Indexed OCR Text
Pages 641-660
٥٨٢ لأن الواجبَ حينئذٍ الأخذُ بالراجحةِ وتركُ المرجوحةِ، لكونها إِمَّا شافَّةً أو منكرةً(١)، وكذلك إن أمكن الجمعُ بين تلك الروايات. والاضطرابُ قد يكونُ في المتن، وقد يكونُ في السند، وقد يكون فيهما. ومثالُ الاضطراب في المتن فيما أورده العراقي حديثُ فاطمة بنت قيس: قالت: سألتُ أو سُئِلَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم عن الزكاة، فقال: إنَّ في المالِ ◌َحَقّاً سِوى الزكاة. وهذا حديثٌ قد اضطَرَبَ لفظُهُ ومعناه، فرواه الترمذي هكذا من رواية شَرِيك، عن أبي حمزة، عن الشعبي، عن فاطمة. ورواه ابن ماجهٍ من هذا الوجهِ بلفظِ: ليس في المالِ حَقُّ سوى الزكاة. فهذا اضطرابٌ لا يَحَتَمِلُ التأويل وقولُ البيهقي: إنه لا يحفظُ لهذا اللفظِ الثاني إسناداً، مُعارَضٌ بما رواه ابنُ ماجه هكذا. وقال بعضُهم: إنَّ ما ذكره لا يَصلُحِ مِثالاً، فإنَّ شيخَ شَرِيِك ضعيفٌ، فهو مردودٌ من قِبَلِ ضعفٍ راويه، لا من قِبَل اضطرابِه. نعم إنه يزدادُ بالاضطرابِ ضعفاً. وأيضاً فإنه مما يمكنُ تأويلُه بأنه يمكنُ أن تكونَ رَوَتْ كُلَّ مِن اللفظينِ عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وأنَّ المرادَ بالحقِّ المثَبَتِ: المستَحَبُّ، وبالمنفيِّ : الواجِبُ. وقال بعضُهم: قل أن يُوجَدَ للاضطرابِ في المتن مثالٌ سِالمٌ من الخَدْشِ ، فإنَّ الأمثلةَ التي يُوردونها منها ما يُمكنُ الجمعُ فيه بين الروايات، ومنها ما يكونُ بعضُ الروايات فيه راجحةً، وفي الحالينِ لا يَبْقَى الاضطراب. ومثالُ الاضطراب في الإسناد : حديثُ أبي بكر الصديق أنه قال: يا رسول الله، أراك شِبْتَ؟ قال: شَيِّبْنِي هُوْدٌ وأخواتُها. فهذا مضطرِب، فإنه لم يُروَ إلَّ من طريقٍ أبي إسحاق السَّبيعي. وقد اختُلِفَ عليه فيه، فمنهم من رواه عنه مرسلاً، ومنهم من رواه موصولاً، ومنهم من جَعَلَه من مسنَدٍ أبي بكر، ومنهم من جعَلَه من مسنَدِ سعد، ومنهم من جعَلَه من مسنَدٍ عائشة. وقد وَقَعَ الاختلافُ فيه على نحوِ عَشَرَةٍ أُوجَهٍ أُورَدَها الدار قطنيُّ، ورُواتُهُ ثقات لا يمكنُ ترجيحُ بعضِهم على بعض، والجمعُ مِتعذّر. (١) وقع في الأصل (أو النكرة)، وهو تحريف عن (مُنكّرَة). ٥٨٣ /٢٥٧ / وهنا أمورٌ ينبغي الانتباهُ لها الأمرُ الأولُ: أنَّ المحدثين قلَّما يحكمون على الحديثِ بالاضطرابِ إذا كان الاختلافُ فيه واقعاً في نفس المتن، لأنَّ ذلك ليس من شأنهم من جهةٍ كونهم محدِّثين، وإنما هو من شأنٍ المجتهدين. وإنما يحكمون على الحديث بالاضطراب إذا كان الاختلافُ فيه واقعاً في نفسِ الإِسناد، لأنه من شأنهم. وذلك لأنَّ الاطلاعَ على ما في الإِسنادِ من علٍ على ما ينبغي يَعْسُرُ على غيرهم، بخلافِ الاطّلاع على ما في المتنِ من علةٍ، سواءً كان فيه اضطرابٌ أم لا، فإنه سَهْلُ الْمُدْرَك، فلذلك صَرَفُوا جُلَّ عنايتِهم إلى بيان ما يتعلَّقُ بالإِسناد، لِيَكْفُوا غيرَهم مَؤُونَةً ذلك، ولذلك تّرى كتبَ العِلَلِ تَتعرَّضُ لذكرِ ما وقع فيه الاضطرابُ من جهة الإِسناد، وقلَّما تتعرَّضُ لذكرِ ما وقع فيه الاضطرابُ من جهةِ المتن، وإنما تعرَّضوا للمضطربِ لأنه داخلٌ في المُعَلِّ، فانتَبِهِ لذلك. الأمرُ الثاني: أنَّ المضطرِبَ قد يكون صحيحاً، وذلك في مثل ما إذا وقع الاختلافُ في اسمِ رجلٍ ، أو أبيه، أو نسبتِه، أو نحو ذلك، فإنه لا يَضرُّ بعدَ ما ثبَتَ كونُه ثقة، ويُحكَمُ لذلك الحديثِ بالصحةِ مع تسميتهِ مضطرباً. وفي الصحيحين أحاديثُ كثيرةٌ من هذا القَبِيل، ولذا قال بعضُ العلماء: وقد يَدخُلُ القلبُ والشذوذُ والاضطرابُ في قسم الصحيح والحسن. الأمرُ الثالثُ: قد وقع الاختلافُ في الصلاةِ الكائنةِ في قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ، فإنَّ الراويَ شّكَّ فيها مرةً، ولم يَدْرِ أهي الظهر أو العصرُ، وقال مرةً: إحدى صَلاتَيْ العَشِيُّ: إمَّا الظُّهرِ، وإمَّ العصرِ، وجَزَم مرةً بالظهر، ومرةً بالعصر، وقال مرةً: أكبرُ ظني أنها العَصْرُ. وقد رَوَى النسائي ما يَشْهَدُ لأنَّ الشَّكَّ فيها كان من أبي هريرة، ولفظُهُ: صلَّى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم إِحْدَى صلاتَيْ العَشِيِّ، قال أبو هريرة: ولكني نَسِيتُ .. قال بعضُ العلماء: والظاهرُ أنَّ أبا هريرة رواه كثيراً على الشك، وكان ربما ٥٨٤ غَلَبَ على ظنِّه أنها الظّهر فجزم بها، وربما غَلَب على ظنه أنها العصرُ فجزَمَ بها، ثم طرأ الشكُّ في تعيينها على ابنِ سيرين أيضاً فقد ثبَتَ عنه أنه قال: سمَّها أبو هريرة ولكن نَسِيتُ أنا. وكأنَّ السَبَبَ في ذلك عدَمُ الاهتمام بغير ما في القصة من الأحكام. وقد حاول بعضُهم الجمعَ، فَذَهَب إلى أنَّ القصةَ وقعَتْ مرتين. وكثيراً ما يسلُك بعضُهم مثلَ ذلك في الجمع، توصُّلاً إلى تصحيح كلٍّ من الروايات، صَوْناً للرواةٍ من أن يُنسَبَ الغِلَطُ أو السهوُ أو النسيانُ إليهم. وكأنَّ عنايةَ هؤلاء بالرواةِ فوقَ عنايتهم بالمرويَّاتِ، فجَمْعُهم كَلاَ جْع، لا سيما إن كان مما يَنْبُو عنه السَّمْع. وقد جری ذکرُ ذِي الیدینِ في کثیر من کتب الأصول، وذلك في مبحثٍ وجوب الأخذِ بما يَرويه الواحِدُ إذا كان عَدْلاً، فإنهم ذكروا أنَّ بعضَ العلماءُ ذَهَب إلى أنه لا يُقبَلُ خَبَرُ الواحِد العَدْل، واستدلَّ على ذلك بأنه عليه الصلاة والسلام لم يَقبَل خبرَ ذي الیدینِ حتى شَهِدَ له أبو بكر وعمر. وأجابوا عن ذلك ومنهم الفخرُ فإنه قال في الجواب: إنَّ ذلك إن دَلَّ فَإِنما يدلُّ على اعتبارِ ثلاثةٍ: أبي بكر وعُمَر وذِي اليدين، ولأنَّ التهمة كانت قائمةً هناك، لأنها كانت واقعةً في ◌َحفِلٍ عظيم، والواجبُ فيها الاشتهار. وقد ذكرنا سابقاً جواباً لغيره، وهو قولُه: أمَّا توقُّفُ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن قبولٍ قولِ ذِي اليدين، فَيَحتَمِلُ ثلاثةَ أمور: أحدُها أنه جَوَّز الوَهَمَ / عليه لكثرةِ الجمع، وبُعْدِ انفرادِهِ بمعرفةِ ذلك مع غَفْلَةِ الجميع، إذْ الغلَطُ عليه أقرَبُ من الغفلة على الجَمْع الكثير. وحِيث ظَهَرَتْ أمَارَاتُ الْوَهَمِ يجب التوقُّفُ. /٢٥٨ الثاني أنه وإن عُلِمَ صِدقُه جاز أن يكون سبب توقُّفِهِ أن يُعَلِّمَهم وجوبَ التوقُّفِ في مثلِه، ولو لم يَتوقَّف لصار التصديقُ مع سكوتِ الجماعةِ سُنَّةً ماضيةُ، فحسَمَ سبيلَ ذلك. ۔۔ ٥٨٥ الثالثُ أنه قال قولاً لو عُلِمَ صدقُه لظهَرَ أَثْرُهُ في حَقِّ الجماعة، واشتَغْلَتْ ذِمَّتُهم، فأُلحِقَ بِقَبِيلِ الشهادة، فلم يُقبَل فيه قولُ الواحد، والأقوى ما ذكرناه من قبل. نعم لو تعلَّق بهذا من يَشترِطُ عدّدَ الشهادةِ يلزمُه اشتراطُ ثلاثةٍ، ويَلزمُهُ أن یکون في جمْعٍ يَسگت عليه الباقون، لأنه كذلك كان. والظاهرُ أنَّ المستدلِّين بهذه القصةِ والُجِيبِين عن استدلالهِم، لم يأخذوها من أئمة الحديث أو كتبهم كما هو دأبهم، ولذلك ذكر صاحبُ ((تفضيل السلف على الخَلَف)) في الأصول أنَّ من مناقب الأستاذ أبي إسحاق الشيرازي أنه على كِبَرَ سِنِّهِ وانتهاءِ رياسةِ العلم ببغداد إليه كان يتردّدُ إلى بعض علماء الحديثِ لمعرفة ما أَشكَل عليه من النقل وأحكامِ الرواية والعِلَل. ولنذكر ما ورد في الصحيحين في قِصة ذي اليدين، قال البخاريُّ(١): بابٌ إذا سَلَّم في ركعتين أو في ثلاثٍ، فسجَدَ سجدتين مثلَ سجودِ الصلاة أو أطولَ: حدَّثنا آدمُ، حدثنا شعبة، عن سَعْد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنه قال: صلَّى بنا النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم الظهرَ أو العصرَ فسلّم، فقال له ذو اليدين: الصلاة يا رسول الله أنّقَصَتْ؟ فقال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم لأصحابه: أَحَقٌّ ما يقولُ؟ قالوا: نعم، فصلَّى ركعتين أخريين، ثم سَجَد سجدتين. قال سَعْد: ورأيتُ عروة بن الزبير صلَّى من المغرب ركعتين، فسلَّم وتكلّم ثم صلَّ ما بقي وسَجَد سجدتين، وقال: هكذا فَعَل النبيُّ صلَّ الله عليه وسلَّم. بابُ من لم يتشهَّد في سجدتَيْ السهو، وسَلَّم، أنَسٌ والحسَنُ ولم يَتَشَهَّدا، وقال قتادة: لا يَتَشَهَّد، حدثنا عبدُ الله بن يوسف، أخبرنا مالك بن أنس، عن أيوب بن (١) في صحيحه في (كتاب السهو) ٩٦:٣ وما يليها. ٥٨٦ . أبي تَميمة السَّخْتِياني، عن محمد بن سِيرين، عن أبي هريرة، أنَّ رسول الله انْصِرَفَ من اثنتين، فقال له ذو اليدين: أَقَصُرَتْ الصلاةُ أم نَسِيتَ يا رسول الله؟ فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أصَدَقَ ذو اليدين؟ فقال الناسُ: نعم، فقام رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فصلَّ اثنتينِ أُخْرَيينِ، ثم سلَّم، ثم كبِّ فسَجَدَ مثلَ سجودِهِ أو أطولَ ثم رَفَعَ . حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حمّاد، عن سَلَمة بن علقمة، قال قلتُ لمحمدٍ : في سَجدتي السهوِ تشُّدٌ؟ قال: ليس في حديث أبي هريرة . . بابٌ يُحِّرُ في سجدتي السهو، حدثنا حفص بن عمر، قال: حدثنا پزید بن إبراهيم، عن محمدٍ، عن أبي هريرة، قال: صلَّى النبيُّ إحدَى صلاتيْ العَشِيّ - محمدٌ: وأكثرُ ظَنّ أنها العصرُ - ركعتينٍ، ثم سلَّم ثم قام إلى خَشَبةٍ في مقدَّم المسجد فَوَضَعَ يدَه عليها، وفيهم أبو بكر وعُمَرُ فهابا أن يُكلِّماه، وَخَرَجَ سُرْعَانُ الناسِ، فقالوا: أَقَصُرَتْ الصلاةُ؟ ورجلٌ يَدْعُوه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلّم ذُو الیدینِ(١)، فقالَ: أَنسِيتَ أم قَصُرَتْ؟ فقال: لم أَنْسَ ولم تَقْصُرُ، قال: بَلَى، قد نَسِيتَ، فصلَّى ركعتين، ثم سلَّم ثم كبّ فسجَدَ مثلَ سجودِهِ أو أطولَ، ثم رَفَع رأسَه فکِرَ، ثم وَضَعَ رأسَه فكِّرِ فسَجَدَ مثلَ سُجودِه أو أطولَ، ثم رَفَعَ رأسَه وکّر. وقال مُسلِمٌ في باب السهو في الصلاةِ والسجودِ له(٢): وحدثني غَمْرُوِ الناقدُ وزهيرُ بن حرب جميعاً، عن ابن عيينة، قال عَمْرُو أَنِبأنا سفيانُ بن عيينة، قال أنبأنا . أیوبُ، قال سمعتُ محمد بن سِیرین یقول، سمعت أبا هريرة يقول: /٢٥٩ صلَّى بنا رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم / إحْدَى صلاتيْ العَشِيِّ إِمَّا الظهرَ وإمّا (١) كذا في بعض الروايات، وفي بعضها ذا اليدين. ومعنى (يدعوه): يُسمِّيه. (٢) ٦٧:٥ وما يليها. ٥٨٧ العصرَ، فسلَّم في ركعتين، ثم أَنَ جِدْعاً في قِبلةِ المسجد فاستَنَدَ إليها مُغضَباً(١)، وفي القوم أبو بكر وعُمَرُ فهابا أن يتكلَّما، وخَرَج سُرْعانُ الناس: قُصِرَت الصلاةُ(٢)، فقام ذو اليدين فقال: يا رسول اللّه أَقَصُرَتْ الصلاةُ أم نَسِيتَ؟ فَنَظَر النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم يميناً وشمالاً، فقال: ما يقولُ ذو اليدين؟ قالوا: صَدَق، لم تُصلِّ إلَّ ركعتين، فصلِّ ركعيتن، وسَلَّم ثم كَبِّ، ثم سَجَد ثم كبِّر، فرفَعَ، ثم كبِّرَ وسَجَد ثم کبِرَ ورَفَع. قال: وأُخبِرتُ عن ◌ِمرانَ بن حُصَين أنه قال: وسَلَّم. وحدثنا أبو الربيع الزَّهْراني، قال: أنبأنا حماد، قال: أنبأنا أيوب، عن محمد، عن أبي هريرة، قال: صلَّى بنا رسولُ الله إِحْدَى صلاتَيْ العَشِيِّ، بمعنى حديث سفيان . وحدثنا قُتّيبةُ بن سعيد، عن مالك بن أنس، عن داود بن الحُصَين، عن أبي سفيان مولى ابن أبي أحمد، أنه قال: سمعتُ أبا هريرة يقول: صلَّ لنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم صلاةَ العصر، فسَلَّم في ركعتين، فقام ذو اليدينِ فقال: أَقَصُرَتْ الصلاةُ يا رسول الله أم نَسِيتَ؟ فقال رسول الله: كلُّ ذلك لم يكن، فقال: قد كان بعضُ ذلك يا رسول الله، فأقبَلَ رسولُ الله على الناس فقال أَصَدَقَ ذو اليدين؟ فقالوا: نعم يا رسول الله، فأتمَّ رسولُ الله ما بقِيَ من الصلاة، ثم سَجَدَ سجدتين وهو جالسٌ بعد التسليم. وحدثني حَجَّاج بن الشاعر، قال: أنبأنا هارون بن إسماعيل الخَزَّاز، قال: (١) قال الإمام النووي في ((شرح صحيح مسلم)) ٦٨:٥ ((هكذا هو في كل الأصول. والجِذْعُ مذكر، ولكن أنثه على إرادة الخشبة، وكذا جاء في رواية البخاري وغيره: خشبة)». (٢) يعني يقولون: قُصِرَت الصلاة. ٥٨٨ أنبأنا علي، وهو ابنُ المبارك، قال: أنبأنا يحيى، قال: حدثنا أبو سَلَّمة، قال: أنبأنا أبو هريرة، أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم صلَّى ركعتين من صلاة الظهر ثم سَلَّم، فأتاه رجل من بني سُلَيم فقال: يا رسول الله أَقَصُرَتْ الصلاةُ أم نَسِيتَ؟ وساق الحدیث. وحدثني إسحاق بن منصور، قال: أنبأنا ◌ُبيد الله بن موسى، عن شیبان، عن يحيى، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: بينا أنا أصلِّ مع رسول الله صلاةً الظهر سلَّم رسولُ الله من الركعتين، فقام رجل من بني سُلَيم، واقتَصَّ الحدیثَ. وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهيرُ بن حرب جميعاً، عن ابن عُلَيَّة، قال زهير: أنبأنا إسماعيل بن إبراهيم، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أبي المهلَّب، عن عِمران بن حُصَين، أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم صَلَّى العصرّ فسلَّم في ثلاثٍ ركعات، ثم دَخَل منزِلَه، فقام إليه رجلٌ يقال له الخِرْباقُ، وكان في يَدَيْهِ طُولُ، فقال: يا رسول الله، فَذَكَر له صَنِيعَه، وخَرَج غضبانَ يَجُرُّ رداءَه حتى انتَهَى إِلى الناس، فقال: أَصَدَق هذا؟ قالوا: نعم، فصلَّى ركعةً ثم سلِّم، ثم سَجَد سجدتينِ ثم سَلَّمَ. وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا عبد الوهاب الثقفي، قال: حدثنا خالدٌ وهو الحذَّاءُ، عن أبي قلابة، عن أبي المهلَّب، عن عمران بن حصين، قال: سَلَّم رسولُ الله في ثلاثٍ ركعاتٍ من العصر، ثم قام فدَخَلَ الحُجرَةَ، فقام رجلٌ بَسِيطُ اليدينِ فقال: أَقَصُرَتْ الصلاةُ يا رسولَ الله؟ فخرج مُغْضَباً فصلَّ الركعةَ التي كان تَرَك ثم سَلَّم، ثم سَجَدَ سجدتي السهو ثم سَلَّم. اهـ. وآعلمْ أنَّ في حديثِ ذي اليدين فوائدَ جمةً وقواعدَ مهمة(١) (١) هذا الكلام إلى آخره من شرح الإمام النووي على صحيح مسلم ٧١:٥ وما يليها. ٥٨٩ منها: جوازُ النسيان في الأفعالِ والعباداتِ على الأنبياءِ عليهم الصلاة م والسلام، وأنهم لا يُقَرُّون على الخطأ في ذلك. ومنها: أنَّ الواحدَ إذا ادَّعَى شيئاً جَرَى بحضرة جمعٍ كثيرٍ لا يَخْفَى عليهم، سُئلوا عنه، ولا يُعمَلُ بقولِهِ من غير سؤال. ومنها: إثباتُ سجودِ السهو، وأنه سجدتانِ، وأنهما على هيئةِ سجودِ الصلاة، وأنه يُسلِّمُ من سجودِ السهو، وأنه لا تَشْهُّدَ فيه. ومنها: أنَّ كلامَ الناسِي للصلاةِ والذي يَظُنُّ أنه ليس فيها لا يُبطِلُها، وبهذا قال جمهورُ العلماء. وذهَبَ بعضُهم إلى أنَّ الصلاة تَبطُلُ بالكلامِ ناسياً أو / جاهلاً، لحديثِ ابنِ مسعودٍ وزيدٍ بن أرقم، وزَعَمُوا أنَّ الحديثَ الواردَ في قصة ذِي اليدين منسوخٌ بحديثِ ابنِ مسعودٍ وزيدٍ بن أرقم. قالوا: لأنَّ ذا اليدينِ قُتِلَ يومَ بدر، ونَقَلُوا ذلك عن الزهري، قالوا: ولا يَمنَعُ من هذا كونُ أبي هريرة رَوَاه وهو متأخِّرُ الإِسلام عن بَدْرٍ، لأنَّ الصحابيِّ قد يَروِي ما لا يَحِضُرُه، بأن يَسمعَهُ من النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، أو من أحَدِ أصحابِهِ الحاضِرِين لذلك. / ٢٦٠ وقد رَدَّ ذلك ابنُ عبد البر في ((التمهيد)) فقال: أمَّ ادِّعاؤهم أنَّ حديثَ ذي اليدين منسوخٌ بحديث ابن مسعود، فغيرُ صحيح، لأنه لا خِلافَ بين أهلِ الحديث والسِّيّر أنَّ حديثَ ابن مسعود كان بمكة، حين رَجَع من أرض الحبشةِ قبلَ الهجرة، وأنَّ حَديثَ أبي هريرة في قِصَّةٍ ذي اليدين كان بالمدينة، وإنما أسلم أبو هريرة عامَ خيبر سنةَ سَبْعٍ من الهجرةِ بلا خلاف. وأما حديثُ زيدٍ بن أرقم فليس فيه بيانُ أنه قَبْلَ حديث أبي هريرة أو بعدَه، والنظرُ يَشهدُ أنه قَبْلَ حديث أبي هريرة. ٥٩٠ وأما قولهُم: إنَّ أبا هريرة لم يَشهد ذلك فليس بصحيح، بل شهودُه لها محفوظٌ من روايةِ الثقاتِ الحفاظ، ففي البخاريِّ ومسلم وغيرهما أنَّ أبا هريرة قال: صلَّ لنا رسولُ الله صلِّى الله عليه وسلّم إحْدَى صلاتَيْ العَشِيِّ، فسلّمَ من اثنتينِ، وَذَكَر الحديثَ وقِصَّةَ ذي اليدين، وفي روايةٍ: صلَّى بنا رسولُ الله، وفي روايةٍ في مسلم وغيره: بَيْنَا أَنَا أُصَلِّ مِع رسولِ الله . وأمَّا قولهم: إنَّ ذا اليدين قُتِلَ يومَ بدر، فَغَلَطْ، وإنما المقتولُ يومَ بَدٍ ذو الشِّمَالين، وقد ذَكَرهُ ابنُ إسحاق وغيره من أهل السِّيرَ فيمن قُتِلَ يوم بدرٍ، قال ابن إسحاق: ذُو الشِّمَالِينِ هو عُمَير بن عَمْروبن غَبْشَان من خُزَاعة(١)، حَلِيفٌ لبني زُهْرَةِ، فذو اليَدَينِ غيرُ ذِي الشِّمالينِ، ففيه حُضورُ أبي هريرة قِصَّةً ذي اليدين، وأنَّ المتكلِّمَ رجلٌ من بَنِي سُلَيم، وفي روايةِ عِمران بن الحُصَينِ: أنَّ اسمَهُ الخِرْباقُ، كما ذَكَر ذلك مسلم. فَذو اليدين الذي شَهِدَ السهوَ في الصلاة سُلَمِيّ، وذو الشِّمالين المقتولُ ببدر خُزَاعِي، وهو يُخالِفُه في الاسم والنَّسَب. وأما قولُ الزهري في حديثِ السهو: إنَّ المتكلّم ذو الشِّمالين، فلم يُتابع عليه. وقد اضطَرَب الزهريُّ في حديثِ ذي اليدين اضطراباً أوجَبَ عندَ أهلِ العلم بالنقلِ تَرْكَهُ من روايتِهِ خاصَّةً، ولا يُعلَمُ أحدٌ من أهل العلم بالحديثِ المصنَّفين فيه عَوَّلَ عَلى حديثِ الزهري في قِصَّةٍ ذي اليدين، وكلُّهم تركوه لاضطرابِهِ وكونِه لم يُتِمَّ له إسناداً ولا متناً، وإن كان إماماً عظيماً في هذا الشأن، فالغَلَطُ لا يَسلمُ منه بَشَر، والكمالُ لله تعالى، وكلُّ أحَدٍ يُؤْخَذُ من قولِهِ ويُتَرَكُ إلَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلّم. (١) وقع في الأصل (عيشان) تبعاً لما وقع في ((شرح صحيح مسلم)) للنووي ٧٢:٥، وقد وقع في ((الإصابة)) لابن حجر ٤٨٦:١، في ترجمة (ذو الشمالين): (غسان)! والصواب فيه: (غَْشَان) بفتح الغين وقد تضم، يليها باء موحدة، من الغَبَش، وقد جاء على الصحة في ((الاستيعاب)) لابن عبد البر ١: ٤٨٤ و((أسد الغابة)) ١٧٤:٢ وفي ((الإصابة)) ٢: ٤١٤ من الطبعة المحققة . ٥٩١ فقولُ الزهريِّ: إنه قُتِلَ يومَ بَدْر، متروٌ لتحقَّقِ غَلَطِه فيه. ومن أراد زيادةً البيان فليرجع إلى ((التمهيد)). ومن الغريب ما وقع فيما رواه النسائي مما يدلُّ على أنهما واحد، وهو: فقال له ذو الشِّمَالِينِ بنُ عَمْرٍو أنقَصَتْ الصلاةُ أم نَسِيتَ؟ فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: ما يقولُ ذو اليدين؟ فصَرَّح بأنَّ ذُوْ الشِّمالينِ هو ذُوْاليدينِ، لكن نَصَّ الشافعيُّ في ((اختلاف الحديث)) على أنَّ ذا الشِّمَالينِ غيرُ ذي اليدين. قال بعضُ المؤلفين: قولُهُ صلَّى لنا رسولُ الله صلاةَ العصر، فسَلَّم في ركعتين، وفي روايةٍ: صلاةَ الظهر، قال المحققون: هما قضيتان. وفي حديثٍ عِمرانَ بنِ الحُصَينِ: سَلَّم رسولُ الله في ثلاث ركعاتٍ من العصر، ثم دَخَل منزلَه، فقام إليه رجلٌ يقالُ له: الخِرْباقُ فقال: يا رسول الله، فَذَكَرَ له صنيعَه، وخَرَجَ غضبانَ يَجْرُّ رِداءَهُ. وفي روايةٍ له: سَلَّمَ في ثلاثٍ ركعاتٍ من العَصْرِ، ثم قام فدَخَل الحُجْرَةِ، فقام رجلٌ بَسِيطُ اليدينِ فقال: / أَقَصُرَتْ الصلاةُ؟ وحديثُ عِمران هذا قضيّةٌ ثالثةٌ في يومٍ آخر. اهـ. /٢٦١ فقد اختار هذا المؤلِّفُ في الْجَمْع بين الرواياتِ التي نقلناها عن مُسْلمٍ هنا أنْ يُقالَ: سَهَا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ثلاثَ مرات، مرةً في صلاةِ الظهر، ومرَّتينِ في صلاةِ العصر، وفي كل مَرَّةٍ يَقُومُ ذو اليدين فيقولُ: ما نُقِلَ عنه، ويَقُولُ رسولُ الله: أَصَدَقَ ذو اليدين؟ أو هذا؟ فيقولُ الناسُ: نعم. وسَبَبُ اختيار ذلك مع غرابةِ اتفاقٍ مثلِ هذه الحالِ ثلاثَ مرَّاتٍ: الحِرْصُ على صَوْنِ بعضِ الرواةِ من نسبةِ الوَهَمِ أو الغَلَطِ أو السَّهوِ إليهم، مع أنه لا مَلامَ في مثل ذلك عليهم، فارْبأ بنفسِك عن الاعتراضِ على كثير مما يُقالُ، فإنَّ في ذلك إضاعةً للوقتِ، وهي عَثْرَةٌ لا تُقَالُ. والمُصَحَّفُ هو ما وقعَتْ المخالفَةُ فيه بتغييرِ النَّقْطِ في الكلمة، مع بقاءٍ صُورةٍ الخطّ فيها. ٥٩٢ ومثالُهُ حديثُ: من صام رمضانَ وأَتبعَهُ سِتّاً من شَوَّال. إذا غَيَّرْتَ سِتّاً وَجَعَلْتَهَا شَيْئاً، كما وقَعَ ذلك لبعض الأدباء فيه. والتصحيفُ كما يقع في المتن يقَعُ في الإِسناد، ومثالُهُ فيه تصحيفُ بعض المحدِّثين: ابنَ مُرَاجِم(١)، وهو بالراء والجيم، بابنِ مُزَاحِم، بالزاي والجاء. والمحرَّفُ هو ما وَقَعَتْ المخالفَةُ فيه بتغيير الشَّكْلِ في الكلمةِ، مع بقاءٍ صُورةٍ الخَطِّ فیھا . ومثالُ ذلك ما وقَعَ لبعض الأعراب، فإنه رأَى في كتابٍ من كتبٍ الحديث أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان إذا صلَّى نُصِبَتْ بين يديهِ عَنْزَة. والعَنَزَةُ الْحَرْبَةُ، فظَنَّها بسكونِ النون، ثم رَوَى ذلك بالمعنى على حسَبٍ وَهْمِه، فقال: كان النبي صلَّى الله عليه وسلَّم إذا صَلَّى نُصِبَتْ بين يديه شاةٌ. وكما يقَعُ التحريفُ في المتنِ يقَعُ في الإِسناد. ومثالُهُ فيه أن تَجعَلَ بَشِيراً بفتح الباء وكسر الشين، بُشَيراً بضم الباء وفتح الشين. وقِسْ على ذلك ما أشبهه . واعلم أنَّ التصحيفَ والتحريفَ قد يُطلَقُ كلُّ منهما على ما يُشمَلُ هذيْنٍ النوعين، بل قد يُطلَقُّ كلٌّ منهما على كلِّ تغييرِ يقَعُ في الكلمة، ولو مع عدَمِ بقاءِ صُورةِ الخَطِّ فيها. تنبيه: كثيراً ما يُحاوِلُ أُناسٌ إزالةَ التصحيف عن كلماتٍ يتوهمون أنها قد صُحِّفَتْ، فَيُغيِرونها بما بَدَا لهم، لا سيما إن كان قريبَ المأخذ، فَيَحدُثُ بذلك التصحيفُ بعدَ أن لم يكن، وهم يظنون أنهم أزالوه بَعْدَ أنْ كان. ومن أمثلة ذلك ما ذكره الحافظ ابن حجر في ((تخريج أحاديث الرافعي))، حيث قال: حديثُ عمران بن حصين: من صَلَّى قائماً فهو أفضَلُ، ومن صَلَّى قاعداً فله (١) وهو العَوَّام بن مُرَاجِمٍ. والمصحَّفُ فيه هو الإِمامُ يحيى بن معين، كما في ((مقدمة ابن الصلاح)) ص ٢٤١ في (النوع الخامس والثلاثين). ٥٩٣ نصفُ أجْرِ القائم، ومن صلى نائماً فله نصفُ أجْر القاعد. البخاري بلفظِ أنه سُئل رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم عن صلاةِ الرجل قاعداً، فقال: إن صلَّى قائماً فهو أفضَلُ، ومن صَلَّى قاعداً فله نصفُ أجرٍ القائم، ومن صلَّى نائماً، الحديثَ مثله. تنبيه: المرادُ بالنائم: المضطجِعُ. وصحَّفَ بعضُهم هذه اللفظة، فقال: إنما هو صَلَّى بإِماءٍ أي بالإِشارة كما رُوِيَ أنه صلَّى الله عليه وسلَّم صلَّى على ظهر الدابة يُومِىءُ إيماءً، قال: ولو كان من النومٍ لعارَضَ نَهْيَهُ عن الصلاةِ لمن غَلَبه النوم. وهذا إنما قاله هذا القائلُ بناءً على أنَّ المرادَ بالنومِ حقيقتُهُ، وإذا حُمِلَ على الاضطجاع اندفع الإِشكال. قولُه: ويُروَى: صلاةُ النائم على النَّصْفِ من صلاةِ القاعد. قلتُ: رواه بهذا اللفظِ ابنُ عبد البر وغيرُهُ، وقال السُّهَيْلِيُّ في ((الروض)) ربما نَسَبَ بعضُ الناسِ النسائيّ إلى التصحيف، وهو مردودٌ لأنه في الروايةِ الثابتةِ: وصَلاةُ النائِم على النِّصفِ من صلاة القاعِد. قلتُ: وهو يَدفعُ ما تعلَّل به القائلُ الأول. وقال ابنُ عبد البر: جُهورُ أهلِ العلم لا يُجيزون النافلةَ مضطجعاً، فإن أجاز أحَدٌ النافلةَ مضطجِعاً مع القُدرةِ على القيامِ، فهو حُجَّةٌ له، فإن لم يُجزه / أحدٌ /٢٦٢ فالحديثُ إِمَّا غلَطّ أو منسوخ. وقال الخَطَّبيُّ: لا أحفَظُ عن أحدٍ من أهلِ العلم أنه رَخَّصَ في صلاةِ التطوع نائماً كما رَخّصوا فيها قاعداً، فإن صَحَّتْ هذه اللفظةُ، ولم تكن من كلام بعضِ الرواة أدَرَجَها في الحديثِ، وقاسَهُ على صلاةِ القاعد، أو اعتبرَهُ لصلاةِ المريض نائماً إذا عَجَزَ عن القعود، جاز التطوُّعُ مضطجعاً للقادر على القعود. انتهى . وما ادَّعَيَاهُ مِن الاتفاق على المنْع مردودٌ، فقد حكاه الترمذيُّ عن الحسن البصري، وهو أصحُّ الوجهين عند الشافعية. اهـ. وقد ذكرنا كثيراً مما يتعلَّقُ بالتصحيفِ فيما سَبَقَ. هذا، وقد بَقِيَ مما يتعلَّق بمُخالفَةِ الراوِي لغيره من الثقات مما لم نذكره سابقاً قِسمٌ يُسمَّى بالَزِيد في متصل الأسانيد، وهو ما كانت المخالفَةُ فيه بزيادةِ راوٍ في ٥٩٤ الإِسناد وقد جَمَع الحافظُ العراقي بينه وبين خفيِّ الإِرسالِ في موضعٍ واحد، وابتَدَأ بخفيِّ الإِرسال فقال فيه: هو أن يَروِيَ الرجلُ عمن سَمِعَ منه ما لم يَسمع منه، أو عمن لَفِيَه ولم يَسمع منه، أو عمن عاصَرَه ولم يَلْقَه، فهذا قد يَخْفَى على كثيرٍ من أهل الحديث، لكونهما قَد جَمَعَهما عصرٌ واحِد. وهذا النوعُ أَشبَهُ برواياتِ المدِّسين، وقد أفرده ابنُ الصلاح بالذكر عن نوع المرسَل فتَبِعتُه على ذلك. ثم ذَكَر أنَّ خَفِيَّ الإِرسالِ يُعرَفُ بأربعة أمور: أحدُها أن يُعرَفَ عدَمُ اللقاء بينهما بنصِّ بعضِ الأئمة على ذلك، أو يُعرَفَ ذلك بوجهٍ صحيح . الثاني أن يُعرَفَ عِدَمُ سماعِهِ منه مطلقاً بنصِّ إمامٍ على ذلك أو نحوه. الثالثُ أن يُعرَفَ عدَمُ سماعِهِ منه لذلك الحديث وإن سَمِعَ منه غيرَه، وذلك إمَّا بنصِّ إمامٍ أو إخبارِهِ عن نفسِهِ في بعضِ طرقِ الحديث أو نحوِ ذلك. الرابعُ أن يَردَ في بعض طرق الحديث زيادةُ اسمٍ راوٍ بينهما. ثم قال: وهذا القسمُ الرابعُ محلُّ نظر، لا يُدركُه إلَّ الْحُفَّاظُ النّقَّاد، ويَشتبه ذلك على كثيرٍ من أهل الحديث، لأنه ربما كان الحكمُ الزائدِ، وربما كان الحكمُ للناقصِ والزائدُ وَهَمّ، فيكونُ من نوعِ : الَزِيد في متصلِ الأسانيد. ولذلك جَمَعتُ بينه وبين خفيِّ الإِرسالِ وإن كان ابنُ الصلاحِ جُعَلَهما نوعين. وكذلك الخطيبُ أفرَدَهما بالتصنيف. وصنَّفَّ في الأوَّلِ كتاباً سمَّه ((التفصيل لمبهم المراسيل))، وصنَّفَ في الثاني كتاباً سمّه ((تمييز المَزِيد في متصِل الأسانيد))، وفي كثير مما ذكره فيه نظر، والصوابُ ما ذكره ابنُ الصلاح من التفصيل واقتصرتُ عليه. اهـ. ولنذكر ما ذكره ابنُ الصلاح في ذلك برمته، قال: النوعُ السابعُ والثلاثون معرفةُ المزید في متصل الأسانید. مثاله ما رُوِي عن عبد الله بن المبارك، قال: حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: حدثني بُشْر بن عبيد الله، قال سمعت أبا إدريس يقول، سمعتُ واثِلَة بن الأسْقَع يقول، سمعت أبا مَرْتَد الغَنَوِيَّ i ٥٩٥ يقول: سمعتُ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: لا تَجلِسُوا على القبور، ولا تُصَلُّوا إليها. فذِكْرُ سفيانَ في هذا الإِسناد زيادةٌ ووَهَمٌ، وهكذا ذِكرُ أبي إدريس. أما الوَهَمُ في ذكر سفيان فمِن دُونِ ابن المبارك، لا من ابن المبارك، لأنَّ جماعاتٍ ثقاتٍ رَوَوْهُ عن ابن المباركِ، عن ابنِ جابر نفسِهِ، ومنهم من صَرَّح فيه بلفظ الإِخبارِ بينهما. وأما ذِكرُ أبي إدريس فيه فابنُ المبارك منسوبٌ فيه إلى الوَهَم، وذلك لأنَّ جماعةً من الثقات رَوَوْهُ عن ابن جابر، فلم يذكروا أبا إدريس بين بُسْرٍ وواثِلَة، وفيهم من صَرَّح فيه بسماعٍ بُشْرٍ من واثلة. قال أبو حاتم الرازي: يَرَوْن أنَّ ابنَ المبارك وَهِمَ في هذا. وكثيراً ما يُحدِّثُ بُسْرٌ عن أبي / إدريس فغَلِطَ ابنُ المبارك وظَنَّ أنَّ هذا مما رُوِيَ عن أبي إدريس، عن وائلة. وقد سَمِعَ هذا بُسْرٌ من واثلة نفسِه. /٢٦٣ قلت: قد ألَّفَ الخطيبُ الحافظ في هذا النوع كتاباً سماه («تمييزَ الَزِيد في متصِل الأسانيد))، وفي كثير مما ذكره نَظَر، لأنَّ الإِسنادَ الخاليّ عن الراوي الزائدِ إن كان بلفظةٍ عن في ذلك، فينبغي أن يُحكّم بإرسالِهِ، ويُجْعَلَ معلَّلاً بالإِسنادِ الذي ذُكِرَ فيه الزائد، لما عُرِفَ في نوع المعلَّل، وكما يأتي ذِكرُه إن شاء الله في النوع الذي يليه، وإن کان فيه تصريحٌ بالسماع أو بالإخبارِ كما في المثال الذي أوردناه فجائزٌ أن يكون قد سَمِعَ ذلك من رجل عنه، ثم سَمِعَه منه نفسِهِ، فيكون بِشْرٌ في هذا الحديث قد سَمِعَه من أبي إدريس عن وائِلة، ثم لَقِيَ وائِلَةَ فَسَمِعَه منه، كما جاء مثلُهُ مصَّر حاً به في غير هذا. اللهم إلاَّ أن تُوجَّدَ قرينةٌ تدلُّ على كونِهِ وَهَماً، كنحوٍ ما ذكره أبو حاتم في المثالِ المذكور. وأيضاً فالظاهرُ ممن وقع له مثلُ ذلك أن يَذكُرَ السَّمَاعينِ، فإذا لم يجىء عنه ذكرُ ذلك، حملناه على الزيادةِ المذكورةِ، والله أعلم. وقال بعض العلماء بعدَ ما أورَدَ ما ذكروه في حكم هذا النوع: وبالجملة: فلا يَطَّرِدُ الحكمُ هنا بشيء معينَّ، كما لم يَطَّرِد ذلك في تعارُضِ الوَصْلِ والإِرسال. ! ٥٩٦ وقد أحببنا أن نُورِدَ ذلك لمناسبته لما نحن فيه: فنقول: إذا اختَلَف الرواةُ في حديثٍ، فرواه بعضُهم متصلاً، وبعضُهم مرسَلًا، فللعلماءِ في ذلك أربعة أقوال القولُ الأول أنَّ الحكم لمن وَصَل، وهو الأظهر، وإليه ذهب علماءُ الأصول. القولُ الثاني أنَّ الحكم لمن أرسَل، ويُحكَّى عن أكثر أصحابِ الحديث. القولُ الثالثُ أنَّ الحكم للأكثر، فإن كان من أرسَلَهُ أكثَرَ ممن وصَلَه فالحكمُ للإِرسال، وإن كان من وصَلَه أكثرُ ممن أرسَلَه فالحكمُ للوصل. القولُ الرابعُ أنَّ الحكم للأحفَظ، فإن كان من أرسَلَه أحفَظَ فالحكمُ للإِرسال، وإن كان من وَصَلَه أَحْفَظَ فالحكمُ للوصل . والذي يَظهرُ أنَّ محلَّ كلِّ قولٍ من هذه الأقوال إنما هو فيما لم يَظهر مُرِّجِّحٌ لخلافِهِ، ومن تتَّعَ آثارَ متقدِّمي هذا الفن، كابنِ مهدي والقطانِ والبخاريِّ وَأحَدَ، ظهَرَ له أنهم لم يَحكموا في هذه المسألةِ بحُكمٍ كليّ، بل جَعَلوا المعوَّلَ في ذلك على المرجّح، فمتى وُجِدَ كان الحكمُ له، ولذلك تراهم يُرجِّحون تارةً الوَصْلَ، وتارةً الإِرسالَ، كما يُرجِّحون تارةً عدّدَ الذواتِ على الصفات، وتارةً العكس. ومما يُناسِبُ هذه المسألةَ مسألةٌ أخرى يجعلونها تاليةً لها في الذكر، وهي ما إِذا رَفَع بعضُهم الحديثَ إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، ووَقَفهُ بعضُهم على الصحابي، أو رَفَعَه واحدٌ في وقتٍ، ووَقَفَه هو أيضاً في وقتٍ آخَر. وقد اختُلِفَ في هذه المسألة. فقال بعضُهم: إنَّ الحُكمَ للرافع، لأنه مُثبِتٌ وغيرُ ساكتٍ، ولو كان نافياً فالمُثْبِتُ مقدَّمُ عليه، لأنه عَلِمَ ما خَفِي عليه. وقال بعضُهم: إنَّ الحُكمَ للواقِف، ويُحكَى عن أكثرِ أصحابٍ الحديث. وقال بعضُهم: إِنَّ الْحُكمَ للرافِع إلاّ أن يَقِفَه الأكثرون. وقد أشار إلى هذا ٥٩٧ القولِ العلامة ابنُ الجوزي في ((موضوعاته))(١) حيث قال: إنَّ البخاريَّ ومسلماً تَرَكا أشياءَ، تَرْكُها قريب، وأشياءَ لا وَجْهَ لتركِها، فمما لا وَجْهَ لتركِهِ أن يَرفعَ الحديثَ ثقةٌ ويَقِفَه آخَرُ، فَتَرْكُ هذا لا وَجْهَ له، لأنَّ الرفعَ زيادةٌ، والزيادةُ من الثقةِ مقبولة، إلَّ أن يَقِفَه الأكثرُ ويَرِفعَهُ واحدٌ، فالظاهِرُ غَلَطُه، وإن كان من الجائز أن يكون حَفِظُ دونهم. قال الحاكم: قلتُ للدارقطني: فخَلَّدُ بنُ يحيى؟ فقال: ثقة، إنما أخطأ في حديثٍ واحد فرفَعَه، ووَقَفَه الناسُ. وقلتُ له: فسعيدُ بنُ عُبَيْد الله الثقفيُّ؟ فقال: ليس بالقويِّ، يُحدِّثُ بأحاديثَ يُسندها، وغيرُهُ يقِفُها. هذا، وقد ذكرنا / في الضعيفِ وأقسامِهِ(٢) ما فيه تَبْصِرةٌ للمبتدِي وتذكِرةٌ /٢٦٤ لغيره، إلَّ بَحْثَ المعلَّل، فإنَّا لم نُوقَّه حقّه من البيان، مع أنَّه من أهمِّ المباحِث، فأحببنا إفرادَهُ بالبحثِ اعتناءً بشأنه . وقبلَ أن نَشرِعَ في ذلك نقول: كما أنَّ للحديثِ المقبولِ وهو الصحيحُ ونحوُهُ مراتبُ، كذلك للحديثِ المردودِ وهو الضعيفُ ونحوُه مراتبُ. والضعيفُ إِذا رُنِّبَ على حسَبِ شدةِ الضعف قُدَّمَ الموضوعُ، وهذا أمرٌ لا خِلاف فيه، ويتلوه المتروكُ، ثم المنكرُ، ثم المُعلَّلُ، ثم الُدرَجُ، ثم المقلوبُ، ثم الْمُضْطَِّبُ. وقال الخطابيُّ: شَرُّها الموضوعُ، ثم المقلوب، ثم المجهول. وقال بعضُهم: الضعيفُ الذي ضعفُهُ لا لعدمِ الاتصالِ يُقدَّمُ فيه الموضوعُ، ثم المتروكُ، ثم المُدْرَجُ، ثم المقلوبُ، ثم المنكرُ، ثم الشاذُّ، ثم المعلِّلُ، ثم المضطرِبُ. والضعيفُ الذي ضَعْفُه لعدمِ الاتصال يُقدَّمُ فيه المعضَلُ، ثم المنقطعُ، ثم المدلَّسُ، ثم المرسَلُ. وهذا الترتيبُ الذي ذكروه إنما نظروا فيه إلى الجملة، وإلّ فقد يكون في المقدَّمِ ما هو أخَفُّ ضعفاً مما بعدَهُ. وانظُر إلى المُعْضَلِ مثلاً، فإنهم قدَّموه على المنقطع، وجعلوه أسوأَ منه حالاً، مع أنَّ المنقطِعَ قد يكون مُساوياً للمُعضَل، وذلك فيما إذا كان الانقطاعُ فيه من موضعين، وكان المعضَل قد سَقَطَ منه اثنانٍ فقط على الشرطِ (١) في ١ : ٣٤. (٢) في ص ٥٤٦ وما بعدها. ٠ ! i ٠ ٥٩٨ وهو التوالي، وقد يكون أسوأ حالاً منه وذلك فيما إذا كان الانقطاعُ فيه من ثلاثةِ مواضع، وحينئذٍ فتقديمُ المعضَّل على المنقطع والحُكمُ عليه بأنه أسوأ حالاً منه إنما هو بالنظرِ للغالب، فهو حُكمٌ مبنيٌّ على الجملة، فينبغي الانتباهُ لذلك ولما أشبَهَه. بيانٌ شافٍ للمُعلَّلِ من الحديث هذا النوعُ من أجلِّ أنواع علوم الحديثِ وأشرَفِها، وأدقِّها وأغمضِها، ولا يقومُ به إلَّ من كان له فَهْمٌ ثاقب، وحفظٌ واسِع، ومعرفةٌ تامَّةٌ بالأسانيدِ والمتونِ وأحوالٍ الرواة، ولهذا لم يَتكلّم فيه إلَّ القليلُ من أئمة الحديث، كعليّ بن المديني، وأحمد بن حنبل ، والبخاري، ويعقوب بن أبي شيبة ، وأبي حاتم الرازي ، وأبي زرعة ، والدارقطني . ويقالُ للمُعَلِّ: المَعْلُولُ والْمُعلَّلُ، أما المَعْلُولُ، فقد وَقَع في كلام البخاري والترمذي وابن عدي والدارقطني وأبي يعلى الخليلي والحاكم وغيرهم. وقد أنكَر بعضُ العلماء ذلك من جهةِ اللغة وأنهم قالوا: إنَّ المعلولَ في اللغة اسمُ مفعول من عَلَّه إذا سَقَاه السَّقْيَةَ الثانية. وتعقّبَهم آخرون فقالوا: قد ذُكِرَ في بعض كتب اللغة: عَلَّ الشيءُ إذا أصابَتْهُ عِلَّ فيكونُ لفظُ معلولٍ هنا مأخوذاً منه، قال ابنُ القُوطِيَّة: عَلَّ الإِنسانُ مَرِضَ، والشيءُ أصابَتْهُ العِلَّةُ، فيكون استعمالُهُ بالمعنى الذي أرادوه غيرَ منكر، بل قال بعضُهم: استعمالُ هذا اللفظِ أولى لوقوعِهِ في عبارات أهلِ الفن، مع ثبوتِهِ لغةً، ومن حَفِظَ حُجَّةٌ على من لم يحفظ. قال ابنُ هشام في ((شرح بانت سعاد)) عند قولِ کعب : تَجْلُو عَوَارِضَ ذِي ظَلْمٍ إذا ابْتَسَمَتْ كَأَنَّه مَنْهَلٌ بالرَّاحِ مَعْلُولُ قولُه: معلولُ، اسمُ مفعول، كما أنَّ مَنْهَلا كذلك، إلَّ أنَّ فِعلَهِ ثلاثيٌّ مجرَّد، يُقالُ: عَلَّهُ يَعُلُّه بالضم على القياس، ويَعِلُّهُ بالكسر إذا سَقَاه ثانياً، وأصلُ ذلك أَنَّ ٥٩٩ الإِبل إذا شَرِبَتْ في أولِ الوِرْدِ سُمِّيَ ذلك نَهَلاً، فإذا رُدَّتْ إلى أعطانِها، ثم سُقِيَتْ الثانيةَ سُمِّي ذلك العَلَل. وزَعَم الحريريُّ أنَّ المعلولَ لا يُستعمل إلَّ بهذا المعنى، وأنَّ إطلاقَ الناس له على الذي أصابته العِلَّةُ وَهَمٌ، وأنه إنما يقالُ لذلك: مُعَلِّ من أعلَّهُ الله، وكذا قال ابنُ مَكِّي وغيرُه، ولَّنوا المحدِّثين / في قولهم: حديثٌ معلول، وقالوا: الصوابُ مُعَلِّ أو مُعَلَّل. انتهى . / ٢٦٥ والصوابُ أنه يجوز أن يقالَ: عَلَّهُ فهو معلولٌ من العِلَّةِ، إلاّ أنه قليلٌ، وممن نَقَل ذلك الجوهريُّ في ((صحاحه))(١)، وابنُ القُوْطِية في ((أفعاله))، وقُطْرُب في ((كتاب فَعَلْتُ وأَفْعَلْتُ))، وذَكَر ابنُ سِيْدَهْ في ((المحكم)) أنَّ في كتاب أبي إسحاق في العَرُوض معلُول، ثم قال: ولستُ على ثقةٍ منه. انتهى. قيل: ويَشهَدُ بهذه اللغةِ قولهُم: عَلِيل، كما تقولُ: جَرِيحٌ وقَتِيل. انتهى. ولا دليلَ في ذلك، لقولهم: عَقِيدٌ وضَمِير، وهما بمعنى مُفعِل لا بمعنى مفعول. ونظيرُ هذا أنَّ المحدِّثين يقولون: أعضَلَ فلانٌ الحديثَ فهو مُعْضَل بالفتح، ورُدَّ بأنَّ المعروفَ أعضَلَ الأمرُ فهو مُعْضِل، كأَشْكَل فهو مُشكِل . وأجاب ابنُ الصلاح بأنهم قالوا: أمْرٌ عَضِيل أي مُشْكِل، وفَعِيلٌ يَدُلُّ على الثلاثي، فعلى هذا يكونُ لنا عَضَلَ قاصراً، وأعضَلَ متعدِّياً وقاصِراً، كما قالوا: ظَلَّمَ الليلُ وأظلَمَ الليلُ، وأظلَمَ اللَّهُ الليلَ. انتهى. وقد بيّنا أن فَعيلاً يأتي من غير الثلاثي، ثم إنه لا يكون من الثلاثيِّ القاصر. اهـ. وأما المُعلِّلُ فقد شاع استعمالُ القوم له وذَاعَ، وهو اسمُ مفعول من قولك: علَّلْتُه تعليلاً، إلاَّ أنَّ التعليلَ في اللغةِ لا يُناسِبُ المعنى المراد، لأنه بمعنى الإِلهاءِ، تقولُ: عَلَّلتُ الصبِيَّ بالطعام تعليلاً إذا ألهيتَهُ عن اللََّن. ولذا قال بعضهم: الأحسَنُ أن يُسمَّى هذا النوعُ بِالْمُعَلِّ، لأنَّ الأكثرَ في استعمالِ الفعل أن يقولوا: أعلَّه (١) ٥ :١٧٧٤. ٦٠٠ فلانٌ بكذا، والقياسُ فِيه أن يكون اسمُ المفعولِ مِنه مُعَلَّاً، وهو المعروفُ في اللغة، وإن كان نادرَ الاستعمالِ، فإنَّ الأكثرَ في الاستعمالِ لفظُ عليل، وقد جاء مُعَلٌّ في عبارة بعض المحدثين. وهذا أوانُ الشروع في إيرادِ عبارات القوم في الُعَلِّ، قال جامعُ أشتاتٍ هذا الفنِّ الحافظُ ابنُ الصلاح: النوعُ الثامِنَ عَشَر: معرفَةُ الحديث المُعلَّل، ويُسِمِّيه أَهْلُ الحديث: المعلول، وذلك منهم ومن الفقهاء في قولهم في باب القياس: العِلَّةُ والمعلولُ، مرذولٌ عند أهل العربية واللغة (١) .. اعلم أن معرفة عِلَل الحديث من أجلِّ علوم الحديث وأدقِّها وأشرفِها، وإنما يَضْطَلِعُ بذلك أهلُ الحفظِ والخِيرةِ والفهمِ الثاقب، وهي عبارةٌ عن أسبابٍ خفيَّةٍ غامضةٍ قادحةٍ فيه، فالحديثُ الُعلَّلُ هو الحديثُ الذي اطُّلِعَ فيه على عِلَّةٍ تقدَحُ فِي صحتِه، مع أنَّ الظاهر السلامةُ منها . وَيَتَطَرَّقُ ذلك إلى الإِسنادِ الذي رجاله ثقاتٌ، الجامعِ شُرُوطَ الصحةِ من حيث الظاهرُ. ويُستَعانُ على إدراكِها بتفُّدِ الراوي، وبمخالفةِ غيرِهِ له، مع قرائنَ تنضمُّ إلى ذلك، تُنبّهُ العارفَ بهذا الشأن على إرسالٍ في الموصول، أو وقفٍ في المرفوع، أو دُخولِ حديثٍ في حديث، أو وَهَمِ واهم بغير ذلك، بحيث يَغلِبُ على ظَنِّه ذلك فيَحكُمُ به أو يَتَردِّدُ فيتوقَّفُ فيه، وكلُّ ذلك مانعٌ من الحكم بصحةٍ ما وُجِدَ ذلك فيه . وكثيراً ما يُعلِّلون الموصولَ بالمرسَل، مثلُ أن يجيءَ الحديثُ بإسنادٍ موصول، ويجيءَ أيضاً بإسنادٍ منقطعٍ أقوى من إسنادٍ الموصول، ولهذا اشتَمَلَتْ كتبُ عِلّل الحديثِ على تَجْعِ طُرُقِهِ (٢): قال الخطيب أبو بكر: السبيلُ إلى معرفةٍ عِلَّةِ الحديث أن (١) قوله: (مَرْذُولٌ) أي: ضعيفٌ. ووقع في الأصل (مردود)، وهو تحريف عن (مرذول) كما في «مقدمة ابن الصلاح» ص ٩٦. (٢) قولُه: (على جَمْعَ طُرُقِهِ) هكذا هو الصواب (جمْع) بفتح الجيم بعدها ميم ساكنة ثم = ٦٠١ يُحِمَع بين طُرُقِه، ويُنظَرَ في اختلافِ رُواتِه، ويُعتَبرُ بمكانِهم من الحفظِ، ومنزلتهم في الإتقانِ والضبط. ورُوِيَ عن علي بن المديني قال: البابُ إذا لم تُجمَع طُرُقه، لم يَتبيِنَّ خَطَّوه. ثم قد تقَعُ العلَّةُ في إسنادِ الحديثِ وهو الأكثر، وقد تقَعُ في متنِه، ثم ما يقَعُ في الإِسنادِ قد يقدَحُ في صحةِ الإِسنادِ والمتنِ جميعاً، كما في التعليل بالإِرسالِ والوقفِ، وقد يقدَحُ في صحةِ الإِسنادِ خاصةً من غيرِ قدحٍ في صحة المتن. فمن أمثلةِ ما وقعَتْ العلةُ في إسنادِهِ من غير قدحٍ في المتن: / ما رواه الثقةُ /٢٦٦ يَعْلَى بِنُ عُبَيد، عن سفيان الثوري، عن عَمْرِوبن دينار، عن ابن عمر، عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: البيِّعانِ بالخِيار، الحديث. فهذا الإِسنادُ متصِلٌ بنقلِ العدلِ عَنْ العدلِ ، وهو مُعلَّل غيرُ صحيح، والمتنُ على كل حالٍ صحيح، والعِلَّةُ في قوله: عن عَمْرو بن دينار، إنما هو عن عَبْدِ الله بن دينار، عن ابنِ عمر، هكذا رواه الأئمةُ من أصحابٍ سفيان عنه، فوَهِمَ يَعْلَى بن عُبَيد، وعدَلَ عن عبدِ الله بن دينار إلى عَمْرِو بن دينار، وكلاهما ثقة. ومثالُ العلة في المتن: ما انفرد مسلم بإخراجِهِ في حديث أنسٍ من اللفظ المصرِّحِ بنفي قراءةٍ بسم الله الرحمن الرحيم. فعلَّل قومٌ روايةَ اللفظِ المذكورِ لَّا رأوا الأكثرين إنما قالوا فيه: فكانوا يستفتحون القراءةَ بالحمدُ لله رب العالمين، من غير تعرُّضٍ لذكرِ البسملة، وهو الذي اتفق البخاري ومسلم على إخراجِهِ في الصحيح، ورأوا أنَّ من رواه باللفظِ المذكور رواه بالمعنى الذي وَقَع له، ففَهِمَ من قولِهِ: كانوا يستفتحون بالحمدُ، أنَّهم كانوا = عين. كما جاء في نسخة مخطوطة عندي من ((مقدمة ابن الصلاح)»، ووقع في الأصل تبعاً لجملة نُسَخ من ((مقدمة ابن الصلاح)) مطبوعة: (على جميع) بالياء المثناة بعد الميم وهو خطأ وقع اتفاق جملة من النسخ عليه، فاعرفه.