Indexed OCR Text

Pages 121-140

٦١
فَدَعْ عنك الكتابةَ لستَ منها ولو سَوَّدْتَ وَجْهَكَ بالمِدادِ!
قال الله عز وجل: ﴿فَأَسْألُوا أهلَ الذِّكرِ إن كنتُم لا تَعْلَمون﴾(١). فإن آنَسْتَ
يا هذا، من نفسِك فَهْماً وصِدْقاً ودِيناً ووَرَعاً، وإلا فلا تَتَعَرَّ، وإن غَلَبَ عليك الَوَى
والعصبيةُ لرأيٍ أو ◌ِمَذْهَب، فباللّهِ لا تَتْعَبْ.
وقال(٢) في ترجمة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب(٣): وهو الذي سَنَّ للمحدِّثين
التثُبتَ في النَّقْل، وربما كان يَتوقُّفُ في خبر الواحد إذا ارتاب، رَوَى الْجُرَيِرِيُّ (٤) عن
أبي نَضْرة، عن أبي سعيد، أنَّ أبا موسى سَلَّم على عُمَرَ من وراءِ الباب ثلاثَ
مرَّات، فلم يُؤْذَنْ له، فَرَجَع، فأرسَل عمرُ في أَثَرِه، فقال: لمَ رَجعتَ؟ قال: سَمِعتُ
رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إذا سَلَّم أحدُكم ثلاثاً فلم يُجَبْ فَلْيَرجِع)).
قال: لَتأتِيَنّ على ذلك بيِّةٍ أو لَفعَلَنَّ بك، فجاءنا أبو موسى مُنْتَقِعاً لَونُه ونحن
جلوس، فقلنا: ما شأنُك؟ فأخبَرَنا، وقال: فهل سَمِعَ أحَدٌ منكم؟ فقلنا: نعم كُلُّنا
سَمِعَهُ، فأرسَلُوا معَهُ رجلًا منهم، حتى أتَ عمرَ فأخبره.
أحَبَّ عُمرُ أن يتأكَّد عندَه خبرُ أبي موسى بقولٍ صاحبٍ آخَرَ، ففي هذا دليلٌ
على أنَّ الخَبرَ إذا رواه ثقتانٍ كان أقوى وأرجَحَ مما انفرَدَ به واحد، وفي ذلك حَثُّ على
تكثير طُرقِ الحديث، لكي يَرتقِيَ عن درجةِ الظن إلى درجة العِلم، إذ الواحِدُ يجوزُ
علیه النسيان والوهمُ ولا یکادُ يجوزُ ذلك علی ثِقتینِ لم يُخالِفهما أحد.
وقد كان عُمرُ مِن وَجَلِهِ من أن يُخْطِىءَ الصاحبُ في حديثٍ / رسول الله /١٣
يأمُرُهم أن يُقِلُّوا الروايةَ عن نبيِّهم، ولئلا يتشاغَلَ الناسُ بالأحاديث عن حفظِ
القرآن .
(١) من سورة النحل، الآية ٤٣، ومن سورة الأنبياء أيضاً، الآية ٧.
(٢) أي الحافظ الذهبي.
(٣) في ((تذكرة الحفاظ)) ٦:١.
(٤) هو سعيد بن إياس الجُرَيري، بضم الجيم، نسبة إلى جُرَير بن عَبَّاد بن ضُبَيعة،
· البصري، محدِّثُ أهل البصرة، توفي سنة ١٤٤ .

٦٢
وقد رَوَى شعبةُ وغيرُهُ عن بَيَانٍ، عن الشعبي، عن قَرَظَة بن كَعْب، قال: لَّا
سَيَّرْنَا عُمَرُ إلى العراقِ مَشَ معنا، وقال: أَتَدْرُون لم شَيَّعتُكم؟ قالوا: نعم، تكرِمةً
لنا، قال: ومَعَ ذلك فإنكم تأتون أهلَ قريةٍ لهم دَوِيٌّ بالقرآن كدَوِيِّ النَّحْلِ،
فلا تَصُدُّوهم بالأحاديثِ فَتَشْغَلُوهم، جَرِّدُوا القرآنَ، وأقلُّوا الروايةَ عن رسول الله،
وأنا شَرِيكُكم. فلمَّا قَدِمَ قَرَظةُ قالوا: حَدِّثنا، قال: نهانا عُمْر.
وَرَوَى الدَّرَاوَرْدِيُّ عن محمد بن عَمْرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة
وَقلتُ له: أكنتَ تُحدِّثُ في زمانٍ عُمَر هكذا؟ قال: لو كنتُ أحدِّثُ في زمانٍ عمر مِثلّ
ما أُحدِّثُكُم لَضَرَبِنِي بِخْفَقَتِهِ.
وقال(١) في ترجمة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(٢): رَوَى معروفُ بنُ
خَرَّبُوذ، عن أبي الطَّفَيل، عن عليّ قال: حَدِّثوا الناسَ بما يَعرفون، ودَّعُوا
ما يُنكِرون، أتُّحِبُّون أن يُكذَّبَ اللَّهُ ورسولُه. فقد زَجَر الإِمامُ عليّ عن روايةِ المنكر،
وحَثَّ على التحديثِ بالمشهور، وهذا أصلٌ كبيرٌ في الكفِّ عن بَثِّ الأشياءِ الواهيةِ
والمنكرة من الأحاديث في الفضائل والعقائد والرقائق، ولا سبيلَ إلى معرفة هذا من
هذا إلا بالإِمعان في معرفةِ الرجالِ.
وأخرج البخاريُّ هذا الأثرَ في ((صحيحه)) (٣)، فقال: بابُ مَنْ خَصَّ بالعلم
قوماً دُونَ قوم كراهِيَةً أَن لا يَفْهَمُوا، وقال عليّ: حَدِّثوا الناسَ بما يَعرِفون، أَتُحُبُّون أن
يُكذَّبَ اللَّهُ ورسولُه. حدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بن موسى، عن معروف بن خَرَّبُوذَ، عن
أبي الطُّفَيل، عن عليّ بذلك.
قال شُرَّاحُ هذا الأثر: إنما قال الإِمامُ ذلك، لأنَّ الإِنسان إذا سَمِعَ ما
لا يفهمُهُ، أو ما لا يَتصوَّرُ إمكانَهُ، اعتَقَد استحالتَهُ جهلاً، فلا يُصَدِّقُ بوجودِه، فإذا
(١) أي الحافظ الذهبي.
(٢) في ((تذكرة الحفاظ)) ١٣:١.
(٣) ١ :٢٢٥.

٦٣
أُسنِدَ إلى اللَّهِ تعالى أو رسولِه عليه السلام لَزِمَ ذلك المحذور. ويُكذّبَ بفتح الذال
على صيغة المجهول.
وهذا الإِسنادُ من عوالي المؤلّف، لأنه يَلتَحِقُ بالثلاثيات من جهةِ أنَّ الرَّاويَ
الثالثَ وهو أبو الطُّفَيل عامِرُ بنُ واثِلَة: من الصحابة، وكان آخِرَهم موتاً. وأخَّرَ
المؤلِّفُ هنا السَّنَّدَ عن المتن، ليُمِّزَ بين طريقةِ إسنادِ الحديث وإسنادِ الأثر، أو لضعفٍ
الإِسناد بسببٍ ابن خَرَّبُوذَ، أو للتفنُّنِ وبيانِ الجواز، ومن ثَمَّ وقَعَ في بعضِ النَّسَخِ
مُقَدَّماً. وقد سَقَط هذا الأثرُ كلُّه من روايةِ الكُشْمِيْهَني. اهـ.
ورَوَى مسلم في ((صحيحه))(١) عن عبد الله بن مسعود أنه قال: ما أنت
بمُحَدِّثٍ قوماً حديثاً لا تَبْلُغُه عقولهم إلا كان لبعضِهم فتنة.
تنبيه: وقد فُهِمَ من هذين الأثرين أنَّ المُحدِّثَ يجبُ عليه أن يُراعِيَ حالَ من
يُحدِّثُهم، فإذا كان فيما ثبَتَ عنده ما لا تَصِلُ إليه أفهامُهم، وَجَبَ عليه ترُ تحديثِهم
به، دفعاً للضرر، فليس كلُّ حديثٍ يجبُ نَشْرُهُ لجميع الناسِ كما يَتوهُّهُ الأَغمار، فقد
روى البخاري (٢) عن أبي هريرة أنه قال: حَفِظتُ عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم وِعاءَين، فأمَّا أحدُهما فبئتُه، وأما الآخَرُ فلو بَثْتُه قُطِعَ هذا البُلْعُوم.
قالوا: أراد بالوِعاءِ الأولِ الأحاديثَ التي لم يَرَ ضرراً في بَثِّها، فَبَّها.
وأراد بالوِعاءِ الثاني الأحاديثَ المتعلّقةَ ببيانٍ أُمَراءِ الجَوْر وذَمِّهم، فقد رُوِيَ عنه أنه
قال: لو شِئتُ أن أُسَمِّيَهم بأسمائهم. وكان لا يُصرِّحُ بذلك خوفاً على نفسِه منهم .
وقال بعضُ الصوفية: أراد به الأحاديثَ المتعلّقةَ بالأسرار الربانية، التي
لا يُدرِكُها إلا أربابُ القلوب.
وفي كون المرادِ به هذا فيه نَظَر، لأنه لوكان كذلك لما وَسِعَ أبا هريرة كتمانُهُ
من جميع الناسِ ، بل كان / أظهَرَه لبعض الخواصِّ منهم.
(١) في ((مقدمة الصحيح)) ١: ٧٦، في (باب النهي عن الحديث بكل ما سَمِع).
(٢) في صحيحه في كتاب العلم، في (باب حفظ العلم) ٢١٦:١ .
/ ١٤

٦٤
على أنَّ الذي كتَمَه أبو هريرة لو كان مما يتعلَّقُ بالدين لكان غايتُهُ أن يكون
بمنزلةِ المتشابِهِ، والمتشابِهُ موجودٌ في الكتاب العزيز، وهو يُتْلَى على الناس كلُّهم في كل
حين. وقد روى أبو هريرة كثيراً من الأحاديث المتشابهة:
أخرج مسلم عنه في باب صلاة الليل(١): أنه قال: قال رسولُ الله صلى الله
عليه وسلم ((يَنْزِلُ ربُّنا تبارَكَ وتعالَى كلَّ ليلةٍ إلى السماءِ الدنيا حين يَبْقَى ثُلُثُ الليلِ
الآخِر، فيَقُولُ: من يَدْعُوني فَأَسْتَجِيبَ له، ومن يَسألُنِي فَأُعطِيَه، ومن يَستغفِرُني
فأغفِرَ له)).
وأخرج عنه في باب رُؤية المؤمنين رَبّهم في الآخِرة(٢)، أنه قال: إنَّ نَاساً قالوا
لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هل نَرى ربَّنا يومَ القيامة؟ فقال: هل تُضَارُّون في
القَمَرِ ليلةَ البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: هل تُضَارُّون في الشمس ليس دُونها
سَحَاب؟ قالوا: لا، قال: فإنكم تَرَوْنَهُ كذلك.
يَجِمَعُ الله الناس يوم القيامة، فيقولُ: مَن كان يَعْبُدُ شيئاً فَلْيَتَّبِعْهِ، فَيَتْبِعُ مَّن
كان يَعْبُدَ الشمسَ: الشمسَ، ويَتَّبِعُ مَن كان يَعْبُدُ القَمَرَ: القَمَرَ، ويَتَّبِعُ مَن كَانَ
يَعْبُدُ الطَّوَاغِيتَ: الطواغيتَ، وتَبْقَى هذه الأمة فيها مُنافِقُوها، فيأتيهم الله في صُورةٍ
غير الصورةِ التي يَعرِفون، فيقول: أنا رَبُّكم، فيقولون: نَعُوذُ باللَّهِ منك، هذا مكانُنَا
حتى يأتِيَّنَا رَبُّنا، فإذا جاء رَبُّمَا عَرَفناه، فيأتيهم اللَّهُ في صورِهِ التي يَعرِفون، فيقول:
أنا رَبُّكم، فيقولون: أَنْت رَبُّنَا، فَيَتَبِعُونَه، الحديثَ.
وأخرج عنه في كتاب الجنّة(٣) أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(خَلَق الله عزَّ وجلّ آدَمَ على صُورَتِهِ، طُولُه سِتُّون ذِراعاً، فلمَّا خَلَقه قال: ((اذْهَبْ
(١) ٦ :٣٦.
(٢) في كتاب الإِيمان ١٧:٣ . ثم أعاده مسلم بنحوه في أوائل كتاب الزهد بآخر الكتاب
١٨ :١٠٣.
(٣) ١٧ :١٧٨، قبلَ (بابٍ جهنم أعاذنا الله منها).
:

-
٦٥
فسَلِّمْ على أولئك النَّفَرِ، وهم نَفَرٌ من الملائكة جُلوس، فاستَمعْ ما يُحُّونك به، فإنها
تحيّتُك وتحيَّةُ ذُرِّيَِّك، قال: فَذَهَبَ، فقال: السلامُ عليكم، فقالوا: السلامُ عليك
ورحمةُ الله، قَال: فزادوه: ورَحْمَةُ الله. قال: فكُلُّ من يَدخُلُ الجِنَّةَ على صُورةٍ آدم،
وطُولُهُ سِتُّون ذِراعاً، فلم يَزَل الخَلْقُ يَنْقُصُ بعدَه حتى الآن.
وَرَوَى مالك، عن أبي الزناد(١)، عن الأعْرَج، عن أبي هريرة، عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لما قَضَى الله الخَلْقَ كتَبَ عنده فَوْقَ عرشِهِ: إنَّ
رحمتي سَبَقَتْ غَضَبِي)). اهـ.
هذا، ومن الغريب ما يُروَى عن ابن القاسم أنه قال: سألتُ مالكاً عمَّن
يُحدِّثُ الحديثَ: ((إنَّ اللهَ خَلَقِ آدَمَ على صُورَتِهِ))، والحديثَ: ((إِنَّ اللَّهَ يَكشِفُ عن
ساقِهِ يومَ القيامة وإنه يُدخِلُ في النارِ يَدَهُ حتى يُخْرِجَ مَن أراد)»، فأنكَرَ ذلك إنكاراً
شديداً، ونهى أن يتحدَّث به أحدٌ.
قال تقي الدين في ((التسعينية))(٢): هذان الحديثانِ كان الليثُ بنُ سعد يُحدِّثُ
بهما، فالأوَّلُ حديثُ الصُّورة، حَدَّث به عن ابنٍ عجلان. والثاني هو في حديثٍ
أبي سعيد الخدري الطويل، وهذا الحديثُ قد أخرجاهُ في ((الصحيحين)) من حديثٍ
الليث، والأولُ قد أخرجاهُ في «الصحيحين)) من حديث غيره(٣).
(١) لم أجده في نسخة ((الموطأ)) للإمام مالك التي بأيدينا، وإنما وجدته في ((صحيح
البخاري)) في كتاب التوحيد في (باب ولقد سبقَتْ كلمتُنا لعبادنا المرسلين) ١٣: ٤٤٠، وقال فيه
البخاري: ((حدثنا إسماعيل، حدثني مالك، عن أبي الزناد ... )) بمثله تماماً. وقد أورده كما هنا
الشيخ ابن تيمية في ((التسعينية)) ٢٩٨:٥، فنقله المؤلف منها. وللموطأ روايات كثيرة.
(٢) في (الوجه الثامن والسبعين) ٥: ٢٥٤ من الطبعة الأولى المطبوعة بالقاهرة سنة ١٣٢٩،
و ٣٠٢:٥ من الطبعة الثانية المطبوعة بالقاهرة والمصورة عنها ببيروت.
(٣) حديثُ أبي هريرة في الصورة عند البخاري في أول كتاب الاستئذان، في (باب بدء
السلام) ٣:١١، وعند مسلم في كتاب البِرّ، في (باب النهي عن ضرب الوجه) ١٦: ١٦٥، وفي
كتاب الجنة وصفة نعيمها ١٧ : ١٧٨، قبل (باب جهنم أعاذنا الله منها).
=

٦٦
وابنُ القاسم إنما سأل مالكاً لأجل تحديثٍ الليث بذلك، فيقال: إمّا أن يكونَ
ما قاله مالك ◌ُخالِفاً لما فَعَله الليثُ ونحوُه، أو ليس بمُخالِفٍ، بل يَكرَهُ أن يُتحدَّثَ
بذلك لمن يَفْتِنُهُ ذلك، ولا يَحمِلُه عقلُه، كما قال ابنُ مسعود: ما مِن رجلٍ يُحدِّثُ قوماً
حديثاً لا تَبْلُغُهُ عُقولهم إلا كان فِتنةً لبعضِهم.
وقد كان مالك يَتْرُكُ أحاديثَ كثيرةً، لكونها لا يُؤْخَذُ بها (١)، ولم يَتْرُكها غيرُه،
فله في ذلك مذهَبُ. وغايَةُ ما يُعتَذَرُ له أن يقال: كَرِهَ أن يَتَحدَّثَ بذلك حديثاً يَفْتِنُ
/١٥ المستمِعَ الذي لا يَحمِلُ عقلُه ذلك. وأمَّا إن قيل: إنه كَرِهَ التحدّث بذلك / مطلقً،
فهذا مردودٌ.
ولْنرجِعْ إلى المقصود، وهو بيانُ تَرَوِّي جُهورِ الصحابة في أمْرِ الروايةِ فنقول:
قال مسلم في «صحيحه))(٢): حدثنا محمدُ بنُ عَبَّاد وسعيدُ بنِ عَمْرو الأشْعَتِيُّ
جميعاً، عن ابنِ عبينة، قال سعيدٌ: أخبرنا سفيان، عن هشام بن حُجَيْرِ، عن
طاوسٍ، قال: جاء هذا إلى ابنِ عباس يعني بُشَيْرَ بن كَعْب، فجعَلَ يُحدِّثُهُ، فقال له
ابنُ عباس: عُدْ لحديثِ كذا وكذا، فعَادَ له، ثم حَدَّثه، فقال له: عُدْ لحديثٍ كذا
وكذا، فعاد له.
فقال له: ما أدري أَعَرفتَ حديثي كلَّهُ وأنكرتَ هذا، أم أنكرتَ حديثي كلّهُ
وعَرَفتَ هذا؟ فقال له ابنُ عباس: إنَّا كنا نُحدِّثُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
إذْ لم يكن يُكذَبُ عليه، فلما رَكِبَ الناسُ الصَّعْبَ والذَّلُولَ(٣)، تركنا الحديثَ عنه.
وحديثُ أبي سعيد الخدري، الطويلُ في السَّاق عند البخاري في كتاب التوحيد، في (باب
=
قول الله تعالى: وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة) ١٣: ٤٢٠ - ٤٢٢، وعند مسلم في كتاب
الإِيمان، في (باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة لربهم سبحانه وتعالى) ٢٥:٣ - ٣٤.
(١) في ((التسعینیة)): (لكونه لا يأخذُ بها).
(٢) في (مقدمة صحيحه) في (باب النهي عن الرواية عن الضعفاء ... ) ١: ٨٠.
(٣) الصعب والذَّلُول من أوصاف البعير، وهو هنا كناية، والمعنى: لَّا سَلَكَ الناسُ كلَّ . =

٦٧
حدثنا محمدُ بن رافع، حدثنا عبدُ الرزاق، قال: أخبرنا مَعْمَر، عن
ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: إنما كنا نَحفظُ الحديثَ والحديثُ يُحِفَظُ
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمَّا إذا ركبتم كلَّ صَعْبٍ وذَلُولٍ فهيهات.
وحدَّثني أبو أيوب سُلَيمانُ بن عبيد الله الغَيْلاني، حدثنا أبو عامر يعني
العَقَدِيَّ، حدَّثنا رَباحٌ، عن قيس بن سعد، عن مجاهد، قال: جاء بُشَير العَدَوِيُّ إلى
ابن عباس، فجعل يُحدِّثُ ويقولُ: قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم، قالَ
رسولُ الله صلى الله عليه وسلم. قال: فجعَلَ ابنُ عباس لا يأذَنُ لحديثِهِ ولا يَنظُرُ
إليه .
فقال: يا ابنَ عباس، مالي لا أراك تَسمَّعُ لحديثي، أُحدِّثُك عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم ولا تَسمعُ؟ فقال ابنُ عباس: إنَّا كُنَّا مَرَّةً إذا سَمِعنا رجلاً يقول:
قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ابتّدَرَتْهُ أبصارُنا، وَأَصْغَيْنا إليه بآذاننا، فلمّا رَكِبَ
الناسُ الصَّعْبَ والذَّلُولَ، لم نأخُذْ من الناسِ إلَّ ما نَعْرِف. اهـ.
ويُشَيْرِ المذكورُ مُخَضْرَمٌ، يَروي عن أبي ذر، وأبي الدرداء، وقد وثّقه النسائي
وابنُ سعد، وهو مُصَغَّر بِشْر.
وأخرج ابن ماجه في ((سننه))(١) عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال: قلنا
لزيد بن أرْقُم: حدِّثْنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال كَبِرِنا ونَسِينا،
والحديثُ عن رسول الله شديد(٢).
وأخرج عن السائب بن يزيد، أنه قال: صَحِبتُ سعد بن مالك من المدينة إلى
مكة، فما سَمِعتُه يُحدِّثُ عن النبي صلى الله عليه وسلم بحديثٍ واحد.
= مسلك مما يُحِمَدُ أو يُذَّ، وتركوا المبالاةَ بالأشياء، والاحترازَ في القول والعمل، لم نأخذ منهم إلاّ
ما نعرف، وتركنا ما لا نعرف .
(١) في (مقدمة سننه) في (باب التوقي في الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)
١١:١.
(٢) تقدم نحوُ هذا المعنى في حديث عمران بن حُصَين رضي الله عنه، في ص ٥٩ .

٦٨
ورَوَى عن الشعبي أنه قال: جالستُ ابنَ عمر سَنَّةً، فما سَمِعتُهُ يُحدِّثُ عن
رسول الله شيئاً.
ورَوَى عن محمد بن سِيرين أنه قال: كان أنسُ بن مالك إذا حَدَّث عن
رسول الله، فَفَرِغ منه قال: أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد ثَبَت توقُّفُ كثير من الصحابة في قبولِ كثير من الأخبار، وقد استدلّ
بذلك من يقولُ بعدم الاعتماد عليها في أمر الدين.
وقد رَدَّ عليهم الجمهورُ بأنَّ الردَّ إنما كان لأسبابِ عارضة، وهو لا يقتضي رَدَّ
جميع أخبارِ الآحادِ كما ذَهَب إليه أولئك، على أنَّ الأخبار التي استندوا إليها إنما تدلُّ
على مذهبٍ من يَشترِطُ في قبولِ الخبرِ التعدُّدَ في رُواتِهِ، ولا تَدلُّ على مذهبٍ من
يَشترِطُ التواتُرَ فيه، فقد ذَكَر ذلك الإِمامُ الغزالي في ((المستصفى))(١)، ثم قال:
ونحن نُشِيرُ إلى جنس المعاذير في رَدِّ الأخبار والتوقُّفِ فيها، أما توقُّفُ
رسولِ الله صلى الله عليه وسلم عن قولِ ذِي اليَدَينِ، فيَحتَمِلُ ثلاثةَ أمور:
أحدُها: أنه جَوَّزَ الوَهَمَ عَليه، لكثرةِ الجمع، وبُعْدِ انفرادِهِ بمعرفة ذلك مع
غفلةِ الجميع، إذْ الغلَطُ عليه أقرَبُ من الغفلة على الجَمْع الكثير، وحيث ظَهَرَتْ
أماراتُ الوَهَم يجبُ التوقُّفُ ..
ثانيها: أنه وإن عُلِمَ صِدْقُه جاز أن يكونَ سبَبُ توقُّفِهِ أن يُعلِّمَهم وجوبَ
/ ١٦ التوقُّفِ في مِثلِه، ولو لم / يَتوقَّفْ لصار التصديقُ مع سكوتِ الجماعةِ سُنَّةً ماضية،
فحسَمَ سبيلَ ذلك.
الثالث: أنه قالَ قولاً لو عُلِم صِدقُهُ لظَهَر أثرُهُ في حقِّ الجماعة واشتَّغَلَتْ
ذِمَّتُهم، فأُلحِقّ بقَبِيل الشهادة، فلم يُقْبَل فيه قولُ الواحد. والأقوَى ما ذكرناهُ من
قَبْلُ.
(١) في مباحث السنة في المسألة الرابعة من مسائل الباب الأول من (القسم الثاني من هذا
الأصل في أخبار الآحاد) ١٥٣:١ .
:

-
٦٩
نعم لو تعلَّق بهذا من يَشتِرِطُ عدَدَ الشهادة، فيَلزمُهُ اشتراطُ ثلاثة، ويَلزِمُه أن
تکون في ◌َمْعٍ يَسكُتُ علیه الباقون، لأنه كذلك كان.
أما توقُّفُ أبي بكر في حديث المُغِيرة في توريثِ الجَدَّة، فلعلَّه كان هناك وَجْهٌ
اقتَضَىَ التوقُّفَ، وربما لم يَطَّلِع عليه أحد، أو لِيَنْظُرَ أنه حُكمٌ مُستقِرِّ أو منسوخ،
أو لِيعلَمَ هل عندَ غيرِهِ مثلُ ما عنده، ليكون الحُكمُ أوكدَ، أو خِلافُهُ فيندفِعَ،
أو توقّفَ في انتظارِ استظهارٍ بزيادة، كما يَستظهِرُ الحاكمُ بعدَ شهادةِ اثنينٍ على جَزْمٍ
الحكم إن لم يُصادِف الزيادةَ، لا على عَزْمِ الرد، أو أظهَرَ التوقُّفَ لئلا يَكْثُرَ الإِقدامُ
على الرواية عن تساهل، ويَجِبُ حملُه على شيءٍ من ذلك، إذْ ثَبَت منه قطعاً قبولُ خبر
الواحِد، وتَرْكُ الإِنكار على القائلين به.
وأما رَدُّ حديثِ عثمان في حَقِّ الحَكَم بن أبي العاص، فلأنه خَبَرٌ عن إثبات
حَقٍّ لشخص، فهو كالشهادةِ لا تَثبُتُ بقولٍ واحدٍ، أو تَوَقَّفًا (١) لأجلِ قَرابةِ عثمان من
الحَكَم، وقد كان معروفاً بأنه كَلِفٌ بأقاربه، فتوقَّفا تنزيهاً لعِرْضِه ومنصِبِه من أن
يقول: مُتَعَنِّتُ: إنما قال ذلك لقرابتِهِ حتى يثبت(٢) ذلك بقول غيره، أو لعلَّهما توقَّفَا
لِيَسُنَّا للناس التوقُّفَ في حق القريب الملاطِف، ليُتعلَّمَ منهما التثُبُتُ في مثلِه.
وأما خبرُ أبي موسى في الاستئذان فقد كان مُحتاجاً إليه، لِيدِفَعَ به سياسةً عمر عن
نفسِهِ، لَّا انصرَفَ عن بابه بعدَ أن قَرَع ثلاثاً، كالمترفِّع عن المُولِ بيابه، فخاف أن
يَصِيرَ ذلك طريقاً لغيره، إلى أن يُروِيَ الحديثَ على حسب غَرَضِه، بدليلٍ أنه لَّا
رَجَع مع أبي سعيد الخدري وشَهِدَ له، قال عمر: إني لم أَتَِّمْك، ولكنِي خشِيتُ أن
يَتَقَوَّلَ الناسُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم. ويجوز للإِمام التوقّفُ مع انتفاءِ
التهمة لمثل هذه المصلحة، كيف ومثلُ هذه الأخبارُ لا تُساوِي في الشهرةِ والصحة
أحاديثنا في نقلِ القبولِ عنهم.
(١) بصيغة التشية، أي أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، السابقُ ذكرُهما في متقدِّم كلامه. ووقع
في ((المستصفى)) هذا اللفظُ محرفاً إلى (توقَّفَ)، بالإِفراد، وهو خطأ.
(٢) في ((المستصفى)): (حتى ثَبَتَ ذلك).

٧٠
وأما رَدُّ عَلِيّ خبرَ الأشجعيِّ، فقد ذَكَر عِلََّهُ وقال: كيف نقبَلُ قولَ أعرابيٍّ
بَوَّالٍ على عقِبَيْهِ؟ بَيَنَّ أنه لم يَعرِف عدالتَهِ وضَبْطَه، ولذلك وصَفَه بالجِفَاءِ وتركِ التنزُّهِ
عن البول، كما قالٍ عُمَرُ في فاطمةَ بنتِ قَيْس، في حديثِ السُّكْنَى: لا نَدَعُ كِتابَ
رَبِّنا، وسُنَّةَ نبِّنا، لقولِ امرأةٍ لا ندرِي أَصَدَقَتْ أم كَذَبَتْ(١)؟ فهذا سبيلُ الكلام
على ما يُنقَلُ من التوقفِ في الأخبار. اهـ.
هذا وقد عَقَدَ الحافظُ ابنُ حزم فصلاً في كتاب ((الإِحكام))، للردّ على مَن ذَمَّ
الإِكثارَ مِن الرواية، وقد أحببنا إيرادَهُ على طريقِ التَّلْخيص تقريباً للمَرام، وتخليصاً
للمُطالِعِ من كثيرٍ من العباراتِ الشديدةِ الإِيلام، قال(٢): فَصْلٌ فِي فَضْلِ الإِكثار من
الرواية للسُّنَّن، قال عليّ: وذهَبَ قومٌ إلى ذمِّ الإِكثارِ من الرواية، ونَسَبُوا ذلك إلى
عُمَر، وذكروا أنه لم يُلتَفِتْ إلى روايةٍ فاطمة بنت قيس، في أنْ لا نفقَةً ولا سُكْنَى
للمبتوتةِ ثلاثاً، وأنه قال: لا نَدَعُ كتَابَ رَبِّنا، وسُنَّةَ نبيِّنا، لکلام امرأةٍ لا ندري
لعلها نَسِيَتْ؟
. وتوعَّدَ أبا موسى بالضَّرْبِ إن لم يأتِهِ بشاهدٍ على ما حَدَّث به مِنْ حُكِمٍ
الاستئذان .
وأنَّ أبا بكر الصديقَ لم يأخُذْ بروايةِ المغيرةِ بن شعبة في ميراثِ الجَدَّةِ، حتى
شَهِدَ له بذلك محمدُ بِن مَسْلَمَة. وأنَّ عثمان حَل إليه محمدُ بن علي بن أبي طالب،
من عندِ أبيه كتابَ حُكْمِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم في الزكاة، فقالَ: أَغْنِها عنا،
فرجَعَ إلى أبيه فقال: ضَعِ الصَّحِيفةَ حيث وجدتُها.
(١) هكذا وقع هنا في كلام الغزالي وكلام غيره من الأصوليين، وهذا اللفظ منكر ليس
بمحفوظ، والثابت المحفوظ (لقول امرأةٍ لا ندري حفِظَتْ أَوْ سِیَتْ)، كما في «صحيح مسلم» في
كتاب الطلاق، في (باب المطلقةُ البائنُ لا نفقة لها) ١٠٤:١٠. ولا يتسع المقام هنا لبسط شأن
هذا اللفظ المنكر.
(٢) في ((الإِحكام في أصول الأحكام)) ٢: ١٣٤ - ١٤٥ من الطبعة التي حققها الشيخ أحمد
شاكر، و٢٤٥:٢ _ ٢٥٥ من طبعة زكريا علي يوسف ..
İ
1

٧١
وأنَّ ابنَ / عَباس لم يلتفِت إلى روايةٍ أبي هريرة في الوضوء مما مَسَّتْ النارُ، /١٧
ولا إلى رواية عليّ في النهي عن المتّعة، ولا إلى رواية أبي سعيد الخدري في النَّهي عن
الدرهم بالدرهمین يداً بيد.
وابنَ عُمَرَ ذُكِرَتْ له روايةُ أبي هريرة في كَلْبِ الزرع، فقال: إنَّ لأبي
هريرة زَرْعاً. وذكروا نحوَ هذا عن نَفَرٍ من التابعين.
قال عليّ: وقولهُم هذا داحِضٌ بالبرهانِ الظاهِر، وهو أن يقالَ لمن ذم الإِكثارَ
من الرواية: أخْبِرِنا، أخيرٌ هي أم شَرًّ؟ ولا سبيلَ إلى وَجْهٍ ثالث، فإن قال: هيَ خيرٌ،
فالإِكثارُ من الخير خير، وإن قال: هي شَرٌّ، فالقليلُ من الشرِّ شر، وهم قد أخذوا
بنصيب منه .
أما نحن فنقول: إنَّ الإِكثارَ منها لطلبٍ ما صَحَّ هو الخيرُ كلُّه. ثم نقولُ لهم:
عَرِّفُونا حَدَّ الإِكثارِ من الروايةِ المذمومِ عندَكم، لنَعرِفَ ما تَكْرَهُون، وحَدَّ الإِقلالِ
المستحبِّ عندَكم، فإن حَدُّوا لذلك حَدّاً، كانُوا قد قالوا بغير برهانٍ وبغير علم، وإن
لم يَحُدُّوا في ذلك حداً، كانوا قد وقعوا في أسخفِ منزلةٍ، إِذَّ لا يَدْرُونَ مَا يُنكِرون.
والحقُّ أنَّ الخيرَ كلَّه في التفقُّهِ في الآثارِ والقرآنِ وضَبْطِ ما رُوِيَ عن النبي
صلى الله عليه وسلم، وقد حَضَّ النبيُّ صلى الله عليه وسلم على أن يُبلِّغَ عنه، وهذا
هو التفقُّهُ والنِّارَةُ التي أمَرَ الله تعالى بها(١).
وليت شِعري إذا كان الإِكثارُ من الرواية شرّاً، فأين الخيرُ؟ أفي التقليدِ الذي
لا يلتزمُهُ إلا جاهِلٌ أو متجاهل؟ أم في التحكّمِ في دينِ الله بالآراءِ التي قد حَذَّر الله
تعالى منها وزَجَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم عنها؟
وقد زَعَم بعضُهم أنَّ مالكاً كان يُسقِطُ من ((الموطأ)) كلَّ سَنَةٍ، وأنه لم يُحدِّث
بكثير مما عنده. وهذا حالُ من يُرِيدُ أن يَمَدحَ فَيَذُمِّ، ويُريدُ أن يَبنِيَ فَيَهدِمَ، فإن أرادوا
(١) وقع في الأصل ( ... والنذارة إلى أمر الله تعالى بها). والتصويب من ((الإحكام)).

٧٢
أنَّ مَّالكاً حدَّثَ بالصحيح عنده، وتَرَك ما لم يَصِحّ، فقد أحسَنَ، وكذلك كلُّ من
حَدَّث بما صَحَّ عنده، كسفيان، وشعبة، والأوزاعي. وإن أرادوا أنه حَدَّثَ بالسقْيمِ
وتَرَكَ الصحيحَ، فقد نزَّهَهُ الله عن ذلك، وكذلك إن أرادوا أنه حَدَّث بصحيحِ
وسقيم، وتَرَك صحيحاً وسقيماً، فبَطَلَ ما أرادوا أن يمدحُوهُ به، وكان ذَمّاً عظيماً
لو صَحَّ عليه، وأعوذُ بالله من ذلك.
وما يَدُلُّ على كَذِبٍ من قال هذا: أنَّ ((الموطأ)) أَلَّفَه مالكٌ بعدَ موت يحيى بن
سعيد الأنصاري بلا شك، وكانت وفاةُ يحيى في سنة ثلاث وأربعين ومئة، ولم يَزَل
((الموطأ)) يرويه عن مالك منذ ألَّفَه طائفةٌ بعدَ طائفة وأُمَّةٌ بعدَ أُمَّة.
وآخِرُ من رواه عنه من الثقاتِ أبو المُصْعَب الزُّهْرِيُّ، لصِغَرِ سِنَّهِ، وعاش بعدَ
موت مالكٍ ثلاثاً وستين سنةٍ. و((موطؤه)) أكملُ الموطآت، لأنَّ فيه خمس مئة حديثٍ
وتسعين حديثاً بالمكرَّر، أمَّا بإسقاطِ التكرار فخمسُ مئة حديثٍ وتسعةٌ وخمسون حديثاً.
وكان سماعُ ابْنِ وهب (للموطّ) من مالكٍ قبلَ سماع أبي المُصْعَبِ بدهِرٍ،
وكذلك سَمَاعُ ابن القاسم، ومَعْنِ بنِ عيسى، وليس في ((موطًّا)) ابن القاسم إلَّ خمسُ
مئة حديثٍ وثلاثةُ أحاديثَ. وفي ((موطّ)) ابنٍ وهب كما في ((موظّا)) أبي المصعب،
ولا مَزِيدَ، فبان كذِبُ هذا القائل.
قال عليٍّ: وأوَّلُ من أَلَّفَ في ◌َهْع الحديث حَمَّدُ بن سَلَمة، ومَعْمَرِ، ثم مالكٌ،
ثم تلاهم الناسُ. ونحن نحمَدُ ذلك من فِعلِهم، ونقولُ إنَّ لهم ولمن فَعَل فِعلَّهم
أعظمَ الأجر، لعظيمِ ما قيَّدوا من السُّنَن، وكثيرٍ ما بيَّنوا من الحق، وما رَفَعوا من
الإِشكال في الدين، وما فرَّجُوا بما كتبوا من حُكم الاختلاف، فمن أعظَمُ أجراً منهم؟
/١٨ / جعلنا الله بمنِّهِ ثَمَّن تَبِعَهم في ذلك بإحسان.
وَأَمَا رَدُّ عُمَر لحديث فاطمة بنت قيس، فقد خالَفَتْهُ هي، وهي من المبايعاتِ
المهاجراتِ الصواحب، فهو تنازُعُ بَيْنَ أولي الأمْرِ (١)، وليس قولُ أحدِهما بأولى مِن
(١) في المطبوعة من كتاب ((الإحكام)): (فهو تنازعٌ من أولي الأمر).
:

٧٣
قولِ الآخَرِ إلَّ بنصٍّ، والنَّصُ موافِقٌ لقولها، وهو في رَدِّ ذلك مجتهِدٌ مأجورٌ مرَّةً،
ولا تَعلُّقَ للمستدلِّين بهذا الخبر، فإنهم قد خالفوا الاثنين كليهما.
وأما ما ذكروا من نَهْي عُمَر عن الإكثار من الحديث، فحدَّثَنا محمد بن سعيد،
حدثنا أحمد بن عون، حدثنا قاسم بن أصْبَغ، حدثنا الخُشَني، حدثنا بُنْدَار، حدثنا
عبد الرحمن بن مَهْدي، حدثنا شعبة، عن بَيّانٍ(١)، عن الشعبي، عن قَرَظة هو
ابنُ كعب الأنصاري، قال شيَّعنا عُمَرُ بن الخطاب إلى صِرَار(٢)، فانتَهَى إلى مكانٍ
فيه فتوضَّأ، فقال: تَدْرُون لم شيّعتُكم؟ قلنا: لحقِّ الصُّحبةِ، قال: إنكم ستأتون قوماً
تهتزُ ألسنتهم بالقرآنِ كاهتزازِ النخل، فلا تَصُدُّوهم بالحديث عن رسول الله صلى الله
عليه وسلم وأنا شريكُكم، قال قَرَظَةُ: فما حَدَّثتُ بشيء بعدُ، ولقد سَمِعتُ كما سَمِعَ
أصحابي (٣).
فهذا لم يَذكُر فيه الشعبيُّ أنه سَمِعَه من قَرَظة، وما نعلمُ أنَّ الشعبيَّ لِقِيَ
قَرَظَةَ ولا سَمِعَ منه، بل لا شَكَّ في ذلك، لأنَّ قَرَظة مات والمغيرةُ بن شعبة أميرٌ
بالكوفة، هذا مذكورٌ في الخبرِ الثابت المسنَدِ: أوَّلُ من نِيْحَ عليه بالكوفة قَرَظَةُ بن
كعب، فذَكَر المغيرةُ عندَ ذلكَ خبراً مسنداً في النَّوْحِ، ومات المغيرةُ سنَّةً خمسين
بلا شك، والشعبيُّ أقرَبُ إلى الصِّبا، فلا شَكَّ أنه لم يَلْقَ قَرَظةَ قطُ (٤)، فسَقَط هذا
(١) وقع في الأصل محرفاً إلى (بنان)، أي بالنون بدلاً من الياء المثناة. وهو كذلك أيضاً في
النسخة المخطوطة كما نَّه إليه الشيخ أحمد شاكر في تعليقه على ((الإحكام)) ١٣٨:٢. وتقدم ذكرُ
هذا الأثر بنحوه في ص ٦٢ منقولاً عن ((تذكرة الحفاظ)) للذهبي في ترجمة عمر رضي الله عنه.
(٢) صيرَار اسم موضع قرب المدينة على ثلاثة أميال منها في طريق العراق. وهو بكسر
الصاد المهملة وتخفيف الراء. ووقع في الأصل: (ضرار)، أي بالضاد المعجمة تبعاً للمخطوطة،
وهو خطأ .
(٣) وقع في الأصل: (الصحابة)، ووقع في المخطوطة من («الإحكام)): (الصحابي).
وكلاهما تحريف، والصواب (أصحابي) كما أثبته.
(٤) قال الشيخ أحمد شاكر: ((في هذا شك كثير، فإن الشعبي ولد سنة ٢٠ وقيل ١٩،
ومات سنة ١٠٩)).

٧٤
الخبرُ، بل ذَكَر بعضُ أهل العلم بالأخبار أنَّ قَرَظَة بنَ كعب مات وعليٌّ بالكوفة،
فصحَّ يقيناً أنَّ الشعبيَّ لم يَلْقَ قَرَظَة.
قال عليٌّ: وَرَوَوْا عِنْهُ أَنه حَبَسَ عبدَ الله بن مسعود، من أجلِ الحديث عن
النبي صلى الله عليه وسلم، كما رَوينا بالسند المذكور إلى بُندار، حدَّثنا غُنْذَر، حدثنا
شعبة، عن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، قال: قال عُمَرُ
لابن مسعود ولأبي الدرداء ولأبي ذَرّ: ما هذا الحديثُ عن رسول الله صلى الله عليه
وسلم؟ قال: وأحسِبُه أنه لم يَدَعْهُم أن يَخرجُوا من المدينةِ حتى مات، قال عليّ: هذا
مُرْسَلٌ ومشكوكٌ فيه مِن شعبة، فلا يصحُّ ولا يجوزُ الاحتجاجُ به، ثم هو في نفسِهِ
ظَاهِرُ الكذب والتَّوْلِيد ..
وقد حَدَّثَ عُمَرُ بحديثٍ كثيرٍ، فإنه قد رُوِيَ عنه خمسُ مئة حديثٍ ونَيِّفٌ،
على قُرْبٍ موتِهِ من موتِ النبي صلى الله عليه وسلم، فهو كثيرُ الرواية، وليس في
الصحابة أكثرُ روايةٌ منه إلاّ بضعَةَ عشَرَ منهم.
والذي صَحَّ عن عمر أنه تشدَّدَ في الحديث، وكان يُكلِّفُ من حدَّثه بحديثٍ أن
يأتيَ بآخَرَ سَمِعَه معه، وإنما فَعَل ذلك اجتهاداً منه.
وأمَّا الروايةُ عن أبي بكر الصديق فمنقطعةٌ لا تصحُّ، ولو صَحَّتْ لما كان لهم
فيها حُجّة، لأنهم يقولون بخبر الواحد إذا وافقهم، ولا معنى لطلبٍ راوٍ آخَرَ عندهم،
فالذي يُدْخِلُ خبرَ الواحِد يُدْخِلُ خبرَ الاثنين، ولا فرق إلَّ أن يُفرِّقَ بينَ ذلِكِ بَنَصٍّ
فُيُوقَفَ عنده.
وأما خبرُ عثمان فلا ندري على أيّ وجهٍ أوردوه، والذي نظُّ بعثمان أنه كان
عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم روايةً في صِفَة الزكاة، استَغنى بها عما عندَ عليّ،
/١٩ بل نقطَعُ عليه بهذا قطعاً، ولا وَجْهَ لذلك الخبرِ سِوى / هذا، أو المُجاهَرةِ بالمخالفة،
وقد أعاذه الله من ذلك.
وأمَّا ابنُ عباس فقد رَوَى في المُتْعَةِ إباحةٌ شَهِدَها وثَبَتَ عليها، ولم يُحقِّق النظر،

٧٥
ورَوَى في الدرهم بالدرهمين خبراً عن أسامة، عن النبي صلى الله عليه وسلم. وليتَ
شِعري من جعَلَ قولَهُ أولى من قولٍ من خالفه في ذلك.
وأما قولُ ابنِ عمر: إِنَّ لأبي هريرة زَرْعاً، فصِدْقٌ، وليس في هذا رَدِّ لروايتِهِ.
فالواجبُ الردُّ المفتَرَضُ الذي لا يَسُوغُ سواه، وهو الردُّ إلى اللَّهِ تعالى وإلى
الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد أمَر الله تعالى بطاعةِ رسولِهِ، ولا سبيلَ إلى ذلك
إلَّ بنقلِ كلامِهِ وضبطه وتبليغِه، وقد حَضَّ عليه الصلاة والسلام على تبليغ الحديثِ
عنه، فقال في حِجَّةِ الوَدَاعِ لجميعِ من حَضَرَ: ((أَلَا فَلْيبلِّغْ الشاهِدُ الغائبَ)). فسَقَطَ
قولُ من ذَمَّ الإِكثارَ من الحديث .
ثم العجَبُ من إيرادِهم لهذهِ الآثارِ التي ذكرنا عمن أوردوها عنه، فواللَّهِ
العظيم لا أدري غرضَهم في ذلك، ولا منفعتَهم بها، لأنهم إن كانوا أوردوها طعناً في
القولِ بخبر الواحد، فليس هذا قولهم بل هم كلَّهم يقولون بخبر الواحد، وأيضاً
فهي كلَّها أخبارُ آحاد، وليس شيءٌ منها حُجَّةٌ عندَ من لا يقولُ بخبر الواحد، وهذا
عجيبٌ جداً. أو يكونوا أوردوها على إباحةٍ رَدِّ المرءِ ما لم يُوافقه من خبر الواحِد،
وأخذٍ ما وافَقَه من ذلك! فهذا هَوَسٌ، لأنَّ لخصومهم أن يَرُدُّوا بهذا نفسِهِ ما أخذوا
هُمْ به ويأخذوا ما رَدُّوه ◌ُمْ منه.
فإن قال قائل: الحديثُ قد يَدخُلُه السهوُ والغَلَطُ، قيل له: إن كنت ممن يقولُ
بخبر الواحد، فاتّرُْ كلَّ حديثٍ أخذتَ به منه، فإنه في قولك مُحتمِلٌ أن يكون دَخَلَ
فيه السهوُ والغلَطُ، وإن كنتَ مقلِّداً فاترُكْ كلَّ من قلَّدْتَ، فإنَّ السهوَ والغلط
يَدخلانِ عليه بالضََّان(١)، وقد يَدخلانِ أيضاً في الرواةِ عنهم الذين أخذتَ دينَك
عنهم وإن كنتَ ممن يُبطِلُ خبرَ الواحد، فقد أثبتنا بالبرهانِ وجوبَ قَبُولِهِ.
(١) يعني: باليقين والجزم.

٧٧
الفصل الرابع
في تمييز علماء الحديث
ما ثَبَتَ منه مما لم يَثْبُت
اعلم أنَّ أئمة الحديث لَّا شرعوا في تدوينه، دُوَّنوه على الهيئةِ التي وَصَلَ بها
إليهم، ولم يُسقِطُوا مما وصَلَ إليهم في الأكثر إلَّ ما يُعلَمُ أنه موضوعٌ مختلَقٌ، فجمعوا
ما رَوَوْا منه بالأسانيد التي رَوَوْه بها، ثم بحثوا عن أحوالِ الرواةِ بحثاً شديداً، حتى
عَرَفوا من تُقبَلُ روايتُهُ، ومن تُرَدُّ، ومن يُتوقَّفُ في قبولِ روايته .
وأُتبعوا ذلك بالبحث عن المرويِّ، وحالِ الرواية، إذ ليس كلُّ ما يَروِيه من
كان موسوماً بالعدالةِ والضبطِ يُؤْخَذُ به، لما أنه قد يَعرِضُ له السهوُ أو النسيانُ
أو الوَهَمُ، ولهم في معرفةِ ذلك طُرُقٌّ مذكورةٌ في كتبهم وكتبٍ علماء الأصول. وقد تَمَّ
لهم بذلك ما أرادوا من معرفةِ درجةٍ كلِّ حديثٍ وَصَل إليهم، على قَدْرِ الوُسْعِ
والإِمكان، فصار لهم من الأجْرِ / الجزيلِ والذكرِ الجميلِ ما هو كِفاءٌ لما لَقُوهُ في ذلك /٢٠
من فَرْطِ العَناء.
وقد دعاهم النظرُ في أحوالِ الرواةِ، والّرْويِّ، والرواية، إلى أن يصطلحوا على
أسماءٍ يتداولونها بينهم تسهيلاً للبحث، كما فَعَل غيرُهم من أرباب الفنون. وقد جَعَل
مَنْ بعدَهم: ما اصطلحوا عليه فَنّاً مستقلاً، سَمَّوْه ◌ُمُصْطَلَح أهلِ الأثر. وقد اعتْنَى
العلماءُ الأعلام به وألّفُوا فيه مؤلفاتٍ كثيرة، وهو فَنَّ لا يَسَعُ طالبَ علم الأثر جَهْلُه.
وقد رأيتُ أن أُورِدَ منه فيما يأتي، ما ظَهَرَ لِي عِظَمُ جَدْوَاهُ فيما عَمَدتُ إليه،
ولنبدأ بذكرٍ فوائدَ مُهِمَّةٍ تتعلَّقُ بذلك.

٧٨
الفائدة الأولى
(الاصطلاحُ): اتفاق القوم على استعمال لفظ في معنىًّ معيّن غير المعنى الذي
وُضِعَ له في أصلِ اللغة، وذلك كلفظِ (الواجب)، فإنه في أصلِ اللغة بمعنى: الثابتِ
واللازم، وقد اصطَلَح الفقهاءُ على وَضْعِه: لما يُثابُ المرءُ على فعلِهِ، ويُعاقَبُ على
تركِه، واصطَلَح المتكلَّمون على وَضْعِه لما لا يُتصوَّرُ في العقلِ عَدَمُه.
واللفظُ إذا استُعمِلَ في المعنى الذي وَضَعَهُ له المصطلحون يكونُ حقيقةً بالنسبةِ
إليهم، ومجازاً بالنسبةِ إلى غيرهم، قال في ((المفتاح))(١): الحقيقةُ هي الكلمةُ المستعملةُ
في معناها بالتحقيق، والحقيقةُ تنقسِمُ عند العلماء إلى لُغَويةٍ، وشَرْعيَّة، وعُرْفية،
والسَبَبُ في انقسامِها هذا، هو ما عَرفتَ أنَّ اللفظةَ يَمتِنِعُ أن تَدُلَّ على مُسمَّىٍّ من غير
وَضْع، فمتى رأيتَها دالَّةً لم تَشُكَّ في أنَّ لها وَضْعاً، وأنَّ لَوَضْعِها صاحباً .
فالحقيقةُ لدلالتها على المعنى تستدعي صاحبَ وَضْع قطعاً، فمتى تعيّنّ عندك
نَسبتَ الحقيقةَ إليه، فقلتَ: لغويةٌ إن كان صاحبُ وَضْعِها واضعَ اللغة، وقلتَ:
شرعيةٌ إن كان صاحبُ وَضْعِها الشارعَ، ومتى لم يتعينَّ قلتَ: عُرْفية. وهذا المأخَذُ
يُعرِّفُك أنَّ انقسام الحقيقة إلى أكثرَ مما هي منقسمة إليه غيرُ ممتنع في نفسٍ.
الأمر. اهـ.
هذا، وقد ذَكَر المحققون أنه ينبغي لمن تكلم في فنٌّ من الفنون، أن يُورِدَ
الألفاظَ المتعارَفة فيه، مستعملاً لها في معانيها المعروفةِ عندَ أربابِه، ومخالِفُ ذلك إمَّا
جاهلٌ بمقتَضى المقام، أو قاصدٌ للإِبْهام أو الإِيْهام، مثالُ ذلك فيما نحن فيه أن يقول
قائلٌ عن حديثٍ ضعيف: إنه حديثٌ حَسَن، فإذا اعتُرِضَ عليه قال: وَصَفْتُهُ
بالحَسَن، باعتبارِ المعنى اللغوي، لاشتمالِ هذا الحديثِ على حِكمةٍ بالغة. وأما قولهُم
لا مُشَاحَّةً في الاصطلاحِ، فهو من قَبِيل تمخُّلِ العُذْرِ، وقائلُ ذلك عاذِلٌ في صورةٌ
عاذر.
(١) أي قال السَّكَّاكيُّ في كتابه ((مفتاح العلوم)) ص ٥٨٩ من طبعة مطبعة دار الرسالة في =
۔۔

٧٩
الفائدة الثانية
قد عَرفتَ أنَّ هذا الفنَّ يُبحَثُ فيه عن (مُصْطَلَحِ أهلِ الأثَر)، قال الحافظ
زين الدين عبد الرحيم العراقي في أول ((شرح ألفيته)) (١)، التي لخّص فيها ((كتابَ
ابن الصلاح)» في هذا الفن: وبَعْدُ فعِلمُ الحديث خَطِيرٌ وَقْعُه، كبيرٌ نَفْعُه، عليه مَدارُ
أكثر الأحكام، وبه يُعرَفُ الحلالُ والحرام، ولأهلِهِ اصطلاحٌ لا بُدَّ للطالبِ من فَهْمِه،
فلهذا نُدِبَ إلى تقديم العناية بكتاب في عِلْمِه. اهـ.
/ ٢١
فهذا الفنُّ مَدْخِلٌ لعلم الحديث، وقد سمّاه بعضُهم بعلم دِرايةِ الحديث،
وعرَّفه بقوله: عِلْمٌ بقوانينَ يُعرَفُ بها / أحوالُ السَّنَدِ والمتنِ، من صحَّةٍ، وحُسْنٍ،
وضَعْفٍ، ورفعٍ ، ووقفٍ، وقَطْعٍ ، وعُلُوِّ، وتُزولٍ، وكيفيةِ التحمُّلِ والأداءِ،
وصفاتِ الرجال، وما أشبه ذلك.
وقد اختَصَرِه بعضُهم فقال: عِلمٌ يُعرَفُ به أحوالُ الراوي، والّرُويِّ من حيث
القبولُ والردُّ. وقد نَظَمه الجلالُ السيوطي في ((ألفيته))(٢) فقال:
يُذْرَى بها أحوالُ مَتْنِ وسَنَدْ
عِلْمُ الحديثِ ذُو قوانينٌ شَدّ
أن يُعرَفَ المقبولُ والمردودُ
فذانِكَ الموضوعُ، والمقصودُ
وقد فسَّرِّ بعضُهم التعريفَ المذكور فقال: قولُه: عِلمٌ، يُمكِنُ أن يُرادَ به
القواعدُ والضوابطُ، كقولك: كلُّ حديثٍ صحيحٍ يَسوغُ الاحتجاجُ به. والباءُ في
قوله: يُعرَفُ به، للسبية، واللامُ في قوله: حالُ الراوِي والمّرْوِيِّ للجنس،
إذ لا يُعرَفُ بهذا العلم حالُ الراوِي الْمُعَيَّنِ أو المَرْوِيِّ المعَيِّنِ، وإنما يُعرَفُ به حالُ غير
المعَيَّنْ.
= بغداد سنة ١٤٠٠، بعناية الأستاذ أكرم عثمان يوسف. وص ٣٥٩ من طبعة دار الكتب العلمية في
بيروت سنة ١٤٠٣، بعناية الأستاذ نعيم زرزور.
(١) ١ : ٢.
(٢) ص ٢.

٨٠
مثالُ ذلك في الراوِي: أن يقالَ: كلُّ راوٍ يكونُ عَدْلًا ضابطاً فهو مقبولُ
الرواية، وكلُّ راوٍ يكون غيرَ عَدْلٍ أو غيرَ ضابطٍ فهو مردودُ الرواية .
ومثالُ ذلك في المَرْوِيّ: أن يقال: كلُّ مَرْوِيٍّ تَكُونُ رُواتُهُ أهلَ عدالةٍ وَضَبْطِ،
فهو مقبولٌ يُحْتَجُّ به، وكلُّ مَرْوِيٍّ لا تكونُ رُواتُهُ من أهلِ العدالةِ والضبطِ، فهو
مردودٌ لا يحتجُّ به.
وأمَّا معرفةُ حالٍ الراوِي المعيَّن، وحالِ المَرْوِيِّ الُعيَّنِ، فإنما تكونُ بالبحثِ
عنه بعينِه على الطريقةِ التي جَرَى عليها أئمةُ الحديث، وقد قاموا بذلك أحسَنَّ قیام،
فَكَفَوْا من بعدَهم المؤونة .
وقولُه: من حيث القبولُ والردُّ، احتُرِزَ به عن معرفةِ حالِ الراوِي وَالَّرْوِيّ
من جهةٍ أخرى، ككون الراوي أبيض أو أسودَ، أو كونِ الَّرْويِّ كلاماً، ظاهِرَ الدلالةِ
على المعنى، أو خَفِيَّ الدلالةِ عليه.
واعتُرِضَ عليه من وجهين:
· أجدُهما: أن يكونَ المحمولُ في مسائلِ هذا الفَنِّ هو قولَك: مقبولٌ،
أو مردودٌ، فتكونَ المسائلُ التي محمولها غيرَ ذلك مِثلُ صحيحٍ ، أو حَسَنٍ، أو ضعيفٍ،
ونحوها، خارجةً عن هذا الفن.
وثانيها: أن تكون مسائلُ هذا الفنِّ كلُّها تَرجِعُ إلى قولك: الراوِي من حيث
کذا مقبول، ومن حیث کذا مردود، والمرْوِيُّ كذلك.
وأما ما يقالُ من أنَّ في هذا الفن مسائلَ لا تتعلَّقُ بالقَبُولِ والرَّدِّ، كآدابِ الشيخِ
والطالبٍ ونحوِ ذلك، فالخَطْبُ فيه سَهْل، فإنَّ أكثرَ الفنون قد يُتعرَّضُ فيها لمباحثَ.
غير مقصودةٍ بالذات، غيرَ أنَّ لها تعلقاً بالمقصود، فتكونُ كالَّتِمَّةِ، وهو أمْرٌ لا يُنْكَر.

٨١
والأُولَى تسميةُ هذا الفنِّ بالاسم الأوَّل(١)، فإنه أدَلُّ على المقصود، وليس فيه
شيءٌ من الإِبْهام أو الإِنْهام، وقد جَرَى على ذلك الحافظُ ابن حجر، فسمى رسالتَهُ
المشهورة فيه بـ ((نُخْبَة الفِكَر في مُصْطَلَحِ أهلِ الأثَر)).
الفائدة الثالثة
قد قَسَموا عِلمَ الحديثِ أولاً إلى قسمين، قِسمٍ يَتعلَّقُ برِوايتِه، وقسمٍ يتعلَّقُ
بدِرايتِه، ثم قَسَموا كلَّ قِسم منهما إلى أقسام، سَمَّوا كلَّ واحدٍ منها باسم، ومن أراد
معرفةً ذلك فليرجع إلى الكتب المبسوطةِ في علم الحديث.
وقد أحببنا الاقتصارَ هنا على تعريف العلمِ المتعلِّقِ بروايته، والعلمِ المتعلّقِ
بدرايتِه. وقد تعرَّض لذلك صاحبُ / ((إرشاد القاصد))(٢) في أثناءِ بيانِ العلوم
الشرعية، فآثرنا إيرادَ المقالةِ بتمامِها. رعايةً لاتصالِ الكلام، ولما فيها من الفوائد
التي لا يُستغنى عنها في هذا المقام.
/٢٢
قال: من المعلوم أنَّ إرسالَ الرسل عليهم السلام، إنما هو لُطْفٌ من الله تعالى
بِخَلْقِهِ، ورحمةٌ لهم، لِيَتَمَّ لهم أمرُ مَعاشِهم، ويَتبيّنَّ حالُ مَعَادِهم، فَتَشْتَمِلُ الشريعةُ
ضرورةً على المعتقداتِ الصحيحة، التي يجبُ التصديقُ بها، والعباداتِ الْمُقَرِّبةِ إلى الله
تعالى مما يجبُ القيامُ به والمواظبةُ عليه، والأمرِ بالفضائل، والنَّهْيِ عن الرذائل، مما
يجبُ قبولُه :
فينتظِمُ من ذلك ثمانيةُ علومٍ شرعية، وهي علمُ القراءات، وعلمُ رواية
الحديث، وعلمُ تفسير الكتابِ المُنْزَلِ على النبي المرسَل، وعلمُ درايةِ الحديث(٣)،
وعلمُ أصول الدين، وعلمُ أصول الفقه، وعلمُ الجدل، وعلمُ الفقه.
(١) وهو: مُصْطَلَحُ أهل الأثر.
(٢) هو ابنُ ساعدٍ السَّنجاريُّ المولد والنشأة، المصريُّ الدار والوفاة، ويُعرف
بابن الأكفاني، الطبيبُ العلامة الإِمامُ شمسُ الدين محمد بن إبراهيم بن ساعد الأنصاري
السُّنْجَاري المصري، توفي بهاسنة ٧٤٩ رحمه الله تعالى. وجاء هذا النص في كتابه المذكور ص ٧٢ - ٨١.
(٣) تقسيمُ علم الحديث إلى رواية ودراية نقدتُه تعليقاً على مقدمة ((فتح الملهم)).