Indexed OCR Text

Pages 381-400

٣٢٣
سهلةَ الحَلِّ، لا سيما إذا تزحزَحَ كلَّ من الفريقين عن مكانِهِ قليلاً، وسَعَى نحوَ
الآخر.
أما المقالةُ الأولى فقد كانت جواباً لسائل قال له: هل أحاديثُ الصحيحين تُفِيد
اليقين؟ وهل فيهما حديثٌ متواتر؟ وقد أوردتُها هنا على طريقِ الاختصار.
قال(١): لَفْظُ المتواترِ يُرادُ به مَعانٍ، إِذْ المقصودُ من المتواترِ ما يُفيدُ العلم، لكن
من الناس من لا يُسمِّ مُتواتِراً إلَّ ما رواه عدَدٌ كثيرٌ يكونُ العلمُ حاصلاً بكثرةِ
عَدَدِهم فقط، ويقولون: إنَّ كلَّ عدَدٍ أفاد العلمَ في قضيةٍ أفادَ مِثلُ ذلك العدَدِ العِلمَ
في كل قضية.
وهذا قولٌ ضعيف، والصحيحُ ما عليه الأكثرون أنَّ العلم يَحِصُل بكثرةِ
المخبرين تارةً، وقد يَحَصُل بصفاتِهِم لِدِينِهِم وضبطهم، وقد يَحِصُلُ بقرائنَ تحتَفُّ
بالخبرِ يَحصُلُ العلمُ بمجموع ذلك، وقد يَحِصُل العلمُ بطائفةٍ دون طائفة.
وأيضاً فالخبرُ الذي تلقّتْهُ الأمَّةُ بالقبولِ تصديقاً له، أو عملًا بُوْجَبِهِ، يُفيدُ
العلمَ عند جماهير السلفِ والخلف. وهذا في معنى المتواتر، لكن مِنَ الناسِ من
يُسمِّيه المشهورَ والمستفيضَ، ويَقسِمُون الخَرَ إلى متواترٍ، ومشهورٍ، وخَبْرِ واحد.
وإذا كان كذلك فأكثرُ متون الصحيحين معلومةٌ متيقنةٌ، تلقَّاها أهلُ العلم
بالحديث بالقبولِ والتصديق، وأجمعُوا على صحتها، وإجماعُهم معصومٌ من الخطأ،
كما أنَّ إجماعَ الفقهاء على الأحكام معصومٌ من الخطأ. ولو أجمَعَ الفقهاءُ على حكمٍ
كان إجماعُهم حُجَّةً وإن كان مستنَدُهم خبرَ واحدٍ، أو قياساً، أو عموماً، فكذلك أهلُ
العلم بالحديث إذا أجمعوا على صحةِ خبرٍ أفاد العلمَ وإن كان الواحدُ منهم يَجُوزُ عليه
الخطأ، لكن إجماعُهم معصومٌ عن الخطأ .
ثم هذه الأحادیثُ التي أجمعوا على صحتها قد تتواترُ أو تستفيضُ عند بعضٍ
(١) أي الإِمامُ ابن تيمية، وهذه المقالة في ((مجموع فتاوى ابن تيمية)) ١٨: ٤٨.

٣٢٤
دُونَ بعض، وقد يَحصُلُ العلمُ بصدقِها لبعضهم لعلمِه بصفاتِ المخبِرِين وما اقتْزَن
بالخبر من القرائنِ والضمائِم التي تُفيد العلمَ.
والصحيحُ الذي عليه الجمهور أنَّ التواتُرَ ليس له عدَدٌ محصور، والعلمَ عَقِبَ
الإِخِبار يَحصُلُ في القلبِ ضَرُورةً، كما يَحصُلُ الشِّبَعُ عِقِبَ الأكل، والرِّيُّ عَقِبَ
الشُّرب. وليس لما يُشبعُ كلَّ واحدٍ أو يَروِهِ قَدْرٌ معينً، بل قد يكون الشِّبَعُ لكثرةٍ
الطعام، وقد يكون لجودتِهِ كاللحم، وقد يكون لاستغناءِ الآكلِ بقليلِهِ، وقد يكون
الاشتغالِ نفسِهِ بِفَرَحٍ أو غَضَبٍ أو حُزْنٍ أو نحو ذلك.
كذلك العلمُ الحاصلُ عَقِبَ الخبر تارةً يكونُ لكثرة المخبرين، وإذا کثروا فقد
يُفِيدُ خبرُهم العلمَ وإن كانوا كفاراً.
وتارةً يكونُ لِدِينِهِم وضبطِهم، فُرُبَّ رجلينِ أو ثلاثةٍ يَحصُلُ من العلمِ بخبرهم
/١٣٣ ما لا يَحصُلُ بعَشَرةٍ / وعشرين لا يُوثَقُ بدينهم وضبطهم.
وتارةً يَحِصُل العلمُ بكون كلٍّ من المخبِرَيْنِ أخبَرَ بمثلٍ ما أخبَرَ بِه الآخَرُ، مع
العلم بأنهما لم يتواطأ، فإنه يمتنعُ في العادةِ الاتفاقُ في مثلِ ذلك، مِثلُ من يَروِي حديثاً
طويلاً فيه فصول، ويَروِيِه آخَرُ كذلك ولم يكن قد لَقِيَه .
وتارةٌ يَحصُلُ من العلم بالخبرِ ـ لمن عنده من الفِطنةِ والذكاءِ والعلمِ بأحوال
المخبِرِين وبما أخبَرُوا به ـ ما لا يَحصُلُ لمن ليس له مثلُ ذلك.
وتَارةً يَحِصُل العلمُ بالخبرِ لكونِهِ رُوِيَ بحضرة جماعةٍ كثيرة، شاركوا المخْبِرَ في
العلم ولم يُكذِّبه أحَدٌ منهم، فإنَّ الجماعةَ الكثيرةَ قد يَمتِنِعُ تواطؤهم على الكتمانِ، كما
يمتنعُ تواطؤهم على الكذب.
وإذا عُرِفَ أنَّ العلم بأَخبار المخبِرِين له أسبابٌ غيرُ مجرَّدِ العَدَدِ، عُلِمَ أنَّ من
قَّد العلم بعَدَدٍ معينٍ، وسَوَّى بين جميعِ الأخبارِ في ذلك، فقد غَلِطَ غلطاً عظيماً،
ولهذا كان التواترُ ينقسِمُ إلى عامٍّ وخاصّ، فأهلُ العلم بالحديثِ والفقهِ قد يَتواترُ

٣٢٥
عندَهم من السُّنَّةِ ما لم يتواتر عند العامَّةِ، كوجوبِ الشُّفْعَةِ وحَمْلِ العاقلةِ العَقْلَ ونحوٍ
ذلك.
وإذا كان الخبرُ قد يتواترُ عندَ قومٍ دون قومٍ، فقد يَحِصُلُ العلمُ بصدقِهِ لقومٍ
دون قوم، فمن حَصَل له العلمُ بهِ وجَبَ عليه التصديقُ بهِ والعملُ بمقتضاه، كما يجبُ
ذلك في نظائرِه، ومن لم يَحصُل له العلمُ بذلك فعليه أن يُسَلَّمَ ذلك لأهل الإِجماع
الذين أجمعوا على صحتِه، كما على الناسِ أن يُسلِّموا الأحكامَ المجمَعَ عليها إلى من
أجمَعَ عليها من أهل العلم، فإن الله عَصَم هذه الأمَّةَ أن تَجَتَمِعَ على ضلالة.
وإنما يكونُ إجماعُها بأنْ يُسلِّمَ غيرُ العالِمِ للعالم، إذْ غيرُ العالم لا يكونُ له قولٌ،
وإنما القولُ للعالم، فكما أنَّ من لا يَعرِفُ أدلةَ الأحكام لا يُعتَدُّ بقولِه، كذلك من
لا يَعرِف طُرُقَ العِلمِ بصحةِ الحديث لا يُعتَدُّ بقولِه، بل على كلٍّ من ليس بعالمٍ أن
يَتْبَعَ إجماعَ أهلِ العلم. اهـ.
وخلاصةُ ما يتعلَّقُ الغَرَضُ - به - في هذه المقالةِ أنَّ أكثرَ متون الصحيحين
معلومةٌ متيقَّنَة، قد تلقَّها أهلُ العلم بالحديثِ بالقبولِ والتصديقِ، وأجمعُوا على
صحتها، وأنَّ هذه الأحاديثَ التي أجمعوا على صحتِها قد تتواتّرُ أو تستفِيضُ عند
بعض دون بعض، وقد يَحَصُلُ العلمُ بصحتها لبعضٍ - لعلمِه بصفاتِ المخبرين وما
اقَتَرَنْ بالخَبرِ من القرائن التي تُفِيدُ العلمَ - دُونَ بعضٍ لعدمٍ علمه بذلك.
فعلى من حَصَل له العلمُ بذلك أن يجرِي على مقتضاه من التصديقٍ بها
والعملِ بُوْجَبِها، ومن لم يَحَصُل له العلمُ بذلك فعليه أن يُسلِّمَ ذلك لأهلِ الإِجماع
الذين أجمعوا على صحتها، كما على الناس أن يُسلِّموا الأحكامَ المجمّعَ عليها لمن أجمَعَ
عليها من أهل العلم، إذ لا يَتِمُّ إجماعُ إلَّ إذا سَلَّم غيرُ العالم للعالم، فإن لم يُسلِّم
لم يُعْتَدَّ بعدمِ تسليمه، إذ ليس لغير العالم قولٌ، وإنما القولُ للعالم.
وأما المقالةُ الثانية فقد أوردها في رسالةٍ جعَلَها في قواعد التفسير، وقد وَقَف
عليها العلامة البُلْقِيني كما يُشعِرُ به ما نقلناه عنه سابقاً، من أنَّ بعضَ الحفاظ
ا

٣٢٦
المتأخرين نقَلَ مثلَ قولِ ابنِ الصلاح عن جماعة، فإنه عَنى ببعض الحفاظِ المتأخرين
صاحبَ هذه المقالة فيما يَظهر(١).
وقد أوردها صاحبُها في فصلٍ من الرسالة المذكورة(٢)، أورَدَ فيه أولاً أنَّ
ما يُنقَلُ عن المعصوم إن كان مما لا يُمكِنُ معرفةُ الصحيح منه، من غيره، فعامّتُه مما
لا يُحتاجُ إليه، وذلك كمقدارِ سفينة نوح عليه السلام، ونوعِ خَشَبِها الذي صُنِعَتْ
منه، ونحوِ ذلك؛ وأمَّا ما يُحتاجُ إليه فإن الله تعالى قد نَصَب على الحق فيه دليلاً.
:
ثم قال: والمقصودُ أنَّ الحديثَ الطويلَ إذا رُوِيَ مثلاً من وجهين مختلفينٍ من غير
مواطأة، امتَنَع عليه أن يكون غَلَطاً، كما امتَنَع أن يكون كذِباً، فإنَّ الغَلَطَ لا يكونُ في
/١٣٤ قصةٍ طويلةٍ متنوعةٍ، وإنما يكونُ في بعضِها، فإذا رَوَى هذا قصةً طويلةً متنوعةً،
ورَوَاها الآخَرُ مثلَ ما رواها الأوَّلُ مِن غير مُواطأةٍ، امتَنَع الغلَطُ في جميعِها، كما امتْنَع
الكذِبُ في جميعِها من غير مواطأة.
ولهذا إنما يقعُ في مثلِ ذلك غلطً في بعض ما جَرَى في القصة، مثلُ حدیثِ
اشتراءِ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم البعيرَ من جابر، فإنَّ من تأمُّلَ طُرُقَه عَلِمَ قطعاً أَنَّ
الحديث صحيح وإن كانوا قد اختلفوا في مقدار الثمن.
وقد بيّنَّ ذلك البخاريُّ في صحيحه، فإنَّ ◌ُهورَ ما في البخاري ومسلم مما
يُقطَعُ بأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قاله، لأنَّ غالبَهُ من هذا، ولأنه قد تلقَّه أهلُ
العلم بالقبول والتصديق، والأمَّةُ لا تجتمعُ على خطأ، فلو كان الحديثُ كذِباً في
نفسِ الأمر، والأُمَّةُ مصدِّقةُ له، قابلةٌ له، لكانوا قد أجْمَعُوا على تصديقِ ما هو في
نفسِ الأمر كذِبُ، وهذا إجماع على الخطأ، وذلك ممتنِعٌ .
وإنْ كنا نحن بدُونِ الإِجماع نُجوِّزُ الخطأَ أَوْ الكذِبَ على الخبر، فهو کتجويزنا
- قبلَ أن نعلَمُ الإِجماعَ على الحُكمِ الذي ثبَتَ بظاهرٍ أو قياسٍ ظني - أن يكونَ
(١) في ص ١٢٧ .
(٢) وهي: ((مقدمة في أصول التفسير)» ص ٥٥ - ٥٦، و٦٥ - ٧٤.
--

٣٢٧
الحقُّ في الباطنِ بخلافٍ ما اعتقدناه، فإذا أجمعوا على الحكم جزمنا بأنَّ الحكم ثابتٌ
باطناً وظاهراً، ولهذا كان ◌ُهور أهلِ العلم من جميع الطوائفِ على أنَّ خَبْرَ الواحدِ
إذا تلقَّتْهُ الأمةُ بالقبولِ تصديقاً له أو عملاً به: أنه يُوجِبُ العلم.
وهذا هو الذي ذكره المصنفون في أصول الفقه من أصحاب أبي حنيفة ومالك
والشافعي وأحمد، إلَّ فِرقةً قليلةً من المتأخرين اتَّبَعُوا في ذلك طائفةً من أهلِ الكلام
أنكروا ذلك، ولكنْ كثيرٌ من أهل الكلام أو أكثرُهم يوافقون الفقهاءَ وأهلَ الحديث
والسلفَ على ذلك، وهو قولُ أكثرِ الأشعرية كأبي إسحاق وابن فُوْرَك.
وأمَّا ابنُ البَاقِلَّاني فهو الذي أنكر ذلك، واتَّبَعه مثلُ أبي المعالي، وأبي حَامِد،
وابنٍ عقيل، وابن الجوزي، وابنِ الخطيب(١)، والآمديِّ، ونحوِ هؤلاء.
والأوّلُ هو الذي ذكره الشيخُ أبو حَامِد وأبو الطيب وأبو إسحاق وأمثالُهُ من
أئمةِ الشافعية، وهو الذي ذكره القاضي عبدُ الوهاب وأمثالُهُ من المالكية، وهو الذي
ذكره شمسُ الدين السرخسي(٢) وأمثالُهُ من الحنفية، وهو الذي ذكره أبو يَعْلَى
وأبو الخَطَّاب وأبو الحسن بنُ الزاغوني وأَمْثَاهُم من الحنبلية.
وإذا كان الإِجماعُ على تصديقِ الخبرِ مُوجِباً للقطع به، فالاعتبارُ في ذلك:
بإجماعِ أهلِ العلم بالحديث، كما أنَّ الاعتبارَ في الإِجماع على الأحكام: بإجماع أهلِ
العلم بالأمرِ والنهي والإِباحةِ .
والمقصودُ هنا أنَّ تعدُّدَ الطرق - مع عدَمِ التشاعُرِ(٣) والاتفاقِ في العادةِ -
(١) ابن الخطيب هو الإِمام فخر الدين الرازي محمد بن عمر، الإِمام المفسِرِ، المولود سنة
٥٤٤، والمتوفى سنة ٦٠٦. ووقع في الأصل: (وابنِ الخطيب الآمدي). وفيه سَقْطُ الواو العاطفة
من بين الاسمين.
(٢) وهكذا في ((مقدمة في أصول التفسير)) ص ٦٨. وهو سبق خاطر من الحافظ ابن تيمية،
فإن السَّرَحْسِيَّ هذا يلقَّبُ بشمس الأئمة، ولا يلقب بشمس الدين.
(٣) الذي في ((مقدمة في أصول التفسير)) ص ٦٨ (مع عدم التشاور). ولم أجد في كتب
اللغة (التشاعر) بمعنى التفاهم والتوافق. فالظاهر أنها محرفة عن (التشاور). والله أعلم.

٣٢٨
يُوجِبُ العلمَ بمضمونِ المنقول، لكن هذا يَنتفعُ به كثيراً مَنْ عَلِمَ أحوالَ الناقلين، وفي
مثلِ هذا يُنتفَعُ بروايةِ المجهولِ والسيِّىءِ الحفظِ والحديثِ المرسَل ونحوِ ذلك، ولهذا
كان أهلُ العلم يكتُبون مثلَ هذه الأحاديث، ويقولون: إنه يَصلُح للشواهِدِ والاعتبارِ
ما لا يَصلُحُ لغيره.
قال أحمد: قد أكتُبُ حديثَ الرجل لأعتبِرَهُ، ومثَّلَ هذا بعبد الله بن لَطِيعَة
قاضي مصر، فإنه کان من أکثر الناس حديثاً، ومن خيار الناس، لكن بسبب احتراقٍ
كتبه، وقَعَ في حديثه المتأخِّرِ غَلَطْ، فصار يُعتبرُ بذلك ويُستَشْهَدُ به، وكثيراً ما يَقتِنُ
هو والليثُ بنُ سعد، والليثُ حُجَّةٌ تَبْتُ إمامٌ.
وكما أنهم يَستشهدون ويُعتبرون بحديثِ الذي فيه سُوءُ حفظ، فإنهم أيضاً
يُضَعِّفون من حديثِ الثقةِ الصدوقِ الضابطِ أشياءَ يتَبِينٌ لهم غلَّطُه فيها، بأمورٍ
يَستدلون بها، ويُسَمُّون هذا: عِلمَ عِلَلِ الحديث، وهو من أشرفِ علومِهم، بحيث
يكونُ الحديثُ قد رواه ثقةٌ ضابطٌ، وغلِطَ فيه، وغلَّطُه فيه عُرِفَ إِمَّا بسببٍ ظاهرٍ
أو خفيٍّ .
/١٣٥
/ كما عَرَفوا أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم تزوَّجَ ميمونةَ وهو مُحْرِمِ، وأنه صلَّ في
البيتِ ركعتين، وجعلوا روايةَ ابنِ عباس لِتَزَوُّجِها حَلالاً، ولكونِهِ لم يُصَلِّ: مما وَقَعَ
فيه الغَلَطُ. وكذلك أنه اعتَمَر أربعَ عُمَرٍ، وعَلِموا أنَّ قولَ ابنِ عُمَر: إنهِ اعْتَمَّر في
رجب: مما وَقَعَ فيه الغَلَطُ. وعَلِموا أنه تمتَّعَ وهو آمِنٌ فِي حِجَّةِ الوَدَاعِ، وأنَّ قولَ عثمان
لعلي: كنا يومئذٍ خائفين مما وَقَعَ فيه الغَلَطُ. وأنَّ ما وقع في بعض طُرقِ البخاري أنَّ
النار لا تمتلىء حتى يُنشِىءَ الله لها خَلْقاً آخَرَ: مما وَقَع فيه الغَلَطُ. وهذا كثير.
والناسُ في هذا البَابِ طَرَفانٍ :
طَرَفٌ من أهل الكلامِ ونحوِهم ثمّنْ هو بعيدٌ عن معرفةِ الحديثِ وأهلِهِ، لا يُميِّزُ
بين الصحيحِ والضعيف، فَيَشُكُّ في صحة أحاديثَ، أو في القطعِ بها، مع كونها
معلومةً مقطوعاً بها عند أهل العلم به.

٣٢٩
وطَرَفٌ ممن يَدَّعي اتِّبَاعَ الحديثِ والعمَلَ به، كلَّما وَجَدَ لفظاً في حديثٍ قد رَوَاه
ثقةٌ، أو رَأَى حديثاً بإِسنادٍ ظاهِرُهُ الصحة، يُريدُ أن يَجْعَلَ ذلك من جِنْسٍ ما جَزَمَ
أهلُ العلم بصحتِه، حتى إذا عارَضَ الصحيحَ المعروفَ أخَذَ يتكلَّفُ له التأويلاتِ
الباردةَ، أو يَجِعَلُهُ دليلاً في مسائل العلم، مع أنَّ أهل العلم بالحديث يعرفون أنَّ
مِثْلَ هذا غَلَطُ.
وكما أنَّ على الحديثِ أدلةً يُعلَمُ بها أنه صِدقٌ وقد يُقْطَعُ بذلك، فعليهِ أدلةٌ
يُعلَمُ بها أنه كذِبٌ ويُقطَّعُ بذلك، مِثلُ ما يُقطَّعُ بكذبٍ ما يرويه الوضَّاعون من أهلِ
البِدَعِ والغُلُوِّ في الفضائل.
وخلاصةُ ما يَتعلَّقُ به الغَرْضُ في هذه المقالة أنَّ جُمهورَ ما في البخاري ومسلم
من الأحاديث مما يُقطَّعُ بأنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم قاله، لأنه قد رُوِيّ من
وجهين مختلفين من غير مواطأة، وما كان كذلك فإنه في العادة يُوجِبُ العلمَ بصحة
الرواية، ولأنه قد تلقَّاه أهلُ العلم بالقبول. والمرادُ بأهل العلم هنا أهلُ العلم
بالحديث، كما أنَّ المرادَ بأهل العلم في أمرِ الأحكام أهلُ العلم بالأمْرِ والنهي، وأنَّ
أهلَ العلم كما قد يَستشهدون بحديثِ السِّىءِ الحفظِ والمجهولِ ويَعتِون به، ◌ِّا في
تعدُّدِ الطُّرُقٍ من تقوية الظن في صحة الرواية: قد يَحكمُون بضعفِ حديثِ الثقةِ
الصدوقِ الضابطِ بأسبابٍ تَحمِلُهم على ذلك، ويُسمَّى العلمُ الذي يُعرَفُ به مِثلُ هذا
بعلِمْ عِلَل الحديث، وهو من أشرفِ علومِهم، وكثيراً ما وقفوا بسببه على غَلَطٍ وقع
في حديثٍ رواه ثقةٌ ضابط. ومن ذلك ما وقع في بعض طرق البخاري أنَّ النار
لا تمتلىءُ حتى يُنشِىء الله لها خَلْقً آخَر. وهذا مما وَقَع فيه الغلَطُ، ومِثْلُ هذا كثير.
والناسُ في هذا الأمرِ طرفانٍ: طَرَفْ يَشُكُّ في صحةٍ أحاديثَ أو في القطع بها،
مع كونها معلومةً عند أهل العلم بالحديث، وهؤلاء فريقٌ من أهل الكلام. وطَرَفٌ
كلَّما وَجَدَ حديثاً رُوِيَ بإسنادٍ ظاهرُهُ الصحةُ جعَلَه من جنسِ ما جَزَم أهلُ العلم
بصحته، فإذا عارَضَ حديثاً صحيحاً معروفاً، أَخَذَ يتأوَّلُه بتأويلاتٍ باردة. وهؤلاء
فريقٌ ممن ينتمي إلى الحديث.

٣٣٠
وكما أنَّ على الحديثِ الصحيح أدلةً يُعلَمُ بها أنه صحيحُ النسبةِ، وقَد تَصِلُ
الأدِلَّةُ في القوةِ إلى أنْ تُوصِلَ إلى علم اليقين، كذلك على الحديثِ الذي ليس
بصحيح أدلةٌ يُعرَفُ بها حالُه. وقد أوردنا فيما سَبَق(١) مقالةً تتعلَّقُ بتفرُّقِ الناس في
أمرِ الحديث إلى ثلاثة، وبيَّا حالَ كل فِرقة منها، جعَلَنا الله من الفِرقة الْوُسْطَى بِنَّهِ ..
وقد تَعَرَّضَ في ((الجوابٍ))(٢) بطريق العَرَضِ لِذكرِ شيء مما وقع في الصحيحين
/١٣٦ وغيرهما من الوَهَمِ في الرواية، / حيث قال: وقد يُقالُ: إنَّ ما بُدِّلَ من ألفاظِ التوراة
والإِنجيل، ففي نفسِ التوراةِ والإِنجيل ما يَدُلُّ على تبديلِه، وبهذا(٣) يَحِصُل الجوابُ
عن شُبهةِ من يقول: إنه لم يُبدَّل شيءٌ من ألفاظِهما، فإنهم يقولون: إذا كان التبديلُ
قد وقع في ألفاظِ التوراة والإنجيلِ قبلَ مبعث محمد صلَّى الله عليه وسلَّم، لم يُعلّم
الحقُّ من الباطل، فسَقَطِ الاحتجاجُ بهما ووجوبُ العَمَلِ بهما على أهل الكتاب، فلا
يُذَمُّون حينئذٍ على تركِ اتَّاعِهما، والقرآنُ قد ذَمَّهم على تركِ الحكم بما فيهما،
واستشهَدَ بما فيهما في مواضع .
وجوابُ ذلك أنَّ ما وقع من التبديل قليلٌ، والأكثرُ لم يُبدَّل، والذي لم يُبدَّل فيه
ألفاظُ صريحةٌ بَيِّنةٌ في المقصودِ، تُبِينٌ غَلَطَ ما خالَفَها، ولها شواهدُ ونظائرُ متعدِّدة
يُصدِّقُ بعضُها بعضاً، بخلاف المُبدَّل، فإنه ألفاظٌ قليلة، وسائرُ نصوص الكتب ◌ُناقِضُهَا.
وصار هذا بمنزلةٍ كتبٍ الحديث المنقولةِ عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فإنه
إذا وقع في سنن أبي داود أو الترمذي أو غيرهما أحاديثُ قليلةٌ ضعيفة، كان في
الأحاديث الصحيحةِ الثابتة عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم ما يُبِينٌ ضَعْفَ تلك، بل
وكذلك صحيحُ مسلم فيه ألفاظٌ قليلةً عَلِطَ فيها الراوي، وفي نفسِ الأحاديثِ
الصحيحةِ مع القرآنِ ما يُبينٌ غَلَطَها:
(١) في ص ١٩٠ - ٢٠٨.
۔۔
(٢) أي «الجواب الصحيح)) ٣٩١:١. وقوله الآتي (بركوعين أو ثلاثة) كذا فيه وفي
الأصل، وصوابه (بثلاث ركعات أو أربع).
(٣) تحرَّف في الأصل: (ولهذا).

٣٣١
مِثلُ ما رُوِيَ إِن الله خَلَق التُّرْبَةَ يومَ السبت، وجَعَل خَلْقَ المخلوقاتِ في الأيام
السبعة، فإنَّ هذا الحديثَ قد بينَّ أئمةُ الحديث كيحيى بن معين وعبد الرحمن بن
مَهدي والبخاريِّ وغيرهم أنه غَلَطِّ، وأنه ليس من كلامِ النبي صلَّى الله عليه
وسلَّم، بل صَرَّح البخاريُّ في ((تاريخه الكبير)) أنه من كلام كعب الأحبار، كما قد
بُسِطَ في موضعه. والقرآنُ يدلُّ على غلطِ هذا، وبَيْنَّ أنَّ الخَلْقَ في ستةٍ أيام، وثبَتَ في
الصحيح أنَّ آخِرَ الخلق كان يومَ الجمعة، فيكون أوَّلُ الخلق يومَ الأحد.
وكذلك ما رُوِي أنه صلَّى الله عليه وسلَّم صَلَّى الكسوفَ بركوعينِ أو ثلاثة،
فإنَّ الثابتَ المتواتِرَ عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في الصحيحين وغيرهما، عن
عائشة وابنٍ عباس وعبدِ الله بن عَمْرٍو وغيرهم أنه صلى كلَّ ركعةٍ بركوعين. ولهذا
لم يُخرِجِ البخاريُّ إلَّ ذلك، وضعَّفَ الشافعي والبخاريُّ وأحمدُ في إحدى الروايتين عنه
وغيرُهُم حديثَ الثلاثةِ والأربع، فإنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم إنما صَلَّى الكسوفَ
مرةً واحدة، وفي حديثِ الثلاثِ والأربع أنه صلَّها يومَ مات إبراهيمُ ابنُه، وأحاديثُ
الركوعین کانت ذلك اليومَ.
فمثلُ هذا الغلطِ إذا وَقَع كان في نفسِ الأحاديثِ الصحيحةِ ما يُبِينٌ أنه غلَطْ،
والبخاريُّ إذا رَوَى الحديثَ بطُرقٍ في بعضِها غَلَطْ في بعض الألفاظ، ذَكّر مَعَها
الطرقَ التي تُبِينٌ ذلك الغلط، كما قد بسطنا الكلام عليه في موضعه. اهـ.
تنبيه: ما ذَهَب إليه هذا المحقّقُ من أنَّ ما وقع في بعض طرقِ البخاري في
حديثٍ تَحَاجِّ الجنةِ والنار، من أنَّ النار لا تمتلىءُ حتى يُنشِىء الله لها خَلْقاً آخَرَ: مما وقَعَ
فيه الغلط، قد مالَ إليه كثيرٌ من المحققين كالبُلْقِيني وغيرِهِ.
ومن الغريب في ذلك مُحاولَةُ بعضِ الأغمارِ، ممن ليس له إِمامُ بهذا الفن،
لا من جهةِ الرواية ولا من جهة الدراية، لنسبة الغلطِ إليه، كأنَّه ظَنَّ أنَّ النقد قد سُدَّ
بأبُه على كل أحد، أو ظَنَّ أنَّ النقدَ من جهةِ المتن لا يَسوغُ، لأنه يُخْشَ أن يَدخُلَ منه
أربابُ الأهواء.
-

٣٣٢
ولم يَدْرِ أنَّ النقدَ إذا أُجرِيَ على المنهج المعروف لم يُستنكَر، وقد وقع ذلك لكثير
من أئمة الحديث مثلِ الإسماعيلي، فإنه بعدَ أن أوردَ حديثَ يَلْقَى إبراهيمُ أباهُ آزَرَ
/١٣٧ يوم القيامة وعلى / وَجْهِ آزَرَ قَتَرة، الحديث. قال: وهذا خبرٌ في صحِهِ نظر، من
جهةِ أنَّ إبراهيم عالم بأنَّ الله لا يُخْلِفُ الميعاد، فكيف يجَعَلُ ما بأبيه خِزباً له، مع إخبارِهِ
بأن الله قد وَعَدَه أن لا يُجْزِيَه يومَ يُبْعَثُون، وعلمِهِ بأنه لا خُلْفَ لوعدِهِ، فانظر كيف
أَعلَّ المتنَ بِما ذُكِرَ.
فإن قلتَ: إِنَّ كثيراً مما انتقدوه من هذا النوع يُمكِنُ تأويلُه بوجهٍ يَدِفَعُ النقدّ،
قلتُ: إِذا أمكَّنَ التأويلُ على وجهٍ يُعقَّلُ فلا كلامَ في ذلك، وإن كان على وَجْهٍ
لا يُعقَلُ لم يُلتَفَتْ إليه. ولو فُتِحَ هذا البابُ أمكَنَ حْلُ كلِّ عبارةٍ على خلافٍ ما تَدِلُّ
عليه، ولذا قال بعضُ علماء الأصول: إنَّ في الأحاديث ما لا تجوز نسبتُهُ إلى النبي
صلَّى الله عليه وسلَّم، وذلك لأنه لا يُمكِنُ حَمْلُها على ظاهِرِها، لکونِهِ على خلاف
البرهان، وغيرُ ظاهرِها بعيدٌ عن فصاحتِهِ صلَّى الله عليه وسلَّم .
قال الحافظ زين الدين العراقي: ورَوينا عن محمد بن طاهر المُقْدِسِي ومن خَطَّهِ
نَقَلْتُ، قال: سَمِعتُ أبا عبد الله محمد بن أبي نصر الحُمَيديَّ ببغداد يقول: قال لنا
أبو محمد بن حزم: ما وجدنا للبخاري ومسلم في كتابيهما شيئاً لا يَحتَمِلُ خْرَجاً إلاّا
حديثين، لكل واحدٍ منهما حديثٌ تَمَّ عليه في تخريجِهِ الوَهَمُ، مع إتقانِهما وحفظِهما
وصحة معرفتهما .
فَذَكَر من عندِ البخاري حديثَ شَرِيكٍ في الإِسراء، وأنه قَبْلَ أن يُوحَى إليه،
وفيه شَقُّ صَدْرِهِ. قال ابنُ حزم: والآنَّةُ من شَرِيك(١).
(١) شَرِيكُ هو أبو عبد الله شَرِيكُ بنُ عبد الله بن أبي تَرِ الْمَدَنيُّ التابعي، رأى أنْسَ بن
مالك وسَمِعَ منه، ومات في حدود سنة ١٤٠، وهو أكبرُ وأقدّمُ من سَمِيِّهِ: أبي عبد الله شَرِيك بن
عبد الله النَّخَعي الكوفي، قاضي واسِطَ ثم الكوفة، المتوفى سنة ١٧٨، رحمهما الله تعالى.
وهذا الحديث المشارُ إليه، رواه البخاري من طريق شَرِيكٍ عن أنس في موضعين من =

٣٣٣
.
= ((صحيحه)): في كتاب المناقب مختصراً، في (باب كان النبي صلَّى الله عليه وسلَّم تَنامُ عينُه ولا يَنامُ
قلبُه) ٥٧٩:٦، وفي كتاب التوحيد مطوّلاً، في (باب ما جاء في قوله تعالى: وكلَّم الله موسى تكليماً)
١٣ :٤٧٨.
ولفظُهُ في كتاب المناقب: ((سمعتُ أَنْسَ بن مالك يحدثنا عن ليلةٍ أُسرِيَ بالنبي صلَّى الله
عليه وسلَّم من مسجدِ الكعبة، جاءه ثلاثةُ نَفَرٍ - من الملائكة - قبلَ أن يُوحى إليه، وهو نائمٌ في
المسجد الحرام .. ، ثم عُرِجَ به إلى السماء)).
ولفظُهُ في كتاب التوحيد: «سمعتُ ابنَ مالك يقول: ليلةَ أُسرِيَ برسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم من مسجد الكعبة، أنه جاءَهُ ثلاثةُ نَفَرٍ قَبْلَ أن يُوحَى إليه، وهو نائمٌ في المسجد الحرام ... ،
فتولاَهُ منهم جبريلُ، فشَقَّ جبريلُ ما بين نحرِهِ إلى لَّتِه ... ، ثم عَرَج به إلى السماءِ الدنيا ... )).
انتھی .
والبخاريُّ رحمه الله تعالى أخرج حديث الإسراء والمعراج هذا من طُرقٍ أخرى غير طريق
شريك.
أخرجه عن يونس، عن ابن شهاب، عن أنس، عن أبي ذر يُحدِّثُ أنَّ رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم، في أول كتاب الصلاة في (باب كيف فُرِضَتْ الصلاةُ في الإِسراء) ١: ٤٥٨، وفي كتاب
الحج في (باب ما جاء في زمزم ) ٣: ٤٩٢، وفي كتاب الأنبياء في (باب ذكرٍ إدريس عليه السلام)
٦ : ٣٧٤.
وأخرجه أيضاً عن قتادة، عن أنس، عن مالك بن صَعْصَعَة أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه
وسلّم، في کتاب بدء الخلق في (باب ذكر الملائكة) ٣٠٢:٦، وفي کتاب أحاديث الأنبياء في (باب
قوله تعالى: وهل أتاك حديثُ موسى) ٤٢٣:٦، وفي كتاب مناقب الأنصار في (باب المعراج)
٢٠١:٧.
وحديثُ شَرِيك المتحدَّثُ عنه رَوَى مسلم رحمه الله تعالى في ((صحيحه)) طَرَفاً منه في جملةِ
الطرق التي ساقها، وعقّبَ عليه بما يأتي ذكرُه، وقد ساق مسلمٌ أحاديثَ الإِسراء في «صحيحه)» في
كتاب الإِيمان، في (باب الإِسراء برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم) ٢: ٢٠٩ - ٢٣٣، من طريق
ستةٍ من الصحابة: ١ - أنس، ٢ - وأبي ذر، ٣ - ومالك بن صَعْصَعَة، ٤ - وابن عباس،
٥ - وجابر، ٦ - وأبي هريرة، فجوّدَ بذكر طرقه عنهم، رضي الله تعالى عنهم.
١ - فساقه عن أنس:
=

٣٣٤
من طريق حَمَّد بن سَلَمة، عن ثابت البُنَاني، عن أنس أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
٢ :٢٠٩.
ومن طريق سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس ٢١٥:٢.
ومن طريق حَمَّد بن سَلَمَة، عن ثابت، عن أنس أيضاً ٢١٦:٢.
.ومن طريق سليمان بن بلال، عن شَرِيك بن عبد الله بن أبي تَمر، عن أنس ٢١٧:٢.
٢ - وساقه عن أبي ذر من طريق يونس - بن يزيد الأيليّ-، عن ابن شهاب، عن أنس،
عن أبي ذر أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
٣ - وساقه عن مالك بن صَعْصَعَة من طريق سعيد - بن المسيَّب - وهشام - بن
أبي عبد الله الدَّسْتَوائي البصري سَنْبَرَ - عن قتادة، عن أنس، عن مالك بن صعصعة أن
رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم ٢٢٣:٢ - ٢٢٥.
٤ - وساقه عن ابن عباس من طريق شعبة وشيبان بن عبد الرحمن، عن أبي العالية، عن
ابن عباس قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ٢٢٦:٢ - ٢٣٠.
٥ - وساقه عن جابر من طريق الليث، عن أبي الزبير، عن جابر أن رسول الله صلَّى اللّه
عليه وسلَّم ٢٣١:٢.
٦ -- وساقه عن أبي هريرة من طريق الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة قال:
قال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم ٢٣٢:٢.
ونَصُّ سياقته بكاملها من طريق شَرِيك: ((قال شَرِيكُ بنُ أبي غَرِ سمعتُ أَنسَ بَنَ مالِكَ
يُحدِّثُنا عن ليلةٍ أُسري برسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من مسجد الكعبة، أنه جاءِه ثلاثةُ نفرٍ قَبْلَ
أن يُوحَى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام. وساق الحديث بقِصَّتِهِ نحو حديث ثابت البناني»، ثم
عقّبَ عليه الإِمامُ مسلمٌ بقوله: ((وقَدَّم فيه شيئاً وأخَّر، وزَادَ ونَقَص)). انتهى.
قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري)» ١٣: ٤٨٠ ((حديثُ أنس في المعراج من رواية
شَرِيك، أورَدَهُ البخاري هنا - في كتاب التوحيد - وفي كتاب المناقب، وأورد حديث الإسراء من
رواية الزهري، عن أنس، عن أبي ذر في أوائل كتاب الصلاة، وأورده من رواية قتادة، عن أنس،
عن مالك بن صَعْصَعَة في كتاب بدء الخلق، وشرحتُهُ هناك، وأخَّرتُ ما يتعلَّقُ برواية شَرِيك هذه
هنا لما اختصِّتْ به من المخالفات.
وقولُهُ: (قَبْلَ أن يُوحَى إليه)، أنكرها الخطابي وابن حزم وعبد الحق والقاضي عياض
=

٣٣٥
٠
= والنووي، وعبارة النووي - في ((شرح صحيح مسلم)) ٢: ٢٠٩ - وقع في رواية شريك أوهامٌ
أنكرها العلماء، وقد نَبِّه مسلمٌ على ذلك بقوله: فقدَّمَ وأخّرَ، وزَادَ ونَقَصَ. أحدُها قولُه: (قبلَ أن
يُوحَى إليه)، وهو غلط لم يُوافَق عليه، وأجمع العلماء على أنَّ فرض الصلاة كان ليلةَ الإِسراء،
فکیف یکونُ قبلَ الوحي. انتھی.
وصرَّح المذكورون بأن شريكاً تفرَّدَ بذلك. وفي دعوى التفرّدِ نظر، فقد وافقه كَثِيرُ بن
خُنَيْسٍ عن أنس، كما أخرجه سعيد بن يحيى بن سعيد الأمَوي في كتاب المغازي من طريقه.
وقولُهُ: (وهو نائم في المسجد الحرام)، قد أكَّدَ هذا بقوله في آخر الحديث: ((فاستيقظَّ وهو في
المسجد الحرام)». ونحوُهُ ما وقع في حديثٍ مالك بن صَعْصَعَة: (بين النائمِ واليقظان). وقد قدَّمتُ
وَجْهَ الجمع بين مختلف الروايات في شرح الحديث ٧: ٢٠١ .
وقولُهُ: (فكانت تلك الليلة)، الضميرُ المستتر في (کانت) لمحذوفٍ، وكذا خبرُ (كان)،
والتقديرُ: فكانت القِصَّةُ الواقعة تلك الليلة ما ذُكِرَ هنا. وقولُهُ: (فلم يَرَهُم) أي بعدَ ذلك (حتى
أتوه ليلةً أخرى)، ولم يعين المدة التي بين المجيئين، فيُحمَلُ على أن المجيء الثاني كان بعد أن أوحي
إليه، وحينئذ وقع الإِسراء والمعراجُ، وقد سَبَق بيانُ الاختلاف في ذلك عند شرحه، وإذا كان بين
المجيئين مُدَّةٌ فلا فَرْقَ في ذلك بين أن تكون تلك المدة ليلةً واحدةً أو لياليَ كثيرة أو عِدَّةً سنين.
وبهذا يرتفعُ الإِشكالُ عن رواية شريك، ويَحصُلُ به الوفاق أنَّ الإِسراء كان في اليقظةِ بعدَ
البعثة وقبلَ الهجرة، ويَسقُطُ تشنيعُ الخطابي وابن حزم وغيرهما، بأنَّ شَرِيكاً خالَفَ الإِجماعَ في
دعواه أن المعراج كان قبلَ البعثة، وبالله التوفيق.
وبذلك جَزَمِ ابنُ القيم - في ((زاد المعاد)» ٤٢:٣ في مباحث هَذِيهِ صلَّى الله عليه وسلّم في
الجهاد والمغازي - في هذا الحديث نفسِه. وأقوَى ما يُستدَلُّ به أنَّ المِعراجَ بعدَ البِعثةِ قولُه في هذا
الحديثِ نفسِه: (إنَّ جبريلَ قال لبَوَّاب السماءِ إذ قال له: أَبُعِثَ؟ قال: نعم)، فإِنه ظاهرٌ في أنَّ
المعراجَ كان بعدَ البِعْثَة، فَيَتعينٌ ما ذكرتُهُ من التأويل.
وأما قولُه: (فاستيقظ وهو عند المسجد الحرام)، فإن حُمِلَ على ظاهره جَازَ أن يكون نام بعد
أن هَبط من السماء، فاستيقظ وهو عند المسجد الحرام، وجاز أن يؤوَّلَ قولُه: (استيقظ) أي أفاق مما
كان فيه، فإنه كان إذا أُوحي إليه يُستَغرَقُ فيه، فإذا انتهى رَجَع إلى حالته الأولى، فكنّى عنه
بالاستيقاظ .
ثم ذكر الحافظُ ابنُ حجر تشنيعَ الخطابي وانتقادَهُ لجملةِ كلماتٍ وجُمَلٍ جاءت في حديثٍ =

٣٣٦
= شَرِيكٍ تفرَّدَ بها، وقولَ الخطابي فيه: إنه كثيرُ التفُّدِ بمناكير الألفاظ التي لا يتابعه عليها سائرُ
الرواة، وأجاب الحافظُ ابنُ حجر عنها ووجَّهَها وأوَّلها بما رآهُ رافعاً لاستنكارِها واستشناعِها.
ثم ذكر الحافظُ ابنُ حجر تشنيعَ ابن حزم على شريك، وبيانَهُ ما في روايته من ألفاظ منكرة،
وقال: ((تقدَّمَ الجوابُ عن ذلك))، أي في جوابهِ عن كلام الخطابي، وذَكَر أنَّ للحافظ أبي الفضل
محمد بن طاهر المقدسيِّ الظاهريِّ المذهب، جُزْءاً سَّه ((الانتصار لأَيَامَى الأَمْصَارِ» - كذا سَمَّاه، ولم
أتحقَّق صحةَ الاسم وسلامتَهُ من التحريف فيما رجعتُ إليه من المصادر بل لم أره فيها -، دَفَع فيه
دعوى ابْنِ حزم ودافَعَ فيه ◌ِن شَرِيك وعن روايته، ونَقَل الحافظُ ابنُ حجر مقاطعَ منه، فيها قُوَّة
ومتّانة .
ثم ذَكَر الحافظُ كلامَ المحدِّثين النُّقَّاد في شَرِيك توثيقاً وتضعيفاً، ثم قال: ((فهو مختَلَفُ فيهَ،
فإذا تفرَّد عُدَّ ما ينفردُ به شاذاً، وكذا منكراً على رأيِ من يقولُ: المنكُرُ والشاذُّ شيءٌ واحد.
والأولَى التزامُ وُرُودِ المواضع التي خالَف فيها غيرَهُ، والجوابُ عنها، إِمَّا بدفع تفرَّدِهِ، وإمّا
بتأويلِهِ على وفاقِ الجماعة. ومجموعُ ما خالفَتْ فيه روايةٌ شَرِيكٍ غيرَهُ من المشهورين: عِشْرَةُ أشياءً
بل تزيد)). وذَكَرها فبلغَتْ اثنتَيْ عَشْرَةَ مخالفة، وأجاب عن أكثرها، وأطال في ذلك جداً رحمه الله
تعالى ١٣: ٤٨٠ - ٤٨٧، فلينظره من أراد.
ولم يَزِدِ الإِمامُ العينيُّ في شرحه ((عُمدة القاري)) ٢٥: ١٦٩ - ١٧٣، ولا العلامةُ القَسْطَلَِّيُّ
في شرحه («إرشاد الساري)»: ٤٤٥:١٠ - ٤٥٠، شيئاً يُذكَرُ زيادةً على ما قاله الحافظ ابن حجر
رحمهم الله تعالى.
وقال الحافظُ في ((هدي الساري)) ٢: ١١٥، في آخر (الفصل الثامن في سياق الأحاديث التي
انتقدها عليه حافظُ عصره أبو الحسن الدارقطني وغيرُهُ من النُّقَّاد، وإيرادِها حديثاً حديثاً على سِياقٍ
الكتاب، وسِياقٍ ما حَضَر من الجوابِ عن ذلك):
((الحديثُ العاشرُ بعد المئة: أخرج البخاريُّ في أواخر الكتاب حديثَ شريكِ بن أبي تَمِرٍ عن
أنس في الإِسراء بطوله، وقد خالَفَ فيه شَرِيكٌ أصحابَ أنْس في إسنادِهِ، ومتنِه. أمَّ الإِسنادُ فإنَّ
قتادةَ يجعلُهُ عن أنس، عن مالكِ بنِ صَعْصَعَة، والزهريِّ يجعلُهُ عن أنس، عن أبي ذر، وثابتاً يجعلُه
عن أنسٍ من غير واسطة، لكنْ سياقُ ثابت لا مخالفةً بينه وبين سياقٍ قتادةً والزهري، وسياقُ
شَرِيكِ تُخالفُهم في التقديم والتأخير والزيادةِ المنكرة، وقد أخرج مسلمٌ إسنادَهُ فقط تِلْوَ حديثٍ
ثابتٍ وقال في آخِرِهِ: فَزَادَ ونَقَص وقدَّمَ وأخَّر.
=

٣٣٧
وذكَرَ الحديثَ الثانيَ عندَ مسلم حديثَ عِكْرِمَةَ بنِ عَمَّار، عن أبي زُمَّيْل، عن
ابنِ عباس، قال: كان المسلمون لا يَنظُرون إلى أبي سفيان ولا يُقاعِدُونِه، فقال
للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم: يا نبيَّ الله، ثَلاثٌ أَعْطِنِيهنَّ، قال: نعم، الحديث(١).
قال ابنُ حزم: هذا حديثٌ موضوع لا شَكَّ في وضعه، والآَفَةُ فيه من عِكرمة بنِ
عَمَّار(٢) .
وتكلّم ابنُ حزم والقاضي عياض وغيرُهما على حديثٍ شريك، وانتَصَر له جماعةٌ منهم
=
أبو الفضل ابنُ طاهر، فصنَّفَ فيه جزءاً، وسنذكُرُ ما يتعلَّقُ به مستوفىٌ عند الكلام عليه إن شاء الله
تعالى في موضعه)).
ثم ذَكَر الحافظُ في (الفصل التاسع في سِياقٍ أسماءٍ من طُعِنَ فيه من رجالٍ البخاري)
٢: ١٣٤، شَرِيكاً وذَكَر ما قيل فيه توثيقاً وتضعيفاً، ثم قال: ((قلتُ: احتَجَّ به الجماعة، إلاَّ أنَّ في
روايته عن أنس لحديث الإسراء مواضعَ شاذّة، كما ذكرنا ذلك في آخر الفصل الماضي)». انتهى.
ومن هذا الذي أطلتُ بنَقْلِهِ، يَتبيّنُ أنَّ حديثَ شريكٍ لا يَقَعُ بالموقع الذي زعمه ابنُ حزم
رحمه الله تعالى، وسيأتي كلامُ الإِمام الحافظ أبي عَمْروبن الصلاح في شأنِ ابن حزم، وجَسَارتِهِ
وهجومِهِ على التخطئة للأئمة الكبار، في التعليقة التي تتلو التاليةَ، فانظره.
(١) وهو في ((صحيح مسلم)) في كتاب فضائل الصحابة رضي الله عنهم، في (باب فضائل
أبي سفيان صَخْر بن حرب رضي الله عنه) ٦٢:١٦، ولفظُهُ بتمامِهِ:
(قال النضرُ وهو ابنُ محمد الْيَمَامِيُّ: حدَّثْنَا عِكْرِمَةُ، حدَّثنا أبو زُمَّيْل، حدَّثْني ابنُ عباس،
قال: كان المسلمون لا يَنظُرون إلى أبي سفيان، ولا يُقَاعِدُونَهُ، فقال للنبي صلَّى الله عليه وسلّم:
يا نبيَّ الله، ثلاثٌ أَعْطِنِيهنَّ، قال: نعم.
قال: عندي أحسَنُ العَرَبِ وأجملُهُ أُمُّ حَبِيبَة بنتُ أبي سفيان، أُزَوَّجُكَها، قال: نعم.
قال: ومُعاويَّةُ تجعلُهُ كاتباً بين يديك، قال: نعم. قال: وتُؤْمِّرُوني حتى أُقَابِلَ الكُفَّارَ كما كنتُ
أُقاتِلُ المسلمين، قال: نعم.
قال أبو زُمَّيْل: ولولا أنه طَلَب ذلك من النبي صلَّى الله عليه وسلَّم ما أعطاهُ ذلك، لأنه
لم يكن يُسأَلُ شيئاً إلاّ قال: نعم)).
(٢) قال الإِمام النووي في ((شرح صحيح مسلم)) ٦٣:١٦، عند هذا الحديث: ((واعلم أن
هذا الحديث من الأحاديث المشهورة بالإِشكال، لأن أبا سفيان إنما أسلم يوم فتح مكة سنة ثمانٍ =

٣٣٨
= من الهجرة، وهذا مشهور لا خلاف فيه، وكان النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قد تزوَّج أمَّ حبيبة قبلَ
ذلك بزمان طويل، قال أبو عُبَيدة وخليفةُ بن خَيَّاط وابنُ البَرْقي والجمهور: تزوَّجَها سنة ست،
وقيل: سنة سَبْع.
قال القاضي عياض: واختلفوا أين تزوَّجَها؟ فقيل: بالمدينة بعدَ قدومها من الحيشة، وقال
الجمهور: بأرضِ الحَبَشة، قال: واختلفوا فيمن عَقَد له عليها هناك، فقيل: عثمان، وقيل:
خالد بن سعيد بن العاصي بإذنها، وقيل: النجاشي لأنه كان أميرَ الموضع وسلطانَه.
قال القاضي: والذي في مسلم هنا: أنه زَوَّجها أبو سفيان، غريبٌ جداً، وخبرُها مع
أبي سفيان حين وَرَد المدينة في حال كفرِهِ مشهور، ولم يَزِد القاضي على هذا.
وقال ابن حزم: هذا الحديثُ وَهَمَّ من بعض الرواة، لأنه لا خلاف بين الناس أن النبي
صلَّى الله عليه وسلَّم تزوَّجَ أم حبيبة قبلَ الفتحِ بدهر، وهي بأرض الحبشة، وأبوها كافر. وفي رواية
عن ابن حزم أيضاً أنه قال: موضوع، والآفةُ فيه من عكرمة بن عَمَّار الراوي عن أبي زُمَّيْل.
وأنكَرَ الشيخُ أبو عَمْرو بنُ الصلاح رحمه الله تعالى: هذا على ابن حزم، وبَالَغَ في الشناعة
عليه، قالَ: وهذا القولُ من جَسَارَتِهِ، فإنه كان هَجُوماً على تخطئةِ الأئمةِ الكبارِ وإطلاقِ اللسانِ
فيهم، قال: ولا نعلَمُ أحدأ من أئمةِ الحديثِ نَسَب عكرمة بن عمار إلى وضع الحديث، وقد وثَّقَّه
وكيعُ ويحيى بنُ معين وغيرُهما، وكان مستجابَ الدعوة.
قال: وما توقَّه ابنُ حزم من منافاة هذا الحديث لتقدُّمِ زواجها: غلطٌ منه وغفلة، لأنه
يُحْتَمَلُ أنه سألَهُ تجديدَ عقد النكاحِ تطيباً لقلبه، لأنه كان ربما يَرى عَلَيْهِ غضاضة في رياستِهِ ونَسَبِه
أن تزوَّجَ بنتَه بغير رضاه، أو أنه ظنَّ أن إسلامَ الأب في مثلِ هذا يقتضي تجديدَ العقد، وقد خَفِيَ
أُوضَحُ من هذا على أكبرَ مرتبةً من أبي سفيان، ممن كُثُرَ عِلمُهُ وطالَتْ صحيتُه. هذا كلامُ أبي عَمْرو
رحمه الله تعالى.
وليس في الحديث أن النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم جَدَّد العَقْدَ، ولا قال لأبي سفيان: إنه
يَحتاجُ إلى تجديدِهِ، فلعلَّه صلَّى الله عليه وسلَّم أراد بقوله: نعم، أنَّ مقصودَكَ يَحصُلُ وإن لم يكن
بحقيقةِ عَقْد، والله تعالى أعلم)). انتهى. قال عبد الفتاح: وهذا التوجيهُ الأخيرُ من الإِمام النووي
أقرَبُ قبولاً من توجيهِ الحافظ ابن الصلاح المذكور، وإن كان قدطال كلام العلماء في هذا
الحديث وبعضهم قد ضعفوه كالحافظ القرشي في آخر كتابه ((الجواهر المضية)) ٤ : ٥٦٩.
وقد تعرَّض الإِمام ابنُ القيم رحمه الله تعالى، في ((جلاء الأفهام في الصلاة والسلام على خير
=

٣٣٩
الفائدة السادسة
فيما يتعلَّق بالصحيح الزائدِ على الصحيحين
قد ذكرنا فيما سبقَ(١) أنَّ الشيخين لم يَستوعبا الصحيحَ، ولا التزما ذلك. فمن
أراد معرفةَ الصحيحِ الزائدِ على ما فيهما فليطلبه في الكتبِ المصنّفة في الصحيح
المجرَّد، وفي الكتبِ المستخرجاتِ على الصحيحين، وفي كلامِ جهابذةِ المحدِّثين،
فإذا نَصُّوا على صحة حديث أَخَذَ به.
المصنَّفاتُ في الصحيح المجرَّد
أما المصنَّفاتُ في الصحيح المجرَّد: فمنها ((المستدرَكُ على الصحيحين)) للحافظ
= الأنام)) صلى الله عليه وسلم ص ١٥٩ - ١٦٨، لهذا الحديث، وتوسَّعَ جداً بنقل أجوبة طوائفٍ
العلماء عنه، وقد بلغَتْ نحوَ عشرة أجوبة، ثم ناقَشَها جواباً جواباً، ثم قال: ((فالصوابُ أن
الحديثَ غيرُ محفوظ، بل وقع فيه تخليط، والله أعلم)).
وذهب في كتابه ((زاد المعاد)) في (فصل في أزواجه صلى الله عليه وسلم) ١: ١٠٩ - ١١٢،
إلى توجيهٍ قريبٍ من القبول، وهو وقوع الخطأ من أحد الرواة في تسمتِهِ (أَمَّ حبيبة)، بدلاً من أختها
(عَزَّة). وهو الذي ذهب إليه الحافظُ ابن كثير في ((البداية والنهاية)) ١٤٣:٤ - ١٤٥، وقال في آخر
كلامه: ((وقد أفردنا لذلك جزءاً مفرداً). انتهى. ومَشَى عليه ورَجَّحه أيضاً الإِمامُ المحقّقُ
ابنُّ الوزير الصنعاني محمدُ بنُ إبراهيم، في كتابه «تنقيح الأنظار)) ١: ١٢٩، وأقرّه عليه شارحُهُ
العلامة الإِمامُ الأميرُ الصنعاني محمدُ بنُ إسماعيل، في ((توضيح الأفكار)).
ووقع في ((زاد المعاد)) ١: ٥٥ من طبعةٍ مطبعة السنة المحمدية، و١١١:١ من الطبعة التي
حقُّقها الأستاذان شعيب الأرنؤوط وعبد القادر الأرنؤوط هكذا (وإنما سألَ أن يُزُوِّجَهُ أُختَها رملة)،
وهو خطأ مِن سَبْقِ القلم من المؤلِّف أو غيره، والصوابُ فيه (أُختَها عَزَّةَ)، فإنَّ (رَمْلَة) هي
◌ُ حبيبة بعينها.
وقد جاء الكلامُ على الصحة في ((شرح المواهب اللدنية)) الزرقاني ٣: ٢٤٤، فقد نَّقَل فيه
كلامَ الشيخ ابن القيم بالحرف دون أن يَنسُبَه إليه صراحةً، وجاءت العبارة فيه: ((وإنما سألَهُ أن
يُزَوِّجَهُ أُخْتَها عَزَّة ... )). وهكذا أيضاً جاءت العبارة في ((البداية والنهاية)) لابن كثير كما في ((شرح
المواهب)). والحمد لله رب العالمين.
(١) في ص ٢٢٦.
1

٣٤٠
أبي عبد الله الحاكم، فإنه أودَعَه ما ليس في الصحيحين، مما رأى أنه مُوافقٌ لشرطَيْهما
أو شَرْطِ أحدِهما، وما أدَّى اجتهاده إلى تصحيحه وإن لم یکن على شرطٍ واحدٍ منهما،
مشيراً إلى القسم الأول بقوله: هذا حديثٌ صحيحٌ على شرطِ الشيخين، أو على
شرطِ البخاري، أو على شرط مسلم. وإلى القسم الثاني بقوله: هذا حديثٌ صحيحٌ
الإِسناد. وربما أَوَرَدَ فيهِ ما لم يَصِحَّ عندَهُ منّبِّهاً على ذلك، وهو متساهلٌ في التصحيح .
وقد لخّص الذهبيُّ ((مستدركه))، وأبانَ ما فيه من ضعيفٍ أو منكرٍ، وهو كثير،
وَمَع جُزْءاً في الأحاديثِ التي فيه وهي موضوعة وهي نحوُ مئة.
:
/١٣٨
وقال أبو سَعْد / الماليني: طالعتُ ((المستدرك)) الذي ألَّفَه الحاكمُ من أولِهِ إلى
آخرِهِ، فلم أرَ فيه حديثاً على شَرْطَيْهما.
قال الذهبيُّ: هذا إسرافٌ وغُلِّ من المالِيني، وإلاّ ففيه جملةٌ وافرةٌ على
شَرْطَيْهما، وجملةٌ كثيرةٌ على شرطِ أحدِهما، ولعلَّ مجموعَ ذلك نحوُ نصفِ الكتاب،
وفيه نحوُ الربع مما صَحِّ سنَدُهُ وفيه بعضُ الشيء، وما بقي وهو نحوُ الربع فهو مناكيرُ
واهِياتٌ لا تَصِحُّ، وفي بعض ذلك موضوعات. وهذا الأمرُ مما يُتعجّبُ منه، فَإِنَّ
الحاكم كان من الحُفَّاظِ البارعين في هذا الفن، ويقالُ: إنَّ السبب في ذلك أنه صَنَّه
في أواخِرٍ عُمره، وقد اعتَرَتْهُ غَفْلَة. وكان ميلادُه في سنة ٣٢١، ووفاتُهُ في سنة ٤٠٥،
فیکون عُمره أربعاً وثمانين سنة .
وقال الحافظ ابن حجر: إنما وقع للحاكم التساهُلُ لأنه سَوَّد الكتابَ لِيُنفِّجَه
فعاجلَتْهُ المنيةُ، ولم يتيسر له تحریرُه وتنقيحُه، قال: وقد وجدتُ في قریب نصفٍ الجزء
الثاني من تجزئةٍ ستةٍ من المستدرك: إلى هنا انتهى إملاءُ الحاكم، قال: وما عدا ذلك
من الكتاب لا يُؤخَذُ عنه إلَّ بطريق الإِجازة، والتساهُلُ في القَدْر الْمُعْلَى قليلٌ بالنسبة
إلى ما بعده.
ومُرادُ الحاكم بقوله(١): هذا صحيحٌ على شَرْطَيْهِما، أن يكون رجالُ ذلك
الإِسنادِ المحكومِ عليه بذلك، قد رَوَى الشيخانِ عنهم في كتابَيْهما. ويُؤيِّدُ ذلك
(١) هذا من قول الحافظ ابن حجر في ((النكت على كتاب ابن الصلاح)) ٣٢٠:١
:
-

٣٤١
تصرُّفُ الحاكم في كتابه، فإنه إذا كان الحديثُ الذي عنده مما قد أَخَرَجَ الشيخانِ
معاً (١)، أو أحدُهما لِرُواتِه، قال: هذا صحيحٌ على شَرْطَيْهِمَا، أو شَرْطِ أَحَدِهما، وإذا
كان مما لم يُخْرِجِ الشيخانِ لجميعِ رُواتِهِ قال: صحيحُ الإِسنادِ فقط.
ويَظهرُ لك ذلك مما تَكلَّم به في حديثٍ(٢) من طريقٍ أبي عثمان(٣)، فإنه حكم
عليه بأنه صحيحُ الإِسناد، ثم قال: وأبو عثمان هذا ليس هو النَّهْدِيَّ، ولو كان
النَّهْدِيَّ لحكمتُ بأنَّ الحديثَ على شَرْطَيْهِما. وإذا خَالَفَ الحاكمُ ذلك في بعض
المواضع حُلَ على السهو والنسيان الذي كان يَعتربه إذْ ذاك كثيراً.
ولا ينافي ذلك قولُه في خطبةِ ((مستدركه)): وأنا أستعينُ الله تعالى على إخراج
أحاديثَ رُواتُها ثِقاتٌ، قد احتَجَّ بمثلها الشيخان أو أحدُهما، لأنَّ المثلية قد تكونُ في
الأعيان، وقد تكونُ في الأوصاف، إلاّ أنها في الأوَّلِ مَجازٌ، وفي الثاني حقيقةٌ،
فاستَعَمَلِ المجازَ حيث قال عقِبَ ما يكون عن نَفْسِ رُواتِهما: هذا صحيحٌ على
شرطيهما، واستعمل الحقيقة حیث قال عقِبَ ما یکون عن مِثلِ رُواتهما: هذا صحيحُ
الإِسناد. قال رجلٌ لشُرَيح: إني قلتُ لهذا: اشْتَرِ لي مِثلَ هذا الثوبِ الذي معك،
فاشتَرَى ذلك الثوبَ بعينه، فقال شريح: لا شيءَ أشبَهُ بالشيء من الشيءٍ عينه،
وألزَمَه بأخذِ الثوب.
وتَتحقَّقُ المثليةُ في الأوصاف بأن يكون من لم يُخرِج عنه الشيخانِ في الصحيحين
مِثْلَ من خَرَّجا عنه فيهما أو أعلَى منه، والظاهر أنه يُريدُ بالمثلية المثليةَ عندَهما، لا عندَ
(١) وقع في الأصل (مما قد أخرجه الشيخان). وهو تحريف.
(٢) في كتاب التوبة والإنابة ٤: ٢٤٨ - ٢٤٩، ونَصُ الحديث بإسناده: (( ... أنبأ جَرِيرٌ،
عن منصور، عن أبي عثمان، عن أبي هريرة (مرفوعاً): ما نُزِعَتْ الرحمة إلَّ مِن شَقِي. هذا
حديثٌ صحيحُ الإسناد ولم يخرجاه، وأبو عثمان هذا هو مولى المغيرة، وليس بالنهدي، ولو كان
النهديَّ لحكمتُ بصحته على شرط الشيخين».
(٣) هو أبو عثمان التِّبَّان، مولى المغيرة بن شعبة، قيل: اسمُهُ سَعِيد، وقيل: عِمْران.
مقبول، من الثالثة، (خت دت س). قاله الحافظ ابن حجر في ((التقريب)) ص ٦٥٧ و ٢٤٣،
و((تهذيب التهذيب)» ١٦٣:١٢ و١٠٤:٤.

٣٤٢
غيرهما، ويُعرَفُ ذلك إمَّا بِنَصِّهِما على أنَّ فلاناً مِثلُ فلان، أو أرفَعُ منه. وقلَّما يُوجَدُ
ذلك، وإمَّا بالألفاظ الدالةِ على مراتب التعديل، كأن يقولا في بعضٍ من احتجًّا به:
ثقةٌ، أو ثَبْتُ، أو صدوقٌ، أو لابأسَ به، أو غيرَ ذلك من ألفاظ التعديل، ثم يُوجَّدَ
عنهما أنهما قالا مِثلَ ذلك أو أعلى منه في بعضٍ من لم يُخرِجا له في كتابيهما، فيُستَدَلُّ
بذلك أنه عندهما في رُتَبةِ من أُخرَجا له في كتابيهما، لأن ألفاظَ الجرح والتعديل هي
مِعيارُ مَرَاتِبِ الرواة .
وقال الحافظ العراقي: قال النووي: إنَّ المرادَ بقولهم: على شَرْطَيْهِمَا(١)، أن
يكون رجالُ إسنادِهِ في كتابيهما، لأنه ليس لهما شَرْطُ في كتابيهما، ولا في غيرهما، وقد
/١٣٩ أَخَذَ هذا من ابنِ الصلاح فإنه لَّا ذَكَّر كتابَ ((المستدرك)) للحاكم / قال: إنه أَودّعه
ما رآه على شرط الشيخين قد أخرجاه عن رُواتِهِ في كتابيهما، إلى آخِرِ كلامِهِ.
وعلى هذا عَمَلُ ابنٍ دقيق العيد، فإنه يَنقُلُ عن الحاكم تصحيحه حديثٍ على
شرطِ البخاري مثلاً، ثم يَعترِضُ عليه بأنَّ فيه فلاناً، ولم يُخرِج له البخاري، وكذلك
فَعَل الذهبي في ((مختصر المستدرك))، وليس ذلك منهم بجيِّد، فإنَّ الحاكمَ صرَّح في
خطبة كتابه ((المستدرك)) بخلافٍ ما فهموه عنه، فقال: وأنا أستعينُ الله تعالى على
إخراجِ أحاديثَ رُواتُها ثقاتٌ، قد احتَجَّ بمثلها الشيخانِ أو أحدُهما.
فقولُه: بمثلها أي بمثلِ رُواتِها، لا بهم أنفسِهم، ويُحتمَّلُ أن يُرادَ بمثل تلك
الأحاديثِ، وإنما تکونُ مِثلَها إذا کانت بنفسِ رُواتِها، وفيه نظر.
وقال: ولكن هُنا أمرٌ فيه غموضٌ لا بد من الإِشارة إليه، وذلك أنهم
لا يكتفون في التصحيح بمجرَّدِ حالِ الراوي في العدالةِ والاتصالِ، من غير نظرٍ إلى
غيرِهِ، بل ينظرون في حاله مع من روى عنه في کثرةٍ ملازمته له أو قلتها، أو کونِهِ من
بلدِهِ ممارساً لحديثه، أو غريباً عن بَلَدٍ من أخَذَ عنه. وهذه أمورٌ تَظهَرُ بتصفّحِ كلامِهم
وعملهم في ذلك ..
قال الحافظ: ما اعتَرَضْ به شيخُنا على ابن دقيق العيد والذهبي ليس بجيد،
(١) عبارة الحافظ العراقي في ((شرح الألفية)) ١: ٦٦ (على شَرْطِهما).
: