Indexed OCR Text
Pages 221-240
١٦٢ ورأى بعضُ الدارسين لكُتُبِ أهلِ الكتاب بناءً على ما تَرَاءَى له من قرائنِ الأحوال: أنَّ الذين صَمَّموا على إهلاكِ المسيحِ من رؤساءِ اليهود، لَّا لم يجدوه ويَئِسُوا من عَوْدِهِ إليهم، عَمَّدُوا إلى رجلٍ آخَرَ مُوْهِمِين أنه هو المسيحُ، فصَلَبُوه إرهاباً، لأتباعِهِ ولمن يُخَافُ أن يكونَ عنده مَيْلٌ إلى اتِّبَاعِهِ، ووضعوا حُرَّاساً على القبر خشيةَ أن يُنَبَشَ فَتظهَرَ حقيقةُ الأمر، ثم رأَوْا أنَّ الحَزْمَ يقضي عليهم بنقلِهِ منه سراً إلى حيث لا يُهتَدَى إليه ففعلوا، وخشيةَ أن يَفْتَتِنَ الناسُ بعدم وجودِهِ فيه، رَشَوْا الْحُرَّاس ◌ِمالٍ جَمٌّ، ليُشِيعوا أنَّ تلاميذَه أتوا في جُنْحِ الظلامِ فأخذوه من القبر وهم نِيَامِ. وقال بعضُ المفسرين: إنَّ الذي صُلِبَ كان رجلاً يُنافقُ عيسى عليه السلام، فلما أرادوا قَتْلَه قال: أنا أَدُلُّكم عليه، وقد كان عيسى استَتَر، فدَخَل الرجلُ بَيْتَ عيسى، وَرَفَع اللَّهُ عيسى، وأَلقَى شَبَهَهُ على المنافِقِ، فقتلوه وصَلَبوهِ وهم يظنون أنه عيسى عليه السلام. وهذا القولُ على كل حال أقرَبُ من قول بعضِهم: إِنَّ المسيحَ عليه السلام لما أَجَمَعَتْ اليهودُ على قتلِهِ، وأخبرَهُ الله سبحانه بأنه سيَرفَعُه إلى السماء، قال لأصحابه: أيُّكم يَرْضَى أن يُلْقَى عليه شَبَهِي، فَيُقْتَلَ ويُصَلَبَ ويَدَخَلَ الجنة؟ فقام رجل منهم وقال: أنا، فأَلقَى الله عليه شَبَهَهُ، فَأُخِذَ وقُتِلَ وصُلِبَ. والمنافقُ المذكورُ هو يهوذا الأسْخَرْيُوطيّ، وذُكِرَ في الإِنجيل أنه كان أحَدَ التلاميذِ الاثْنَيْ عَشَرَ، الذين اختارهم المسيحُ لبثّ دعوتِه، وأعطاهم قُوَّةًّ على إخراج الشياطين، وشِفاء جميع الأمراض. ثم لمَّا بلغه أنَّ رؤساء اليهود قد صَمَّموا على القبض على المسيح وإهلاكِه، ذَهَبَ إليهم وقال لهم: أنا أُسَلِّمُه إليكم، فماذا تُعطوني /٦١ على ذلك؟ / فأعطوه ثلاثين من الفضة، كلُّ واحدٍ منها تُساوِي قِيمتُه درهماً أو درهمين أو نحو ذلك، فَرَضِي بها، وصار يترقب فُرصةً لإنجازِ ما وَعَدَهم به ... ففي ليلة من الليالي ذهب إليهم وقال: إنَّ الفُرصةَ قد أَمكنَتْ، فأرسَلُوا معه جْعاً كبيراً معهم سيوفٌ وعِصِيّ، وهذا الجمعُ مؤلَّفٌ من أُناسٍ من خَدَمَةِ رؤساءٍ الكَهَنِةِ ومشايخِ الشِّعْبِ، وَأُناسٍ من جُنْدِ الروم، فَذَهَب بهم إلى سفحٍ جَبَّلِ الزيتون، وكان المسيحُ في بُستانٍ هناك، وقال لهم: إذا وَصَلْتُ إليه أُقِّلُه، فالذي ! ١٦٣ أُقبّلُه هو المسيحُ، فاقبِضُوا عليه، وإنما جَعَل لهم علامةً، لأنَّ كثيرين منهم كانوا لا يَعرفونه، فلما دَنَا منه سَلَّم عليه، ثم تقدَّمَ فعانقه، فقال له المسيحُ: يا يُهُوذَا، أبقُبلةٍ تُسلِّمُ ابنَ الإِنسان؟ ثم خَرَجَ إلى القوم وقالَ لهم: من تطلبون؟ فقالوا: نطلبُ عيسى الناصري، فقال لهم: أنا هو، فتقهقروا ناكِصِين على أعقابهم، وسَقَطوا على الأرض. ثم قال لهم المسيح: من تَطلبون؟ فقالوا: نَطلبُ عيسى الناصريَّ، فقال لهم: قد قلتُ لكم: إني أنا هو، فإن كنتم تَطْلُبُونني فدَعُوا هؤلاء يذهبون. وكان مع بطرس الذي يقال له: سَمْعان الصفا سيفٌ، فانتَضَاهُ وضَرَبَ به عَبْدَ عظيمِ الكَهَنة، فَأَخَذَ أُذْنَه اليُمنى، فقال له المسيح: اكفُفْ، وَسَ أُذُنَ العبدِ فَبَرِثَتْ، فحينئذٍ قَبَضَ الجماعةُ عليه وأوثقوه، وذهبوا إلى حيث أرادوا. وإن أردتَ معرفةً تتمةِ المسألة فارجع إلى الأناجيل الأربعة، وإن كان فيها من الاضطرابِ في سَوقِ هذه القضيةِ ما لا مَزِيدَ عليه، والأولى الرجوعُ إليها مع مراجعةٍ ما قاله مفسِرِّوها. وكنتُ أحببتُ أن أُوردَها بتمامِها على وجهٍ يَرَتَفِعُ به اللَّبْسُ إليه، لتسكُنَ النفسُ، غيرَ أنَّ ذلك يَقْتَضِي بَسْطً زائداً لا يُساعِدُ عليه هذا المَوْضِع(١). ولنرجع إلى أمر يَهُوذا فنقول: ذُكِرَ في إنجيل مَتَّ أن يُهُوذا لَّا رأى المسيحَ قد دُفِنَ نَدِمَ، وَذَهَب إلى رؤساءِ الكَهَنةِ وإلى المشايخ وأعاد لهم ما أخَذَ، وقال لهم: إني أخطأتُ بتسليمي إنساناً بَرّاً، فقالوا: ماذا علينا؟ أنت أخبَرُ، وطَرَحَ ما أخذَه في الهيكل، وَذَهَبَ فخَنَقَ نَفْسَه. وأمَّا ما أعاده من المالِ فقد اشتَرَى الرؤساء به حَقْلَ الفَخَّار وجعلوه مقبرةً للغرباء. قال مفسِّرِّوه: إنَّ يهوذا لَّا رأى اليهودَ قد حَكَمُوا على المسيح بالهلاك، ولم يكن يَظُنُّ أنَّ الأمرَ يَصِلُ إلى هذا الحد، ذَهَبَ إلى الرؤساء وقالَ لهم ما قال، وأعادَ لهم ما أخذَهُ من المال، راجياً بذلك أن يُطلِقوه، فلمّا لم يُجيبوه إلى ما سأل، خَتَق نفسه. (١) وقع في الأصل: (لا يُساعِدُ عليه هذا الموضوع). فأثبته كما ترى. ١٦٤ هذا، ولَّ ارتاب بعضُ علمائنا في أمرٍ يهوذا، تَراءَى لهم أنه هو الذي أُلْقِيَ عليه شَبَهُ المسيح، فَأُخِذَ وصُلِبَ ولَقِيَ جَزَاءَ عملِه، غيرَ أنَّ الذين كانوا يتَلقَّفون أخبارَ المسيح عليه السلام من كلِّ فَم، لَّا لم يقفوا له على عينٍ ولا أثر، ظَنُّوا أنه هَلَك أو أَهلَّك نفسَه، فلفَّقُوا هذا القولَ، بناءً على ما وَقَع في نفوسهم، ومِثلُ ذلك لا يُحصى. وهذا القولُ أقوى الأقوالِ التي قالها من ذَهَب إلى أنَّ المصلوبَ كَان يُشْبِهُ المسيحَ عليه السلام، بحيث إنَّ من رآه وكان يَعرفُه من قَبْلُ قال: إنه هو، أو كأنه هو. والقولُ بالشَّبَهِ المذكورِ هو المشهورُ عند الجمهور، وقد أنكره عليهم مُهُورٌ الأَمَم من غير المسلمين، وقد وافَقَهم على الإِنكار ابنُ حزم، مع أنَّ جميعَ أرباب الِلَلِ يقولون بجواز خَرْقِ العادة، وهذا من أقربِ الأمور جوازاً في العقل، لا سيما إن قَضَتْ الحِكمَةُ بوقوعِهِ كالمسألةِ التي نحن بصددها، وليس في ذلك ما يُوجِبُ إِيطالَ الحقائق . على أنه قد تقرَّرَ في علم الكلام أنَّ الحَوَاسَّ قد تَغْلَطُ في بعض الأحيان، وأنَّ / ٦٢ ذلك لا يَرفَعُ الاطمئنانَ إلى ما أدرَكَتْهُ في سائرِ الأحيان، ومثلُ / ذلك العقل، فأيُّ محذورٍ يَحَصُلُ أَنْ لوقِيْلَ : - وعلى ذلك - إِنَّ المسيح عليه السلام لَّا أراد اليهودُ إهلاكه - لأنه كان يَأْمُرُهم بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويَحْثُهم على اتّباع الحق، والسُّلوكِ في منهجِ الصدق - أَلقَى اللّه شَبَهه على رجلٍ مارقٍ مِنافِقٍ مستحقٍ للهلاك، فَأُخِذَ وصُلِبَ، وهو بذلك حَرِيّ، ونَجًا من غوائلهم ذلك البِرُّ البَرِيّ .! وذَكَر مفسِّرِّو الأناجيل أنَّ المسيح عليه السلام لَّا أراد أولئك الجماعةُ القَبْضَ عليه، أَظهَرَ ثلاثٌ آياتٍ : الأولى إمساكُهُ أبصارَهم حتى لم يَعرفوه، مع أنَّ ذلك الخائنَ جَعَل لمعرفته علامة، وكان كثيرٌ منهم يَعرِفُه. ويُؤيِّدُ ذلك أنه لما قال لهم: من تَطلبون لم يقولوا: إننا نَطلُبُك، بل قالوا: عيسى الناصِريّ، وذلك لعدم معرفتهم له. ١٦٥ الثانيةُ وقوعُهم على ظهورِهم إلى الأرضِ بمجرَّد قولِهِ: أنَّا هو. الثالثةُ إرجاعُهُ أُذُنَ العبدِ التِي قَطَعها بُطْرُس. فأَنْظُر كيف أَثْبُتُوا أَخْذَ المسيح بأبصارِ القوم حتى جَهِلَهُ من کان یَعرفه، فلو أراد المسيحُ حينئذٍ أن يُتركَهم وشأنهم ويذهب حیث شاء لأمكن. فإن قلتَ: لعله خاف أن يُلْقُوا القَبْضَ على تلاميذِهِ ظَنّاً منهم أنه بينهم. قلتُ: لا خوفَ في ذلك، فإنه تَظهَرُ لهم في أقربٍ مدةٍ حقيقةُ الحال، فيُطلِقونهم، وهم لا مأَرَبَ لهم فيما عداه، إلاّ أن نقول: لَعَلَّ اللَّجَاجَ والعِنادَ يَجْمِلُهُم على دعوى أنَّه بينهم، فَيَعمِدُوا إلى أحدِهم فيُهلِكوه، لئلا يُقالَ: إنه صَعِدَ إلى السماء أونَجًا منهم بقوةٍ ربانيّة . وذكروا أيضاً أنَّ المسيحَ أَخَذَ بأبصارِ اليهود، فلم يَرَوْهُ قَبْلَ هذه المرّة، وذلك أنه کان ذات يوم تمشي في الهیکل في ڕِواقٍ سلیمان، فأحدقتْ به الیھودُ وقالوا له: حتی متى تُعذّبُ نفوسَنا، فإن كنتَ أنت المسيحَ فقل لنا علانِيَةً، فأجابهم بما أثار غضَبَهم، فتناولوا حِجارةً لَيَرْجُوه فلم يَستطيعوا، ثم جَرَتْ بينهم مُحاورةٌ أخرى أفضَتْ إلى العزم على إمساكِه، فخرج من بين أيديهم. قالوا: فخروجُه من بين أيديهم إنما أمكَنَ لكونِهِ حَجَب أبصارهم فلم يَرَوْه. فإن قلتَ: إنَّ المسيحَ عليه السلام لعله أراد أن يَنالَ على أيديهم الشهادة، لتكون له الحسنى وزيادة؟ قلنا: لا يَسوغُ ذلك على هذه الصِّفَة، قال تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بأيديكم إلى التَّهْلُكَةِ﴾(١)، وهذا من الأمور المُحْكَمَةِ التي اتفقَتْ فيها الشرائعُ على اختلافها، وقد ذُكِرَ في الأناجيل أنَّ المسيح عليه السلام كان في الليلة التي قصَدَهُ فيها القومُ يَتضرَّعُ إلى الله تعالى كثيراً، ويَسألُه أن يُنجيه من مَكايِدٍ أعدائِه، وكان شديدَ الحُزنِ والاكتئاب، وهذا يُنافِ أن يكونَ مُريداً للاستسلام لهم. هذا، وإنَّ طريقة ابن حزم طريقةٌ معقولة، وهي وإن كانت بعيدةً في نظر (١) من سورة البقرة، الآية ١٩٥ . 1 - ! ١٦٦ قومٍ، فهي قريبة في نظرٍ آخَرِين ممن خبروا أحوالَ الناس، ودقَّقوا النظرَ في أمر الحوادث، وأكثروا من النظر في التاريخ، وبحثوا عن أسبابِ المسائل وعِلَلِها، ليقفوا على حقائقها ودقائقها. وهنا أمرٌ ينبغي التنبّهُ له، وهو أن اليهودَ في ذلك العصر، لم يكونوا مستبِدِّين بأمرِهم، بل كانوا تحت جُكم ملوكِ الروم، وكان مَلِكُ الروم حينئذٍ طيباريوس، وهو الذي بُنِيَتْ في عهدِهِ مدينةُ طَبَرِيَّة ونُسِبَتْ إليه، وكان الوالي عليهم من قِبَلِهِ بيلاطوس، قال سعيد بن البِطْرِيقِ في (نَظْم الجوهر)): ومَلَّكَ طيباريوسُ قيضَرَ بُرُومِيَة، وللمسيح خمسَ عَشْرَةَ سنةً، وكان لقيصَرَ هذا صديقٌ يقال له: بلاطس، من قريةٍ على شَطِّ البحر البنطس، ولذلك يُسمَّى بلاطس البنطيّ، فولاه على أرضٍ بهوذا . /٦٣ قال: وفي خمسَ عَشْرَةَ سنةً من مُلكِ طيباريوس هذا، ظهَرَ يحيى بنُ / زكريا المَعْمَدانيّ فَعَمَّد اليهودَ في الْأَرْدُنُّ ولسيدنا المسيح ثلاثون سنة. ثم قال: وكتَبَ بلاطِسُ إلى طيباريوسُ الْمَلِكِ بخبرِ سيدنا المسيح وما تفعلُه تلاميذُه من العجائبِ الكثيرة، من إبراءِ المرضى وإحياءِ الموتى، فأراد أن يُؤمِنَ بسيدنا المسيح، ويُظهِرَ دِينَ النصرانية، فلم يُتابعه أصحابُه على ذلك، ومَلَكَ اثنين وعشرين سنةً وستةً أشهر. وبيلاطوس المذكورُ هو الذي ادَّعى رؤوسُ اليهود عنده أنَّ المسيحَ عليهِ السلام كان يُضِلُّ شَعْبَهم، ويَدَّعِي بأنه هو المسيحُ ملك اليهود، وأنه كان يَمِنْعُ الناسَ مِنْ أداءِ الجزية لقيصر، وطلبوا منه أن يَصْلُبَه، وإنما لم يتولوا هم الأمرَ بأنفسِهم لأسباب: الأولُ: أنه لم يكن يَسوغُ لهم أن يَقتلوا أحداً ممن حَكَموا عليه بالقتل دون موافقةِ الروم، وما وقع منهم مراراً من القيامِ على المسيح وإرادةِ رَجْمِه، فإنما ذلك من قَبِيل ما تَحِصُلُ أحياناً مِن حُكَّامِ الرعايا حين اشتدادِ غَضَبِها، وكثيراً ما تتغاضى الحُكَّامُ عن ذلك إذا لم تَخْشَ ضرراً منه. الثاني: أنهم كانوا يخافون من الشَّعْب، فإنَّ كثيرين منهم كانوا يميلون إلى ١٦٧ المسيح عليه السلام، فإذا تولّى الحاكمُ ذلك، ووَقَعَ من الشعب فِتنةٌ أمكّنَهُ تسكينُها بواسطةِ الجُنْد. الثالثُ أن ما ادَّعَوْه على المسيح عليه السلام من أنه كان يَفتري على الله كذباً، ويُضِلَّ الناسَ، لوصَحَّ وثبتَ فإنه يقتضي بُوجَّبِ شَرْعِهم الرَّجْمَ لا الصَّلْبَ، وهم یریدون أن يُصلَب لاعتقادهم أن الصَّلْبَ ادْعَی لزجرِ الناس عن اتّباعِه، وفيه من شِفاءِ غليلهم ما ليس في غيرِهٍ من أنواع القتل. وقد ذُكِرَ في الأناجيل أنَّ بيلاطوس المذكورَ لما سَلَّمه رؤساءُ اليهود المسيحَ عليه السلام، وطلبوا منه إهلاكَهُ، سأله عما اتَّهموه به، فَتَبيَّنَّ له افتراؤهُم، وعَرَف أنهم إنما أَسلموه حَسَداً وبغياً، وتعجَّبَ جِداً وقال لهم: إني لم أجد له عِلَّةً تُوجِبُ هلاكَه، وحَرَص على إطلاقِهِ، غيرَ أنهم أَصرُّوا على ما طَلَبوا منه، وحَرَّضوا جمهورَ الناس على ذلك، فأحبَّ إرضاءَهم فأمَرَ الشُّرَطَ بأن يَذهبوا به ويُجْرُوا ما يُرضي أولئك القومَ. وقد اختَلَف المفسِرِّون في أمرٍ بيلاطوس، فقال بعضهم: إنه كان في الباطِنِ يَميلُ إلى قتلِ المسيح، ولذلك بادَرَ إلى إمضائه، مع أنَّ في يدِهِ إطلاقَهُ حالاً، فضلاً عن إبقائِه في السجن إلى أن يَترؤَّى في أمرِهِ مُدَّةً، ويُجرِيَ بعد ذلك ما يقتضيه الحالُ. ويَدُلُّ على ذلك قولُه للمسيح عليه السلام لمَّا سأله فلم يُحِبه: مالَكَ لا تُكلَّمُني؟ ألا تَعلمُ أنَّ لِي سُلطاناً على أن أُطلِقَك، ولي سُلطانٌ على أن أَصْلُبَك؟ وقال أكثرُهم: لم يكن بيلاطوس يميلُ في الباطِنِ إلى قتلِ المسيح عليه السلام، ويدلُّ على ذلك أشياء : الأولُ: ماظَهَر منه من تبرئةِ المسيحِ وذّبِّه عنه بقَدْرِ ما استطاعٍ. الثاني: رُؤيا زوجتِهِ، فإنها أَرسَلَتْ إليه وهو في مجلسِ الحكم والمسيحُ عندَهُ مع القائمين عليه، تقولُ: إياك وذلك الصِّدِّيقَ، لأني رأيتُ في الحُلُمِ من أجلِهِ أموراً مزعجةً كثيراً، وقد اختلفوا في هذا الحُلم فقال بعضهم: هو من الشيطان، ليُخلِّص المسيحَ فَيَبْقَى العالمُ بغير فِداء. وقال بعضُهم: هو من مَلَكِ ليشهد الرجالُ والنساءُ بكمالٍ المسيح . ١٦٨ الثالثُ: خوفُ ثورة الشعب، فإنَّ كثيراً منهم كانوا يميلون إلى المسيح عليه السلام، والولاةُ أبعَدُ الناس عن إثارةِ الشعب بدون باعثٍ قويٍّ لذلك، وهذا الوالي كان من عُبَّادِ الأوثان، ولم يكن لليهود عندَهُ من حيثُ الدِّينُ شأنٌ، ولذلك كان /٦٤ القائمون / عليه عازِمين في أولِ الأمر، على أن يُمسكوه ويَقْتُلُوه غِيلةً، وأن يكونَ ذلك في غير العِيد، لكثرةٍ اجتماع الناس فيه، فلما جاءهم يهوذا الخائن غيّروا رأيهم، واعتقدوا أنَّ الفُرصةَ قد ساعَدَتْ، وعزموا على أن يكون ذلك على يدِ الحاكم، لأنه أقربُ إلى السلامة من الشعب إن ثار ففعلوا ما فعلوا. الرابعُ: ما ذُكِرَ عنه من أنه كتَبَ مِن بَعْدُ إلى طيباريوس مَلِكِ الرومِ، بِخَبَّرِ المسيحِ وما وَقَع له من الآيات، وبخَبَرِ تلاميذِهِ وما يقعُ على أيديهم من العجائب، غيرَ أنَّ كثيراً منهم توقَّفَ في صحةِ هذا الخبر، وقال: إنه كان عَزَم على ذلك، غير أنه خَشِيَ أن يَعُودَ عليه ذلك بالضرر، حيث قتل المسيحَ بغير حق . وقد وَرَد على هذا الفريق إِشكالٌ، وهو أن يقال: إذا كان هذا الوالي يَمِيلُ إلى إطلاقِ المسيح، والبواعثُ على ذلك كثيرةٌ فلم لم يُطلِقه؟ وقد أجابوا عن ذلك بأن بيلاطوس كان عَزَم على إطلاقه، فصاح اليهودُ بِهِ وقالوا: إن تُطلِقْ هذا فما أنت يُحبٍّ لقيصر، لأنَّ من يجعلُ نفسَهُ مَلِكاً يكون عَدُواً لقيصر، فارتاع حينئذٍ بيلاطوسُ وخَشِيَ بَطْشَ قيصر إن بلَغَه ذلك، فأسلَّمَ المَسِيحَ إلى ما أُسلَمَه إليه. وفي هذا الجوابٍ ضعف، لأنه يمكنه حينئذٍ أن يَضَع المسيحَ في السِّجنِ ويَكْتُبَ إليه بحقيقةِ الحال، ويَنتظِرَ ما يأمُرُ به فُيُجرِيَ عليه. وقال بعضهم: فعَلَ ما فَعَل تخلُّصاً من شَغَب الشعب، فإنَّ الرؤساء حَرَّضوهم على الاجتماع عند دار الحكم، وأن يُلِحُوا في طلب إهلاكِه، فكان كلَّما قال لهم: أيّ شرّ صَنَعَ هذا؟ يزدادونَ صِياحاً قائلين: لِيُصْلَبْ، فلما رأى أنَّ ذلك لا يُفيدُ شيئاً، بل تزدادُ الجَلَبةُ كلَّما حاوَلهم، غَسَلَ يديه أمامَهم وقال: أنا بريءٌ مِن دَمِ هذا ١٦٩ الصِّدِّيقِ، أنتم أخبَرُ، فصاحوا كلُّهم قائلين: دَمُهُ علينا وعلى أولادِنا، وأسلَمَه إلى الجُنْدِ لينفّذُوا الحكمَ عليه. قال بعضُ القسيسين: فإن قيل: هل يجوزُ للوالي أن يَخْضَع لرأيِ الشعب كلِّه في مثلِ هذا الأمر؟ فالجوابُ: لا، بل يجبُ على الحاكم أن يَحتمِلَ ألفَ مِيتَةٍ ولا يَحِيدَ عن منهج العدل، وإذا ◌ُمعَ بين العِلَّتين يكونُ الجوابُ أقوى. واعلم أنَّ مسألة الصَّلْبِ إنما أهمَّت النصارى مع ضعفٍ مأخذِها عندهم، لبنائِهم أكثرَ أمورِ دِينهم عليها، ونسبتِهم أكثر أسرارِه إليها، حتى إنهم يُنكرون على مُنكِرِها أكثرَ مما يُنكِرون على منكِرِ التثليث. وقد بقي في مباحثِ المتواتر مسائلُ أخرى مهمةٌ، تركناها لأنها مما يهتدي إليها اللبيبُ بنفسه إذا أمعَنَ فيها النظر. - ١٧١ الفصل السادس في أقسام الحديث قبلَ الخوض في ذلك ينبغي الوقوفُ على مسألتين: المسألةُ الأولى: أنَّ المحدِّثين لا يَبحثون عن المتواتر، لاستغنائه بالتواتُرِ عن إيرادِ سَنَدٍ له، حتى إنه إذا اتَّفَق له سَنَدٌ لم يُبحَث عن أحوالِ رُواتِهِ، لما سَبق بیانُه في المسألة السابعة من الفصل الخامس(١). / فقولُ المحدِّثين: إنَّ الحديثَ ينقسمُ إلى صحيحٍ، وحسن، وضعيف، /٦٥ يُريدون به الحديثَ المرويَّ من طريق الآحاد، وأما الحديثُ المتواتر فهو خارجٌ عن مَوْرِدِ القسمة . وقد أَلحق بعضُهم: المستفيضَ بالمتواتر، فجعَلَه أيضاً خارجاً عن مَوْرِدٍ القسمة. وقد نقلنا فيما مَضى أقوالاً في حد المستفيض(٢)، وقد وقفتُ الآن على أقوالٍ أُخَرَ ذكرها بعضُ من ألّف في القواعد الفقهية، فأحببتُ إیرادَ خلاصة ذلك، قال: قد اقتَضَىَ كلامُ قوم: أنَّ المستفيضَ خبرُ جمْعٍ يَمتنعُ تواطؤهم على الكذب، وكلامُ قوم: أنه خَبَرُ جمع يُفيدُ ظناً فوقَ الظنِّ المجرَّد، وقال بعضُهم: إنه خبرُ جْعٍ كثيرٍ يقعُ العلمُ أو الظنُّ بقولهم. وقال بعضُ الفقهاء: لا تُقبَلُ الشهادةُ بالاستفاضةِ إلَّ في مسائل: منها النَّسَبُ، والوقفُ، وولايةُ الوالي، وعَزْلُه. وقال بعضُهم: إذا استفاض فِسقُ الشاهدِ بین الناس لم يحتجْ إلى البحثِ والسؤال عنه. (١) في ص ١٣٣ . (٢) في ص ١١٢. ١٧٢ وينبغي التنبّهُ لأمرٍ وهو أنه لا يَجوزُ الجَرْحُ بمجرَّدٍ الشيوعِ والانتشار، بل لا بُدَّ مع ذلك من حصولِ العلم، فإذا لم يَحصُل العلمُ لم يَجْزِ الاعتمادُ عليه، وهَتْكُ أعراضِ الناسِ به(١). وقد صَرَّح بذلك الغزالي، وهو الحقُّ، لأنه مما يُمكنُ الوقوفُ عليه، وإذا وقَع لم يَحَصُل فيه لَبْس، فلا يقَعُ فيه بما لا يُفِيدُ العلمَ من الاستفاضة - والاستفاضةُ تَحصُلُ بأقلّ جموعِ الكثرة، وهو أحَدَ عَشَرَ، فمن زَعَم استفاضةً بدونها فهو ذاهِل. وشَرْطُ العمل بالاستفاضة أن لا تُعارَضَ باستفاضةٍ مِثلِها، فإن مُورِضَتْ بِطَلَ حُكُمُها، لأنا إن شرطنا في الاستفاضة العلمَ، فالمعارضَةُ تدلُّ على أنه لا استفاضةً من الجانبين، لأنَّ القاطِعَيْنْ لا يتعارضان، وإن اكتفينا بالظنِّ فليس أحَدُ الظَنَّينِ بأولى من مُقابِلِه. واعلمْ أنَّ الشيءَ الذي لا تنضبِطُ أسبابُ الاطّلاع عليه، إذا أثارَتْ أسبابُهُ لبعضِ العارفين ظناً، يُسوِّغُ له الشهادةَ، لم يَسُغ له أن يُصرِّحَ به عند الحاكم، لأنَّ من الجائز أن لا يَتبيّنَّ له الظنُّ الذي ثار عند الشاهد، لا سيما إن قامَتْ عند الشاهد إشاراتٌ تَقْصُرُ عنها العبارات، ومن ثَمَّ قالوا فيما يُشْهَدُ فيه بالاستفاضة: إنَّ الشاهِدَ لو صَرَّح بأن مستندَهُ الاستفاضةُ لم يُقبَل، لأنه أضعَفَ قولَه بذكرٍ مستَنَّدِه. اهـ. وقد تبيّنَّ من عباراتِهم المختلفةِ: أنَّ من العلماءِ من يجعلُ المستغِيضَ مُرادِفاً للمتواتر، ومنهم من يَجعلُهُ أعمَّ منه، بحيث يقالُ: كلُّ متواترٍ مستفِيضٌ، وليس كلِّ مستفِيضٍ متواتراً، ومنهم من يجعلُه قِسماً على حِدَة، غير أنه دُونَ: المتواترِ وفوقَ المشهور، وهذا هو المشهورُ. والمقصودُ بما ذكرنا التنبيهُ على اختلافِ الاصطلاح فيه، لَيَعرِفَ المُطالِعُ إذا رأى تَوَارُدّ الأحكام المختلفة عليه: أنَّ ذلك إنما هو لاختلافِ اصطلاح المصطلحين فيه، لا لأمرٍ آخَرَ. : (١) يُحذِّرُ المؤلف من العمل بالشائعات التي تنتشرُ ومَصدرُها الاختلاق أو الحسد، وكم من كلمات أُشيعت عن الأئمة الكبار للطعن فيهم، فينبغي الحذر من اعتماد الشائعات. -- ١٧٣ المسألةُ الثانية: قد سَبَق(١) ذِكرُ معنى السَّنَدِ والإِسنادِ وقولِ ابن المبارك: الإِسنادُ من الدين، ولولا الإِسنادُ لقال من شاء: ما شاء. وقد دعا الحالُ إلى أن نَذكُرَ هنا معنى المُسْنَدِ وما يُناسبُه فنقول: قال الحافظ ابن حجر في ((شرح نخبة الفكر))(٢): والمسنّدُ - في قول أهل الحديثِ: هذا حديثٌ مسند - هُوَ مرفوعٌ صَحَابِيٍّ بِسَنَدٍ ظاهِرُهُ الاتصالُ. فقولي: مرفوعُ كالجنس، وقولي: صَحَابِيٍّ كالفصلِ يَخِرُجُ به ما رَفَعَه التابعيّ، فإنه مُرسَل، أو مَنْ دُونَهُ فإنه مُعْضَلُ أو مُعَلَّق. وقولي: ظاهِرُهُ الاتصالُ يُخرِجُ ما ظاهرُهُ الانقطاع، ويُدخِلُ ما فيه الاحتمالُ وما يُوجَدُ فيه حقيقةُ الاتصالِ من بابِ الأولى. ويُفهَمُ من التقييدِ بالظهور أنَّ الانقطاعَ الخفيَّ كعنعنةِ المدلِّس والمعاصر الذي لم يَثْبُتْ لُقِيُّه لا يُخرِجُ الحديثَ عن كونِهِ مُسْنَداً، لإطباقِ الأئمةِ الذين خَرَّجوا المسانيدَ على ذلك. وهذا التعريفُ / موافقٌ لقولِ الحاكم: المسنَدُ ما رواه المحدِّثُ عن شيخٍ /٦٦ يَظْهَرُ سماعُهُ منه، وكذا شيخُه عن شيخِهِ متصلًا إلى صحابيٍّ إلى رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلّم. وأما الخطيب فقال: المسنّدُ: المَتَّصِلُ. فعلى هذا، الموقوفُ إذا جاء بسندٍ متصل يُسمَّى عندَه مسنداً، لكن قال: إنَّ ذلك قد يأتي لكن بقِلَّة. وأَبعَدَ ابنُ عبدِ البر حيث قال: المسنَدُ: المرفوعُ. ولم يَتعرَّض للإِسناد، فإنه يَصدُقُ على المرسَلِ والمعضَلِ والمنقطَع إذا كان المتنُ مرفوعاً، ولا قائلَ به. اهـ. قال بعضُ العلماء: ينبغي أن يُرادَ بموافقةِ تعريفِهِ لتعريفِ الحاكم الموافقَةُ في الجملة، وإلّ فالمتبادِرُ من تعريفِ الحاكم اختصاصُ المسنَدِ بما اتَّصَل فيه السَّنَدُ حقيقةٌ، وقد صَرَّح باشتراطِ عدمِ التدليس في رُواتِه. نعم إنَّ أرباب المسانِدِ لم يَتحامَوْا فيها تخريجَ معنعَناتِ المدلِّسين، ولا أحاديثَ من ليس له من النبي صلى الله عليه وسلم إلَّ مجرَّدُ الرؤية. (١) في ص ٨٨. (٢) ص ١٠٥ بحاشية الشيخ عبد الله خاطر. ١٧٤ وقد عَرفتَ بما ذُكِرَ أنَّ للعلماء في معنى المُسْنَدِ ثلاثةَ أقوال: القولُ الأول: قولُ من قال: إنَّ الْمُسنَدَ لا يقَعُ إلَّ على ما اتَّصَل مرفوعاً إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وبه جَزَم الحاكمُ في كتابه في ((علوم الحديث))(١)، ولم يَذْكُر فيه غيرَه، وحكاه الحافظ ابنُ عبد البر في كتاب ((التمهيد))(٢) عن قوم من أهل الحديث. وهذا القولُ هو المشهورُ، وبه يَحصُلُ الفرقُ بين المسنَدِ وبين المتَّصِلِ والمرفوع، وذلك أنَّ المرفوعَ نُظِرَ فيه إلى حالِ المتنِ، مع قطعِ النظرِ عن الإِسناد اتَّصَل أم لم يتصِل، والَّصِلَ نُظِرَ فيه إلى حالِ الإِسناد، مع قطع النظر عن المتنِ مرفوعاً كان أم موقوفاً، والْمُسْنَدَ نُظِرَّ فيه إلى الأمرينِ معاً، وهما الرفعُ والاتصالُ، فيكون أخصّ من كلٍّ منهما، فكلُّ مسنَدٍ مرفوعٌ، وكلُّ مسئَدٍ متصلٌ، وليس كلُّ مرفوعٍ مسنداً، ولا كلَّ متصلٍ مسنداً. القول الثاني: قولُ من قال: المسنّدُ هو الذي اتَّصَل إسنادُهُ مِن راويه إلى منتهاه. ذكره الخطيبُ نقلاً عن جمهور أهل الحديث. قال ابنُ الصلاح. وأكثُرُ ما يُستعمَلُ ذلك فيما جاء عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، دُونَ ما جاء عن الصحابةِ وغيرهم. وعلى ذلك يَدخُلُ فيه المرفوعُ والموقوف، فلا يكونُ بينه وبين المتصلِ فَرْقٌ إِلَّ من جهةِ أنَّ المتصِلَ يُستعمَلُ في المرفوع والموقوف على حَدٍّ سواء، بخلاف المسنّدِ، فإنه يُستعملُ في المرفوع كثيراً وفي الموقوفِ قليلاً، غيرَ أنَّ كلام الخطيب يقتضِي دُخولَ المقطوع فيه، وهو قولُ التابعين، وكذا قولُ من بعدَ التابعين. وكلامُ أهلِ الحديث يأباه. القولُ الثالث: قولُ من قال: المسنَدُ ما رُفِعَ إلى النبي صلَّى الله عليه وسلّم خاصَّةٌ. وهو قد يكونُ متصِلاً، مثلُ مالكِ، عن نافع، عن ابن عمر، عن رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلّم. وقد يكونُ منقطعاً، مثلُ مالك، عن الزهريِّ، عن ابن عباس، عن رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم. فهذا مُسْنَدَ لأنه قد أُسنِدَ إلى (١) ص ١٧ . (٢) ص ٢١ . ١٧٥ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو منقطع، لأنَّ الزهري لم يسمع من ابن عباس. قاله ابن عبد البر في ((التمهيد))(١). فعلى هذا يَستوي المسنَدُ والمرفوع، وقد جَرَى على ذلك الدارقطنيُّ في قولِهِ في سعيد بن جبير بنِ حَيَّ الثقفي : إنه ليس بالقوِيّ يُحدِّثُ بأحاديثَ يُسنِدُها، وغيرُهُ يَقِفُها . هذا، وقد استشكَل بعضُهم ما ذُكِرَ في القولِ الأول، من قولهم: كلُّ مسنَدٍ متصِلُ، وليس كلُّ متصِلٍ مسنداً. فقال: إنَّ المسنَدَ إنما يُطلَقُ على المتنِ، والمتصِلَ إنما يُطلَقُ على السَّنَد، فكيفَ يَسُوغُ خْلُ أحدِهما على الآخَر؟ / ويمكنُ أن يُجابَ بأنَّ المرادَ بقولهم: كلُّ مُسنَدٍ متصِلٌ: أنَّ كلَّ حديثٍ مسنّدٍ /٦٧ فهو متصلُ الإِسناد، وبقولهم: ليس كلُّ متصِلٍ مسنداً: أنه ليس كلُّ ما كان متصِلَ الإِسنادِ مُسْنَداً، وذلك لكونِ بعضِهِ ليس بمرفوعٍ إلى النبي صلَّى اللّه عليه وسلَّم، وما لا يكونُ مرفوعاً إليه لا يقال له: مسنَد، فيصِحُ الحملُ في الموضعينِ على الوجهِ الذي ذُكر. ونظائرُ ذلك كثيرةٌ لا تُحصى. وليس في ذلك تعقيدٌ لتبادُرِ المعنى المرادِ إلى الذهن، ومن وَقَفَ مَعَ ظواهرِ الألفاظ حار في أكثر المواضع . والمرادُ بالمتصل ما لم يَسقُطْ فيه أحدٌ من رجاله، ويُسمَّى عدَمُ السقوطِ اتصالاً، ويُقابِلُ المتصلَ المنقطِعُ، وهو ما سَقَط فيه واحدٌ من رجالِهِ أو أكثر. تنبيه: لا يُقالُ: المتصِلُ في حالِ الإِطلاقِ إلَّ في المرفوعِ والموقوف، وأما في حالِ التقييدٍ فَيَسُوغُ أن يقال في المقطوع، وهو واقعٌ في كلامهم، يقولون: هذا متصِلٌ إلى سعيد بن المسيَّب، أو إلى الزهريّ، أو إلى مالك. ولنذكر تفسير هذه الألفاظ فنقول: المرفوعُ: هو ما أُضِيفَ إلى النبي صلّى الله عليه وسلَّم من أقوالِهِ، وأفعالِه، أو تقريرِه، سواءٌ أضافَه إليه صحابيّ أو تابعيّ أو مَنْ بَعْدَهما، وسواء اتَّصَل إسنادُه أم لا. (١) ص ٢٢ - ٢٣. ١٧٦ وقال الخطيب: المرفوعُ ما أَخَبَرَ فيه الصحابيُّ عن قولِ الرسول صلَّى الله عليهِ وسلَّم، أو فعلِه. فعلى هذا لا يَدخُلُ فيه ما أرسَلَه التابعون ومَنْ بَعْدَهم. قال الحافظ ابن الصلاح: ومن جَعَل من أهلِ الحديث: المرفوعَ في مُقَابَلةِ المرسَل، فقد غَنَى بالمرفوع المتصِلَ. والموقوفُ: ما يُروَى عن الصحابة رضي الله عنهم من أقوالهم، أو أفعالهِمِ، أو تقريرِهم. وسُمِّيَ موقوفاً لأنه وُقِفَ عليهم ولم يُتجاوَزْ به إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، ثم إنَّ منه ما يتصِلُ الإِسنادُ فيه إلى الصحابيّ، فيكونُ من الموقوفِ الموصول، ومنه ما لا يُتصِلُ إسنادُهُ إليه فيكونُ من الموقوفِ المنقطِعِ، على حَسَبِ ما عُرِفَ مِثْلُهُ في المرفوع إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم. وشَرَط الحاكم في الموقوف أن يكون إِسنادُهُ غيرَ منقطع إلى الصحابي. وهو شَرْطٌ لم يُوافِقه عليه أحد. وما ذُكِرَ من تخصيص الموقوف بالصحابي، إنما هو فيما إذا ذُكِرَ مُطلقاً، وإلاّ فقد يُستعمَلُ في غير الصحابي، يقال: هذا موقوفٌ على عطاء، أو على طاوس، أو وقَفَه فلانٌ على مجاهد، ونحو ذلك. وقد سَمَّى بعضُ الفقهاء الموقوفَ بالأثر، وأمَّا الْمُحدِّثون فجمهورُهم يُطلِقون الأثرَ على المرفوعِ والموقوف، وعلى ذلك جَرَى الطَّحَاويُّ في تسميةِ كتابه المشتمِلِ عليهما ((بشرح مَعَاني الآثارَ)(١)، وكذلك أبو جعفر الطبري في تسمية كتابه المشتمِلِ عليهما ((بتهذيب الآثار))، إلاّ أنَّ إيرادَهُ للموقوفِ فيه إنما كان بطريق التَّبَعِيَّة. (١) وتمام اسم الكتاب: ((شرح معاني الآثار المختلفة المأثورة))، كما في النسخة النفيسة في المكتبة المحمودية بالمدينة المنورة. ورقمها ١٤١٣، ولعلها كُتبت في القرن السادس، وقُرثت على كبار أئمة الحنفية والشافعية في القرن التاسع. وجاء اسم الكتاب في داخله في (كتاب فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوةً) ١٨٩:٢ من طبعة الهند سنة ١٣٠٠ - ١٣٠٢، و٣١٩:٣ من طبعة مطبعة الأنوار المحمدية بالقاهرة سنة ١٣٨٧ - ١٣٨٨ كما يلي: ((شرح معاني الآثار المختلفة المروية عن رسول الله صل ◌ٍ في الأحکام)). 1 1 ١٧٧ والمقطوعُ: ما جاء عن التابعين موقوفاً عليهم من أقوالهم، أو أفعالهِم، أو تقریرهم. وقد استعمل الإِمامُ الشافعي ثم الطبرانيُّ المقطوعَ في المنقطع الذي لم يتصِل إسنادُه. ووَقَع ذلك في كلام الحُمَيدِيِّ والدار قطني، إلَّ أنَّ الشافعيَّ استَعمَل ذلك قبلَ استقرارِ الاصطلاح، كما استَعمَل الحسَنَ في بعض الأحاديثِ وهي على شَرْطِ الشيخين. ووقع للحافظ أبي بكر أحمد البَرْدَعيِّ عكسُ هذا، فاستَعمَلَ المنقطِعَ في المقطوع، حيث قال: المنقطَعُ هو قولُ التابعي. وحكى الخطيبُ عن بعضٍ أهل العلم بالحديث أنَّ المنقطع ما رُوِيَ عن التابعي أو من دُونَه موقوفاً عليه من قولِهِ أو فعلِهِ. قال ابن الصلاح: وهو بعيدٌ غريب. فائدة / قالَ الحافظُ السيوطيُّ: جَمَع أبو حفصٍ ابنُ بَدْر الْمَوْصِلي كتاباً سَمّه ((معرفةٌ /٦٨ الُقُوف على الموقوف)»، أورد فيه ما أورده أصحابُ الموضوعات في مؤلّفاتهم فيها، وهو صحيحٌ عن غير النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، إمَّا عن صحابي، أو تابعيِّ فمن بَعْدَه. وقال: إنَّ إيرادَهُ في الموضوعاتِ غَلَطْ، فَبَيْنَ الموضوع والموقوفِ فَرْق. ومِن مَظانٌّ الموقوفِ والمقطوع: مصنَّفُ ابنِ أبي شيبة، وعبدِ الرزاق، وتفسیرُ ابن جرير وابنٍ أبي حاتم وابنٍ المنذر وغيرهم . اهـ. ولْنَشرَعْ في بيان أقسام الحديث فنقول: قال الإِمامُ أبو سُلَيمان أحمدُ الخَطَّابي(١): الحديثُ عند أهله ثلاثةُ أقسام: صحيحٌ، وحسَنٌ، وسقيمٌ. (١) هكذا أورده المؤلف (أحمد) بهمزة في أوله، وهكذا جاء في جملة كتب تَرْجَمتْ له. وتَرجَم له القاضي ابنُ خَلِّكان في ((وَفَيات الأعيان)) ٢: ٢١٥ باسم (حَمْد أبو سليمان) بفتح الحاء وسكون الميم على وزن المصدر، ابن محمَّد الخَطَّبي. ثم قال: ((وقد سُمِعَ في اسم أبي سليمان حْدٍ المذكور أحمدُ أيضاً بإثبات الهمزة، والصحيح الأوَّل)). انتهى. وقد أخطأ العلامة الزركلي في (الأعلام)) ففَهِمَ أن اسمَ أبيه (أحمد) فقال في ترجمتّهِ بعدَ أن أثْبَتَ عن ((الوَفَيَات)) أنَّ اسمَهُ (حَمْد): ((وفيه: سُمِعَ في اسمِ أبيه (أحمد) أيضاً والصحيحُ حَمْد». انتهى وهو من ذهول الخاطر. ١٧٨ فالصحيحُ ما اَتَّصَلَ سِنَدُهُ وعُدِّلَتْ نقَلْتُه. والحسَنُ ما عُرِفَ خْرَجُه، واشتَهَر رجالُه، وعليه مَدارُ أكثر الحديثِ، وهو الذي يَقبلُه أكثرُ العلماء، وتستعملُهُ عامَّةُ الفقهاء. والسَّقِيمُ على ثلاثِ طبقات، شرُّها الموضوع، ثم المقلوبُ ثم المجهول. قال العراقي في ((نكته))(١): لم أرَ من سَبَق الخطابيَّ إلى تقسيمِهِ المذكور، وإن كان في كلام المتقدمين ذِكْرُ الحسن، وهو موجودٌ في كلام الشافعيِّ والبخاريِّ وجماعةٍ، ولكنَّ الخطابيَّ نَقَل التقسيمَ عن أهلِ الحديث، وهو إمامٌ ثقةٌ، فَتَبِعَهُ ابنُ الصلاحِ. وأراد الخطابيُّ بأهل الحديث في قوله: الحديثُ عندَ أهلِهِ ثلاثةُ أقسام، أكثرَهم، ويُمكِنُ إبقاؤه على عمومه، نظراً لاستقرارِ اتفاقِهم على ذلك بعدَ الاختلاف. وقد اعتّرَض بعضُهم على هذا التقسيم بأنَّا إن نظرنا إلى نفسِ الأمر، فما ثَمَّ إلَّا صحيحٌ وغيرُ صحيح، وإن نظرنا إلى اصطلاحِ المحدِّثين، فهو ينقسِمُ عندَهم إلى أكثرَ من ذلك. وأجابوا بأنَّ هذا التقسيمَ مبنيٌّ على اصطلاح المحدِّثين، والأقسامَ التي أشار إليها راجعةٌ إلى هذه الثلاثة. وأما المتقدمون فقد كان أكثرُهم يَقسِمُ الحديثَ إلى قسمين فقط: صحيح، وضعيف. وأما الحسَنُ فَذَكَرَ بعضُ العلماء أنهم كانوا يُدْرِجُونه في الصحيح، لمشاركتِهِ له في الاحتجاج به. وذَكَر العلامة ابن تيمية أنهم كانوا يُدْرُونه في الضعيفِ، قال في ((منهاج السنة النبوية))(٢): أمَّا نحن فقولُنا: إنَّ الحديثَ الضعيفَ خيرٌ من الرأي، ليس المرادُ به الضعيفَ المتروكَ، لكِنْ المرادُ به الحَسَنُ، كحديثِ عَمْرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وحديثٍ إبراهيم الهَجَري، وأمثالهما ممن يُحسِّنُ الترمذيُّ حديثَه أو يُصحِّحُه. (١) ص ٨. (٢) ١٩١:٢ من طبعة بولاق، و٣٤١:٤ من الطبعة المحققة. İ ١ ١٧٩ وكان الحديثُ في اصطلاح مَنْ قَبْلَ الترمذي إِمَّا صحيحٌ وإمَّا ضعيف. والضعيفُ نوعانِ: ضعيفٌ متروك، وضعيفٌ ليس بمتروك، فتكلَّمَ أئمةُ الحديثِ بذلك الاصطلاح، فجاء من لا يَعرِفُ إلَّ اصطلاحَ الترمذي، فَسَمِعَ بعضَ قولِ الأئمة: الحديثُ الضعيفُ أحبُّ إليَّ من القياس، فظَنَّ أنه يُحتجُ بالحديث الذي يُضعِّفُه مثلُ الترمذي، وأخَذَ يُرجِّحُ طريقةَ من يَرَى أنه أتْبَعُ للحديثِ الصحيح. وهو في ذلك من المتناقِضِين الذين يُرجِّحون الشيءَ على ما هو أولَى بالرُّجحان(١). هذا، وقد رأينا أن نُورِدَ كلَّ قسم من الأقسام الثلاثة في مبحثٍ، وجُلُّ ما نَذْكُرُه في الغالبِ مأخوذٌ من كلامِ مُهَذِّبٍ هذا الفن الحافظِ عثمان بنِ الصلاح، أو كلامِ من اقتَفَى أَثْرَهُ من بَعْدِهِ من المختصِرِين لكلامِه، أو المستدرِكِين عليه، مع التصرف في بعض المواضع إن دَعَتْ الحالُ إليه. (١) سينقُلُ المؤلفُ كلامَ الشيخ ابن تيمية هذا مرةً ثانية في ص ٦٥٨، ويَذكُرُ أنَّ بعضَهم لم يذهبوا إلى هذا التفسير الذي ذَهَب إليه، فينبغي أن تقفَ عليه، كما ينبغي أن تقفَ على ما علَّقْتُه على كتاب ((قواعد في علوم الحديث)) لشيخنا ظَفَر أحمد التَّهانَوِي رحمه الله تعالى في ص ١٠٠ - ١٠٨، ففيه بحثُ في هذا التفسير الذي ذَهَب إليه الشيخُ ابنُ تيمية رحمه الله تعالى. ١٨٠ المبحث الأول في الحديث الصحيح / الحديثُ الصحيحُ هو الحديثُ الذي يكونُ متصِلَ الإِسنادِ من أولِهِ إلى منتهاه، بنقلِ العدلِ، الضابطِ عن مثلِهِ، ولا يكونُ فيه شُذوذٌ، ولا عِلَّة. فَخَرَجَ بقولهم: الذي يكون متصِلَ الإِسناد، ما لم يتصِل إسنادُه، وهو المنقطِعُ والمرسَلُ والمعضَلُ، وبقولهم: بنقلِ العَدْلِ، ما في سندِهِ من لم تُعرَفْ عدالتُهُ، وهو من عُرِفَ بعدم العدالة، أو من جُهِلَتْ حالُهُ، أو لم يُعرَف من هو. وبالضابِطِ، غيرُ الضابط، وهو كثيرُ الخطأ، فإنَّ ما يرويه لا يَدخُل في حَدِّ الصحيح وإِن عُرِفَ هو بالصدقِ والعدالة، وبقولهم: ولا يكونُ فيه شذوذ، ما يكونُ فيه شذوذ. والشذوذُ مُخَالَفَةُ الثقةِ في روايتِهِ من هو أرجَحُ منه عندَ تعسُّرِ الجمع بين الروايتين. وبقولهم: ولا عِلَّةٌ، ما يكونُ فيه علة. والمرادُ بالعلةِ هنا أمرٌ يَقدَحُ في صحة الحديث. ولَّا كان من العِلَل ما لا يَقدَحُ في ذلك، قيَّد بعضُهم العِلَّةَ بالقادحةِ فقال: ولا عِلَّةٌ قادحةٌ، ومن أطلَقِ العبارةَ اكتَفَى بدلالةِ الحال على ذلك، ولكلٍ وِجْهَة. وقد زاد بعضهم في تقييد العلة فقال: ولا علةٌ خفيةٌ قادحةٌ. والأولى تَرْكُ هذه الزيادة، لأنها تُوهِمُ أنَّ العلةَ الظاهرةَ لا تؤثر، مع أنها أولَى بالتأثير من العلةِ الخفية. والعلةُ الظاهرةُ مثلُ ضَعْفِ الراوي، أو عدَمُ اتصال السند. وقد اعتَذَر بعضُهم عن ذلك فقال: إنما قيَّد العلةَ بالخفية، لأنَّ الظاهرة قد وقَعَ الاحترازُ عنها في أول التعريف، وهو مما لا يُجدِي نفعاً. واختَصَرَ بعضُهم هذا التعريف فقال: الحديثُ الصحيحُ: مَا أَتَّصَلُ سنَدُه /٦٩ ١٨١ بنقلِ عدلٍ ضابطٍ عن مثلِهِ، وسَلِمَ من شذوذٍ وعلة. فأُورِدَ عليه بأنَّ الاختصارَ يقتضي أن يقال: بنقلِ ثقةٍ عن مثلِهِ. فإنَّ الثقة هو الجامعُ بين وصفِ العدالةِ والضبط. وأُجِيبَ عن ذلك بأن الثقةَ قد يُطلَقُ على من كان مقبولاً وإن لم يكن تامّ الضبط. والمعتَبرُ في حد الصحيح إنما هو تأمُّ الضبط، ولذا فسَّرِّوا الضابطَ في تعريفه بتأمِّ الضبط. وما ذُكِرَ هو حَدُّ الحديث الذي يَحِكُمُ له بالصحة أهلُ الحديثِ بلا خلافٍ بينهم، وأمَّا اختلافُهم في صحةِ بعض الأحاديث، فهو إمَّا لاختلافِهم في وجودِ هذه الأوصافِ فيه، وإمَّا لاختلافِهم في اشتراطِ هذه الأوصافِ كما في المرسَل. وإنما قُيِّدَ نفيُ الخِلافِ بأهلِ الحديث، لأنه قد نُقِلَ عن أناسٍ من غيرهم أنهم لم يكتَفُوا بما ذُكِر في صحة الحديث. فقد نُقِلَ عن إبراهيم بن إسماعيل بن عُلَيَّة أنه جَعَل الروايةَ مِثلَ الشهادة، فلم يَقبل ما ينفردُ به الراوي العدلُ الضابطُ، وشرَط في قبولِ الحديث أن يرويَه اثنانٍ عن اثنين. وهو من الفقهاءِ المحدِّثين إلَّ أنه كان غيرَ مقبول القولِ عند الأئمة لميلِهِ إلى الاعتزال، وقد كان الشافعيُّ يَرُدُّ عليه وُحذِّرُ منه. ونُقِلَ عن أبي علي الجُمَّائي / من المعتزلة، أنه قال: لا يُقبَلُ الخَبَرُ إذا رواه / ٧٠ العدلُ إلاّ إذا انضمَّ إليه خبرُ عدلٍ آخر، أو عضَدَه موافقةٌ ظاهرِ الكتاب، أو ظاهِرٍ خبرٍ آخَرِ، أو يكونُ منتشراً بين الصحابة، أو عَمِلَ به بعضُهم، حَكى ذلك أبو الحسين البصريُّ في ((المعتمد))(١). قال الغزالي(٢): إنَّ روايةَ الواحد تُقبَلُ وإن لم تُقبَل شهادتُهُ خلافاً للجُبَّائي وجماعةٍ، حيث شَرَطوا العَدَدَ، ولم يَقبلوا إلّ قولَ رجلينٍ، ثم لا تَثْبُتُ روايةُ كلِّ واحدٍ (١) ٦٢٢:٢ و٢: ١٣٨ من طبعة سنة ١٤٠٣، في (فصلٌ في أن الخبر لا يُرَدُّ إذا كان راويه واحداً). وقد رَدَّ أبو الحسين البصري مذهبَ أبي علي الجُبَّائي هناك، وفَّد أدلته فيه . (٢) في ((المستصفى)) ١ : ١٥٥. ١٨٢ إلَّ من رجلينِ آخَرَينِ، وإلى أن ينتهيَ إلى زمانِنا يَكْثُّرُ كثرةً عظيمةً لا يُقدَرُ معها على إثباتِ حدیثٍ أصلاً. وقال الفخر الرازي: روايةُ العَدْلِ الواحدِ مقبولٌ خلافاً للجُبَّائي، فإنه قال: روايةُ العدلين مقبولة، وأمَّا خبرُ العدلِ الواحدِ فلا يكونُ مقبولاً إلاّ إذا عَضَده ظاهرٌ، أو عَمَلُ بعضِ الصحابة، أو اجتهادٌ، أو يكونُ منتشِراً فيهم. وقد نُقِلَ عن بعض أصحاب الحديث أيضاً أنهم اشترطوا التعدُّد في الراوي . وكأنَّ الناقلَ أخَذَ ذلك من كلام الحاكم . فقد قال في كتاب ((علوم الحديث))(١): وَصْفُ الحديث الصحيح أن يروِيَهُ الصحابيُّ المشهورُ بالرواية عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وله راویانِ ثقتانِ، ثم يَروِيَه من أتباع التابعين الحافظُ المتقِنُ المشهورُ بالرواية وله رواةٌ ثقات. وقال في كتاب ((المَدْخَلِ إلى كتاب الإِكليل)»: الصحيحُ من الحديثِ عَشَرَةُ أقسام، خمسةٌ متَفَقٌ عليها، وخمسةٌ مختلَفْ فيها .. فالأول: من المتفَقِ عليه اختيارُ البخاري ومسلم، وهو الدرجةُ الأولى من الصحيح، وهو أن لا يَذكُّرَ إلَّ ما رواه صحابيُّ مشهورٌ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم، له راویانِ ثقتانٍ فأکثُ، ثم يروِیه عنه تابعيٌّ مشهور بالرواية عن الصحابة، له أيضاً راويانٍ ثقتان فأكثر، ثم يَروِيه عنه من أتباع الأتباع الحافظُ المتقِنُ المشهورُ على ذلك الشرط، ثم كذلك. قال الحاكم: والأحاديثُ المرويةُ بهذه الشريطةِ لَا يَبلغُ عدَدُها عشرة آلافٍ حدیث. القسمُ الثاني: مِثلُ الأولِ إلَّ أن راويَهُ من الصحابة ليس له إلَّا راوٍ واحدٌ القسمُ الثالث: مثلُ الأولِ إلَّ أنَّ راوِيَهُ من التابعين ليس له إلاّ راوٍ واحد القسمُ الرابع: الأحاديثُ الأفرادُ الغرائبُ التي رواها الثقاتُ العدولِ. (١) ص ٦٢. أ