أُسْوَةُ الغُرَماءِ. وأُما امرىءٍ مات وعنده مالُ امرِىءٍ بعينِهِ اقتَضَى منه شيئاً
أو لم يَقْتَضِ ، فهو أُسْوَةُ الغرماء.
قال أبي: هذا خطأ، إنما هو الزُّهريُّ، عن أبي بكر بن عبد الرحمن، أنَّ النبي
صلَّى الله عليه وسلَّم، واليَمَانُ هذا شيخٌ ضعيفُ الحديث.
/ ٢٨٥
٤٠ - سألتُ أبي(٣) عن حديثٍ رواه بَقِيَّةُ، عن زُرعة بن عبد الله
الزُّبَيْدِيّ(٢)، عن عمران بن أبي الفضل، عن / نافع، عن ابن عمر، قال قيل:
يا رسول الله، ما يَجِمُّلُ بالعَرَبِ من التجارة؟ قال: بَيْعُ الإِبلِ والْبَقَرِ والغَنَمِ، قيل:
يا رسول الله، فما يَجْمُلُ بالموالي؟ قال: بَيْعُ البَزِّ وإِقامَةُ الحوانيت(٤). قال أبي: هذا
حديثٌ باطل، وزُرْعَةُ وعِمرانُ جميعاً ضعيفانٍ .
٤١ - وسألتُ أبي(٥) فقلت له، فإن إسماعيل بن عياش رَوَى هذا الحديثَ
(١) ١ :٣٨٣.
. (٢) هذا الضبط بالتصغير من نسختي المخطوطة من ((لسان الميزان))، وهي مقروءة على
المؤلف الحافظ ابن حجر.
(٣) ١ :٣٨٣.
(٤) وقع في الأصل (تبيعُ البر) أي بالراء المهملة. وهو تحريف عن (البَنّ)، كما جاء في .
((العلل)»، وكما يأتي في لاحق الكلام في الحديث التالي.
(٥) ٣٨٣:١. هذا الحديث من تمام الحديث ٤٠ كما في ((العلل))، ولكن المؤلف جعله
برقم ٤١ حديثاً آخر، فتابعته ونبّهتُ.

٦٤٣
عن عمران بن أبي الفضل، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلَّى الله عليه
وسلَّم أنه قيل له: ما يُحُسنُ بالعَرَب من التجارة؟ قال: الإِبلُ، قيل: فما يَحسُنُ
بالموالي من التجارة؟ قال البُزُّ والخُّ، قال أبي: وهذا الحديثُ باطلٌ موضوع، وكأنَّ
ذلك من عمران .
٤٢ - سألتُ أبي(١) عن حديثٍ رواه محمد بن حمير، قال حدثني الأوزاعي،
قال: حدثني ثابت بن ثَوْبَان، قال: حدثني مكحول، عن أبي قَتَادة، قال: كان
عثمانُ يَشتَرِي الطعامَ ويَبِيعهُ قبلَ أن يَقْبِضُهُ، فقال له رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم: إذا ابتَعْتَ فَأَكْتَلْ، وإذا بِعْتَ فَكِلْ، قال أبي: هذا حديثٌ منكرٌ بهذا
الإِسناد.
٤٣ - سألتُ أبي(٢) عن حديثٍ رواه سُوَيد بن عبد العزيز، عن حُميْدٍ
الطويل، عن أنس قال: استعارَ بَعْضُ آلِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
قَصْعَةً(٣)، فضاعَتَ فضَمِنها رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم. قال أبي: هذا حديثٌ
باطل، ليس فيه استعارَ. وَهِمَ فيه سُوَيْد بنُ عبد العزيز.
ولفظُ هذا الحديثِ غيرُ هذا اللفظ، شِبْهُ الكذِب. إنما الصحيحُ ما حدثناه
الأنصاري، عن حُميد، عن أنس، قال: كان النبي صلَّى الله عليه وسلَّم عندَ بعضِ
أمهاتِ المؤمنين، فأَرسَلَتْ أخرى بقَصْعةٍ فيها طعام، فضَرَبَتْ يَدَ الرسولِ فِسَقَطَتْ
القَصْعَةُ فانكسَرَتْ، فَأَخَذَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الكِسْرَتَينِ، فضَمَّ إحداهما إلى
الأَخْرَى، وجَعَل يجمَعُ فيه الطعامَ ويقولُ: غارَتْ أُمُّكم، كُلُوا، وحَبَس الرَّسُولَ حتى
جاءَتْ بقصعتِها التي في بيتها، ودَفَع القصعةَ الصحيحةَ إلى الرَّسولِ ، وتَرَكَ المكسورةَ
في بيتِ التي كَسَرَتْها.
(١) ١ :٣٨٣.
(٢) ١ : ٤٧٠.
(٣) وقع في الأصل وفي ((العلل)): (استعار بعض إلى رسول الله)، وهو تحريف عما أثبته.

٦٤٤
٤٤ - سألتُ أبي (١) عن حديثٍ رواه يعقوبُ الزهريُّ، عن عبد العزيز بنِ
مَسِيح الأسَدي(٢)، أخبرني قتادة، عن عُيَيْنَة بن عاصم بن سَعْر بن نُقَادَة (٣)، عن
أبيه، حدَّثني أبي وعُمُومتي، عن نُقَادة قال: قلتُ لرسولِ الله: إني - رجلٌ ـ
مُغْفِلٌ (٤)، فَأَيْنَ أسِمُ؟ ولم أَرَكَ تَسِمُ في الوجه، قال: في موضِع الجَرِيرِ من السَّالِفة.
قال: فَوَسَمَ نُقَادَةُ هناك حَلْقَةُ هَذْبِهِ (٥)، فَوَسَمَ بها رجلٌ من بني يَرَبُوع،
فاستَعدَى عليه نُقَادَة بعضَ الخلفاء، فقال: دَخَل معي في مِيْسَمٍ أَمَرَني به رسولُ الله
صلَّى الله عليه وسلَّم، فَقَضَى عليه أنْ لا يَسِمَ مِيْسَمَهُ، فقَطَعِ الحَلْقَةَ، فِسُمِّيَتْ بُنَيْراءَ
بنِي يَرْبُوعِ. قال أبي: هذا حديثٌ منكر، وهؤلاء مجهولون، قال أبو محمد: قال بعضُ
أهلِ العربية: الْجَرِيرُ من السالفة الزَّمَامُ، والسَّالِفَةُ صَفْحَةُ العُنُقِ. والمُغْفِلُ رَجُلٌ لِه
إِلّ أَغْفَال. وهي التي لا سِماتٍ عليها، وواحِدُها غُفْلٌ ..
٤٥ - سألتُ أبي(٦) عن حديثٍ رواه مَعْمَرٌ، عن الزهري، عن أبي سَلَمة،
عن جابر، قال: إنما جَعَل رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم الشُّفْعَةَ فيما لم يُقْسَمَ. فإذا
قُسِمَ ووَقَعَتْ الحدُودُ فلا شفعة. قال أبي: الذي عندي أنَّ كلامَ النبي صلَّى الله عليه
وسلَّم هذا القَدْر: إِنما جَعَلَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الشُّفْعَةَ فيما لم يُقْسَم قِطٍ(٧)، ويُشْبِهُ
أن يكونَ بقيّةُ الكلام هو كلامَ جابر: فإذا قُسِمَ وَوَقَعَتْ الْحُدودُ فلاشُفْعَة. والله أعلم.
قلتُ له: وِمَا اسْتَدِلَلْتَ على ما تقول؟ قال: لأنا وَجَدْنا في الحديثِ: إنما جَعَلَ
(١) ١ : ٤٧١.
(٢) هكذا في ((العلل))، وهكذا ضبطه عبد الغني في ((المؤتلف والمختلف)) ص ١٢٢ . ووقع
في الأصل (مصبح)، وهو تحریف.
(٣) وقع في الأصل: (عن سعد بن قتادة)، و (قتادة) تحريف عن (نُقَادَة) كما جاء على
الصِّحَّة في الموضع التالي. وأما (سعد) فصوَّب ابن الأثير وابن حجر فيه: (سَعْر).
(٤) يعني أن إِلَه لا علامة ولا سِمَةَ عليها.
(٥) وقع في الأصل (حلقة هديته)، وكذا هو في ((العلل)) ٤٧١:١، وصوَّبتُه كما ترى.
(٦) ١ : ٤٧٨ .
(٧) قوله: (قَطٍ) أي فقَطْ.
:

٦٤٥
النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الشُّفْعَةَ فيما لم يُقْسَمِ. تَمَّ المعنى، فإذا وَقَعَتْ الحُدودُ، فهو
كلامٌ مُستَقْبَل، ولو كان الكلامُ الأخيرُ عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم كان يقول: إنما
جَعَل النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الشُّفْعَةَ فيما لم يُقْسَم. وقال: / إذا وَقَعَتْ الحدودُ.
فلمّا لم نجد ذِكرَ الحكايةِ عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في الكلامِ الأُخير، استَدْلَلْنا
أنَّ استقبالَ الكلامِ الأخير من جابر، لأنه هو الراوي عن رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم هذا الحديثَ.
/٢٨٦
وكذلك نَصُّ حديثِ مالكٍ عن ابن شهاب، عن سعيدٍ وأبي سَلَمة أنَّ النبيَّ
صلَّى الله عليه وسلَّم: قَضَى بالشُّفْعَة فيما لم يُقْسَم، فإذا أُوقِعَتْ الْحُدودُ فلا شُفْعَة،
فيَحَتَمِلُ في هذا الحديث أن يكونَ الكلامُ الأخيرُ كلامَ سعيد وأبي سَلَمة، ويَحْتَمِلُ أن
يكونَ كلامَ ابن شهاب. وقد ثَبَتَ في الجملةِ قَضَاءُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلّم
بالشُّفْعَةِ فيما لم يُقْسَمِ، في حديثِ ابن شهاب، وعليه العَمَلُ عندنا.
٤٦ - سُئل أبو زرعة(١) عن حديثٍ رواه إبراهيم بن أبي الليث، عن
عبد الرحمن بن عبد الله بن عُمَر، عن أبيه، وعُبَيْدِ الله بنِ عمر، عن نافع، عن
ابنِ عمر، أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: الشُّفعَةُ ما لم تَقَع الحُدودُ، فإذا وَقَعَتْ
الحدودُ فلا شُفْعَة. قال أبو زرعة: هذا حديثٌ باطلٌ، فامتّنَع أن يُحدِّثَ به، وقال:
آضْرِبوا عليه.
٤٧ - سُئل أبو زرعة(٢) عن حديثٍ رواه عُبَيدُ الله بن محمد النَّيْمِيُّ المعروفُ
بابن عائشة، عن محمد بن الحارث الحارثي، عن محمد بن عبد الرحمن بن البَيْلَماني،
عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: الشُّفْعَةُ كحَلِّ العِقَال.
قال أبو زرعة: هذا حديثٌ منكر، ولم يَقرأه علينا في كتاب الشفعة، وضَرَبْنا عليه.
٤٨ - سألتُ أبي(٣) عن حديثٍ رواه هشام بن عَمّر بآخِرةٍ(٤)، عن
(١) ١ : ٤٧٨.
(٣) ٢ :٤.
(٢) ١ :٤٧٩.
(٤) وقع في الأصل: (هشام بن عمار وأخوه عن)، وهو تحريف فاحش، صوابه كما أثبته
تبعاً لما في ((العلل)).

٦٤٦
إسماعيل بن عياش، عن ابن جُرَيج، عن الزّهري، عن عُبَيْد الله بن عبد الله، عن
ابن عباس، عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: في الضَّبِّ وقِصَّةِ خالد بن الوليد. قال
أبي: هذا خطأ، إنما هو الزهريُّ، عن أبي أُمَامة بن سَهْلِ بنِ حُنَيف، عِن
ابن عباس، عن خالد بن الوليد، عن النبي صلى الله عليه وسلم.
قلت لأبي: وفي حديثٍ إسماعيل، عن ابن جريج(١). قال: فأُتي النبيُّ
صلَّى الله عليه وسلَّم بإِناءٍ فشَرِبَ، وعن يمينِهِ ابنُ عباس، وعن يسارِهِ خالد بن
الوليد، فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم لابن عباس: أتأذنُ لي أَنْ أَسْقِيَ خالداً،
فقال ابن عباس: ما أُحِبُّ أنْ أُؤْثِرَ بِسُورِ النبيِّ صلى الله عليه وسلمٍ على نفسي،.
فتناوَلَ ابنُ عباسٍ فَشَرِبَهِ.
قال أبي: ليس هذا من حديثٍ عُبيد الله بن عبد الله، ولا من حديثٍ
أبي أمامة بنِ سَهْلَ، وإنما هو من حديثِ الزهري، عن أنس. قال أبو محمد: وفي هذا
الحديث بعدَ هذا الكلامِ : فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: من أطعَمَهُ الله طعاماً
فَلْيَقُل: اللهمَّ بارِكْ لنا فيه، وارْزُقنا خيراً منه، ومن سَقَاه اللّه لَبَنَاً فَلْيَقُل: اللهمَّ بارِْ
لنا فيه وزِدْنا منه، فإني لا أعلَمُ يُحْزِي من الطعامِ والشراب إلَّ اللَّبَن.
قال أبي: ليس هذا من حديثٍ الزهري، إنما هو من حديثٍ علي بن زيد بن
جُدْعان، عن عمر بن حَرْمَلة، عن ابن عباس، عن النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.
قال أبي: وأخافُ أن يكونَ قد أُدخِلَ على هشامٍ بن عَّار، لأنه لمَّا كَبِرَ تَغَيَّر.
٤٩ - سألتُ أبي (٢) عن حديثٍ رواه تَمِيمُ بن زياد، عن أبي جعفرٍ الرازي،
عن ابن جُرَيْج، عن عطاء، عن جابر، عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: نِعْمَ
الإِدامُ الخَلُّ. قال أبي: هذا حديثٌ منكرٌ بهذا الإِسنادِ.
٥٠ _ سمعتُ أبي (٣) ورأى في كتابي عن هارون بن إسحاق، عن محمد بن
بِشْر، عن عبد الرحمن بن أبي الزّناد، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي صلَّى الله
عليه وسلَّم أنه سُئِلَ عن أكلِ الضَّبِّ؟ فقال: ما أنا بآكِلِهِ ولا مُحُرِّمِهِ. فسمعتُ أبي
(١) وقع في الأصل: (عن ابن جريج كلام قال ... ). ولفظ (كلام) هنا مقحم غلطاً،
فحذفته .
(٣) ٥:٢.
(٢) ٢ :٥.

٦٤٧
يقول: هذا حديثٌ فيه وَهَمُ، وإنما هو عن عبد الرحمن بنِ عبد الله بن دِينار، عن
أبيه، عن ابن عمر، عن النبي صلَّى الله عليه وسلّم.
/٢٨٧
/ ٥١ - سألتُ أبي(١) عن حديثٍ رواه الفَضْلُ بن دُكَيْنْ، عن إبراهيم بن
إسماعيل بن مُجُمِّع، عن الزهري، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة، قال: إذا
أُقِيمَتْ الصلاةُ فلا صلاةَ إلَّ المكتوبةُ. فقال: هذا خطأ، إنما هو إبراهيم بن
إسماعيل، عن عَمْرو بن دينار، عن عطاء بن يَسَار، عن أبي هريرة، ليس للزهري
مَعْنِىٌّ، كذا رواه الدَّرَاوَرْدِي، وهذا الصحيحُ موقوفٌ، قيل: قد رَفَعَه عُبَيْدُ الله بن
موسى، عن إبراهيم بن إسماعيل؟ فقال: هو خطأ، إنما هو موقوف.
٥٢ _ سألتُ أبي وأبا زرعة(٢) عن حديثٍ رواه أبو الرَّبِيع الزهراني، عن
حمَّد بن زيد، عن عَمْرو بن دينار، عن جابر، عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: بين
العَبْدِ والكفرِ تَرْكُ الصلاة. فقال أبو زرعة: هذا خطأ، رواه بعضُ الثقات من
أصحابٍ حَمّاد فقال: حدثنا حماد، قال: حدثنا عَمْرُو بن دينار، أَوْحُدِّثْتُ عنه، عن
جابر. موقوفٌ.
قلتُ لأبي زرعة: الوَهَمُ ممن هو؟ قال: ما أدري، يحتمِلُ أن يكونَ حَدَّث حَّادُ
مرَّةً كذا، ومرَّةً كذا. قلتُ: فَبَلَغَك أنَّه تُوبِعَ أبو الربيع في هذا الحديث؟ فقال:
ما بَلَغْنِي أَنَّ أحداً تابَعَهُ. وقال أبي: رواه بعضُهم مرفوعاً بلا شك، وهو أبو الربيع،
وبعضُهم بالشكِّ، غيرَ مرفوع، وكأن بالشك غيرَ مرفوع أشبهُ.
٥٣ - سألتُ أبي وأبا زرعة(٣) عن حديثٍ رواه سفيان وإسرائيل، عن
أبي إسحاق، عن أبي ليلى الكِنْدِي، عن سَلْمَان، قال: لا نَؤُمُّكُم ولا ننكِحُ نساءَكم.
قلتُ: ورواه شعبة، عن أبي إسحاق، عن أَوْسٍ بن ضَمْعَج، عن سلمان، قلتُ:
أُّما الصحيحُ؟ فقالا: سفيانُ أحفَظُ من شعبة، وحديثُ الثَّورِيِّ أُصَحُّ .
٥٤ _ سألت أبي وأبا زرعة (٤) عن حديثٍ رواه المعتمِرُ بن سليمان، عن أبيه،
عن قتادة، عن أنس، قال: كانت عامَّةُ وصيّةِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم حين
(٤) ١١٠:١.
(٣) ١١٠:١.
(٢) ١ :١١٠.
(١ ) ١ : ٩٦.

٦٤٨
حَضَرَه الموتُ الصلاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيمَانُكم. قال أبي: نرى أنَّ هذا خطأ، والصحيحُ
حديثُ هَمَّام، عن قتادة، عن صَالِحٍ أبي الخَلِيل، عن سَفِيْنَة، عن أمِّ سلمة، عن
النبي صلَّى الله عليه وسلَّم. وقال أبو زرعة: رواه سعيدُ بن أبي عُرُوبة، فقال: عن
قتادة، عن سَفِينة، عن أمِّ سلمة، عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم. وقال:
وابنُ أبي عَرُوبة أحفَظُ، وحديث همام أَشْبَهُ، زاد هَمَّامُ رجلاً.
٥٥ - سألتُ أبي (١) عن حديثٍ رواه أبو الطَّاهِر بن السَّرْح، قال: حدثنا
أشعَثُ بن شعبة، عن خنش - بن الحارث(٢) -، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن
أبيه، عن عائشة، قالت: رأيتُ الطَّيبَ في مَفْرِقٍ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
وهو مُخْرِم. فقال: حدثنا أبو نُعَيم، قال لنا حَنَش، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن
عائشة، عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، ولم يَقُل عن أبيه. قلتُ لأبي: أيهما أُشبَهُ؟
قال: أبو نُعَيم أثْبَتُ، ولا أُبعِدُ أن يكونَ قال لهم مرَّةً: عن أبيه، عن عائشة، عن
النبي صلَّى الله عليه وسلّم .
٥٦ - سألتُ أبي وأبا زرعة(٣) عن حديثٍ رواه سعيد بن خُثَيْم، عن خَنْظَلَةِ،
عن سالم، عن أبيه، أنه كان إذا نَظَرُّ إلى رجلٍ يُريدُ السَّفَر يقول: أُودِّعُك كما كان
رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُودِّع، ثم يقولُ: أَستودِعُ اللَّهَ دِينَك وأمانتَك وخَوَاتِمَ
عَمَلِك. قالا: وَهِمَ سعيدٌ في هذا الحديث. ورَوَى هذا الحديثَ الوليدُ بن مسلمْ
فَوَهِمَ فيه أيضاً، فقال: عن حنظلة، عن سالم، عن القاسم، عن ابن عمر،
والصحيحُ عندنا والله أعلم: عن حنظلة، عن عبد العزيز بن عمر، عن يحيى بن
إسماعيل بن جرير، عن قَزَعة، عن ابنِ عمر، عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم.
قال أبو زرعة: حدثنا أبو نُعَيم، قال لنا عبدُ العزيز بن عمر، عن يحيى بن
(١) ١ :٢٦٨.
(٢). وقع في الأصل وفي ((العلل)): (حفش) هنا وفيما يأتي. وهو تحريف، صوابه: (حَنَّشْ)
بحاء مهملة بعدها نون، كما في ترجمته في (تهذيب التهذيب)) ٥٧:٣.
(٣) ١ :٢٦٨.

٦٤٩
إسماعيل بن جرير، عن قَزَعة، عن ابن عمر، عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، أنه
کان إذا وَدَّع رجلاً قال: أستودُِ الله دِینَك وأمانتك. ذاکرتُ به أبي، قال: حدثنا
أبو نُعَيم، عن عبدٍ / العزيز هذا الحديث.
/٢٨٨
٥٧ - سُئل أبي(١) عن حديث أبي إسحاق(٢)، عن عكرمة، عن ابن عباس:
قال أبو بكر للنبي صلَّى الله عليه وسلّم: ما شَيََّك؟ قال: شَيَبْنِي هُودٌ. الحديثُ مَتَّصِلٌ
أَصَحُّ كما رواه شيبان؟ أو مُرْسَلٌ كما رواه أبو الأحوص؟ قالَ: مُرسَلٌ أصح. قلتُ
لأبي: روی بَقِيّةُ عن أبي الأحوص، عن أبي إسحاق، عن عكرمة، عن ابن عباس،
عن أبي بكر، عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم. فقال: هذا خطأ، ليس فيه
ابنُ عباس.
٥٨ _ سألتُ أبي(٣) عن حديثٍ رواه رَوَّادُ بنُ الجرّاح(٤)، قال: حدثنا
أبو سَعْدٍ الساعدي، قال: سمعتُ أنسَ بن مالك، قال: سمعتُ رسول الله صلَّ الله
عليه وسلَّم يقول: الناسُ مُسْتَؤُون كأسنانِ المُشْط، ليس لأحَدٍ على أحَدٍ فَضْلٌ إلَّ
بتَقْوَى الله. قال أبي: هذا حديثٌ منكر، وأبو سَعْد مجهول.
٥٩ - سمعتُ أبي(٥) وذَكَر حديثاً حدَّثنا به عن زكرياء بن يحيى الوقَّاد، قال:
قُرِىءَ على عبد الله بن وهب، قال: قال الثوري، قال مجالد، قال أبو الوَدَّاك، قال
أبو سعيد الخدري، قال عمر بن الخطاب، قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم:
قال أخي موسى: يا رَبِّ أَرِني الذي كنتَ أَريتني في السَّفِينةِ، فَأَوحَى الله تبارك
وتعالى إليه: يا موسى، إنك ستراه، فلم يَلْبَثْ إلَّ يسيراً حتى أتاه الخَضير، وهو فَتِىِّ
طَيِّبُ الرِّيحِ، حَسَنُ بَيَاضِ الثياب، مُشَمِّرُها، فقال: سلامٌ عليك ورحمةُ الله،
(١) ٢ :١١٠.
(٢) وقع في الأصل هنا وفيما يلي: (ابن إسحاق)، وهو تحريف عن (أبي إسحاق) كما جاء
(٣) ١١١:٢.
في «العلل».
(٤) وقع في الأصل: (داود بن الجراح)، وهو تحريف عن (روّاد بن ... ) كما جاء في
((العلل)).
(٥) ١١٣:٢.

٦٥٠
-١
يا موسى بنَ عِمران، إنَّ ربَّك يَقْرَأُ عليك السلام ورحمة الله، فقال موسى: هو
السَّلَامُ، ومنه السَّلامُ، وإليهِ السَّلامُ، والحمدُ لله ربِّ العالمين، الذي لا أُحصِي
نِعَمَهُ، ولا أَقْدِرُ على أداءِ شكرِهِ إلَّ بِمَعُوْنَتِهِ.
فقال موسى عليه السلام: أُريدُ أن تُوصِيَنِي بوصيَّةٍ يَنفَعُني الله بها بعدَك، فقال
الخَضِرُ: يا طالِبَ العلم، إنَّ القائلَ أقلُّ مَلالةً من المستمع، فلا تُلَّ جُلَسَاءَك إذا
حدَّثْتَهم، واعلم أنَّ قلبك وِعاء، فانظُر ماذا تَحْتُو به وِعاءك، واعزِفْ عن الدنيا
فانبِذْها وراءَك، فإنها ليُسَتْ لك بدارٍ، ولا لك فيها مَحَلُّ قرار، وإنما جُعِلَتْ بُلْغَةً
للعِباد، لَيَتزوَّدا منها للمَعَادِ، وَذَكرَ الحديث.
قال أبي: هذا حديثٌ باطلٌ كذِب. قلتُ: وذكرتُ هذا الحديث لابن الجنيْدِ
الحافظِ، فقال: هو موضوع.
٦٠ - سألتُ أبي وأبا زرعة(١) عن حديثٍ رواه بقيّة عن معاوية بن يحيى
الطرابلسي، عن أبي الزِّنَاد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلَّى الله عليه
وسلَّم، قال: إنَّ الَعُونَةَ تَنزِلُ من اللَّهِ على قَدْرِ المُؤُونَة، وإِنَّ الصَّبْرَ يَنزِلُ من الله بقَدْرٍ
الشكر. قال أبي: كنتُ مُعْجَباً بهذا الحديثِ حتى ظَهَرَتْ لِي عَوْرَتُه، فإذا هو معاويةٌ ،
عن عَبَّدٍ بن كثير، عن أبي الزُّنَاد. قال أبو زرعة: الصحيحُ ما رَوَاهُ الدَّرَاوَرْدِيُّ عن
عَبَّادِ بن كثير، عن أبي الزناد، فبَيْنَ معاوية بن يحيى وأبي الزناد عَبَّادُ بن كثير، وعَبَّادٌ
ليس بالقوي .
٦١ - سألتُ أبي (٢) عن حديثٍ رواه إسحاقُ بنُ خالد الأعْسَمُ، عن
إبراهيم بن رُسْتُم، قال: حدثنا أبو حفص العَبْدِي (٣)، عن إسماعيل بنِ سُمَّيْع، عن
(١) ١٣٣:٢.
(٢) ١٣٧:٢.
(٣) وقع في الأصل (أبو حفص الأبزي)، وهكذا وقع أيضاً في ((العلل))، فتابعه المؤلفُ
رحمه الله تعالى. ولم أجد لفظ (الأبزي) في كتب الأنساب أو المؤتلف والمختلف أو مشتبه النسبة
أو ((القاموس)) وشرحه ((تاج العروس)) .. ، وهو (أبو حفص عمر بن حفص العَبْدِي).
والذي في ترجمتّهِ إنما هو: (الْعَبْدِي) لا غير، فيكون (الأبزي) تحريفاً عن (العَبْدي)، وقَد =

٦٥١
أنس، قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: العلماءُ أُمَناءُ الرسلِ على عِبادِ الله،
ما لم يُخالِطُوا السلطان، ويَدْخُلوا في الدنيا، فإذا خالطوا السلطانَ، ودخلوا في الدنيا،
فقد خانوا الرسل، فأَحْذَرُوهم واجتنبوهم. فقال أبي: هذا حديثُ منكَرٌ، يُشبِهُ أن
يكونَ في الإِسناد رجلٌ لم يُسمَّ، وأُسقِطَ ذلك الرجل.
/٢٨٩
وهنا انتهى ما أردنا إيرادَه من كتاب ((عِلَل الحديثِ)) لابن أبي حاتم الرازي،
وهو من الأئمةِ المشهورين، قال الذهبي في ((الميزان))(١): عبدُ الرحمن بنُ أبي حاتمٍ
محمدِ بنِ إدريسٍ ، الرازيُّ الحافظُ الثَّبْتُ ابنُ الحافظِ الثَّبْتِ، يَروِي / عن أبي سعيد
الأشَجِّ ويونس بن عبد الأعلى وطبقتهما، وكان ممن جَمَع بين عُلُوِّ الروايةِ ومعرفةِ الفن،
وله الكُتُبُ النافعة، ككتابِ الْجَرْح والتعديل، والتفسير الكبير، وكتابِ العِلَل. وما
ذكرتُه لولا ذِكرُ أبي الفضل السُّلَيْماني له، وبِئْسَ ما صَنَع! فإنه قال: ذِكرُ أسامي
الشيعةِ من المحدِّثين الذين يُقدِّمُون علياً على عثمان: الأعمَشُ، النُّعْمان، شعبة بن
الحَجَّاج، عبدُ الرزاق، عُبيد الله بن موسى، عبدُ الرحمن بن أبي حاتم.
وكان والدُهُ أبو حاتمٍ من كبار الحفاظِ البارعين في معرفةِ العِلل، ويظهر لك
ذلك من هذا الكتابِ، فإنَّ ما ذُكِرَ فيه إلَّ قليلاً مأخوذٌ عنه، ومقتبَسٌ منه، وكان
جارياً في مضمار أبي زُرْعَةَ والبخاريِّ .
وذَكَر بعضُ أهلِ الأثر أنَّ بعضَ الأجِلَّء من أهلِ الرأي، سأل أبا حاتم عن
أحاديثَ، فقال في بعضِها: هذا خطأ، دَخَل لصاحبه حديثٌ في حديث، وهذا
= جاءت نِسبتُهُ (العَبْدي) في غير كتاب، مثل (التاريخ الكبير)) للبخاري ٢/٣: ١٥٠، و((تاريخ
ابن معين)) ٤٢٦:٢، و((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم ١٠٣:١/٣، و((الميزان)» للذهبي
١٨٩:٣، و((لسان الميزان) ٤: ٢٩٨، وغيرها، فلذا أثبتُّهُ (العَبْدِي).
والحديثُ مذكور في ((الموضوعات)) لابن الجوزي في كتاب العلم في (بابُ ذَمَّ تَغَشِّ السلاطين
من العلماء) ٢٦٢:١، و((اللآلىء المصنوعة)) للسيوطي ١: ٢١٩، و((الجامع الصغير) بشرح ((فيض
القدير)) للمُنَاوي ٣٨٣:٤.
(١) ٢ :٥٨٧.

٦٥٢
باطلٌ، وهذا منكر، وهذا صحيحٌ. فسأله من أين عَلِمتَ هذا؟ هل أخبرك الراوي
بأنهِ غَلِط أو كَذَبَ؟ فقال: لا، ولكني عَلِمتُ ذلك. فقال له الرجلُ: أتدَّعِي الْغِيبَ؟
فقال: ما هذا ادِّعاءَ غَيْب، قال: فما الدليلُ على قولك؟ فقال: أن تَسأل غيري من
أصحابنا، فإِنْ اتَّفَقْنَا عَلِمتَ أنَّا لم نُجازِف.
فذهَبَ الرجلُ إلى أبي زرعة وسأله عن تلك الأحاديثِ بعينها، فاتَّفَقًا، فَتَعَجَّبُ
السائلُ من اتفاقِهما من غير مواطأة، فقال أبو حاتم: أفعَلِمْتَ أَنَّا لم نُجازِف؟ ثم قال:
والدليلُ على صحةِ قولناٍ أَنَك تَحْمِلُ ديناراً بهرجاً إلى صيرفي، فإن أخبَرَك أنه بُهْرَج،
وقلت له: أكنتَ حاضِراً حين ◌ُهْرِجَ؟ أو هل أَخَبَرَك الذي بَهْرَجَه بذلك؟ يقول لك:
لا، ولكن عِلْمُ رُزِقْنا معرفتَهُ. وكذلك إذا حَمَلتَ إلى جوهريٌّ فَصَّ ياقوتٍ وفَصَّ
زُجاج، يَعرِفُ ذا من ذا.
ونحن نَعلمُ صحةً الحديثِ بعدالةٍ ناقليه، وأن يكونَ كلاماً يَصلُح أن يكونَ
كلامَ النبوة، ونَعرِفُ سَقَمَهُ ونكارَتَهُ بتفرُّد من لم تَصِحَّ عدالتُه. اهـ.
وهذه المسألةُ ليسَّتْ من المسائلِ الغامضة، فإنَّ كلَّ من اشتَغَل بفنٍ من
الفنون، وتفرَّغَ له، وسَلَك مسلكَ أهلِه، وصَرَف عنايتَه إليه، قد يَحِكُمُ في مسائلُه
بحكمٍ لا يتيسَّرُ له إِقَامةُ الدليلِ الظاهِرِ عليه، وإن كان له في نفس الأمر
دليلٌ رَّما كان أقوى من الأدلةِ الظاهرة، إلاّ أنَّ العِبارَةَ تَقْصُر عنه، ولذلك تَرى
المشاركين له في تلك الحال يُحكمُون بمثلِ حُكمِهِ في الغالب.
ومن ثَمَّ اتَّفَقَ الجهابذةُ من العلماء على أنه يُرجَعُ في مسائل كلِّ فنٍّ إلى أهلِهِ
المَعْنِين بأمرِهِ. وعلى ذلك فلا يُستَغرَبُ أن يقال: إِنه يجبُ في الحديثِ أن يُرجَعِ فيهِ
إلى أثمتِهِ المشهورين، الذين تفرَّغوا له، وصَرَفوا أعمارَهم في تحصيلِهِ، والبحثِ عن
غوامِضِهِ وعِللِهِ وأحوالِ رجالِهِ، فإذا ثبَتَ اتفاقُهم على شيء ثبوتاً بيِّناً، لم يَسُغ
العُدُولُ عنه، ومن سَلَك مسلَكهم تبيّنٌ له مثلُ ما تبينٌ لهم:
لا تَقُلْ قد ذَهَبَتْ أَرْبَابُهُ كلُّ من سَارَ على الدَّرْبِ وَصَل

٦٥٣
صِلَةٌ تتعلَّقُ بالضعيفِ، وهي تشتمِلُ على ثلاثِ مسائل(١)
المسألةُ الأولى: اتَّفَق العلماءُ على أنه لا يجوزُ ذِكرُ الموضوع إلَّ مَعَ البيان، في
أيِّ نوعٍ كان، وأمَّا غيرُ الموضوع من الضعيفِ فقد اختلفوا فيه.
١ - فذهب قومٌ إلى جوازِ الأخذِ به والتساهُلِ في أسانيدِه وروايته، من غير
بيانٍ لضعفه، إذا كان في غير الأحكامِ والعقائدِ، مِثلِ فضائلِ الأعمال والقِصَص.
وممن نُقِلَ عنه جَوازُ التساهلِ في ذلك عبدُ الرحمن بن مَهْدي، وأحمدُ بن حنبل.
/ ٢٩٠
أمَّا ابنُ مهدي فإنه نُقِلَ عنه أنه قال: إذا رَوَيْنا عن رسولِ الله / صلَّى الله علیه
وسلَّم في الحلالِ والحرامِ والأحكامِ شَدَّدْنا في الأسانيد، وانتَقَدْنا في الرجال، وإذا
رَوَينا في الفضائل والثوابٍ والعِقاب تساهَلْنا في الأسانيدِ وتساعْنا في الرجال.
وأما أحمدُ بنُ حنبل فقد نُقِلَ عنه قال: الأحاديثُ الرقائقُ يُحْتَّمَلُ أن يُتساهَلَ
فيها حتى يَجِيءُ شيءٍ فيه حُكم؛ وقال: ابنُ إسحاق رجلٌ تُكتَبُ عنه هذه الأحاديثُ،
يَعني المغازيَّ ونحوّها، وإذا جاء الحلال والحرامُ أردنا قوماً هكذا، وقَبَضَ أصابعَ يَدَيْهِ
الأربعَ .
وقد ذَكَر الحافظُ ابن حجر أنَّ للأخذِ بالحديثِ الضعيفِ في الفضائلِ ونحوِها
عند من سَوَّغ ذلك ثلاثةً شروط :
أحدُها: أن يكونَ الضَّعِيفُ غيرَ شديدِ الضَّعْفِ، فَيَخرُجَ من انفرَدَ من
الكذَّابِين، والمتَّهَمِين بالكذب، ومن فَحُشَ غَلَطُه. وقد نَقَل بعضُهم الاتفاقَ على
ذلك.
الثاني: أن يَندَرِجَ تحتَ أصلٍ معمولٍ به .
الثالث: أن لا يَعتَقِدَ عندَ العملِ به ثُبُوتَه، بل يَعتقِدَ الاحتياطَ. وقد ذكر
هذين الشرطينِ ابنُ عبد السلام وابنُ دقيق العيد. اهـ.
(١) كان بَدْءُ مباحثِ الحديث الضعيف في ص ٥٤٦، وهذه الصلة التي تنتهي في
ص ٦٦٩، هي نهاية مباحثه.

٦٥٤
ويظهرُ من الشرطِ الثالثِ أنه يَلزمُ بيانُ ضعفِ الضَّعِيفِ الوارِدِ في الفضائلِ
ونحوها، کي لا يُعتَقَدَ ثبوته في نفس الأمر، مع أنه ربما کان غير ثابت في نفس
الأمر. ومن نَظَر في الأحاديث الضعيفةِ نَظَرَ إمعانٍ وتدبُّرٍ، تبينٌ له أنها إلّ القليلَ منها
يَغْلِبُ على الظنِّ أنها غيرُ ثابتةٍ في نفس الأمر ..
وقد ذَكَر ابنُ حزم ما يَقْرُبُ من ذلك حيث قال: إنَّنا قد أَمِنَّا ولله الحمدُ أن
تكونَ شريعةٌ أَمَرَ بها رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، أو نَذَبَ إليها، أو فَعَلها عليه
الصلاةُ والسلام، فتَضِيعَ ولم تَبلُغ إلى أحدٍ من أُمَّتِهِ، إمَّا بتَوَاتُرٍ، أو بنقلِ الثقةِ عنْ
الثقة، حتى تَبْلُغَ إليه، وأَمِنَّا أيضاً قَطْعاً أن يكونَ الله تعالى يُفْرِدُ بنقلها من لا تقومُ
الحُجَّةُ بنقلِهِ من العدول، وأمِنَّا أيضاً قَطْعاً أن تكونَ شريعةٌ يُخْطِىء فيها راوِيها الثقةُ
ولا يأتَِ بَيَانٌ جَليّ واضحٌّ بصِحَّةٍ خطئِهِ فیه . .
وأَمِنّا أيضاً قطعاً أن يُطلِقَ الله عز وجل من قد وَجَبَتْ الْحُجَّةُ علينا بنقلِهِ، على
وَضْعِ حديث فيه شَرْعُ يُسنِدُه إلى من تَجِبُ الحُجَّةُ بنقلِهِ(١)، حتى يَبلُغَ بِهِ إِلَى
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. وكذلك نقطَعُ ونَبُتُّ بأنَّ كلَّ خبرٍ لم يأتِ قِطُ إلَّ
مُرسَلًا، أو لم يَرْوِهِ قطُّ إلَّ مجهولٌ، أو مجروحٌ ثابتُ الْجَرْحَة، فإنه خَبَرٌ بَاطِلٌ بلا شَكٍّ،
موضوعٌ لم يَقُله رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، إذ لو جاز أن يكونَ حقاً لكان ذلك
شَرْعاً صحيحاً غيرَ لازم لنا، لعدمِ قِيامِ الحُجَّةِ علينا فيه .
قال عليٌّ: وهذا الحكمُ الذي قدَّمنا إنما هو فيما نقَلَه من اتُّفِقَ على عدالتِهِ
كالصحابةِ وثقاتِ التابعين، ثم كشعبة وسفيان ومالكٍ وغيرهم، من الأئمة في
عصرِهم وبعدَهم، إلينا وإلى يوم القيامة، وفي كلٍّ من ثَبتَتْ جَرْحَتُه كالحَسَنِ بَنِ عُمَارة
(١) العبارة مرصوصة جداً، وتوضيحها أن قوله: (على وضع حديث فيه شرع ... ) متعلق
بقوله: (وأَمِنَّا أيضاً قطعاً أن يُطلِقَ اللَّهُ ... )، أي صار لدينا اليقينُ الجازم بأن الله قد حَفِظَ من وجَبَتْ
الحُجَّةُ عليتا بنقله، مِن وضعِ حديث فيه شَرْع، ويُسندُهُ إلى من تجبُ الحُجَّةُ بنقلِه. وغَفَّر الله تعالى
للمؤلف تجهيلَه إيانا موضعَ هذا النص من كتب ابن حزم، فقد اجتهدت كثيراً في العثور عليه في
كتبه فلم أعثر عليه!

٦٥٥
وجابر الْجْعَفِيّ وسائرِ المجروحين الثابتةِ جَرْحتُهم.
وأمَّا من اختُلِفَ فيه فعدَّله قومٌ، وجَرَّحه آخرون، فإنْ ثَبَتَتْ عندنا عدالتُهُ
قطعنا على صحةِ خبره، وإن ثَبتَتْ عندنا جَرْحَتُه قطعنا على بُطلانِ خبره، وإن لم يَثْبُتْ
عندنا شيء من ذلك، وَقَفْنا في ذلك، وقَطَعْنا ولا بُدَّ حتماً على أنَّ غيرَنَا لا بُدَّ أَن يَثْبُتَ
عنده أحَدُ الأمرينِ فيه، وليس خطؤنا نحن إن أخطأنا، وجَهْلُنا إن جَهِلنا حُجَّةً على
وجوبٍ ضَياعِ دِينِ الله تعالى، بل الحقُّ ثابتٌ ومعروفٌ عند طائفة، وإن جَهِلَتْهُ
أخرى، والباطلُ كذلك أيضاً، كما يَجْهَلُ قومٌ ما نَعْلَمُه نحن أيضاً. والفضلُ بيدِ الله
يُؤتيه من يشاء.
ولا يَصِحُّ الخطأ في خبر الثقةِ إلَّ بأحَدٍ ثلاثةِ أَوْجُه: إمَّا تبينُ الراوي واعترافُه
بأنه أخطَأَ فيه. وإمَّا شهادةُ عَدْلٍ على أنه سَمِعَ الخبرَ مع راوِيه فوَهِمَ فيه. وإمَّا بأن
تُوجِبَ الْمُشاهَدةُ بأنه أَخطَّأَ. اهـ.
هذا، وجَزْمُ ابنِ حزم / بجَرْحِ الرَّاوِبَيْنِ المذكورينِ إنما هو مبنيٌّ على المشهورِ /٢٩١
من أمرِهما عند جمهور المحدثين، وقد ترجَمَ كُلَّ منهما الذهبيُّ في ((الميزان))(١).
فقال في ترجمة الأول منهما: (الحَسَنُ بن عُمَارة ت ق ) الكوفيُّ الفقيه، مَوْلَى
بَجِيلة، عن ابن أبي مُلَيْكة وعَمْرو بن مُرَّةً وخَلْق، وعنه السفيانانِ ويحيى القطانُ
وشَبَابةُ وعبدُ الرزاق. قال ابن عيينة: كان له فضلٌ وغيرُهُ أحفَظُ منه. وقال شعبة:
رَوَى الحَسَنُ بن عمارة أحاديثَ عن الحَكَم، فسألنا الحِكْمَ عنها فقال: ما سَمِعتُ منها
شيئاً. وقال النَّضْرُ بن شُمَيل: قال الحسَنُ بن عُمَارة إنَّ الناسَ كلَّهم في حِلٍّ مني
ما خلا شعبة .
وقال الدُّولابيُّ أبو بِشْر: حدثني أبو صالح بن عِصام بن رَوَّاد بن الجرّاح
العسقلاني، حدثنا أبي وسألتُهُ عن قِصة شُعبَة والحسَنِ بن عُمَارة، فقال: كان
ابْنُ عُمَارةٍ مُوسِراً، وكان الحكمُ بن عُتَيِيَة مُقِلًّا، فضَمَّهُ إلى نفسِه، فكان الحكمُ يُحدِّثُه
ولا يَمِنَعُه، فحدَّثَه بقريبٍ من عَشَرَةِ آلافٍ قضيةٍ عن شُرَيحِ وغيرِهِ، وسَمِعَ شعبةُ عن
(١) ترجمةُ (جابر الجُعْفي) فيه ١: ٣٧٩، وترجمةُ (الحسن بن عُمَارة) فيه ٥١٣:١.

٦٥٦
الحكَمِ شيئاً يسيراً، فلما تُوفّ الحكمُ قال شعبة للحسن: مِن رأيِك أن تُحدِّثَ عن
الحكَمِ بكلِّ مَا سَمِعتَه؟ قال: نعم، ما أكثُمُ شيئاً، قال: فقال: من أراد أن يَنْظُرَ إلى
أكذبِ الناسِ فَلْيَنْظُر إلى الحسَنِ بن عُمَارة، فَقَبِلَ الناسُ منه وتركوا الْحَسَن بن عمارة.
قال ابنُ أبي رَوَّادِ: دخلتُ أنا وشعبةُ على الحَسَنِ نَعُودُه في مرضه، فدَارَ شعبةُ
فَقَعَد وراءَ الحَسَنِ من حيث لا يَراه، فجعَلَ الحَسَنُ يقولُ: الناسُ كلُّهم من قِبَلِي فِي
حِلٌّ ما خلا شعبةَ، ويُومِىءُ إليه. توفي سنة ثلاث وخمسين ومئة، وكان من كبار الفقهاء
في زمانه، ولي قضاء بغداد.
وقال في ترجمة الثاني منهما: (جابر بن يزيد دت ق ) ابنُ الحارث الْجُعْفِي:
الكوفيُّ، أَحَدُ علماءِ الشيعة، له عن أبي الطَّفَيل والشعبي وخَلْقٍ، وعنه شعبةُ
وأبو عَوَانة وعِدَّةٌ، قال ابنُ مهدي عن سفيان: كان جابرٌ الجعفيُّ وَرِعاً في الحديث،
ما رأيتُ أورَعَ منه في الحديث. وقال شعبة: صدوق. وقال يحيى بن أبي كثير عن
شعبة: كان جابرٌ إذا قال: أنبأنا وحدَّثنا وسَمِعتُ فهو من أوثَقِ الناس. وقال وكيع:
ما شككتم في شيء فلا تَشُكُوا أنَّ جابراً الجُعفيَّ ثقة. وقال ابنُ عبد الحَكَم: سمعتُ
الشافعيَّ يقول: قال سفيان الثوري لشعبة: لئن تكلّمتَ في جابرٍ الجعفي لأتكلَّمنَّ فيك.
وقال جَرِيرُ بنُ عبدِ الحميد: لا أستَحِلُّ أن يُحدَّثَ عن جابر الجُعْفي، كان ممن
يُؤْمِنُ بالرَّجْعَة. وقال يحيى بن يعلى المحارِبي: طَرَح زائدةُ حديث جابر الجعفي،
وقال: هو كذابٌ، يُؤمِنُ بالرُّجْعَة. وقال عثمان بن أبي شيبة: أنبأنا أبي، عن جدِّي،
قال: إنْ كنتُ لآتي جابراً الجُعفي في وقتٍ ليس فيه خِيَارٌ ولا قَتَّاء، فَيَحُولِ حَوْلَ
خَوْخِةٍ ثم يَخْرُجُ إليَّ بخيارٍ أو قِتَّاءٍ فيقولُ: هذا من بُسْتاني.
وقال ابنُ حِبَّن: كان جابرٌ سَبَئيّاً من أصحاب عبد الله بن سَبَأ، كان يقول: إنَّ
علياً يَرجِعُ إلى الدنيا. وقال ابنُ عدي: حدثنا عليٌّ بن الحسن بن فُدَيْد، أنبأنا
عبيد الله بن يزيد بن العوام، سَمِعتُ إسحاق بن مُطَهَّر، سَمِعتُ الْحُميديُّ، سَمِعتُ
سفيان، سَمِعتُ جابراً الجعفي يقول: انتَقَل العلمُ الذي كان في النبي صلَّى الله عليه
وسلَّم إلى عليّ، ثم انتقل من عليّ إلى الحسن، ثم لم يزل حتى بلغ جعفراً. قال

٦٥٧
ابن عدي: وعامَّةُ ما قَذَفُوه به أنَّه كان يُؤمِنُ بالرجعة. اهـ.
٢ - وذهَبَ قومُ إلى عدم جوازِ الأخذِ بالحديث الضعيف في أيِّ نوع كان،
وقد أشار إلى ذلك العلامةُ عبدُ الرحمن المعروف بأبي شامَة في كتاب ((الباعث على
إنكار البِدَع والحوادث))، حيث قال: وقد أَملَى في فَضْلِ رجب الشيخُ الحافظ
أبو القاسم عليٌّ بن الحسن يعني ابنَ عساكر مجلساً، وهو السادسُ بعد الأربع مئة من
أماليه، وقد سَمِعناه من غير / واحد ممن سَمِعَه عليه، ذَكَر فيه ثلاثةَ أحاديثَ كلُّها منكرة :
أحدُها حديثُ صلَاةِ الرغائب الذي بيِّنا حالَه.
والثاني حديثُ زائدة بنِ أبي الرُّقَاد، قال: حدثنا زِيَاد النُّمْري، عن أنس،
قال: كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم إذا دَخَل رجبٌ، قال: اللهم بارِْ لنا في
رجبٍ وشعبان وبلَّغْنا رمضان. قال الحافظُ: تفرَّدَ به زائدةُ عن زياد بن مأمونٍ
البصري، عن أنس. قلتُ: وقال الحافظُ أبو عبد الرحمن النسائيُّ: زائدةُ بن
أبي الرُّقاد منكَرُ الحديث، وزيادُ بن ميمون البصريُّ أبو عَمَّار متروك الحديث. وقال
أبو عبد الله البخاري الإِمامُ: زياد بن ميمون أبو عَمَّار البصري صاحبُ الفاكِه عن
أُنس ترکوه.
الحديثُ الثالثُ حديثُ منصور بن زيد بن زائدة بن قُدَامة الأسَدي، عن
موسى بن عمران، عن أنس، قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: إنَّ في الجنَّة
عَيْناً أو قال: نَهْراً يقال له: رجبٌ، ماؤه أحلى من العَسَل، وأبيّضُ من اللَّبَن، فمن صام
يوماً من رجبٍ شَرِبَ من ذلك النهر. قال الحافظ أبو القاسم: تفرَّدَ به منصورٌ عن موسى.
ثم قال(١) منتَقِداً على الحافظِ المذكور: وكنتُ أوَدُّ أنَّ الحافظ لم يَذكُر ذلك، فإنَّ
فيه تقريراً لما فيه من الأحاديثِ المنكرة، فقَدْرُهُ كان أجَلَّ من أن يُحَدِّثَ عن رسولِ الله
صلَّى الله عليه وسلَّم بحديثٍ يَرَى أنه كذب، ولكنه جَرَى في ذلك على عادةِ جماعةٍ
من أهلِ الحديث، يتّساهلون في أحاديث فضائل الأعمال، وهذا عند المحققين من
أهل الحديثِ وعندَ علماءِ الأصولِ والفقهِ خطأ، بل ينبغي أن يُبينٌّ أمرَهُ إن عَلِمَ، وإلاّ
(١) أي الشيخ أبو شامة .
/٢٩٢

٦٥٨
دَخَل تحتَ الوعيدِ في قوله صلَّى الله عليه وسلّم: من حَدَّثَ عني بحديثٍ يُرَى أنه
كذِبٌ، فهو أحَدُ الکاذِبَيْنْ. اهـ.
٣ - وقد نُقِلَ في حُكم الحديثِ الضعيفِ قولٌ ثالثٌ، وهو أنه يُؤخَذُ به في
الأحكام أيضاً، إذا لم يُوجَدْ في الباب غيرُه، وقد نُسِبَ ذلك إلى أحمد بن حنبلٍ
واشتَهَرَ عنه غايةَ الاشتهار.
وقد كان أناسٌ من المتكلِّمين يَتعجّبُون من هذا القولِ غايةَ التعجُّبِ(١)، بناءً
على أنَّ أحكامِ الدين ينبغي أن تكونَ مبنيّةً على أساسٍ متين. وكان أناسٌ من غيرهم
يُعْجَبُون بهذا القولِ، ويَعُدُّونِهِ أَمارةً على فَرْطِ الاتِّباعِ والتباعُد عن الابتداع، وكان
بينهما فريقٌ آخَرُ التّزَم في ذلك الصَّمْتَ متمثِّلا بقولٍ من قال:
فَبَعضُنا قائلٌ ما قاله حَسَنٌ
وبَعضُنا ساكتٌ لم يُؤْتَ مِن حَصَرِ
وقد حاول العلامةُ ابنُ تيمية إزالةً الإشكال من أصله، فقال في کتاب ((منهاج
السنّة النبوية))(٢): إنَّ قولنا: إنَّ الحديثَ الضعيفَ خيرٌ من الرأي، ليس المرادُ به
الضعيفَ المتروكَ، لكنْ المرادُ به الحَسَنُ، كحديث عَمْرٍو بن شُعَيب، عن أبيه، عن
جده، وحديثٍ إبراهيم الهَجَري ممن يُحسِّنُ الترمذيُّ حديثَه أو يُصحِّحُه.
وكان الحديثُ في اصطلاح مَنْ قَبْلَ الترمذي إمَّا صحيحٌ، وإمَّا ضعيف،
والضعيفُ نوعان: ضعيف متروك، وضعيف ليس بمتروك، فتكَلَّم أئمةُ الحديثِ
بذلك الاصطلاح، فجاء من لا يَعرِفُ اصطلاحَ الترمذي فَسَمِعَ قول بعض أئمة
الحديث: الضعيفُ أحبُّ إليَّ من القياس، فظَنَّ أنه يُحتَّجُّ بالحديثِ الذي يُضِعِّفُه مِثْلُ
الترمذي، وأخَذَ يُرجِّحُ طريقة من يَرى أنه أتبَعُ للحديثِ الصحيح. وهو في ذلك من
المتناقضين الذين يُرجِّحُون الشيءَ على ما هو أولَى بالرُّجحانِ منه(٣). أهـ.
(١) انظر قولهم في ص ٦٦٦ .
(٢) ١٩١:٢ من طبعة بولاق و ٣٤١:٤ من الطبعة المحققة.
(٣) تقدم في ص ١٧٨ نقلُ المؤلف لكلام الشيخ ابن تيمية هذا، وعلَّقتُ عليه ما ينبغي
الوقوف عليه، فانظره.

٦٥٩
/٢٩٣
وقد ذَكَر كثيرٌ من المؤلفين ممن كان بعدَ العلامةِ المذكور: قولَ الإِمام أحمد من
/ غير أن يُفسِّرُوهُ بما فَسَّرَه به، فكأنَّهم لم يَطَّلِعوا على ما قاله، أو لم يظهر هم ذلك،
فإنَّ بَعضَهم كان يَجِيلُ إلى إثباتِ كلِّ ما رُوِيَ على أيُّ وجهٍ كان. ويَدُلُّك على ذلك
قولُ بعضهم: إنَّ الحديثَ الضعيفَ إذا تلقَّته الأمَّةُ بالقبولِ يُنَزَّلُ منزلةَ المتواترِ، حتى
إنه يُنْسَخُ به القرآن. واستدلَّ على ذلك بأنَّ حديثَ: لا وَصِيَّةَ لوارِث، قد جَعَلُوه
ناسخاً لآيةِ الوصيّة، مع أنَّ بعض الأئمةِ قال: إنَّ أهلَ الحديث لا تُشْبِتُه، لكن لَّا
تلقّتْهُ الأُمَّة بالقبولِ صار في حُكم المتواتر. ولا يخفى أنَّ هذا قولٌ مستغرَبٌ جداً.
وقد ذكرنا فيما مَضَى(١) أنَّ بعض العلماء الأعلام قال: إنَّ الوصيّة للوالِدَيْنِ
والأقْرَبِينَ إنما نَسَخَتْها آيةُ المواريث، كما اتَّفَق على ذلك السَّلَفُ، فإن الله تعالى قال
بعدَ ذكرِ الفرائض: ﴿تِلْكَ حُدُودُ الله﴾، الآية. فأبان أنه لا يجوزُ أن يُزادَ أَحَدٌ على
ما فَرَضَ الله لَهُ. وهذا معنى قولِ النبيِّ عليه الصلاة والسلام: إنَّ الله قد أَعطَى كلَّ
ذِي حَقٌّ حَقَّه، فلا وَصِيَّةً لوارِث. وإلاّ فهذا الحديثُ إنما رواه أبو داود ونحُه من
أصحاب السنن، وليس في الصحيحين. وإذْ كان من أخبارِ الآحاد فلا يجوزُ أن يُجعَل
ناسِخاً للقرآن. وبالجملةِ: فلم يُثْبُتْ أنَّ شيئاً من القرآن نُسِخَ بسنة بلا قرآن.
وذكرنا أيضاً(٢) أنَّ ابنَ حزم ذهَبَ إلى أنَّ ذلك الحديثَ متواتر، فإنه قال: قد
يَرِدُ خبرٌ مرسَلٌ إلَّ أنَّ الإِجماع قد صَحَّ بما فيه مُتَيَّقَّناً منقولاً جِيلاً فجِيلاً، فإذا كان
ذلك عَلِمنا أنه منقولٌ نَقْلَ كافَّةٍ كنقلِ القرآن، فاستُغني عن ذِكرِ السندِ فيه، وكان
وُرُودُ ذلك المرسَلِ وعدَمُ ورودِهِ سواءً ولا فَرْقَ، وذلك نحوُ: لا وَصِيَّةً لوارث.
المسألةُ الثانيةُ: قد نشأ من رواية الأحاديثِ الضعيفةِ من غير بيانٍ لضعفها
ضَرَرٌ عظيم، عَرَفه من عَرَفه، وجَهِلَه من جَهِله. وقد شَدَّد النكيرَ مُسْلِمٌ في مقدّمةٍ
صحيحه على من فَعَل ذلك، وذلك حيث قال: وأشباهُ ما ذكرنا من كلامِ أهلِ
العلم في مُتَّهِمِي رُواةِ الحديث، وإِخبارِهم عن مَعَابِبهم: كثيرٌ يَطُولُ الكتابُ بذکرِهِ
(١) ص ٣١٧.
(٢) في ص ١٤١ .

٦٦٠
على استقصائِه، وفيما ذكرنا كفايةٌ لمن تفهّمَ وعَقَّلَ مذهبَ القوم فيما قالوا من ذلك
وبیَّنوا ..
وإنما ألزموا أنفسهم الكشفَ عن مَعايِب رُواةٍ الحديث وناقلي الأخبار، وأفَتَوْا
بذلك حين سُئلوا، لما فيه من عظيمِ الخَطَر، إذْ الأخبارُ في أمرِ الدين إنما تأتي بتحليلِ
أو تحريمٍ، أو أمرٍ أو نهيٍ، أو ترغيبٍ أو ترهيپٍ.
فإذا كان الراويُّ لها ليس بمَعْدِنٍ للصدقِ والأمانة، ثم أقدَمَ على الرواية عنه من
قد عَرَفه، ولم يُبيِنِّ ما فيه لغيره ممن جَهِلَ معرفتَهُ، كان آثماً بفعلِهِ ذلك، غاشَّاً لعَوَامٌ
المسلمين، إذْ لا يُؤْمَنُ على بعضٍ من سَمِعَ تلك الأخبارَ أن يَستَعملَها أو يَستعملَ
بعضَها، ولعلَّها أو أكثرها أكاذيبُ لا أصلَ لها. مع أنَّ الأخبارَ الصحيحةَ من روايةٍ
الثقات وأهلِ القناعةِ أكثرُ من أن يُضطَرَّ إلى نَقْلِ من ليس بثِقَةٍ ولا مَقْنَع.
ولا أحسَبُ كثيراً ممن يُعرِّجُ من الناس على ما وصفنا، من هذه الأحاديثِ
الضعاف والأسانيدِ المجهولة، ويَعْتَدُّ بروايتها بعدَ معرفتِهِ بما فيها من التوهُّنِ
والضعفٍ، إلاَّ أنَّ الذي يَحمِلُه على روايتِها والاعتدادِ بها إرادةُ التكثُر بذلك عندَ
العَوَامٌ، ولأنْ يُقالَ: ما أكثَرَ ما جَمَع فلانٌ من الحديث، وأَلَّفَ من العَدَد.
ومن ذهَبَ في العلم هذا المذهبَ، وسَلكَ هذا الطريقَ، لا نصيبَ له فيه،
وكان بأنْ يُسمَّى جاهلاً أولَى مِن أن يُنسَب إلى عِلم . - انتهى كلامُ الإِمام مسلم -.
وإنما قَصَرَ مسلمٌ غِشِّهُم على عَوَامُّ المسلمين، مع أنَّ كثيراً من خَوَاصِّهم قد
لحِقَهم من ذلك ما لَحِقُّ عوامَّهم، لأنَّ الخواصَّ كان يُمكنُهم أن يَقِفُوا على حقيقةِ
الأمر، ولكنهم قَصَّروا، فكأنه جَعَلهم هم الغاشِّين لأنفسهم، فإنَّ كثيراً منهم كان إذا
/٢٩٤ رأى حديثاً قد ذكره أحدُ أولئك الغاشِّين للَّأَمَّةِ في / دينها، من غير بيانٍ لحاله، فإنْ
كان موافقاً لرأيِهِ، أو لرأيٍ من يَهْوَى أن يَنْتَصِرَ له، كيفَ ما كان الحالُ، بادَرَ لنقْلِهِ
ونشرِهِ والاستشهادِ به، من غير بحثٍ عنه، مع معرفتِهِ بأنَّ في كثير مما يُروَى الموضوعَ
والضعيفَ الذي اشتدَّ ضعفُه .

٦٦١
وإن كان مُخالِفاً لرأيِهِ أو لرأيِ من يُحبُّ أن ينَتَصِرَ له، فإن وجدَهُ غيرَ قابلٍ
للتأويلٍ على وجهٍ يُوافِقُ ما يَذهَبُ إليه تَرَكه، وكثيراً ما يَخْطُرُ فِي بالِهِ أَنَّ مُخالِفَه ربما
وَقَفَ عليه واستَنَدَ إليه، فيُعِدُّ له حينئذٍ تأويلا ربما كان هو أولَ الضَّاحِكين على نفسِهِ
منه، وذلك استعداداً لُجُومِ الخَصْم، قبل أن يَهْجُمَ عليه. وإن وجَدَه قابلاً للتأويل
على وجهٍ يُوافِقُ ما يهواه تساوَى عنده الحالاتُ، وسكنَتْ نفسُه.
ومن نَظَر في الكتب المؤلفة في تخريج الأحاديث المذكورة في كثير من كتب
الكلام أو الفقه أو الأصول أو التفسير، رَأَى من كثرةِ الأحاديث الضعيفةِ الواهية التي
يُورِدُونها للاحتجاج: أمراً هائلاً، وقد حَكُم أهلُ البصيرة من العلماءِ الأعلام بأنَّ
هؤلاء الذين يُوردونها للاستشهادِ بها لا يُعْذَرُون إلَّ من لم يُقَصِّرِّ منهم في البحثِ
والاجتهاد، فإنه إذا أخطأ بعدَ ذلك لم يكن ملوماً.
وقد تعرَّض كثيرٌ من العلماء الذين وَقَفُوا على الضَّرَرِ الذي نَشَّأ من نشرٍ
الأحاديث الضعيفة في الأمَّة، من غير إشارةٍ إلى ضعفِها، لبيانٍ ذلك، وقد أحببتُ أن
أُورِدَ شيئاً من ذلك على طريقِ التلخيص.
قال الحكيمُ المحقّقُ أبو الرَّيحان البَيْرُوني في الكتاب الذي ألَّفه في ((تحقيق
ما يُنسَبُ الأهلِ الهند من مقالةٍ))، في مبحثِ صُورةِ السماءِ والأرض: إنَّ القرآن
لم يَنطِق في هذا البابِ وفي كلُّ شيءٍ ضَرُورِيٍّ بما يُحوِجُ إلى تعسُّفٍ في تأويل، وإنما هو
في الأشياءِ الضَّرُوريَّةِ مَعَها حَذْوَ القُذَّةِ بالقُذَّة، وبإحكامٍ من غير تشأبُه، ولم يَشتمِل
أيضاً على شيء مما اختُلِفَ فيه وأُيِسَ من الوصولِ إليه.
وإن كان الإِسلامُ مَكِيداً في مَبادِئِهِ بقومٍ من مُناوِئيهِ أظهروه بانتحال،
وحَكَوْا لذوي السَّلامةِ في القُلوبِ، من كُتُبِهِمَ ما لم يَخْلُقِ اللَّهُ منه فيها شيئاً،
لا قليلاً ولا كثيراً، فصدَّقُوهم وكتبوها عنهم مُغْتَرِّين بنِفاقِهم، وتركوا ما عندهم
من الكتابِ الحقِّ، لأنَّ قُلُوبَ العامَّةِ إلى الُرافاتِ أميَلُ، فَتَشْوَّشَتْ الأخبارُ لذلك.
ثم جاءَتْ طامَّةٌ أُخرَى من جهةِ الزنادقة، كأصحابِ مَاني كعبد الكريم بن
أبي العوْجَاءِ وأمثالِه، فشكَّكُوا ضِعافَ الغرائزِ في الواحِدِ الأوَّلِ من جهةِ التعديلِ