Indexed OCR Text

Pages 321-340

٢٦٣
عنه الحمَّادانِ ويحيى القطانُ وعبدُ الوارث، وهو الذي ذكرنا آنفاً(١) أنه اتُّهم بالاعتزالِ
لنفيهِ الكذِبَ عن عمرٍو، وقال حماد بن زيد: كنتُ مع أيوبَ ويونسَ وابٍ عون، فمرِّ
عَمْرٌو فسلَّمَ عليهم ووَقَفَ، فلم يَرُدُّوا عليه السلام.
وقال عبدُ الوهاب الخَفَّف: مررتُ بعَمْرٍو بنِ عُبَيْد وحدَه، فقلتُ: مالك
تركوك؟ قال: نَى الناسَ، عَنَى ابْنَ عوٍ فانْتَهَوْا. وقال عَمْرُوبن النَّصْر: سُئل
عَمْرُو بنِ عُبَيد يوماً عن شيء وأنا عنده، فأجابَ فيه، فقلتُ: ليس هكذا يقولُ
أصحابُنا، فقال: ومَنْ أصحابُك لا أبَا لك؟ فقلت: أيوبُ ويونسُ وابنُ عون
والتَّيْمِيُّ، قال: أولئك أَرْجاسٌ أنجاسٌ أمواتٌ غيرُ أحياء.
وقال محمود بن غَيْلان: قلتُ لأبي داود: إنك لا تَروِي عن عبدِ الوارث، قال:
كيف أروِي عن رجلٍ يَزِعُمُ أنَّ عَمْرَوبن عُبَيد خيرٌ من أيوبَ وابنٍ عون ويونس.
وقال عُبِيدُ الله بن محمد التيميُّ: كنا إذا جلسنا إلى عبدِ الوارث، كان أكثرُ
حديثِهِ عن عَمْرِو بن عُبَيد. وقال نُعَيم بن حَمَّد: قيل لابن المبارك: لِمَ رويتَ عن
سعيدٍ وهِشامٍ الدَّسْتَوائِيِّ وَتَرَكتَ حديثَ عَمْرٍوبن عبيد، قال: كان عَمْرُو يَدْعُو إِلى
رأيِهِ ويُظهِرُ الدعوة، وكانَا ساكتَيْنِ.
وقال أحمد بن محمد الحضرمي: سألتُ ابنَّ معين عن عَمْرو بن عُبَيد، فقال:
لا يُكتَبُ حديثُه، فقلتُ له: أكان يكذِبُ؟ فقال: كان داعيةً إلى دِينِه، فقلت له:
فلم وَثَّقْتَ قَتَادَةً وابنَ أَبِي عَرُوبَةَ وسلَّمَ بن مِسكين؟ فقال: كانوا يَصْدُقون في
حديثهم، ولم يكونوا يَدْعُون إلى بدعة.
/ وقال كامل بن طلحة: قلتُ لحماد: يا أبا سَلَمة، رَوَيتَ عن الناسِ وتركتْ /١٠٩
عَمْرَو بن عُبَيد، فقال: إني رأيتُ كأنَّ الناسَ يُصَلُّون يومَ الجمعة إلى القِبلة، وهو
مُذْبِرٌ عنها، فعَلِمتُ أنه على بدعةٍ، فتركتُ الروايةَ عنه. وذَكَرُوا مَرَائِيَ كثيرةٌ من هذا
القَبِيل، رآها الناسُ في حقه.
(١) في ص ٢٥٨.

٢٦٤
وذكروا عن الحسَنِ أنه قالَ: نِعْمَ الفتى عَمْرُو بنُ عُبِيد إن لم يُحْدِث(١). وكان
الخليفة أبو جعفر المنصورُ يُعجَبُ بزُهْدِ عَمْرٍو وعبادِهِ ويقول:
غيرَ عَمْرِو بنِ عُبَيْدِ
كلُّكم یْشِ رُوَیْدْ
کُّكم يَطْلُبُ صَيْدْ
وتُوفّيّ بطريق مكة سنة ثلاثٍ وأربعين ومِئة، وقيل: سنَّةً أربع. ورثاه المنصورُ
فقال :
قَبْاً مَرَرتُ به على مُرَّانِ
صلَّ الإِلَّهُ عليكُ مِن مُتوسِّدٍ
صَدَقَ الإِلّهَ ودَانَ بِالقُرآنِ
قَبْاً تَضَمَّنَ مُؤْمِناً مُتَحَنِّهاً
أبقَى لنا حَقًّاً أبا عثمانِ
لو أنَّ هذا الدَّهْرَ أبقَى صالحاً.
(خ م د س ) عثمان بن محمد بن أبي شيبة الكوفي، أحَدُ الحفاظِ الكبار، وثَّقه
یحیی بنُ معین وابنٍ ثُمیر والعِجلي وجماعة، وقال أبو حاتم: کان أكبر من أخيه أبي بكر
إلَّ أنَّ أبا بكر ضعيفٌ، وعثمانَ صدوقٌ. وذَكَرَ له الدارقطنيُّ في ((كتابِ التصحيف)»
أشياءَ صَحَّفها من القرآن في تفسيره، كأنه ما كان يَحِفَظُ القرآن، وأَنِكَرَ عليه أحمدُ
أحاديثٌ، وتتَّعَها الخطيبُ وبينٌ عُذْرَهَ فيها. رَوَى له الجماعةُ سوی الترمذي.
(ع ) عَدِيُّ بن ثابت الأنصاري الكوفيّ التابعيّ المشهور، وثَّقَّه أحمد والنسائي
والعِجلي والدارقطني، إِلَّ أنه قالَ(٢): كان يَغْلُو في التشيّع، وكان إمامَ مسجدِ الشيعةِ
وقاضِيهم. قلتُ: احتَجَّ به الجماعةُ، وما أُخرِجَ له في ((الصحيح)) شيءٌ مما يُقوِّي
بدعته.
( ع ) عكرمةُ أبو عبد الله مَوْلَى ابنِ عباس، احتَجَّ به البخاريُّ وأصحابُ
السنن، وتَرَكه مسلمٌ فلم يُخْرِج له سوى حديثٍ واحدٍ في الحج مقروناً بسعيد بن
جبير، وإنما تَرَكه مسلمٌ لكلامِ مالكٍ فيه، وقد تَعقَّبَ جماعةٌ من الأئمة ذلك، وصنَّفوا
(١) زاد في ((تهذيب الكمال)) للمزي ٢: ١٠٤١ ((قال: فواللهِ أَحدّثَ أعظمَ الحَذَثْ!)).
(٢) لفظُ (قال) سقط من الأصل.

٢٦٥
في الذبِّ عن عكرمة، منهم أبو جعفر بن جرير الطبري، ومحمد بن نَصْر
الَّرْوَزِي، وأبو عبد الله بن مَنْدَه، وأبو حاتم ابنُ حبان، وابن عبد البر(١)، وغيرُهم.
ومَدَارُ طعنِ الطاعنين فيه على ثلاثةِ أشياء، وهي الكذبُ، وموافقَةُ الخوارج في
مذهبهم، وقبولُ جوائزِ الأمراء.
ومَدَارُ جواب الذابِين عنه على أنَّ قبولَ جوائزِ الأمراء لا يُوجِبُ القدحَ إلاَّ عند
المشدِّدين، وجمهورُ أهل العلم على جَوَازِ ذلك، وقد صنَّفَ في ذلك ابنُ عبد البر.
وأمَّا البدعةُ فإن ثبتَتْ عنه فلا تَضُرُّ في روايتِهِ، لأنه لم يكن داعيةً، مع أنها
لم تَثْبُت عليه.
وأما نِسبتُهُ إلى الكذِبِ فأشدُّ ما وَرَدٌ في ذلك ما رُوِيَ عن عبد الله بن عُمَر أنه
قالَ لنافعٍ : لا تَكْذِبْ عليّ کما کذَبَ عكرمةُ على ابن عباس.
قال ابنُ حبان: أهلُ الحجاز يُطلِقون كَذَبَ في موضع أخطَاً. ويُؤيِّدُ ذلك قولُ
عُبَادَةَ بنِ الصامت: كَذَبَ أبو محمد(٢)، لَّا أُخبِرَ أنه يقولُ: إِنَّ الوِتَرَ واجبٌ، مع أنه
لم يَقُله روايةً، وإنما قالَهُ اجتهاداً، ولا يُقالُ للمجتهدٍ فيما أدَّاه إليه اجتهادُه: إنه كَذَبَ
فيه، وإنما يقالُ: أخطَأَ فيه. وقد ذَكَر ابنُ عبد البر أمثلةً كثيرةٌ تَدُلُّ على أنَّ كَذَبَ تأتي
بمعنى أخطأ.
(١) انظر ((التمهيد)) له ٢٦:٢ - ٣٥.
(٢) حديثُ قولِ عُبَادة هذا في ((سنن أبي داود)) في (باب المحافظة على وقت الصلاة)
١: ١١٥، وفي (باب فيمن لم يوتر) ٦٢:٢ من طبعة المتن، وفي ((عون المعبود)) ١٦٣:١ و٥٣٤،
وقد نقّل فيه صاحبُهُ عن الخطابي في «معالم السنن)) ١: ١٣٤ كلاماً طويلاً في تأييد هذا التفسير،
وبينَّ الخطابيُّ أنَّ (أبو محمد) المذكور هو رجلٌ من الأنصار له صُحبة، والكذبُ عليه في الأخبار
غيرُ جائز. وتوسعتُ ببيان المكنّ واسمِه تعليقاً على ((قواعد في علوم الحديث)) ص ١٧٠ - ١٧١ .
والحديثُ رواه النسائي أيضاً في (باب المحافظة على الصلوات الخمس) ١: ٢٣٠، ومالك في
((الموطأ)) في (باب الأمر بالوتر) ١٢٣:١.

/١١٠
٢٦٦
: ويتلو ما رُوِيَ عن ابنِ عُمَر في الشدَّةِ ما يُرْوَى عن ابنِ سِيرِينَ، / من قولِهِ
لمولاه بُرْدٍ: لا تَكْذِبْ عليَّ كما كَذَبَ عكرمةُ على ابنِ عباس. وقد عَرَفَتَ أنَّ كَذَّبَ قِد
يكون بمعنى أخطأ.
وقال بعضُ العلماء: كان عكرمة: ربما سَمِعَ الحديث من رجلين، فيُحدِّثُ به
عن أحدِهما تارةً، وعن الآخَرِ تارةً أخرى، فربما قالوا: ما أكذَبَهُ وهو صادق.
وقال أيوب: قال عكرمة: أرأيتَ هؤلاءِ الذين يُكذِّبوننِي مِن خَلْفِي، أَفَلا
يُكِذِّبوني في وَجْهِي؟ يعني أنهم إذا واجَهُوهُ بذلك أمكنَهُ الجوابُ عنه والمَخْرَجُ منه.
وأما طَعْنُ مالكٍ فيه فقد بَيَنَّ سبّبَه أبو حاتم، قال ابنُ أبي حاتم: سألتُ أبي
عن عكرمة، فقال: ثقة، قلتُ: يُحتَجُّ بحديثه؟ قال: نعم إذا رَوَى عنه
الثقاتُ، والذي أَنكَر عليه به مالكٌ إنما هو بسببٍ رأيِهِ.
على أنه لم يَثْبُتْ عِنه من وَجْهٍ قاطعٍ أنه كان يَرى ذلك، وإنما كان يُوافقهم في
بعضِ المسائلِ فَنَسَبُوه إليهم، وقد برَّأه أحمدُ والعِجلي من ذلك.
وقال ابنُ جرير: لو كان كلُّ من ادُّعِيَ عليه مذهبٌ من المذاهب الرديئة، ثَبَتَ
عليه ما ادُّعِيَ بِهِ، وسقَطَتْ عدالتُه، وبَطَلَتْ شهادتُهُ بذلك، لَلَزِمَ تَرْكُ أكثرٍ مُحدِّ ثَي
الأمصار، لأنه ما منهم إلاّ وقد نَسَبَه قومٌ إلى ما يُرغَبُ به عنه.
وأما ثناء الناس عليه من أهلِ عصره ومن بعدهم فكثير، قال الشعبي:
ما بقي أحدٌ أُعلَمُ بكتاب الله من عكرمة . وقال جريرٌ عن مغيرة: قيل لسعيد بن جبير:
تَعلَمُ أحداً أعلَمَ منك؟ قال: نعم، عِكْرِمَةُ. وقال حبيبُ بنُ الشهيد: كنتُ عند
عَمْرٍو بن دِينار، فقال: واللهِ ما رأيتُ مِثلَ عكرمة قط.
وحَكَى البخاريُّ عن عَمْرٍو بن دينار قال: أَعطاني جابرُ بن زيد صَحِيفةً فيها
مسائلُ عن عكرمة، فجعلتُ كأني أتبطَّأُ، فانتَزَعها من يَدِي وقال: هذا عكزمَةُ مولى
ابنِ عَبَّاس، هذا أعلَمُ النَّاس. وقال البخاري: ليس أحدٌ من أصحابنا إلاّ احتجّ بعكرمة

٢٦٧
وقال محمد بن نَصْرِ المَرْوَزِي: أجْمَعَ عامَّةُ أهلِ العلم على الاحتجاج بحديثٍ
عكرمة. وقال أبو عُمَرَ بنُ عبدِ البر: كان عكرمةُ من جِلَّةِ العلماء، ولا يَقدَحُ فيه كلامُ
من تكلَّمَ فيه، لأنه لا حُجَّةَ مع أحَدٍ تكلَّمَ فيه، وكلامُ ابنٍ سِيرين فيه، لا خِلافَ بين
أهلِ العلم أنه كان أعلَمَ بكتابِ الله من ابنٍ سِيرين، وقد يَظُنُّ الإِنسانُ ظَنّاً يَغْضَبُ
له، ولا يَمَلِكُ نَفْسَه.
(خ د س ) عِمْرانُ بن حِطَّان السَّدُوسي الشاعرُ المشهور، كان يُرِى رَأْيَ
الخَوَارِجِ، وكان داعيةً إلى مذهبه، وثَّقَّه العجلي. وقال قتادة: كان لا يُتَّهَمُ في
الحديث. قال يعقوبُ بن شيبة: أدرَكَ جماعةٌ من الصحابة. لم يُخرِج له البخاريُّ
سِوَى حديثٍ واحد، وهو ((إنما يَلْبَسُ الحريرَ في الدنيا من لا خَلَقَ له في الآخِرة)».
أخرجه البخاري في المُتَابَعَات(١).
(١) قلت: قولُ الحافظ ابن حجر هنا - في المقدمةِ: ((هَذْيِ الساري)) -: (لم يُخرج له
البخاري سوى حديث واحد في المتابعات): مخالف لقوله رحمه الله تعالى في ((فتح الباري)): إنه
أخرج له حدیثین.
قال الحافظ عند شرحه للحديث الأول من الحديثين في كتاب اللباس، في (باب لُبْس الحرير
للرجال وقَدْرِ ما يجوزُ منه) ١٠: ٢٩٠ ((وعمران بن حطان السَّدُوسي، كان أحد الخوارج من
القَعَدية، بل هو رئيسُهم وشاعرهم، وهو الذي مَدَح ابنَ مُلْجَم قاتِلَ علي بالأبيات المشهورة.
وإنما أخرج له البخاري على قاعدته في تخريج أحاديث المبتدع إذا كان صادقَ اللهجة متديناً.
وقد قيل: إن عمران تاب من بدعته، وهو بعيد. وقيل: إن يحيى بن أبي كثير حملَهُ عنه قبلَ أن
يَبتدع، فإنه كان قد تزوَّج امرأة من أقاربه، تعتقدُ رأي الخوارج لينقلها عن معتقدها، فنقلته هي
إلى معتقدها. وليس له في البخاري سوى هذا الموضع، وهو متابعة. وآخَرُ في (باب نقض
الصور). انتهى كلام الحافظ ابن حجر.
وجاء في الموضع الثاني من كتاب اللباس، في (باب نقض الصور) ١٠: ٣٨٥ قولُ البخاري
رحمه الله تعالى: ((حدثنا مُعاذُ بن فَضالة، حدثنا هشام، عن يحيى - بن أبي كثير-، عن
عمران بن حطان، أن عائشة رضي الله عنها حدَّثَنْهُ أن النبي صلَّى الله عليه وسلم لم يكن يترك في
بيته شيئاً فيه تصاليبُ إلَّ نقَضَه)). انتهى.
فهذا الحديث أصل في الباب، فقد استهل به البخاري الباب، ولم يذكر في الباب غيرَه في =

٢٦٨
حرف الغين
(ع ) غالِبُ القطان أبو سليمان البَصْري، وثَّقَه ابنُ معين والنسائي وأبو حاتم.
وغيرُهم، وقال أحمد: ثقة(١)، وأورده ابنُ عدي في ((الضعفاء))، وأَورَدَ له أحاديثَ
الحَمْلُ فيها على الراوي عنه عُمَرَ بنِ مختارٍ البصريِّ. وقد احتَجَّ به الجماعة .
حرف الفاء
(ع ) فُلَيْح بن سليمان الحُزَاعي أو الأسلميّ ، مشهورٌ من طبقة مالك، احتَجِّ
به البخاري وأصحابُ ((السنن))، ورَوَى له مسلم حديثاً واحداً(٢)، قال الساجي:
= معناه، ولم يشر الحافظ ابن حجر إلى أنه متابعة، فيكون البخاري قد روى لعمران بن حطان
حديثين، أحدُهما أصل، والآخَرُ متابعة .
قال البدرُ العيني في: ((عمدة القاري)» ١٣:٢٢، عند شرح الحديث الأول في (باب لبس
الحرير للرجال): ((عمران بن حطان كان رئيس الخوارج وشاعرَهم، وهو الذي مَذَح ابنَ مُلْجَم
قاتِلَ علي بن أبي طالب رضي الله عنه بالأبيات المشهورة.
فإن قلت: كان تركُهُ من الواجبات، وكيف يُقبَلُ قولُ من مَدَح قاتِلَ علي رضي الله عنه؟
قلتُ: قال بعضهم: إنما أخرج ه البخاري على قاعدته، في تخريج أحاديث المبتدع إذا كان صادق
اللهجة متديناً. انتهى .
قلتُ ـ القائل العيني - : ليس للبخاري حجة في تخريج حديثه. ومسلمٌ لم يخرج حديثه،
ومن أين كان له صدقُ اللهجة؟ وقد أفحش في الكذب في مدحه ابن ملجم اللعينَ، والمتدین کیف
يفرح بقتل مثل علي بن أبي طالب رضي الله عنه حتى يَمَدَحَ قاتلَه؟!)). انتهى.
فالبخاري أخرج لعمران بن حطان حديثين، أحدهما متابعةٌ، والآخر أصل كما علمتُ،
والحافظ المِزِّيّ ذكر في ((تحفة الأشراف)) ١٢: ٢٤٩ حديث عمران الثاني: ((عن عائشة لم يكن النبي
يترك شيئاً فيه تصليبٌ إلَّ نَقَضه»، ولم يذكر الحديث الأول: وهو: ((إنما يَلْبَسُ الحرير في الدنيا من
لا خلاق له في الآخرة»، فاستدركه الحافظ ابن حجر علیه في ((النکت الظراف». فهما حدیثان كما
سبق البيان.
(١) في ((هدي الساري)): ((وقال أحمد: ثقة ثقة)).
(٢) وهو حديث الإفك، رواه مسلم في آخر كتاب التوبة في (باب في حديث الإفك وتوبةٍ
القاذف) ١٧ : ١١٤.
:

٢٦٩
/١١١
هو من أهلِ الصِّدق، وكان يَهِمُ، ضَعَّفَه يحيى بنُ معين والنسائيُّ / وأبو داود.
قلتُ: لم يَعتمِد عليه البخاريُّ اعتمادَهُ على مالكٍ وابنٍ عيينة وأضرابهما، وإنما
أَخِرَجَ له أحاديثَ أكثرُها في المناقب، وبعضُها في الرِّقاق.
حرف القاف
(ع) قَتَادةُ بن دِعامَة الْبَصْرِي التابعي الجَلِيلُ، أَحَدُ الأثباتِ المشهورين، كان
يُضِرَبُ به المثَلُ في الحِفِظِ، إلَّ أنه كان ربما دَلِّس. وقال ابن معين: رُمِي بالقَدَر،
وذَكَر ذلك عنه جماعةٌ. وأمَّا أبو داود فقال: لم يَتْبُت عندنا عن قتادة القولُ بالقدر،
والله أعلم. احتَجَّ به الجماعة.
حرف الكاف
(ع ) كَهْمَسُ بن الحسن التميمي البَصْري، من صِغارِ التابعين، قال أحمد:
ثقةٌ وزيادَةً، وقال أبو داود: ثقة. وقال الساجيُّ : صَدُوقٌ بِهِم.
قلتُ: أَخَرَجَ له البخاريُّ أحاديثَ يسيرةً من روايتِه عن عبدِ الله بن بُرَيدة،
واحتجِّ به الباقون.
حرف اللام خالي، حَرْفُ الميم
(خ ٤ ) مَرْوَانُ بن الحكم بن أبي العاص بن أُمَيَّة ابنُ عَمِّ عثمان بن عفان،
يقالُ: له رُؤية، فإن ثَبْتَتْ فلا يُعرَّجُ على من تَكلَّمَ فيه. وقال عُروةُ بن الزبير: كان
مروانُ لا يُتَّهَمُ في الحديث. وقد رَوَى عنه سهل بن سعدٍ الساعديُّ الصحابيُّ اعتماداً
على صِدقِه .
وإِنما نَقَمُوا عليه أنه رَمَى طلحةَ يومَ الجَمَلِ بِسَهْمٍ فَقَتّله، ثم شَهَرَ السيفَ في
طَلَبِ الخلافةِ حتى جَرَى ما جَرَى، فأمَّا قَتْلُ طلحة فكان مُتَأَوِّلاً فيه، كما قَرَّره
الإِسماعيليُّ وغيرُه. وأمَّا ما بَعْدَ ذلك فإنما حَمَلَ عنه سَهْلُ بنُ سعدٍ وعُروةُ وعليٌّ بن
الحسين وأبو بكرٍ عبدُ الرحمن بنُ الحارث، وهؤلاء أَخَرَجَ البخاريُّ أحاديثَهم عنه في
((صحيحه))، لَّا كان أميراً عندَهم بالمدينة قبلَ أن يَبْدُوَ منه في الخِلاف على ابنِ الزبير
1

٢٧٠
ما بَدَا، والله أعلم. وقد اعتَمَد مالكٌ على حديثِهِ ورأيِهِ والباقون سِوَى مسلم. اهـ.
أقولُ: ذُكِرَ في ((تهذيب التهذيب))(١) أنه وُلِدَ بعدَ الهجرة بسنتين، وقيل:
بأربع. ورَوَى عن عثمان وعلى وزيدِ بن ثابت، ونُقِلَ عن البخاريِّ أنه قال: إنه لم يُرَّ
النبيَّ عليه الصلاة والسلام. ثم ذَكَر أنَّ الإِسماعيليَّ عابَ على البخاريِّ تخريجَ
حديثِهِ، وعَدَّ من مُوبِقاتِهِ أنه رَمَى طلحةَ يومَ الجَمَل فقَتَلِه، ثم وَثَبَ على الخلافَةِ
بالسيف، ثم قال: وقد اعتذرتُ عنه في ((مقدمة شرح البخاري))، يُريدُ ما نقلناه عنه آنفاً.
والذي ينبغي أن يقِفَ عليه كلُّ راغبٍ في علم الأثر: أنَّ الإِمام البخاريّ كان
جُلُّ قَصْدِهِ أن يكونَ الراوي قد صَدَقَ فيما رَوَاه عنه، من غير نظرٍ إلى أمرٍ آخَرَ، فإِذا
لاحَ له صِدْقُ الخَبَرَ، خَرَصَ على روايتِهِ من غيرِ نَظرٍ إلی حالِ الراوي فیمَا سِوَى
ذلك، غيرَ أنه لفَرْطِ عِلمِهِ ونَباهتِهِ كان يحرِصُ عَلى أن لا تَظْهَرَ مُالَفَتُهُ للجمهور،
وكثيراً ما يَرْوِي أشياءَ مُخَالِفَةً لما توخَّاه في شَرْطِهِ، إشارةً إلى أنَّ ذلك مما اشتَهَر عِندَ من
يَرجِعُ كثيرٌ من الناسِ إليهم ويُعوِّلُون في ذلك عليهم، فهو كتابٌ فيه أسرارٌ تَبْهَرُ أُولِي
الألباب، ولقد أجاد القائلُ:
أَعْيَا فُحُولَ العِلْمُ حَلُّ رُموزِها أبداهُ في الأبوابِ مِن أَسرارِ
/ ولهذا كان من حُسَّادِهِ ما كان، من قيامِهم عليه، وصَدِّ الناس عنه،
وتحذيرِهم منه، حتى ضاقَتْ عليه الأرضُ بما رَحُبَتْ، فقد شَعَرُوا أنه أُوتِيَ من الفضل
ما لم يُؤْتَوْا مِعشارَه، وأنهِ سَبَقٍ إلى أمرٍ عظيم ليس لهم إلاَّ أن يَقْتَفُوا فيه آثاره، وقد
أشار البخاري إلى ما في ((كتابِهِ)) من الأسرار، حيث قال لمحمد بن أبي حاتم الوَرَّاق:
لو نُشِرَ بعضُ أساتذةِ هؤلاء لم يَفْهَموا كيفَ صَنَّفْتُ ((كتابي))(٢) ولا عَرَفوه. ثم قال:
/١١٢
(١) ١٠ :٩١.
(٢) وقع في الأصل: (كيف صنفتُ البخاري)، وهو سهو جزءاً. فأثبته (كتابي)، ولم
أقف على هذا الخبر فيها رجعتُ إليه، ومنه ((هدي الساري))، وفي آخره ترجمةُ الإِمام البخاري،
وذكرُ مزايا كتابِهِ بطولٍ واستيعاب.
۔۔۔

٢٧١
صَنَّفْتُه ثلاث مَرَّاتٍ، فادْعُ بالخير لصاحبِ هذا الكتاب، ولمن نَبَّهك على ما نَبِّهك
عليه، فإنه مما يُضَنُّ به على غير أَهلِه.
(ع ) موسى بن عُقْبَة المدني، مشهورٌ، من صِغار التابعين، صنَّفَ ((المغازي))،
وهو من أصحّ المصنفاتِ في ذلك، ووثّقه الجمهور. وقال ابن معين: کتابُ موسی بن
عُقْبَة عن الزهري من أصحِّ الكتب، وقال مرَّةً: في روايتِهِ عن نافعٍ شيءٌ، ليس هو
فيه كمالكٍ وعُبَيدِ الله بن عُمَر (١).
قلتُ: فظَهَرَ أنَّ تليينَ ابنِ معين له إنما هو بالنسبةِ لرواية مالكٍ وغيرِهِ، لا فيما
تفرَّدَ به، وقد اعتَمَدَه الأئمةُ كلُّهم.
(خ س ) ميمون بن سِيَاءٍ(٢) الْبَصْري، تابعيٍّ، ضعَّفَه يحيى بن معين، وقال
أبو داود: ليس بذاك، وقال أبو حاتم: ثقة. قلتُ: ما له في البخاري سوى حديثه
عن أنس ((من صَلَّى صلاتنا)) الحديث(٣)، بمتابعةٍ حُميدٍ الطويلِ، وَرَوَى له النسائي.
حرف النون
(ع ) نافع بن عُمَر الجُمَجِي المكي، أَحَدُ الأَثْبات، قال ابنُ مَهْدي: كان من
أَثْبَتِ الناس، وقال أحمد: ثَبْتُ ثَبْتُ. ووثَّقَه يحيى بن معين وأبو حاتم وغيرُ واحد.
وقال ابن سعد: كان ثقةً قليلَ الحديث فيه شيءٍ.
قلتُ: احتَجَّ به الأئمةُ، وقد قدَّمنا(٤) أنَّ تضعيفَ ابنِ سعدٍ فيه نَظَرُ، لاعتمادِهِ
على الواقدي .
(١) وقع في الأصل: (وُبيد الله بن عمرو). وهو خطأ.
(٢) في الأصل: (سياة)، أي بتاء منقوطة مربوطة. وهو خطأ. وهو (سِيَاهُ) بالهاء،
منصرفاً وغيرَ منصرف، وهو لفظ فارسي معرَّب معناه: الأسْوَد، انتهى من ((فتح الباري))
١: ٤٩٦، في (باب فضل استقبال القبلة).
(٣) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة في (باب فضل استقبال القبلة) ٤٩٦:١.
(٤) يعني هناك في ((هدي الساري)) ٢: ١٤١.

٢٧٢
حرف الهاء
(ع ) هشام بن أبي عبد الله الدَّسْتَوَائِي، أحَدُ الأثبات، مُجمَعٌ على ثقتِهِ
وإتقانِهِ، وقدَّمه أحمد على الأوزاعيِّ، وأبُو زُرْعَة على أصحابٍ يحيى بن أبي كثير
وعلى أصحابٍ قتادة، وكان شعبةُ يقولُ: هذا أحفظُ مني، وكان يحيى القطان يقول:
إذا سَمِعتَ الحديثَ منِ هِشامِ الدَّسْتَوَائِي فِلا تُبالِ أن لا تَسْمَعَه من غيرِهِ. ومع هذِهِ
المناقب قال محمدُ بن سعد: كان ثقةً حُجَّةً إلاّ أنه كان يَرَى القَدَر، وقال العِجليّ:
ثقةٌ ثَبْتٌ في الحديثِ إلاّ أنه كان يَرَى القَدَر ولا يَدْعُو إليه. قلتُ: احتَجَّ به الأئمة.
(ع ) هَمَّامُ بن يحيى البصري، أَحَدُ الأثبات، قال أبو حاتم: ثقةٌ صدوقٌ في
حفظِهِ شيءٍ. وقال الحسنُ بن علي الْحُلْواني: سَمِعتُ عَفَّنَ يقول: كان هَمّام لا يكادُ
يَرجِعُ إلى كتابه ولا يَنظُرُ فيه، وكان يُخالِفُ فلا يَرجِعُ إلى كتابه، ثم رَجَعَ بَعْدُ فَنَظَرَ في
كُتُبِهِ، فقال: يا عفان، كنا نُخطِىءُ كثيراً، فنستغفرُ الله.
قلتُ: وهذا يقتضي أنَّ حديث هَمَّامٍ بآخِرِهِ أصَحُّ مما سُمِعَ منه قديماً، وقد نَصِّ
على ذلك أحمدُ بن حنبل، وقد اعتَمَده الأئمةُ الستة.
حرف الواو
(ع ) الوليدُ بن ◌َكَثِير المخزوميُّ أبو محمد المدني، نزيلُ الكوفة، وثَّقُه ابن معين
/١١٣ وأبو داود، وقال / الآجُرُيُّ عن أبي داود: ثقةٌ إلاّ أنه إِياضيٍّ.
قلتُ: الإِباضيَّةُ فِرقةٌ من الخَوَارج، ليسَتْ مقالتُهم شديدةَ الفُحْش، ولم يكن
الوليدُ داعية .
حرف الياء
(ع) يحيى بن أبي كَثِير اليَامي(١)، أحَدُ الأئمةِ الأثباتِ الثقاتِ المكثرين،
عظَّمَه أيوب السَّخْتِياني(٢)، ووثَّقَه الأئمةُ، وقال شعبة: حديثُهُ أحسَنُ من حديث
(١) سقط من الأصل لفظُ (أبي).
(٢) في الأصل (أبو أيوب) وهو خطأ .

٢٧٣
الزهري، وقال يحيى القطان: مُرسلاتُهُ تُشبِهُ الريح، لأنه كان كثيرَ الإِرسالِ
والتدليسِ والتحديثِ من الصُّحُفِ، واحتَجَّ به الأئمةُ .
(ع ) يزيد بن عبد الله بن خُصَيفَة الكِنْدِي(١)، وقد يُنسَبُ إلى جَدِّه، قال
ابن معين: ثقةٌ حُجَّة، ووثَّقَهُ أحمدُ في روايةِ الأَثْرَم، وكذا أبو حاتم والنسائي
وابنُ سعد، ورَوَى الآجُرِّيُّ، عن أبي داود، عن أحمد أنه قال: منكُرُ الحديث.
قلتُ: هذه اللفظَةُ يُطلِقُها أحمدُ على من يُغْرِبُ على أقرانِه بالحديث، عُرِفَ
ذلك بالاستقراءِ من حاله، وقد احتَجَّ بابنٍ خُصَيفة مالكٌ والأئمةُ كلُّهم.
(خ ت س ق) يونس بن أبي الفُرَات البصري، وثَّقَه أبو داود والنسائي، وقال
ابنُ الجُنَيد عن ابن معين: ليس به بأس، وهذا توثيقٌ من ابنٍ معين(٢). وأمّا
ابنُ عدي فذكَّرَه في ترجمةِ سعيدٍ بن أبي عَرُوبة وقال: ليس بالمشهور. وما أدرِي
ما أرادَ بالشُّهرةِ؟ وشَذَّ ابنُ حبان فقال: لا يَجُوزُ أن يُحتَجَّ به لغلبةِ المناکیر في روايته.
قلتُ: ما له في ((البخاري)) وفي ((السنن)) سوى حديثه، عن قتادة، عن أنس قال:
((ما أكَلَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم على خِوان))(٣)، وقد قال الترمذي: إنَّ سعيد بن
أبي عَرُوبة رَوَى عن قتادة نحوَ هذا الحديث.
(١) هو بالتصغير، ضبَطَه بذلك الحافظُ ابن حجر في ((فتح الباري))، في كتاب الاستئذان
في (باب التسليم والاستئذان ثلاثاً) ٢٧:١١، وأَغفَل ضبطه في ((التقريب)).
(٢) عَقَدَ الإِمام عبد الحي اللكنوي في كتابه ((الرفع والتكميل في الجرح والتعديل»
ص ٢٢١ - ٢٢٣ (إيقاظاً في بيان مراد ابن معين من قوله في الراوي: لا بأس به، أوليس به
بأس)، وعلّقتُ عليه أنَّ هذا التعبير ليس اصطلاحاً خاصاً بابن معين، بل هو تعبير شائع في كلام
المتقدمين بمعنى ثقة، فانظره إذا شئت.
(٣) رواه البخاري في كتاب الأطعمة في (باب ما كان النبي صلَّى الله عليه وسلّم وأصحابُهُ
يأكلون) ٥٤٩:٩. وأما الخِوانُ فقال الحافظُ ابن حجر في ((فتح الباري)» ٥٣١:٩: الخِوَانُ:
المشهورُ فيه كسر الخاء المعجمة، ويجوز ضَمُّها، قال الجَوَاليقي: الصحيحُ أنه لفظُ أعجمي معرَّب، =

٢٧٤
صِلَّةٌ تَتِّمُّ بها هذه الفائدة
قد تقرَّرَ أنَّ الجَرْحَ والتعديلَ من أهمِّ ما يُعنَى به أهلُ الأثر، وقد ألَّفَ الحفّاظ
فيه كتباً جَّةً، ما بين مُطوَّلٍ ومختَصَر.
وأوَّلُ من مُعَ كلامُه في ذلك الحافظُ يحيى بنُ سعيد القطان، وقد تكلّمَ في
ذلك من بَعْدِهِ تلامذتُهُ مِثلُ يحيى بنِ معين وعليّ بن المديني وأحمدَ بنِ حنبل وعَمْرِو بن
علي الفلَّس، وتلامِذَتُهُم مِثلُ أبي زُرْعَة وأبي حاتم والبخاريِّ ومسلم وأبي إسحاق
الجُوزَجاني، وتَلَاهم في ذلك مَنْ بَعْدَهم مِثلُ النسائيِّ وابنٍ خُزيمة والترمذيِّ
والدُّوْلابيِّ والعُقَيلي، وله مُصَنَّفٌ مُفِيد في معرفة الضعفاء(١).
ومن الكتبِ المؤلّفَةِ في ذلك ((كتابُ أبي حاتم بن حبان))، و «كتابُ أحمد بن
عدي))، وهو أكمَلُ الكتب في ذلك وأجلُّها، وهو الكتاب الذي يُدْعَى ((الكامل))،
و «کتابُ أبي الفتح الأزدي))، و «کتابُ أبي محمد بن أبي حاتم))، و «کتابُ الدارقطني
في الضعفاء)»، و «كتابُ الحاكم)) فيهم.
وقد صنَّفَ أبو الفرج بنُ الجوزي كتاباً كبيراً اختَصَرَه الذهبيُّ، وجعَلَّ له
ذيلين، وجَمَعَ مُعْظَمَ ما فيهما في ((ميزانه)»، وقد عَوَّلَ الناسُ عليهِ، مَعَ أنه تَبَعَ
ابنَ عدي في إيرادِ كلٌّ من تُكلِّمَ فيه ولو كان ثقةً، ولكنه التزَمَ أن لا يَذكُرَ أحداً من
= وجْعُهُ أَخْوِنَة في القِلَّة، وخُوْنٌ في الكثرة، وقال غيرُهُ: الخِوانُ المائدةُ ما لم يكن عليها طعام، وأما
السُّفْرَةُ فاشتهرَتْ لما يُوضَعُ عليها الطعام، وأصلُها الطعامُ نَفْسُه)).
(١) للحافظ الذهبي رحمه الله تعالى جزء سمّاه ((ذكرُ مَنْ يُعتمَدُ قولُه في الجرح والتعديل))،
وعدَّدَهم فيه فبلغوا إلى زمنه ٧١٥، واختصره السخاوي دون أن ينسبه للذهبي في كتابيه: ((فتح
المغيث بشرح ألفية الحديث)) و((الإعلان بالتوبيخ لمن ذَمَّ أهلَ التَّوْرِيخ))، فبلغوا إلى زمن الذهبِيِّ
١٧٩، وزاد عليهم إلى زمنه فبلغوا جميعاً ٢١٠، وهذان الجزءان قمتُ بخدمتهما والتعليق عليهما،
وترجمتُ باختصار للمذكورين في جزء السخاوي، الذي نشرته باسم (المتكلِّمون في الرجال) كما
عنون به السخاويُّ في كتابيه، وصدرَتْ الطبعة الخامسة لهما حديثاً ضمن مجموعة باسم (أربع
رسائل في علوم الحديث)

٢٧٥
/١١٤
الصحابة ولا الأئمة المتبوعین، قال في «الميزان»: وما کان في كتاب البخاريِّ وابنٍ عَدِيّ
وغيرهما / من الصحابة، فإني أُسقِطُهم لجلالةِ الصحابة، ولا أَذْكُرُهم في هذا
المصنَّفِ، إذْ كانَ الضعفُ إنما جاء من جهةِ الرُّواةِ إليهم. وكذا لا أَذكُرُ في كتابي من
الأئمة المتبوعين في الفروع أحداً لجلالتهم في الإِسلام وعِظَمِهم في النفوس.
وقد ذيَّلَ عليه الحافظُ زين الدين العراقيُّ في مجلّد، وقد التّقَط منه الحافظُ
ابن حجر من ليس في ((تهذيب الكمال)»، وضَمَّ إليه ما فاته في الرُّواةِ وتراجمَ مستقلةٌ
في كتابه المسمَّى ((لسان الميزان»، وله كتابانِ آخران وهما «تقويم اللسان»، و «تحریر
الميزان))(١).
هذا وقد أطبق العلماءُ على وجوبٍ بيانٍ أحوالِ الكذَّابين من الرواة، وإقامةٍ
النكير عليهم، صِيانةً للدين، قال بعضُ علماء الأصول: ومن الواجبِ الكلامُ في
الجرح والتعديل، ليتميّزَ الصحيحُ من الآثار من السقيم، وقد دلَّتْ قواعدُ الشريعةِ
على أنَّ حِفْظَها فَرْضُ كفايةٍ فيما زاد على القَدْر المتعينِّ، ولا يتأتَّ حِفظُ الشريعة إلَّ
بذلك. اهـ.
وأمَّا مَنْ لا يتعلق بهم حِفظُ الشريعة فلا يَجرِي هذا الحكمُ فيهم، حتى إنَّ
بعضَ من ألَّفَ في الجرح والتعديل، قد أَغْضَى عن ذكرِ كثيرٍ ممن تُكلِّمَ فيه من الرُّواةِ
المتأخرين، وذلك لاستقرارِ أمْرٍ الحديث في الجوامع التي جمعَتْها الأئمةُ، فمن رَوى
بعدَ ذلك حديثاً لا يُوجَدُ فيها لم يُقْبَل منه. قال بعضُهم: والحدُّ الفاصِلُ بين المتقدِّمِ
والمتأخِّرِ هو رأسُ سنةٍ ثلاث مئة.
(١) أما ((تقويمُ اللسان)) ففيه من ذكره الذهبيُّ في ((الميزان)) ولم يَذكر مُستَنَّدَهُ في ضعفِه،
فَرَغْ من مسؤَّدَتِهِ سنَّةً ٨٤٧، وأما ((تحريرُ الميزان)» فيشتمِلُ على إصلاح ما وقع للذهبي من وَهَمٍ في
((الميزان)»، وما فاتّهُ من تراجم.
وللحافظ ابن حجر كتابٌ ثالثٌ هو ((ذَيّلُ الميزان))، يشتملُ على نحوٍ من ألفَيْ ترجمة زائدة عن
الأصل، بَيَّضَ أوائلَه. انتهى من كتاب ((ابنُ حجر العسقلاني ودراسةُ مصنفاته)) للدكتور شاكر =

٢٧٦
وقد رأيتُ لبعضِ أهلِ الأثر كلاماً يَتعلقُّ بما نحن فيه، وفيه زيادةُ بَسْطٍ،
فأحببتُ إيرادَ جُلٌّ ذلك إتماماً للصِلَةِ فأقول(١):
قد تكلَّم في الرجال خَلْقٌ لا يتهيَّ حَصْرُهم، وقد سَرَدَ ابنُ عدي في مقدمة
((كامله)) جماعةً إلى زمنِهِ، فمن الصحابةِ: ابنُ عباس، وعُبَادةُ بن الصامت، وأنسٌ،
ومن التابعين: الشعبيُّ، وابنُ سيرين، وسعيدُ بن المسيِّب، وهُمْ قليلٌ بالنسبةِ لمن
بعدَهم، وذلك لقلةِ الضَّعْفِ فيمن يَرْوُونَ عنهم، إِذْ أكثُرُهم صحابةٌ، وهم عُدولٌ،
وغيرُ الصحابةِ منهم: أكثرُهم ثقات، إذْ لا يكادُ يُوجَدُ في القَرْنِ الأولِ من الضعفاء
إلَّ القليل.
وأما القَرْنُ الثاني فقد كان في أوائلِه من أوساطِ التابعين جماعةٌ من الضعفاء،
وضّعْفُ أكثرهم نَشَأ غالباً من قِبَلِ تحمُّلِهم وضبطهم للحديث، فكانوا يُرسِلُون
كثيراً، ويَرفعون الموقوفَ، وكانت لهم أغلاطٌ، وذلك مِثلُ أبي هارون العبْدِي .
ولمَّا كان آخِرُ عصر التابعين، وهو حدودُ الخمسين ومئة، تكلّم في التعديلِ
والتجريح طائفةٌ من الأئمة، فضعَّفَ الأعمشُ جماعةً ووثَّقَ آخَرِين، ونَظَر في الرجالِ
شُعبةُ وكان متثبِّناً لا يكادُ يَروِي إلَّ عن ثقة، ومثلُهُ مالك، ومن كان في هذا العصرِ
ممن إذا قال قُبِلَ قُولُه: مَعْمَرٌ، وهِشامُ الدَّسْتَوائي، والأوزاعيُّ، والثوريُّ،
وابنُ الماجِشون، وحَّدُ بن سلمة، والليثُ بن سعد.
وبعدَ هؤلاء طبقةٌ منهم: ابنُ المبارك، وهُشّيمٌ، وأبو إسحاقَ الفَزاري،
= محمود عبد المنعم، العراقي ٥٢٢:١، نقلاً عن ((الجواهر والدرر)) للسخاوي، الورقة ١٥٦ ب،
و((الإعلان بالتوبيخ)) له أيضاً ص ٢١٩.
(١) هذا الفصلُ الآتي استخلصه المؤلف من كلام الحافظ السخاوي، ـ في كتابيه: فتح
المغيث، والإِعلان بالتوبيخ - الذي هو مستخلَصّ من جزء الحافظ الذهبي ((ذكرُ من يُعتمَدُ قُولُه
في الجرح والتعديل)»، وقد ترجمتُ لهؤلاء جميعاً باختصار في جزء السخاوي الذي نشرته باسم
(المتكلمون في الرجال)) كما ذكرته تعليقاً في ص ٢٧٤.

٢٧٧
والمُعَافَى بن عِمران المَوْصِلِي، وبِشْرُ بن المفضَّل، وابنُ عيينة. وقد كان في زمانهم طبقَةٌ
أخرى منهم ابنُ عُلَيَّةِ، وابنُ وهب، ووكيع.
وقد انتَذَبَ في ذلك الزمانِ لنقدِ الرجال أيضاً الحافظانِ الحُجَّتانِ: يحيى بنُ
سعيد القطان، وابنُ مهدي، وكان للناسِ وُثُوقٌ بهما، فصار من وثَّقَاهُ مقبولاً، ومن
جَرَحاه مجروحاً، وأمَّا من اختَلَفا فيه وذلك قليلٌ فَرَجَعَ الناسُ فيه إلى ما ترجَّحَ عندهم
بحسب اجتهادهم.
ثم ظهَرَتْ بعدهم طبقَةٌ أخرى، يُرجَعُ إليهم في ذلك، منهم يزيد بن هارون،
وأبو داود الطَّيَالِسي، وعبدُ الرزاق، وأبو عاصم النبيلُ.
ثم صُنَّفَتْ الكُتُب في الجَرْحِ والتعديلِ والعِلَل، وبُيِّنَتْ فيها أحوالُ الرواة،
وكان رؤساءُ الجرحِ والتعديلِ / في ذلك الوقتِ جماعةً منهم يحيى بنُ معين، وقد
اخْتَلَفَتْ آراؤه وعبارَتُهُ في بعضِ الرجال، كما تختلِفُ آراءُ الفقيهِ النِّحْرِير وعبارتُهُ في
بعضِ المسائل التي لا تَخْلُصُ من إشكال.
/١١٥
ومن طبقتِهِ أحمدُ بن حنبل، وقد سأله جماعةٌ من تلامذتِهِ عن کثیر من الرجال،
فتكلَّم فيهم بما بَدَا له، ولم يخرُج عن دائرةِ الاعتدال.
وقد تكلّمَ في هذا الأمرِ: محمدُ بن سعد كاتبُ الواقدي في ((طبقاته)) وكلامُهُ
جيِّدٌ معقول.
وأبو خيثمة زُهَيرُ بن حَرْب، وله في ذلك كلامٌ كثيرٌ رواه عنه ابنُهُ أحمدُ وغيرُهُ .
وأبو جعفر عُبَيْدُ الله بن محمد النبيلُ حافِظُ الجزيرة، الذي قال فيه أبو داود:
لم أرَ أُحفَظَ منه.
وعليُّ بن المديني، وله التصانيفُ الكثيرة في العِلَل والرجال.
ومحمدُ بن عبد الله بن ثُمَير، الذي قال فيه أحمدُ: هو دُرَّةُ العراق.
وأبو بكر بنُ أبي شيبة صاحبُ ((المسند)»، وكان آيةٌ في الحفظِ.

٢٧٨
وعُبيد الله بن عُمَر القواريري، الذي قال فيه صالحُ جَزَرة: هو أُعلَمُ مِن
رأيتُ بحديثِ أهلِ البصرة.
وإسحاقُ بن راهُوْيَه إِمامُ خُرَاسان.
وأبو جعفر محمدُ بن عبد الله بن عَمَّارٍ الْمَوْصِلي الحافظُ، وله كلامٌ جِيِّدٌ في
الجرح والتعديل.
وأحمدُ بن صالح حافظُ مصر، وكان قليلَ المِثْل.
وهارون بنُ عبد الله الحَّال. وكلُّ هؤلاء من أئمةِ الجرح والتعديل.
ثم خَلَفَتْهم طبقَةٌ أخرى متصلةً بهم، منهم: إسحاقُ الكَوْسَجُ، والدارِمِيُّ،
والبخاريُّ، والعِجْليُّ الحافظُ نزِيلُ المغرب.
ويتلوهم أبو زُرعَةَ وأبو حاتمِ الرازيَّانِ، ومسلم، وأبو داود السجستاني،
وبَقِيُّ بِن ◌َخْلَد، وأبو زُرْعة الدمشقي .
ثم من بعدِهم جماعةٌ، منهم: عبدُ الرحمن بن يوسف بن خِراش البغدادي،
وله مصنَّفٌ في الجرح والتعديل، وكان كأبي حاتم في قُوَّةِ النَّفَس، وإبراهيمُ بن إسحاق
الحربي، ومحمد بن وَضَّاح حافظُ قُرْطُبَة، وأبو بكر بنُ أبي عاصِم، وعبدُ الله بنُ
أحمد، وصالحُ جَزَرَة، وأبو بكر البزَّار، ومحمد بنُ نصر المرْوَزي، وأبو جعفر محمدُ بن
عثمان بن أبي شيبة، وهو ضعيفٌ لكنه من الأئمةِ في هذا الأمر.
ثم مِن بعدِهم جماعةٌ منهم: أبو بكر الفِرْيابي، والبَرْدِيجي، والنسائي،
وأبو يعلى، وأبو الحسن سفيان، وابنُ خزيمة، وابنُ جرير الطبري، والدُّولابي،
وأبو عَرُوبة الحَرَّاني، وأبو الحسن أحمد بن عُمَير بن جَوْصًا، وأبو جعفر العُقَيلي.
ويتلوهم جماعةٌ منهم: ابنُ أبي حاتم، وأبو طالبٍ أحمدُ بن نصر البغدادي
الحافظُ، شيخُ الدارقطني، وابنُ عُقْدَة، وعبدُ الباقي.
ثم مِن بعدِهم جماعةٌ منهم: أبو سعيد بن يونس، وأبو حاتم بنُ حِبَّن البُسْتِي،
٠٠
:

٢٧٩
والطبراني، وابنُ عَدِي الْجُرْجاني، ومصنّفُهُ في الرجال إليه المنتَّهَى في الجرح.
ثم من بعدِهم جماعةٌ منهم: أبو علي الحسين بن محمد الماسَرْ جِسيُّ النيسابوريُّ،
وله ((مُسنَدٌ)) مُعَلَّلٌ في أَلْفِ جزءٍ وثلاث مئة جزء، وأبو الشيخ بن خَيَّان(١)، وأبو بكر
الإِسماعيلي، وأبو أحمدَ الحاكمُ، والدار قطنيُّ، وبه خُتِمَتْ معرفةُ العِلَل.
ثم من بعدِهم جماعةٌ منهم: أبو عبد الله بن مَنْدَهْ، وأبو عبدِ الله الحاكمُ،
وأبو نَصْرِ الكَلَاباذِي، وأبو الْمُطَرِّف عبدُ الرحمن بن فُطَيْس قاضي قُرْطُبة، وله ((دلائلُ
السنة))، وعبدُ الغني بن سعيد، وأبو بكر بن مَرْدُويَهْ الأصْفَهاني، وَمَّامُ الرازي .
ثم مِن بعدِهم جماعةٌ منهم: أبو الفتح محمدُ بن أبي الفَوَارس البغداديُّ،
وأبو بكر البَرْقانيُّ، وأبو حاتم العَبْدَوِي، وقد كتَبَ عنه عشَرَةُ أنفسٍ عَشَرَةَ آلافٍ
جُزْءٍ، وخَلَفُ بن محمد الواسطيُّ، وأبو مسعود الدمشقيُّ، وأبو الفضل الفَلَكيُّ، وله
كتاب ((الطبقات)) في ألْفِ جزء، وأبو القاسم محمود السَّهْمِي، وأبو يعقوبَ القَرَّابُ
وأبو ذَرِّ الحَرَوِيَّانِ.
ثم مِن بعدِهم جماعةٌ منهم: الحسَنُ بن محمد الخَلَّل البغدادي، وأبو عبد الله
الصُّوْرِي، وأبو سَعْدٍ السمان، وأبو يَعْلَى / الخليلي.
ثم مِن بعدِهم جماعةٌ منهم: ابنُ عبد البر وابنُ حزمِ الأنْدَلْسِيَّانِ، والبيهقيُّ،
والخطيبُ.
/١١٦
ثم مِن بعدِهم جماعةٌ منهم: أبو القاسم سعد بن - علي بن - محمد الزَّنْجاني،
وابنُ ماكُوْلاً، وأبو الوليد البَاجِيّ، وقد صنَّفَ في الجرح والتعديل، وأبو عبد الله
الحُمَيدي، وابن مُفوَّز المَعَافِري الشاطِبي.
(١) وقع في الأصل: (وأبو الشيخ بن حبان)، أي: بالباء الموحدة بعد الحاء، وهو تحريف
عن (حَيَّان) بالياء المثناة.

٢٨٠
ثم مِن بعدِهم جماعةٌ منهم: أبو الفضل ابنُ طاهرِ المقدسيُّ، وشُجَاعُ بنُ فَارِس
الذُّهْلي، والمؤتَمَنُ بنُ أحمد بن علي السَّاجِي، وشُهْرُويَهْ الدَّيْلَمِي، وأبو عليّ الغَسَّاني.
ثم من بعدِهم جماعةٌ منهم: أبو الفضل بن ناصر السَّلَامِي، والسِّلَفِي،
وأبو موسى المَدِينيُّ، وأبو القاسم بنُ عساكر، وابن بَشْكُوال.
ثم مِن بعدِهم جماعةٌ منهم: عَبْدُ الحقِّ الإِشبيلي، وابنُ الجوزي،
وأبو عبدِ الله بنُ الفَخَّرِ المالَقِيُّ، وأبو القاسم السُّهَيْلي.
ثم مِن بعدِهم جماعةٌ منهم: أبو بكرٍ الحازمي، وعبدُ الغني المقْدِسي، والرُّهَاوِي،
وابنُ مُفَضَّل المَقْدِسي.
ثم من بعدِهم جماعةٌ منهم: أبو الحسن بنُ القَطَّان، وابنُ الأنماطي،
وابنُ نُقْطَة، وابنُ الدَّبِيشَي، وأبو بكر بن خَلْفُون الأزْدِي، وابن النجار.
ثم مِن بعدِهم جماعةٌ منهم: ابنُ الصلاح، والزكيُّ المنذرِي، وأبو عبد الله
البِرْزالِيُّ، وابنُ الأَبَّارِ، وابنُ العَدِيم، وأبو شَامَة، وأبو البقاءِ خالد بن يوسف
النابلسي.
ثم مِن بعدِهم جماعةٌ منهم: الدِّمْيَاطِيُّ، والشَّرَفُ المَيْدُومِي، وابنُ دقيق العيد،
وابنُ تيمية.
ثم مِن بعدِهم جماعةٌ منهم: المِزِّيّ، والقُطْبُ الحلبيُّ، وابنُ سيد الناس،
والتاجُ بن مكتوم، والشمسُ الجَزَري الدمشقي، وأبو عبدِ الله بن أيْيَكِ السَّرُوجِي،
والكمال جعفر الأُدْفُوِي، والذهبيُّ، والشهابُ بن فضل الله، ومُغُلْطَاي، والشريفُ
الحسينيُّ الدمشقي، والزينُ العراقي.
ثم مِن بعدِهم جماعةٌ منهم: الوليُّ العراقي، والبُرهانُ الحلبي، وابنُ حجر
العسقلاني، وآخَرُون في كل عصر، إلَّ أنَّ المتقدمين كانوا أقرَبَ إلى الاستقامة،
وأبعَدَ من مُوجِباتِ الْمَلَامة.

٢٨١
ويُقْسَمُ المتكلُّمون في الرواةِ إلى ثلاثة أقسام: قسمٌ تكلِّموا في سائرِ الرواة،
کابن معين وأبي حاتم(١).
وقسمٌ تكلَّموا في كثير من الرواةِ، كمالك وشعبة.
وقسمٌ تكلَّموا في الرَّجُلِ بعدَ الرجل، كابن عيينة والشافعي.
ويُقْسَمُون من جهةٍ أخرى إلى ثلاثة أقسامٍ أيضاً: قسمٌ شَدَّدَ في أمرِ التعديل.
وقسمٌ تساهَلَ فيه. وقسمٌ توسَّطَ في ذلك.
فالقسمُ الأول وهو المشدِّدُ قد أفرط في التثبّتِ في أمر التعديل، فلهذا تراه يُؤَاخِذُ
الراوِيّ بالغلطتينِ والثلاثِ، فهذا إذا وثَّقَ راوياً فلا تتوقَّفْ في توثيقِه، وإذا ضَعَّفَ
راوياً فتأَنَّ في أمرِهِ، وانظُرْ هل وافَقَه غيرُهُ على ذلك، فإن لم يُوثَّقْ ذلك الراويّ أحدٌ
من الجهابذةِ النُّقَّادِ فهو ضعيف، وإن وَتَّقَه أحدٌ منهم كان مَوْضِعاً للنظرِ والبحثِ.
فقد قالوا: لا يُقبَلُ الجَرْحُ إلَّ مفسَّراً، يريدون بذلك أنه لا يَكِفي في ذلك قولُ
مثلِ ابنِ معين مثلاً: هو ضعيفٌ من غير بيان سَبَبٍ ضعفِه، فإذا وَثَّقَ مثلَ هذا
البخاريُّ ونحوُه وَقَعَ الاختلاف في هذا الراوي من جهةٍ تصحیح حديثه أو تضعيفه،
ومن ثَمَّ قال أربابُ الاستقراءِ في هذا الفَنِّ: لم يَجتمِع اثنانِ من علماءِ هذا الشأن قَطُّ
على توثيقٍ ضعيفٍ، ولا على تضعيفِ ثِقة. يُرِيدُ(٢) اثنانٍ من طبقةٍ واحدة، ولهذا كان
مَذْهَبُ النسائي أن لا يُتَرَكَ حديثُ الرجل حتى يَجْتمِعَ الجميعُ على تركِه(٣).
(١) وقع في الأصل: (وابن حاتم)، وهو تحريف، و(أبو حاتم) هو أبو حاتم الرازي،
الذي نقل ابنُهُ كلامَهُ في كتابه ((الجرح والتعديل)).
(٢) هكذا وقع في الأصل، وهو سهو من المؤلف رحمه الله تعالى، وكان ينبغي أن يقول:
(يريدون ... )، ولكنه لما نقل العبارة من مصدرها الآتي بيانُه تعليقاً، وهي فيه (قال
الذهبي ... )، فغيرها إلى (قال أربابُ الاستقراءِ ... )، اختلت بقيتها مع تغييره السابق. فقوله
هنا: (يريد ... ) أي الذهبي، كما سيأتي إيضاحه في التعليقة التالية.
(٣) قولُه: (لم يجتمع اثنانٍ من علماء هذا الشأن قَطُّ على توثيق ضعيف، ولا على تضعيف
ثقة) هذه الكلمة للحافظ الذهبي قالها في كتابه ((المُوقِظة)) في مصطلح الحديث ص ٨٤، وقولُه:
(يريد: اثنانٍ من طبقةٍ واحدة) من كلام الحافظ السخاوي، وقولُه: (ولهذا كان مذهبُ =

٢٨٢
وكلُّ طبقةٍ من نُقَّادِ الرجال لا تخلو من مُشَدِّدٍ، ومتوسِّط. فمِن الأولى: شعبةٌ
والثوريُّ، وشعبةُ أشدُّهما. ومن الثانيةِ: يحيى القطانُ وابنُ مهدي، ويحيى
أشدُّهما. ومِن الثالثةِ: ابنُ معين وأحمَدُ، وابنُ معينٍ أشدُّهما. ومن الرابعةِ: أبو حاتم
والبخاريُّ، وأبو حاتمٍ أشدُّهما.
فإذا وَثَّقَ ابنُ مَهْدِي / راوياً، وضعَّفَه ابنُ القطان، فإنَّ النَّسَائِيَّ لا يَتْرُكُهُ لما
عُرِفَ من تشديدِ القطان ومن نحا نحوَهُ في النقد.
/١١٧
ومِن المتساهلين في النَّقْدِ الترمذيُّ والحاكمُ. ومن المعتدِلِين فيه الدار قطنيُّ
وابنُ عَدِي، فليُّنْتَبَة لذلك، فإنه من المواضع التي يُحْشَى أَن يَغْلِبَ فيها الوَهَمُ على
الفَهْم
تنبيه: ينبغي للجارح في المواضع التي يتعين عليه فيها الجرح أن يَقتّصير على
أقلِّ ما يَحصُل به الغرض، ولا يَتَعدَّى ذلك إلى ما فوقه، ولذلك لامَ بعضُ الأئمة
بعضَ إخوانه(١) حيث قال: فلانٌ كذاب، وقال له: آكْسُ كلامَك، أحسِنْ الألفاظ،
لا تَقُلْ كذَّاب ولكن قُلْ: حديثُهُ ليس بشيءٍ.
= النسائي ... ) من كلام الحافظ ابن حجر، رحمهم الله تعالى.
وقد اضطربت أقوالُ العلماء في تفسير كلمة الحافظ الذهبي اضطراباً شديداً، وأكرمني الله
تعالى فحرَّرتُ معناها على الوجه السليم، فيما علَّقتُه على جزء ((المتكلمون في الرجال)» للسخاوي
ص ١٣٩ - ١٤٥ من الطبعة الخامسة وما قبلها، وشرحتُهُ بتوسُّع أكثَرَ فيما علَّقْتُه على ((الرفع
والتكميل في الجرح والتعديل)) للعلامة عبد الحي اللكنوي ص ٢٨٦ - ٢٩١ من الطبعة الثالثة.
أما قول الحافظ السخاوي: (يُريد اثنانِ من طبقةٍ واحدة) فغيرُ مقبول كما أوضحتُهِ هناك،
وأما قول الحافظ ابن حجر (ولهذا كان مذهب النسائي ... )، فقد أدَّى ذكرُهُ بعدَ كلمةُ الذهبي
إلى تشويش فهمِها على وجهٍ صحيح، كما بيَّنتُه هناك، فانظره إذا شئت.
(١) هو الإِمام الشافعي رضي الله عنه لصاحبه الإِمام المزني رضي الله عنه، كما في ((فتح
المغيث)) ص ١٦١ من طبعة الهند، و((الإعلان بالتوبيخ)) للحافظ السخاوي ص ٦٩ من طبعة
القدسي، وص ١٢٥ من طبعة بغداد المفردة، وقد تصرَّف المؤلفُ في الكلمة بعض الشيء، وهي
فيهما: ((أَكْسُ ألفاظَكَ أَحْسِنْها، لا تَقُل ... )).