Indexed OCR Text

Pages 601-620

٥٤٣
1
يكون مُبَيِّناً للعامِّ اللاحِق، فيكون المرادُ من العامِّ ما وراءَ قَدْرِ المخصوصِ بطريقٍ
البيان .
والجوابُ فيه على قولِ مشايخ سمرقند كذلك، إذا لم يكن بينهما زمانٌ يَصلُح
للنسخ، لأنه لا يندفعُ التناقضُ إلَّ بهذا الطريق، فأمَّا إذا كان زمانٌ يَصلُح للنسخ،
فقالوا: يُتَوَقَّفُ في حقِّ الاعتقاد، ويُعمَلُ بالنصِّ العامِّ بعمومِهِ، / ولا يُبنَى على /٢٣٧
الخاص. اهـ.
وقد ذَكَرَ كثيرٌ من علماءِ الأصول أنَّ الدليلين المتعارِضَين قد يكونانِ متقارِنين في
الورود عن الشارع، وبيّنوا الحكمَ في ذلك، فقالوا: وإن تقارَنَ المتعارِضانِ، فان
تعذَّر الجمعُ بينهما بُحِثَ عن الراجح منهما، فإن لم يُعلَم تعينَّ المصيرُ إلى التخيير.
ولم يتعرَّضوا لذكرِ النَّسْخ هناً، لِمَا أَنَّ من شرطِهِ التراخِيَ بينهما، فإذا تقارَنا في
الورودِ لم يُمكِن جَعْلُ أحدِهما ناسخاً، والآخَرِ منسوخاً.
وقد استشكَلَ بعضُ العلماء ذلك، فقال: إنَّ التَّقَارُنَ بين المتنافَِيْنْ لا يُتصوَّرُ في
كلام الشارع، لأنه تناقُضٌ لا يليق بمنصِبهِ، بل لا بد أن يكون أحدُهما متأخراً، إلاَّ
أنه ربما جُهِلَ التاريخ .
وقد أجاب عن ذلك بعضُهم فقال: يجوزُ:
أن يُرادَ بالتقارُنِ هنا التقارُنُ في زَمَنِ التكلُّمِ بالنسبةِ إليه تَقدَّسَ وتعالى، على
الوجهِ المتصوَّرِ في حَقِّهِ، إذ لا يَلزَمُ عليه تناقضٌ، لأنه لا يَلزَمُ أنْ يكون ذلك الزمانُ
زمانَ النسبة .
وأن يُرادَ بهِ التقارُنُ في النزولِ على النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، إذْ
لا يَلْزَمُ عليه تناقُضٌ لما ذُكِرَ.
وأن يُرادَ به التقارُنُ في الوُرُودِ أي الوصولِ إلينا أي إلى الطبقةِ الأولَى منا،
الآخِذِينَ عنه عليه أفضلُ الصلاة والسلام إن تُصوِّرَ تقارُنُ ذلك، إذ لا يَلزَمُ عليه
تناقض أيضاً لما ذُكِرَ.

٥٤٤
وأن يُرادَ به التعاقُبُ بالنسبةِ لزمانِ المتكلِّم، أو زمانِ النزول، أو زمانِ الوُرُودِ
خصوصاً في الأخير. ومن المشهور أنَّ تقارُنَ الأقوالِ مع اتحادِ القائلِ الحادثِ ليْس
إلّ بمعنى التعاقُب.
هذا، ولعلَّ الأسبقَ إلى الفهم من كلامِهم أنَّ المدارَ في التقارُن بمعناه الظاهر،
أو بمعنى التعاقُبِ وغيرِهِ بالنسبة للكتاب على زمانِ النزولِ ، وبالنسبةِ للسُّنَّةِ على زمانٍ
الورودِ أي التكلَّم منه عليه أفضل الصلاة والسلام.
على أنَّ لقائلٍ أن يقول: إنَّ التقارُنَ بين المتنافِين لا يَلزَمُ على الإطلاق أن
یکون تناقضاً محذوراً، جواز أن يكون للتخيير بينهما أو لحكمةٍ أخرى ..
فإن قلتَ: حَمْلُ التقارُنِ على التعاقُبِ لا يَصحُّ هنا، لأنَّ مقتضاه النَّسْخُ، ولم
يُذكَر في أحكام هذا القسم.
قلتُ: قد يُمنَعُ أنَّ مقتَضَاهُ ذلك، بناءً على اعتبارِ التراخي في النَّسْخِ. انتَهَى
ما أجاب به. وليتَهُ لو أَتَ بمثالٍ لِيُعْلَمَ أنَّ هذه المسألةَ ليست محصورةً في دائرةِ الخيال،
ككثير من المسائل المفروضةِ التي لا يَناُها سوى الوَهْمُ، لا سيما إن كانت بعيدةً عن
الفهم .
وقد وقع في كتب أصول الفقه مسائلُ كثيرة مبنيّة على مجرَّدِ الفَرْض، وهي ليسَتْ
داخلةً فيه، وكثيراً ما أوجَبَ ذلك حَيرةَ الْمُطالِعِ النبيه، حيث يَطلُب لها أمثلةً، فَيَرجِعُ
بعدَ الجدِّ والاجتهاد، ولم يَحِظَّ بمثالٍ واحدٍ.
فينبغي الانتباهُ هذا الأمرِ ولِمَا ذكره بعضُ العلماء، وهو أنَّ كلَّ مسألةٍ تُذكَرُ في
أصولِ الفقه، ولا يَنْبني عليها فروعٌ فقهية أو آدابٌ شرعية، أو لا تكونُ عوناً في
ذلك، فهي غيرُ داخلةٍ في أصول الفقه. وذلك أنَّ هذا العلم لم يختصِّ بإضافتِهِ إلى
الفقه إلَّ لكونِهِ مفيداً له، ومُحقِّقاً للاجتهادِ فيه، فإذا لم يُفِد ذلك لم يكن أصلاً له.
ويُخرَّجُ على هذا كثيرٌ من المسائل التي تكلّم عليها المتأخرون وأَدخَلُوها فيه،
كمسألةِ ابتداءِ وَضْعِ اللغات، ومسألةِ الإِباحةِ هل هي تكليفُ أم لا؟ ومسألةِ أَمْرٍ

٥٤٥
المعدوم، ومسألةٍ هل كان النبي صلَّى الله عليه وسلّم متعبَّداً بشرع من قبلَه أم لا؟
وكذلك كلُّ مسألةٍ ينبني عليها فقهٌ، إلَّ أنه لا يَحصُلُ من الخلافِ فيها خلافٌ
في فرع من فروع الفقه، مِثْلُ مسألةِ الأَمْرِ بواحِدٍ مُبْهَمٍ من أشياءَ معيَّنَة، كما في كفَّارةِ
اليمين. فقيل: إنَّ الأمرَ بذلك يُوجب واحداً منها لا بعينِهِ، وقيل: إنه يُوجبُ الكلَّ
ويَسقُطُ الكلُّ الواجبُ بفعلٍ واحدٍ منها، وقيل: إنه يُوجبُ / ما يختاره المكلَّف، فإنْ
فَعَلَ الكلَّ فقيل: الواجبُ أعلاها، وإنْ تركَهَا فقيل: يُعاقَبُ على أدناها. فهذه
المسألةُ وما أشبهَها من المسائل التي فرضوها، مما لا ثمرَةَ له في الفقهِ: غيرُ داخلة في
أصوله.
/٢٣٨
وقد رأيتُ في كتاب ((الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الحديث)) للحافظ
الحازمي، عبارةً ربما كان لها موقعٌ عظيم هنا، قال في المقدمة في بيانٍ شروطٍ
النَّسْخِ (١): ومنها أن يكونَ الخطابُ الناسخُ متراخِياً عن المنسوخ. فعلى هذا يُعتَبَرُ
الحكمُ الثاني، فإنه لا يَعْدُو أَحَدَ القسمين إمَّا أن يكون متصلاً، أو منفصلاً.
فإن كان متصلاً بالأول لا يُسمَّى نَسْخاً، إذْ من شَرْطِ النسخ التراخي، وقد
فُقِدَ ها هنا، لأنَّ قولَه عليه الصلاة والسلام: لا تَلْبَسُوا القُمُصَ ولا السراويلاتِ ولا
الخِفافَ، إلّ أن يكونَ رجلٌ ليس له نَعْلانِ فلْيَلْبَسِ الْحُّفَّينِ. وإن كان صَدْرُ الحديث
يَدلُّ على منع لُبسٍ ◌ِخِفافٍ، وعَجْزُهُ يدلُّ على جوازِهِ، وهما حُكماٍ متنافيان، غير أنه
لا يُسمَّى نَسْخاً لانعدامِ التراخي فيه، ولكن هذا النوع يُسمَّى بياناً.
وإن كان منفصلاً نظَرتَ هل يمكنُ الجمعُ بينهما؟ فإن أمكّنَ الجمعُ جُمعَ .
(١) في ص ٢٤ بتحقيق الشيخ محمد أحمد عبد العزيز زيدان. طبع القاهرة، ونشر مكتبة
عاطف دون تاريخ .
:

تَوْخِيَةُ النَّطِ إِلىَ أَصْوِالأَر
الإمام العلامة الشيخ طاهِر الجزائري الدمشقيّ
ولدسنة ١٢٦٨ وتوفي سنة ١٣٣٨
رحمه الله تعالى"
اعتنى بهِ
عَبَد الفتّاح أبو غُدّة
الجزء الثاني
1
النَّاشِْر
مَكتب المطبُوعَات الإسْلامِيَّة بحَلَبَ
1

٥٤٦
/ المبحثُ الثالثُ
في الحديث الضعيف(١)
قال بعضُ العلماء: الحديثُ الضعيف هو ما لم يجمع صِفاتِ الحديثِ الصحيح
ولا صِفاتِ الحديثِ الحسن. وقال بعضُهم: الأولَى في حَدِّه أن يقال: هو ما لم يبلغ
مرتبةَ الحِسْنِ.
ولا يخفى أنَّ ما يكونُ نازلاً عن مرتبةِ الحسَن يكونُ عن مرتبةِ الصحيح أُنزَلَ،
فلا احتياج إذاً إلى ذكر الصحیح في حدِّهِ.
وقد قَسَموا الضعيفَ إلى أقسام، جعلوا لبعضها لَقَباً خاصاً به، لوجودِ الداعي
إليه، وذلك كالمرسَل، والمنقطع، والمُعْضَل، والْمُعَلَّل، والشاذْ، والمضطرِب، وتركوا
بعضَها غُفْلًا لعدم الداعي إلى ذلك.
وقد حاول بعضُهم حَصْرَ أقسامِهِ، فَنَظَرَ في شروط القبولِ وهي شروطُ
الصحيح والحسن، فوجدها ستةً وهي اتصالُ السندِ حيث لم ينجبر المرسَلُ بما يُؤَيِّدُه،
وعدالةُ الرُّواةِ، والسَّلَامَةُ من كثرةِ الخطأ والغَفْلَة، ومجيءُ الحديثِ من وجهٍ آخَرَ حيث
كان في الإِسناد مستوراً لم تُعرَف أهليَّتُه وليس مُتَّهَماً كثيرَ الغلط، والسلامةُ من
الشذوذِ، والسلامَةُ من العِلَّةِ القادحة.
ثم نَظَرَ في الضعيفِ فرأى أنَّ منه ما يَفقِدُ شرطاً فقط، ومنه ما يفقِدُ شرطين،
ومنه ما يفقِدُ أكثرَ مِن ذلك، فتبينٌ له بهذا النظر أقسامٌ كثيرة تَبلُغُ فیما ذكره بعضُ من
عُنِيَ بأمرِها اثنين وأربعين قِسماً.
(١) تحدَّثَ المؤلف عن أنواع (الحديث الضعيف) من هنا حتى ص ٥٩٨، ومنها
(الحديثُ الْمُعَلَّل)، وتوسّع في بيانه جداً، وأورد من كتاب ((عِلَل الحديث)) لابن أبي حاتم
الرازي جملةً كبيرة بلغَتْ ١٣٨ حديث، لبيان عِلَلِها، من ص ٥٩٨ - ٦٥٢، ثم عاد إلى الكلام
عن (الحديث الضعيف) من ص ٦٥٣ - ٦٦٩.

٥٤٧
وقالَ بعدَ إيرادِها قِسماً قِسماً: هذه أقسامُ الضعيفِ باعتبارِ الانفرادِ والاجتماع.
وقد تركتُ من الأقسام التي يُظَنُّ انقسامُه إليها بحسب اجتماع الأوصافِ عِدَّةَ أقسام،
وهي اجتماعُ الشذوذِ ووجودُ ضعيفٍ أو مجهولٍ أو مستورٍ في الإِسناد، لأنه لا يمكنُ
اجتماعُ ذلك على الصحيح، لأنَّ الشذوذَ تعرُّدُ الثقة، فلا يمكنُ وَصْفُ ما فيه راوٍ
ضعيفٌ أو مجهولٌ، أو مستورٌ، بأنه شاذٌ.
ويُمكنُ الزيادةُ في هذه الأقسام، وذلك بأن يُنظَرَ إلى فقدِ العدالة مثلاً، فيُجعَلَ
باعتبار ما يَدخُلُ تحتَه أنواعاً، فإنه يَشملُ ما يكونُ بكذبِ الراوي، أو تهمتِه بذلك،
أو فِسقِهِ، أو بدعتِهِ، أو جهالةِ عينه، أو جهالةِ حالِهِ، فإذا أُوحِظَ كُلُّ واحدٍ منها على
حِدَة، ولُوحِظَ مِثلُ ذلك في مِثلِه، زادَتْ الأقسامُ زيادةً كثيرة. وقد تَصدَّى بعضُهم
لذلك، غير أنه أبان أنَّ تلك الأقسامَ تنقسِمُ إلى ثلاثة أنواع: نوعٍ منها لم يَتحقَّق
وجودُه ولا إمكانُه، ونوع منها تحقَّق إمكانُه دون وجودِهِ، ونوع منها / قد تحقَّقَ
إمکانُه ووجودُه.
وقد صرَّح غيرُ واحد بقلةٍ فائدةٍ هذا التقسيم، وذلك لأنَّ المرادَ به إن كان
معرفةَ مراتبِ الضعيف، فليس فيه ما يُفيدُ ذلك.
فإن قيل: إنه قد يُفيدُ ذلك، لأن هذا التقسيمَ يُعرَفُ به ما فَقَدَ كلُّ قسمٍ من
الشروط، فإذا وجدنا قسمين قد فَقَدَ أحدُهما من الشروط أكثرَ، حكمنا عليه بأنه
أضعفُ.
قيل: إنَّ هذا الحكم لا يَسوغُ على إطلاقِه، فقد يكون الأمرُ بالعكس، وذلك
كفاقدِ الصدقِ، فإنه أضعَفُ مما سواه، وإن كان فاقداً للشروطِ الخمسةِ الباقية. وإن
كان المرادُ به تخصيصَ كل قسمٍ بآسم، فالقومُ لم يفعلوا ذلك، فإنهم لم يُسمُّوا منها
إلّ القليلَ كما ذكرنا آنفاً، ولم يَتصدَّ الْمُقَسِّمُ نفسُهُ لذلك. وإن كان المرادُ به معرفةً كم
قسماً يَبلُغُ بالبسطِ، فهذه فائدةٌ لا تستوجبُ هذا النَّصَب. ويمكنُ أن يقالَ: فائدةُ
ذلك حَصْرُ الأقسامِ لُيُبحَثَ عما وَقَع منها مما لم يقع، ومعرفَةُ منشأ الضعفِ في كل
قسم .
/٢٣٩

٥٤٨
وأما قولُ بعضهم: إنه قد خاضَ في تقسيمِهِ أُنَاسٌ ليسوا من أهلِ هذا الشأن
فَتَعِبُوا وَتعَبُوا، ولو قِيل لأطولِهِم يَدَأَّ في ذلك: ايتِنا بمثالٍ مما ليس له لَقَبُّ خاصٍّ
لبقِيَ حائراً، فهو ضعيف، لأنَّ التقسيم إذا لم يكن فيه ما يُعترَضُ به عليه يُقْبَلُ من
أي مُقَسِّم كان، وعدَمُ معرفتِهِ ببعض أمثلةِ الأقسام التي لم يَتحقَّق وجودُها بعدُ
لا يَضْرُّه، ويكفِيهِ أن يقول: قد قمتُ بطَرَفٍ من المسألة، وهو بيانُ الأقسام، وبقي
طَرَفٌ آخَرُ منها، تركتُه لغيري، وهو البحثُ في أمثلةِ كل قسم وبيانِ ما وُقِفَ عليه
منها .
وقد أفرد ابنُ الجوزي عن الضعيف نوعاً آخَرَ سمّه: المُضَعَّفَ. وهو الذي
لم يُجمَع على ضعفه، بل فيه إمَّا في المتن أو في السعند تضعيفٌ لبعض أهل الحديث،
وتقويةٌ لآخَرِين منهم، وهو أعلى مرتبةً من الضعيف المجمَع عليه. ومحلُّ هذا فيما إذا
لم يَترجّح أحَدُ الأمرينِ، أو كان التَّضْعيفُ هو المرجَّحَ، وَإلَّ فقد وَقَع في كتب ملتزمي
الصحةِ حتى البخاري أشياءُ من هذا القَبِيل.
وذَكَرَ - النوويُّ ـ في شرح مسلم (١) عن ابن الصلاح أنه قال: شَرْطُ مسلم في
صحيحه أن يكون الحديثُ متصلَ الإِسنادِ بنقلِ الثقةِ عن الثقةِ من أولِهِ إلى منتهاه،
سالماً من الشذوذِ والعلة.
قالَ: وهذا حَدُّ الصحيح. فكلُّ حديثٍ اجتَمَعَتْ فيه هذه الشروط فهو
صحيح بلا خلافٍ بين أهل الحديث. وما اختَلَفُوا في صحتِهِ من الأحاديث، فقد
يكونُ سَبَبُ اختلافِهِمْ انتفاءَ شَرْطٍ من هذه الشروط، أو بينهم خِلافٌ في اشتراطِه،
كما إذا كان بعضُ الرواة مستوراً، أو كان الحديثُ مرسلاً.
وقد يكونُ سبَبُ اختلافِهم أنه هل اجتَمَعَتْ فيه هذه الشروطُ أم انْتَفَى
بعضُها، وهو الأغلَبُ في ذلك، كما إذا كان الحديثُ في رُواتِهِ من اختُلِفَ في كونِهِ منْ
شرطِ الصحيح، فإذا كان الحديثُ رُواتُه كلُّهم ثقاتٌ، غيرَ أنَّ فيهم أبا الزبير المكيّ
(١) ١ : ١٥.

٥٤٩
مثلاً، أو سهيلَ بنَ أبي صالح، أو العلاءَ بنَ عبد الرحمن، أو حمادَ بن سَلَمة، قالوا
فيه: هذا حديثٌ صحيح على شرط مسلم، وليس بصحيحٍ على شرط البخاري،
لكونِ هؤلاء عند مسلم ممن اجتَمَعَتْ فيهم الشروطُ المعتبرةُ، ولم يَثْبُتْ عند البخاريِّ
ذلك فيهم. وكذا حالُ البخاريِّ فيما خَرَّجَه من حديثِ عكرمَةَ مولى ابنِ عباس،
وإسحاق بن محمد الفَرْوِي، وعَمْرٍوبن مرزوق، وغيرهم ممن احتَجَّ بهم البخاري
ولم يحتجّ بهم مسلم.
قال الحاكم أبو عبد الله الحافظ النيسابوريُّ في كتابه ((المدخل إلى معرفة
المستدرك)): عدَدُ من أَخرَج لهم البخاريُّ في الجامِعِ الصحيح، ولم يُخْرِج لهم مسلم
أربعُ مثّةٍ وأربعةٌ وثلاثون شيخاً، وعدَدُ من احتَجَّ بهم مسلمٌ في المسنَدِ الصَّحيح،
ولم يَجتجَّ بهم البخاريُّ في الجامع الصحيح سِتُّ مئةٍ وخمسةٌ وعشرون شيخاً.
وأما قولُ مسلم في صحيحه في باب صفة رسول الله صلى الله عليه وسلم(١) :
/ ليس كلُّ شيءٍ صحيح عندي وضعتُهُ هاهنا - يعني في كتابِهِ هذا الصحيح -
وإنما وَضَعْتُ هاهنا ما أَجْمعُوا عليه. فَمُشْكِل. فقد وَضَع فيه أحاديث كثيرةً مختلفاً في
صحتها، لكونها من حديثٍ من ذكرناه ومن لم نذكره، ممن اختَلَفُوا في صحة حديثه.
/ ٢٤٠
قال الشیخُ : وجوابُهُ من وجهين:
أحدُهما أنَّ مُرادَه أنه لم يَضَع فيه إلاّ ما وَجَدَ عِندَهُ فيهِ شُروطَ الصحيح المجمَع
عليه، وإن لم يَظهر اجتماعُها في بعضِ الأحاديث عِندَ بعضِهم.
والثاني أنه أراد أنه لم يَضَعَ فيه ما اختَلَف الثقاتُ فيه، في نفسِ الحديث مَتْناً
أو إسناداً، ولم يُرِدِ ما كان اختلافُهم فيه إنما هو في توثيقِ بعضِ رُواتِه، وهذا هو
الظاهِرُ من كلامه، فإنه ذَكَر لَّا سُئِلَ عن حديث أبي هريرة: فإذا قرأ فأنْصِتُوا. هل هو
صحيحٌ؟ فقال: هو عندي صحيح. فقيل: لِمَ لم تَضَعْهُ هاهنا؟ فأجاب بالكلامِ
المذكور.
(١) ٤: ١٢٢ بشرح النووي في (باب التشهد في الصلاة).

٥٥٠
ومع هذا فقد اشْتَمَل كتابُه على أحاديثَ اختلفوا في إسنادِها أو مَنْنِها، لصحتها
عنده، وفي ذلك ذُهولٌ منه عن هذا الشرط أو سَبَبُ آخَرُ، وقد استُدرِكَتْ
وعُلِّلَتْ: اهـ.
وقال بعضهم: أراد مسلمٌ بالإِجماع في قوله: وإنما وَضَعْتُ هاهنا ما أَجِمِعُوا
عليه. إجماع أربعةٍ من أئمة الحديث: أحمد بن حنبل، وابنٍ معين، وعثمانَ بنِ
أبي شيبة، وسعيد بن منصور الخراسانيّ.
وذَكَرَ - النوويُّ - في موضع آخَرَ منه(١) أنَّ مسلماً انْتُقِدَ عليه روايته في
صحيحِهِ عن جماعةٍ من الضعفاء والمتوسطِين، الواقِعِين في الدرجةِ الثانية، التي
ليسَتْ من شرطِ الصحيح .
ثم نَقَل عن ابن الصلاحِ أنه أجاب عن ذلك من أَوْجُه:
أحدُها أن يكون ذلك فيمن هو ضعيفٌ عندَ غيره، ثقةٌ عنده. ولا يُقالُ: إنَّ
الجَرْحَ مُقدَّمُ على التعديل، لأنَّ ذلك فيما إذا كان الجَرْحُ ثابتاً مفسَّرَ السبب، وإلاّ
فلا يُقبَلُ الْجَرْحُ إذا لم يكن كذلك. وقد قال الخطيبُ البغداديُّ وغيرُه: ما احتَجِّ
البخاريُّ ومسلمٌ وأبو داود به، من جماعةٍ عُلِمَ الطعنُ فيهم من غيرهم محمولٌ على أنه
لم يَتْبُتْ فيهم الطعنُ المؤثِّرُ مفسَّرَ السبب.
الثاني أن يكون ذلك واقعاً في المتابعاتِ والشواهد لا في الأصول، وذلك بأن
يَذْكُرَ الحديثَ أولاً بإسنادٍ رجالُهُ ثقات، ويَجِعلَهُ أصلاً، ثم يُتْبِعَه بإسنادٍ آخَرَ أو أسانيدَ
فيها بعض الضعفاء، على وَجْهِ التأكيدِ بالمتابعةِ، أو لِزيادةٍ يُنَبَّهُ على فائدةٍ فيما قدَّمَهِ(٢).
الثالثُ أن يكونَ ضَعْفُ الضعيف الذي احتَجَّ به ، طَرَأ عليه بعدَ
(١) ١ : ٢٤.
(٢) هذا الكلامُ منَ الإِمام ابن الصلاح يفيدنا معرفةً طريقةٍ مسلم في إيراده الأحاديث في
الباب، فإنه يقدم فيه الحديث الصحيح السليم من المغامز، ثم يتبعه بالمتابعات والشواهد، وهي
ربما لا تخلو من ملحظ فيها.

٥٥١
أخذِهِ عنه، باختلاطٍ حَدَثَ عليه، غير قادحٍ فيما رواه مِن قَبْلُ في زَمَنِ استقامتِه، كما
في أحمد بن عبد الرحمن بن وَهْب بن أخي عبد الله بن وَهْب، ذَكَر أبو عبد الله الحاكمُ
أنه اختَلَط بعدَ الخمسين ومئتين، بعدَ خروح مسلم من مصر، فهو في ذلك
كسعيد بن أبي عَرُوبة، وعبدِ الرزاق، وغيرهما، ممن اختَلَطَ آخِراً، ولم يمنع ذلك من
صِحَّةِ الاحتجاج في الصحيحين بما أُخِذَ عنهم قبلَ ذلك.
الرابعُ أَن يَعْلُوَ بالشيخ الضعيفِ إسنادُه، وهو عندَه من روايةِ الثقاتِ نازل،
فَيَقْتَصِرَ على العالي، ولا يُطوِّلَ بإضافةِ النازل إليه، مكتفياً بمعرفةِ أهلِ هذا الشأن في
ذلك.
وذَكَرَ في موضعٍ آخَرَ منه(١)، وهو مما يُناسِبُ ما نحن فيه من وجه: أنَّ مسلماً
أشار في مقدمةٍ صحيحه إلى أنه يَقْسِمُ الأحاديثَ ثلاثةَ أقسام:
الأولُ ما رواه الحُفَّاظ المتقِنون.
والثاني ما رواه المستورون المتوسِّطون في الحفظِ والإِتقان.
والثالث ما رواه الضعفاءُ والمتروكون، وأنه إذا فَرَغ من القِسم الأولِ أَتَبَعَه
الثاني. وأما الثالثُ فلا يُعرِّج عليه.
ثم قال: وقد اختلف العلماءُ في مُرادِه بهذا التقسيم، فقال الإِمامانِ الحافظانِ
الحاكمُ أبو عبد الله وصاحبُهُ أبو بكر البيهقي: إنَّ الَمِيَّةَ قد اخترمَتْ مسلماً قبلَ إخراج
القِسم الثاني، وإنه إنما ذَكَر القسمَ الأول.
قال القاضي عياض: وهذا مما قُّبِلَه الشيوخُ / والناسُ من الحاكم وتابَعُوه
عليه، وليس الأمرُ على ذلك لمن حَقَّق نظرَهُ ولم يتقيَّد بالتقليد، فإنك إذا نَظرتّ تقسيمَ
مسلم في كتابه الحديثَ على ثلاثٍ طبقاتٍ من الناسِ كما قال، فذَكَر أنَّ القسمَ الأولَ
حديثُ الْحُفَّاظ، وأَنَّه إذا انقضى هذا أتَبَعَه بأحاديثٍ من لم يُوصَف بالحِذقِ والإِتقانِ،
/ ٢٤١
(١) ١ :٢٣.

٥٥٢
مع كونهم من أهل السِّتْرِ والصدقِ وتعاطِي العلم، ثم أشارَ إلى تركِ حديثٍ مِن أجمَعَ
العلماءُ أو اتَّفَق الأكثرُ منهم على تُهْمَتِه، وبَقِيَ من اتَّهَمَه بعضُهم، وزكَّاه بعضُهم
فلم یذكره هنا.
ووَجدْتُهُ ذَكَرَ في أبوابٍ كتابِهِ حديثَ الطبقتينِ الأُولَيينِ، وأتى بأسانيدِ الثانيةِ
منها على طريقِ الإِتباع للَّأُولَى والاستشهاد، أو حيثُ لم يَجِد في البابِ للقِسم الأوَّل
شيئاً، وذَكَر أقواماً تَكلَّمَ فيهم قومٌ، وزَكَّاهم آخَرُون ممن ضُعَّفَ أواتَّمَ ببدعةٍ.
وكذلك فعل البخاريُّ. فعندي أنه أتى بطبقاتِهِ الثلاث في كتابه، على ما ذكر ورتّب في
مقدمة كتابِهِ وبيِّنَه في تقسيمِه، وطَرَحَ الرابعةَ كما نَصَّ عليه .
فالحاكمُ تأوَّلَ أنه إنما أراد أن يُفرِدَ لكل طبقةٍ كتاباً، ويأتيَ بأحاديثِها خاصةً
مُفْرَدَةً، وليس ذلك مُزَادَه، بل إنّما أراد بما ظَهَرَ من تأليفِهِ، وبانَ من غَرَضِه: أن
يجمع ذلك في الأبواب، ويأتيَ بأحاديثِ الطبقتين، فَيَبدأ بالأولى ثم يأتيّ بالثانيةِ على
طريق الاستشهاد والإِتباع حَتَّ اسْتَوفَى جَميعَ الأقسام الثلاثة. ويحتمِلُ أن يكون أراد
بالطبقاتِ الثلاثةِ الحُفَّاظَ، ثم الذين يلونهم، والثالثةَ هي التي اطَّرَحَها.
وكذلك عَلَّلَ الأحاديث التي ذكر ووعَد أنه يأتي بها، قد جاء بها في مواضعها
من الأبواب، من اختلافِهم في الأسانيد كالإِرسالِ والإِسنادِ، والزيادة والنقص،
وذكرٍ تصحيفِ المصحِّفِين، وهذا يدلُّ على استيفائِهِ غَرَضَهُ في تأليفِهِ وإدخالِهِ في كتابِهِ
كلَّ ما وَعَدّ به.
قال القاضي: وقد فَاوَضْتُ في تأويلي هذا ورأيي فيه من يفهمُ هذا البابَ، فما
رأيتُ مُنصِفاً إِلَّ صوَّبِهِ وبانَ له ما ذكرتُ، وهو ظاهرٌ لمن تأمَّلَ الكِتَابَ، وطالَعَ
مجموع الأبواب.
ولا يُعتَرَضُ على هذا بما قاله ابنُ سفيان صاحبُ مسلم أنَّ مسلماً أخرج ثلاثة
كُتُب من المسنداتِ: أَحْدُها هذا الذي قرأه على الناس. والثاني يُدخِلُ فيه عكرمةً،
وابنَ إسحاق صاحبَ المغازي، وأمثالهما. والثالثُ يُدخِلُ فيه من الضعفاءِ، فإنك إذا

٥٥٣
تأمّلتَ ما ذَكَر ابنُ سفيان لم يُطابِقِ الغَرَض الذي أشار إليه الحاكم، مما ذَكَرَ مسلم في
صَدْرِ كتابه، فتأمَّلْه تجدْهُ كذلك إن شاء الله تعالى. هذا آخِرُ كلامِ القاضي عياض،
وهذا الذي آختَارَهُ ظاهرٌ جداً.
تقسيمُ الحديثِ الضعيفِ
إلى أقسامِهِ المشهورة على طريقةِ المحدِّثين
وقد أحببنا أن نَقْسِمَ الحديثَ الضعيفَ إلى أقسامِه المشهورةِ المأخوذةِ بالاستقراء
والتُّع، مُتَبِعِين لآثار القوم، فإنَّ ذلك أقرَبُ إلى الطبع، وأعظَمُ في النفع.
وقد بيَّنا فيما سَبَق أنَّ الحديثَ ينقسِمُ إلى قسمين: مقبولٍ ومردود، وأنَّ المقبولَ
هو الصحيحُ والحَسَنُ، والمردودَ هو الضعيفُ، وبيَّنا شُرُوطَ القبول. ولا يخفى أنَّ
معرفةً شروطِ القبولِ تُوجِبُ معرفةَ سببِ الرد، إذْ سَبَبُ الردِّ ليس إلَّا فَقْدُ شرطٍ من
شروط القبول فأكثر.
وقد أَرجَعَ بعضُهم سَبَبَ الرد إلى أمرينٍ: أحدُهما عدَمُ الاتصالِ في السند.
والثاني وجودُ أمرٍ في الراوي يُوجِبُ طعناً. وعدَمُ الاتصالِ هو سُقوطُ راوٍ من الرواةِ
من السند، ويقال لهذا السقوطِ: انقطاعٌ، وللحديثِ الذي سَقَطَ من / سندِهِ راوٍ
فأكثرُ: الحديثُ المنقطِعُ، ويُقابِلُه الحديثُ المتصلُ، وهو الذي لم يَسقُط من سندِهِ راوٍ
من الرواة. ويَدْخُلَ تحتَ المنقطع بهذا المعنى المنقطِعُ الذي سيأتي ذكرُه(١)، فإنه قسمٌ
من أقسامِهِ.
/٢٤٢
والأمورُ التي يُوجبُ كلُّ واحدٍ منها الطعنَ في الراوي عشَرَةٌ: الكذبُ، والتُّهمة
به، وفُحِشُ الغَلَط، والغفلَةُ، والوَهَمُ، والمخالفةُ، والفِسقُ، والجهالةُ، والبدعةُ،
وسُوءُ الحِفظ.
وإذا عُرِفَ هذا نقولُ: الحديثُ الضعيفُ هو ما وجد فيه شيء مما يُوجِبُ الرد،
(١) قريباً بعد أسطر.

..-
٥٥٤
ومُوجِبُ الردِّ - وهو بعينه مُوجِبُ الضعفِ - أمرانِ أحدُهما سُقوطُ راوٍ من الرُّواة من
إِسنادِهِ، والثاني وجودُ أمرٍ في الراوي يُوجِبُ طعناً فيه، فعلى ذلك يكون الحديثُ
الضعيفُ نوعين:
أحدُهما ما يكون مُوجِبُ الردِّ فيه سُقوطَ راوٍ من الرواةِ من سَنَّدِهِ .
وثانيهما ما يكون مُوجِبُ الردِّ فيه وجودَ أمرٍ في الراوي يُوجِبُ طعناً فيه.
أما النوعُ الأولُ وهو الحديثُ الضعيفُ الذي يكون مُوجِبُ الرَدِّ فيه سُقُوطَ راوٍ
من الرُّواة من سنده، فهو أربَعَةُ أقسام: المعلَّقُ، والمرسَلُ، والمعضَلُ، والمنقطِعُ.
وذلك لأنَّ السقوطَ إمَّا أن يكون من مَبادِي السندِ، أو من آخِرِهِ بعدَ التابعي، أو من
غير ذلك. فالأوَّلُ المعلَّقِ، والثاني المرسَل، والثالثُ إن كان الساقطُ فيه اثنين فصاعداً
مع التوالي فهو المعضَّل، وإلّ فهو المنقطع.
فالمعلَّقُ هو الحديثُ الذي سَقَط من أولِ سَنَدِه راوٍ فأكثُ، كقول البخاري :
قال بُهْزُ بن حكيم، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبي صلى الله عليه وسلم: اللَّهُ أَحَقُّ
أن يُستحیی منه.
قال الحافظ ابن حجر: ومن صُوَرِ المعلَّق أن يُحذَفَ منه جميعُ السند، ويُقالَ
مثلاً: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنها أن يُذَفَ منه إلَّ الصحابيُّ،
أو إلَّ الصحابيُّ والتابعُّ معاً، ومنها أن يَحَذِفَ مَنْ حَدَّثَهُ وَيُضِيفَه إلى من فوقه،
فإن كان مَنْ فوقَه شيخاً لذلك المصنّف، فقد اختُلِف فيه هل يُسمَّى تعليقاً أم لا؟
والصحيحُ في هذا التفضيلُ، فإن عُرِفَ بالنصِّ أو الاستقراءِ أنَّ فاعِلَ ذلك مدِّس
قُضِيَ به، وإلاّ فتعليق .
وإِنما ذُكِرَ التعليقُ في قسم المردودِ للجهلِ بحالِ المحذوف، وقد يُحِكَمُ بصحتِّهِ
إن عُرِفَ بأنْ يَجِيءَ مُسمَّىٍّ من وجهٍ آخَر، فإن قال: جميعُ مَنْ أحذِفُهُ ثقاتُ، جاءَتْ
مسألةُ التعديلِ على الإِبهام، والجمهورُ: لا يُقبَلُ حتى يُسمَّى، لكن قال ابنُ الصلاح
هنا: إن وَقَعَ الحذفُ في كتابِ النُزِمَتْ صِحَّتُه كالبخاري، فما أَتَى فيه بالجزم، حُمِلَ

٥٥٥
على أنه ثبَتَ إسنادُهُ عنده، وإنما حُذِفَ لغرضٍ من الأغراض، وما أَتَ فيه بغير
الجزمِ ففيه مقال. وقد أوضحتُ أمثلةَ ذلك في ((النُّكَتِ على ابن الصلاح)). اهـ.
والمرسَلُ هو الحديثُ الذي سَقَط من آخِرِ سندِهِ مَنْ بَعْدَ التابعيِّ، وصُورَتُه أن
يقولَ التابعيُّ سواءً كان كبيراً أو صغيراً: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا،
أو فعل كذا، أو فُعِلَ بحضرته كذا، ونحو ذلك.
وإنما ذُكِرَ في قسم المردودِ للجهلِ بحالِ المحذوف، لاحتمالِ أن يكون غيرَ
صحابي، وإذا كان ذلك احتَمَل أن يكون ضعيفاً، وإذا كان ثقةً احتَمّل أن يكون
رَوَى عن تابعيٍّ آخَر يكونُ ضعيفاً، وهكذا. وقد وُجِدَ بالاستقراءِ روايَةُ ستّةٍ أو سبعةٍ
من التابعين بعضِهم عن بعضٍ ، وهذا أكثرُ ما وُجِدَ في هذا النوع.
فإن ◌ُرِفَ من عادةِ التابعيِّ الذي أَرسَل الحديثَ: أنه لا يُرسِلُ إلَّ عن ثقة،
فمذهَبُ الجمهور التوقُّفُ فيه، لاحتمالِ أن يكون من أرسَلَه عنه ضعيفاً عندَ غيره،
وإن كان ثقةً عنده، فالتوثيقُ في الرَّجُلِ المبهَم غيرُ كافٍ عندَهم، ومع ذلك فَثَمَّ
احتمالٌ آخَرُ وإن كان بعيداً وهو أن يكون الإِرسالُ في ذلك الموضع قد جَرَى على
خلافٍ عادتِهِ بسببٍ مَّا. وإن عُرِفَ من عادتِهِ / أنه يُرسِلُ عن الثقات وغيرهم،
لم يُقبَلِ مُرسَلُه اتفاقاً.
هذا ولًّا كان المرسَلُ مما عُني بأمره المؤلِّفون في أصول الفقه أو أصولِ الحديث،
أحببنا أن نُفِيضَ فيه هنا فنقولَ: ذَكَر العلماءُ في حدِّهِ ثلاثة أقوال:
القولُ الأولُ وهو المشهورُ: أنَّ المرسَل ما رَفَعَه التابعيُّ إلى النبي صلى الله عليه
وسلم، سواءٌ كان من كبار التابعين كُعُبَيد الله بن عَدِيّ بن الخِيار، وقيس بن
أبي حازم، وسعيد بن الْمُسَيَّبِ، وأمثالهِم، أو من صِغارٍ التابعين كالزهري،
وأبي حازم، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وأشباهِهم.
القولُ الثاني أنه ما رفعه التابعيُّ الكبيرُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فعلى
هذا لا يُسمَّى ما رَفَعه صِغارُ التابعين مرسَلا ولكن منقطعاً. قال ابنُ الصلاح: قولُ
/٢٤٣

٥٥٦
الزهري وابنِ أبي حازمٍ ويحيى بن سعيد الأنصاري وأشباهِهم من أصاغر التابعين:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حَكى ابنُ عبد البر أنَّ قوماً لا يُسمُّونِه مرسلاً
بل منقطعاً، لكونهم لم يَلْقَوْا: من الصحابةِ إلَّ الواحِدَ والاثنين، وأكثُرُ روايتهم عن
التابعين.
قلتُ: وهذا المذَهَبُ فَرْعٌ لمذهبِ من لا يُسمِّي المنقطِعَ قَبْلَ الوصولِ إلى
التابعي مُرسَلاً، والمشهورُ التسويةُ بين التابعين في اسمِ الإِرسال كما تقدم. اهـ.
قال بعض العلماء: لم أرَ التقييدَ بالكبير صريحاً في كلام أحد من المحدِّثين، وأما
تقييدُ الشافعي المرسَلَ الذي يُقبَلُ إذا اعتَضَد بأن يكونَ من روايةِ التابعيِّ الكبير،
فليس فيه دلالةٌ على أن ما يَرفَعُه التابعيُّ الصغير لا يُسمَّى مرسلاً. على أن الشافعيّ
قد صَرَّح بتسميةِ ما يَرفَعُه مَنْ دُونَ كبارِ التابعين مُرْسَلًا، وذلك في قولِهِ: ومن نَظَر في
العلم بخبرةٍ وقلَّةٍ غفلةٍ اسْتَوحَشَ من مرسَلٍ كلٌّ من دُون كبارِ التابعين بدلائلَ
ظاهرة .
وقد اعترِضَ على ابن الصلاح هنا من وجهين: أحدُهما في قوله: قَبْلَ الوصولِ
إلى التابعيِّ. فإِنَّ الصوابَ في ذلك أن يقال: قبلَ الوصولِ إلى الصحابي، وقد تَبْعَ
في ذلك الحاكم. الثاني في إِشعارِهِ بأنَّ الزهريَّ لم يَلْقَ من الصحابةِ إلاّ الواحدَ
والاثنين، مع أنه قد لَقِيَ من الصحابة ثلاثةَ عَشَرَ فأكثرَ، وهم عبدُ الله بن عمر،
وأنسُ بن مالك، وسَهْلُ بن سعد، ورَبيعةُ بنَ عِبَاد، وعبدُ الله بن جعفر،
والسائبُ بن يزيد، وسُنَيْنٌ أبو جَميلة، وأبو الطُّفَيل، ومحمودُ بن الربيع، والمِسْوَرُ بن
تَخْرَمة، وعبدُ الرحمن بن أزهر.
ولم يَسمع من عبدِ الله بن جعفر بل رآه رُؤيةً، وقيل إنه سَمِعَ من جابر، وقد
سَمِعَ من محمودِ بن لَبِيد، وعبدِ الله بن الحارثِ بنِ نوفل، وثعلبة بنِ أبي مالك
القُرَظِيّ، وهم مختَلَفْ في صُحبتِهم. وأنكر أحمدُ ويحيى سماعَهُ من ابنِ عمر، وأُثبّتَه
عليُّ بن المديني.

٥٥٧
القولُ الثالثُ أنه ما سَقَط راوٍ من إسنادِهِ فأكثرُ من أيِّ موضع كان. فعلى هذا
يكونُ المرسَلُ والمنقطِعُ بمعنى واحد. والمعروفُ في الفقهِ وأصولِهِ أنَّ ذلك يُسمَّى
مُرسَلًا، إلَّ أنَّ أكثرَ ما يُوصَفُ بالإِرسالِ من حيثُ الاستعمالُ ما رواه التابعيُّ عن
النبي صلى الله عليه وسلم. وقال الحاكم في كتاب ((المعرفة))(١): إنَّ الإِرسالَ مخصوصٌ
بالتابعين. وخالَفَ ذلك في ((المدخَل))، فقال: هو قولُ التابعيِّ أو تابعيِّ التابعيِّ:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبَيْنَه وبَيْنَ الرسولِ قَرْنٌ أو قَرْنانٍ، ولا يَذْكُرُ
سماعه من الذي سَمِعَه يعني في روایةٍ أخرى.
وقد أطلَقَ المرسَلَ على المنقطع من أئمةِ الحديثِ أبو زُرعة وأبو حاتم
والدارقطنيُّ، وقد صَرَّح البخاريُّ في حديثٍ لإِبراهيم النَّخَعي، عن أبي سعيد
الخدري، بأنه مرسل، لكون إبراهيم لم يَسمع من أبي سعيد، وصَرَّح هو وأبو داود في
حديثٍ / العَوْنِ بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن مسعود بأنه مرسَل، لكونه
لم يدرك ابن مسعود.
/ ٢٤٤
وأمَّا قولُ بعضِ أهل الأصول: المرسَلُ قولُ غير الصحابي: قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم. فالمرادُ به ما سَقَطَ منه التابعيُّ مع الصحابي، أو ما سَقَطَ منه
اثنانِ بعدَ الصحابي، ونحوُ ذلك. ولو ◌ُلَ على الإِطلاقِ لَزِمَ بُطلانُ اعتبارٍ
الأسانيد وتَرْكُ النظرِ في أحوالِ الرواة، وهو بَيْنُ الفَسَاد، ولذا خَصَّه بعضُهم بأهل
الأعصار الأَوَل يعني القُرونَ الفاضلة.
وقال ابنُ القطان في ((بيان الوَهَمِ والإِيهام)): إِنَّ الإِرسالَ روايةُ الراوي عمن
لم يَسمع منه. وعليه فتكونُ روايةٌ من رَوَى عمن سَمِعَ منه ما لم يَسمع منه بأن يكون
بينهما واسِطة فيها: ليسَتْ من قَبِيلِ الإِرسال، بل من قَبِيلِ التدليس، فيكونَ في حَدِّ
المرسَل أربعةُ أقوال. وهذا الاختلافُ يَرجِعُ إلى اختلافٍ في الاصطلاح، ولا مُشاحَّةً
فيه .
(١) ص ٢٥.

٥٥٨
والمرسَلُ اسمُ مفعول من قولهم: أَرسَلَ الحديثَ إرسالاً. والإِرسالُ في الأصلِ
الإِطلاقُ وعدَمُ التقييد، تقولُ: أَرسلتُ الطائر إذا أطلقتَهُ، وأرسلتُ الكلام إرسالاً
إذا أطلقتَهُ من غير تقييد، وسُمِّي هذا النوعُ من الحديث بالمرسَلِ لإِطلاقِ الإِسنادِ فيه
وعدم تقييدِهِ براوٍ يُعرَف ..
وقد فرَّقَ أهلُ الأثر هنا بين الاسمِ والفعلِ عند الإطلاق، نَبَّه على ذلك
الحافظُ ابن حجر في ((شرح النُّخْبَة)) حيث قال(١): إنَّ أهلَ الاصطلاح غايَّرُوا بين
الفَرْدِ والغريبِ من حيث كثرةُ الاستعمالِ وقِلَّتُه، فالفَرْدُ، أكثرُ ما يُطلقونه على الفَرْدِ
المُطْلَق، والغريبُ أكثر ما يُطلقونه على الفَرْد النسبي. وهذا من حيث إطلاقُ
الاسميَّةِ عليهما. وأمَّا من حيث استعمالهم الفعلَ المشتقَّ فلا يُفرِّقون، فيقولون في
المطلَقِ والنسبيِّ: تفرَّدَ به فلان، أو أَغرَبَ به فلان.
وقريبٌ من هذا اختلافهم في المنقطِع والمرسَل، هل هما متغايرانِ أم لا؟ فأكثُرُ
المحدِّثين على التغاير، لكنه عند إطلاقِ الاسم، وأما عند استعمالِ الفعلِ المشتق
فيَستعملون الإِرسالَ فقط، فيقولون: أرسَلَه فلان، سواءً كان مرسَلاً أم منقطِعاً،
ومن ثَمَّ أطلَقَ غيرُ واحدٍ ممن لم يُلاحِظ مَواضِعَ استعمالهم على كثير من المحدِّثين أنهم
لا يُغايرون بين المرسَل والمنقطع. وليس كذلك، لما حَرَّرناه، وقلَّ من نَّه على النكتةِ
في ذلك .
وقد اختلف العلماءُ في الاحتجاج بالمرسَل اختلافاً شديداً لا يَتَّسعُ للبحثِ فيه
مثلُ هذا الكتاب. قال الحافظ السيوطيُّ : وقد تلخَّصَ في ذلك عشرَةُ أقوال: يُحْتَجُّ به
مطلقاً، لا يُحْتَجُّ به مطلقاً، يُحْتَجُّ به إن أرسله أهلُ القرون الثلاثة، مُحْتَجُّ به إن لم يَزْوِ
إِلَّ عن عَذْل، يُحَتَجُّ به إن أرسَلَه سعيدٌ فقط، يُحْتَجُّ به إن اعتَضَد، يُحتَّجُّ به إن لم يكن
في الباب سواه، هو أقوى من المسنَد، يُحْتَجُّ به ندباً لا وجوباً، يُحتَجُّ به إن أُرسَلَه
صحابي .
(١) في ص ٣٨.

٥٥٩
ونُقِلَ عن القاضي أبي بكر أنه قال: لا أقبَلُ المرسَلَ ولا في الأماكن التي قُبِلَها
الشافعي، حَسْماً للباب، بل ولا مُرْسَلَ الصحابي إذا احتُمِلَ سَمَاعُه من تابعي.
قال: والشافعيُّ لا يُوجِبُ الاحتجاجَ به في هذه الأماكن، بل يَستَحِبُّه، كما قال:
أستَحِبُّ قبولَه ولا أستطيعُ أن أقولَ: الْحُجَّةُ تثبتُ به ثبوتها بالمتصل.
وقال غيره: فائدةُ ذلك أنه لو عارَضَه مُتَّصِلٌ قُدِّمَ عليه، ولو كان حُجَّةً مطلقاً
تعارَضًا، لكن قال البيهقيُّ: مُرادُ الشافعي بقوله: أستَحِبُّ: أختَارُ هذا.
والحديثُ المرسَلُ ضعيفٌ لا يُحْتَجُّ به عند جمهور المحدِّثين وكثير من الفقهاءِ
وأصحابِ الأصولِ والنظر، وذلك للجهلِ بحالٍ الساقطِ من السَّنّد، فإنه يُحْتَمَلُ أن
يكونَ غيرَ صحابي، وإذا كان كذلك فُيُحتَمَلُ أن يكونَ / ضعيفاً. وإنَّ انَّفَقَ أن
يكونَ الُرسِلُ لا يروِي إلَّ عن ثقةٍ، فالتوثيقُ مع الإِبهامِ غيرُ كاف.
/ ٢٤٥
وقال بعض الأئمة: الحديثُ المرسَلُ صحيح يُحْتَجُّ به، وقيَّد ابنُ عبد البر ذلك
بما إذا لم يكن مُرسِلُه ممن لا يَحترِزُ ويُرسِلُ عن غير الثقات، فإن كان فلا خلافَ في
رده .
وقال أبو داود في ((رسالته)) إلى أهل مكة: وأمَّا المراسيلُ فقد كان يَحتَجُّ بها
العلماء فيما مَضى، مثلُ سفيان الثوري ومالك والأوزاعي، حتى جاء الشافعيُّ فتكلّم
فيها، وتابَعَه على ذلك أحمدُ بنُ حنبل وغيرُه، فإذا لم يكن مُسنَدٌ غيرُ المراسيل،
ولم يُوجَد المسنَدُ فالمرسَلُ يُحتَّجُّ به، وليس هو مِثلَ المتصل في القُوّة.
وقال ابنُ جرير: أجمع التابعون بأَسْرِهم على قبولِ المرسّل، ولم يأتِ عنهم
إنكارُه، ولا عن أحدٍ من الأئمةِ بعدَهم إلى رأسِ المئتين. قال ابن عبد البر: كأنه
يعني أنَّ الشافعيَّ أوَّلُ من رَدَّه.
وقد انتَقَد بعضُهم قولَ من قال: إنَّ الشافعيَّ أوَّلُ من تَرَك الاحتجاجَ
بالمرسَل، فقد نُقِلَ تركُ الاحتجاجِ عن سعيد بن المسيّب، وهو من كبار التابعين،
ولم يَنْفرِد هو بذلك، بل قال به مِن بينهم ابنُ سِيرين والزهريُّ. وقد أَخرِجَ مسلم في
!

٥٦٠
مقدمة صحيحه عن ابن سيرين أنه قال: لم يكونوا يَسألون عن الإِسناد، فلمَّا وقعَتْ
الفتنةُ قيل: سَمُّوا لنا رجالَكم، فُيُنظَرُ إلى أهلِ السنة فُيُؤْخَذُ حديثُهم، ويُنظَرُ إلى
أهل البدع فلا يُؤخَذُ حدیثُهم.
وقد تَرَك الاحتجاجَ بالمرسَل ابنُ مهدي ويحيى القطانُ وغيرُ واحد ممن قَبْلَ
الشافعي، والذي يُمكِنُ نسبتُهُ إلى الشافعيِّ في أَمْرِ المرسَل هو زيادةُ البحثِ عنه
والتحقيقِ فيه .
وقد رَوَى الشافعيُّ عن عَمِّهِ قال: حدثنا هشام بن عروة، عن أبيه، أنه قال:
إني لأسمَعُ الحديثَ أستحسِنُهُ، فما يَمِنَّعُني من ذكرِهِ إلَّ كراهِيَةُ أن يَسمَعَهُ سامِعٌ
فَيَقْتَدِيَ به، وذلك أني أَسْمَعُه من الرجلَ لا أثقُ به، قد حَدَّثَ به عمن أَثِقُ به،
أو أَسْمَعُه من رجلٍ أثقُ به، قد حَدَّثَ به عمن لا أُثِقُ به.
وهذا كما قال ابنُ عبدِ البر: يَدُلُّ على أنَّ ذلك الزمانَ كان يُحدِّثُ فيهِ الثقةُ
وغيرُهُ. وأَخرَج العُقَيلي من حديثِ ابن عَوْن قال: ذَكَر أيوبُ السَّخْتِيانيُّ لمحمدِ بنّ
سِيرين حديثاً، عن أبي قِلَابة، فقال: أبو قِلابَةَ رجلٌ صالح، ولكن عمن ذَكْرَهُ
أبو قلابة؟
وأَخرج في ((الحِلية))(١) من طريق ابنٍ مهدي، عن ابن تَهِيعة أنه سَمِعَ شيخاً
من الخوارج يقولُ بعدَما تاب: إنَّ هذه الأحاديثَ دِين، فانظُرُوا عمَّنْ تأخذون
دِينْكم، فإنَّا كنا إذا هَوِينَا أمْراً صَيِّرْنا له حديثاً.
قال الحافظ ابن حجر: هذهِ واللَّهِ قاصِمَةُ الظهر للمحتجِّين بالمرسَل، إذ بدعةٌ
الخوارج كانت في مَبدأ الإِسلام والصحابةُ متوافِرون ثم في عصر التابعين فمن
بعدَهم، وهؤلاء إذا استحسَنُوا أمْراً جعلوه حديثاً وأشاعوه، فربما سَمِعَ الرجلُ الشيءِ
فحدَّثَ به ولم يَذكُر من حَدَّثَه به تحسيناً للظن، فيَحمِلُه عنه غيرُهُ، ويَجِيءٌ الذي يَحْتَجُّ
بالمنقطعات فیحتجُ به، مع کونِ أصلِه ما ذكرتُ.
(١) ٣٩:٩ في ترجمة (عبد الرحمن بن مهدي). ولفظ مختلف فأنتم:

٥٦١
وأما مَراسِيلُ الصحابةِ فحُكمُها حُكُمُ الموصولِ على المشهور الذي ذَهَبَ إليه
الجمهور، قال ابن الصلاح: ثم إنّا لم نَعُدَّ في أنواع المرسَلِ ونحوِهِ، ما يُسمَّى في
أصولِ الفقه: مُرسَلَ الصحابي، مثلُ ما يرويه ابنُ عباس وغيرُهُ من أحداثٍ
الصحابةِ عن النبيِّينَ﴿، ولم يَسمعوه منه، لأنَّ ذلك في حُكمِ الموصولِ المسنَدِ، لأنَّ
رِوايَتْهم عن الصحابة، والجهالةُ بالصحابي غيرُ قادحة، لأنَّ الصحابَة كلَّهم عدول.
قال الحافظُ العراقي: وفي قولِهِ: لأن روايتهم عن الصحابة. نظر، والصوابُ
أن يقال: لأنَّ غالبَ روايتِهم، إذ قد سَمِعَ جماعةٌ من الصحابة من بعضِ التابعين.
/ وسيأتي في كلام ابن الصلاح في (رواية الأكابر عن الأصاغر) أنَّ ابن عباس وبقيّةً
العبادلة رَوَوْا عن كعبِ الأحبار، وهو من التابعين، ورَوَى كعبُ أيضاً عن التابعين.
/ ٢٤٦
ولم يَذكُر ابنُ الصلاح خلافاً في مرسَل الصحابي. وفي بعض كتب الأصول
أنه لا خلافَ في الاحتجاج به. وليس بجيِّد، فقد قال الأستاذ أبو إسحاق
الإِسْفِرائِيني: إنه لا يُحْتَجُّ به. والصوابُ ما تقدَّم. اهـ.
ونَقَل القاضي عبد الجبار عن الشافعي أنَّ الصحابيَّ إذا قال: قال رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم كذا، قُبِلَ، إلَّ إن عُلِمَ أنه أرسَلَه. وكذا نقَلَه ابنُ بَطَّال في شرح
البخاري. وهذا خلافُ المشهورِ من مذهبِهِ، فقد ذَكَر ابنُ بَرْهان في ((الوجيز)) أنَّ
مذهَبَه في المراسيل أنه لا يجوزُ الاحتجاجُ بها، إلَّ مراسيلَ الصحابة، ومراسيل
سعيد، وما انعقَدَ الإِجماعُ على العَمَلِ به.
وأما مراسيلُ من أُحضِرَ إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم غيرَ ميِّز، كُعُبَيْد الله بن
عَدِي بن الخيار، فلا يُمكِنُ أن يقال: إنها مقبولةٌ كمراسيل الصحابة، لأنَّ رواية
الصحابة إمّا أن تكون عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، أو عن صحابي، والكلُّ
مقبول. واحتمالُ كونِ الصحابي الذي أَدَرَك وسَمِعَ يَروِي عن التابعين بعيدٌ،
بخلافٍ مراسِيل هؤلاء، فإنها عن التابعين بكثرةٍ، فقوِيَ احتمالُ أن يكون الساقطُ
غيرَ صحابي، وجاء احتمالُ كونِهِ غيرَ ثقة.
: