Indexed OCR Text

Pages 161-180

وَذْلِكَ أَنَّ ضَلَّلَ النَّاسَ بِوَجْهَيْنِ؛ بالإِرْجَاءِ، وَبِنَقْضِ السُّنِ بِالرَّأيِ. فَهُوّ عِنْدَنَا
أَشْأَمُ مُؤْلُوْدٍ فِي الإِسْلَامِ ضَلَّ بِهِ بَشَرٌ كَثِيْرٌ، وَهُمْ مُتَمَادُون في الضَّلاَلِ بِمَا يَشْرَعُ
إلى يَوْمِ القِيَامَةِ.
قَالَ عبدُالملكِ: ومنه قَوْلُ رَسُولِ اللهِلَ: حِيْنَ أَشَارَ نَحْوَ العِرَاقِ فَقَالَ: «أَلاَ
إِنَّ الِفِتْنَةَ مَهُنَا، أَلاَ إِنَّ الِفِتْنَةَ هَهُنَا حَيْثُ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ)) يَعْنِي: الفِتْنَةُ في
الدِّينِ، وَكَثْرَةَ [١٦١] البِدَعِ وَالسِّخْرِ وَالشَّرِّ وَالفَاحِشَةِ، وَمَا فِيْهَا مِنْ صُنُوفِ البَلاءِ.
- وَسَأَلْنا عبدَالملكِ بنَ حَبِيبٍ عَنْ شَرْحِ حدیثِ مالك
الَّذِي رَوَاهُ عَن نَافِعٍ: أنَّ رَسُوْلَ اللهِوَهِ: ((نَهَى عَنْ قَتْلِ الحَيَّاتِ الَّتِي فِي
الْبُيُوْتِ إلَّ ذَا الطِّفيَتَيْنِ وَالأَبْتَرِ، فإنَّهُمَا يَخْطَفَانِ البَصَرَ، ويَطْرَحَانِ مَا فِي بُطُوْنِ
النِّسَاءِ» [٩٧٦/٢ رقم (٣٢)].
قَالَ عبدُ المَلِكِ: الطِّفْيَّةُ: هِيَ خُوْصَةُ المُقْلِ (١)، وكَثِيْرُها: طُفىٌ، فإنَّما
الحَسَن ((المُوَطَّ)) وَهُوَ مِمَّا أَرْوِيْهِ عن أبي ذَرِّ عبد بن أحمد - رضي الله عنه - وَقَدْ شُهِرَ تَنَاهِي
=
أَبِي حَنِيْفَة في العِبَادَةِ، وَزُهْده في الدَّنْيَا، وَقَدِ امْتُحِنَ وَضُرِبَ بِالسَّوْطِ عَلَى أَنْ يَلِيَ القَضَاءَ
فَامْتَنَعَ، وَمَا كَانَ مَالِكٌ لِيَتَكَلَّمَ في مِثْلِهِ إِلَّ بما يَلِيْقُ بِفَضْلِهِ، وَلاَ نَعْلَمَ أَنَّ مَالِكاً تَكَلَّمَ فِي أَحَدٍ
مِن أَهْلِ الرَّي، وَإِنَّمَا تَكَلَّمَ في قَوْمٍ من أَصْحَابِ الحَدِيْثِ من جِهَةِ النَّقْلِ، وقد رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ
قَالَ: قَدْ أَدْرِكِتُ بِالمَدِيْنَةِ قَوْماً لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عُيُوبٌ فَبَحَثُوا عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ فَذَكَرَ النَّاسُ لَهُمْ
عُيُوْباً، وَأَدْرَكْتُ بِهَا قَوْماً كَانَتْ لَهُمْ عُيُوبٌ سَكَنُوا عَنْ عُيُّوْبِ النَّاسِ فَسَكَتَ النَّاسُ عَنْ
عُيُوبِهِمْ، فَمَالِكٌ - رَحِمَهُ اللهُ- يُزَّهِّدُ النَّاسَ في العُيُوْبِ، وَمِن أَيْنَ يَبْحَثُ عَنْ عُيُوْبِ النَّاسِ؟!
وَكَيْفَ يَذْكُرُ الأَئِمَّةَ بما لاَ يَلِيْقِ بِفَضْلِهِ؟! وَقَدْ ذكرتُ في كتاب «فرق الفقهاء) ما نُقِلَ عَنْهُ في
ذْلِكَ وَبَيَّنْتُ وُجُوْهَهُ واللهُ أعلمُ وأحْكَمُ)).
(١) اللَّفظة مشروحةٌ في غريب أبي عُبَيْدٍ: ٥٥/١، ٥٦، وغريب ابن الجوزي: ٢/ ٣٥، والنّهاية:
١٣٠/٣. ويراجع: جمهرة اللُّغة: ٩٢٢، وتهذيب اللُّغة: ٣٢/١٤، ومجمل اللُّغة: ٥٨٤، =
١٦١

شَبَّه الخَطَّيْنِ الَّذِينِ عَلَى ظَهْرِهِ بِخُوْصَتَيْنِ مِنْ خُوْصِ المُقْلِ، قَالَ أَبُوذُؤَيْبِ الْهُذَلِيُّ(١) :
عَفَتْ غَيْرِ نُؤيِ الدَّارِ مَاإِنْ تَبِئُهُ واقطاعٍ كُفْيٍ قَدْعَفَتْ فِي المَعَاقِلِ
قال عبدُالملكِ: أمَّ الأبتَرُ: فالقَصيرُ الذَّنبِ من الحيَّاتِ، وهو الأفعُوان(٢).
قال عبدُالملكِ: وإنَّما نَهَى رَسُوْلُ اللهِ بِّهِ عِن قَتْلِ حَيَّاتِ الْبُيُوتِ قبلَ
الإِذْنِ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيْثِ الأَنْصَارِيِّ الَّذِي مَاتَ يَوْمَ قَتلَ الحَيَّة ((إِنَّ بِالمَدِيْنَةِ جِنَّا قَدْ
أَسْلَمُوا، فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُمْ شَيْئاً فَذِنُوْهُ ثَلَاثاً، وَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذُلِكَ فَاقْتُلُوْهُ فإنَّما
هُوَ شَيْطَانٌ))(٣). وَقَدْ كَانَ ابنُ وَهْبٍ يَذْكُرُ أنَّ عَوَامَرَ الْبُيُوت قَدْ تتبَدَّى في صورةٍ
حيّةٍ رَقِيْقَةٍ فَيَنْبَغِي أَنْ تُؤْذَنَ الحَيَّاتُ بِالمَدِيْنَةِ وَبِغَيْرِ المَدِيْنَةِ قَبْلَ أن تُقْتَلَ. وأمّا
حَيَّاتُ الصَّحَارَىُ وَالطُرق فلا تُؤْذَنَ، كَذَلِكَ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: (٤)
قيل لعبدالملك: فَكَيْفَ إِيْذَانُهَا؟
فَقَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُالله بنُ مُؤْسَى، عن ابنِ أَبِي لَيْلَى(٥)، عَنْ ثَابِتٍ
البُنَائِيِّ: ((أَنَّ رَجُلاً أَتَى رَسُوْلَ اللهِوَهِ فَسَأَلَهُ عَنِ الحَيَّاتِ الَّتِي تَكُوْنُ فِي
والتَّمهيد: ٢٣/١٦، والصِّحاح، واللُّسان، والتاج: (طفىُ). ونَصُّ المؤلّف كلُّه لأبي عُبَيْدٍ
۔
في غريب الحديث عن الأصمعي صدره بقوله: قال الأصمعيُّ: الطفيةُ: خوصة المُقل ... )).
(١) شرحُ ديوان الهُذَلِيِّين: ١/ ١٤٠، وروايته: (عنا) و(أبينه).
(٢) قال أبو عمر بن عبدالبرِّ في التَّمهيد: ٢٣/١٦ «قال أبو عمر: يُقال: إنَّ ذا الطُّفيين حَتَشٌ يكونُ
على ظهره خَطَّان أبيضان، ويُقَالُ: إنَّ الأبترَ: الأَفْعَى، وقيلَ: إِنَّه حَتَشٌْ أبترٌ كأنَّه مقطوعُ
الَّنَبِ، وقال النَّصْرُ بنُ شُميل: الأبترُ من الحِيَّاتِ: صِنْفٌ أَرْزَقُ، مَقْطُوْعُ الذَّنبِ، لا تنظر
إليه حَامِلٌ إِلاَّ أَلْقَتْ ما فِي بَطْنِهَا وَاللهُ أَعْلَمُ)).
(٣) التَّمهيدِ: ٢٦/١٦ مع اختلاف لفظه.
(٤) في التَّمهيد: وقال آخرون ...
(٥) حديث ابن أبي ليلى في التَّمهيد: ٢٦/١٦ بلفظٍ مُخْتلفٍ، وهو أيضاً في سُنَنِ أبي دَاوُدّ.
١٦٢

البُيُوتِ، فقال رَسُوْلُ اللهَِله: إذا رأيتُمْ شَيْئاً مْنَها فقُولُوا: أُنْشِدُكُنَّ العَهْدَ الذي
أَخَذَ عَلَيْكُنَّ نُوْحٌ، أُنْشِدُكُنَّ العَهْدَ الَّذِي أَخَذَ عَلَيْكُنَّ سُلَيْمَانُ بنُ دَاوُدَ أَنْ
تُؤْذُّونَنَا أَوْ تَظْهَرْنَ لَنَا، فَإِنْ رَأَيْتُمْ مِنْهُنَّ شَيْئاً بَعْدَ ذُلِكَ فَاقْتُلُوْهُ)).
- وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن شَرْحِ (الزِّوَاءِ) في حَدِيْثِ مَالكِ
الَّذِي رَوَاهُ عَنْ رَسُوْلِ اللهِّهِ: أنَّه كانَ إذَا وَضَعَ رِجْلَهُ في الغَرْزِ وهو يُرِيْدُ
السَّفَرَ يَقولُ: بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ أَنتَ الصَّاحِبُ في السَّفَرِ، والخَلِيْفَةُ فِي الأَهْلِ،
اللَّهُمَّ ازْوِ لَنَا الأرضَ، وهَوِّنْ عَلينا السَّفَرَ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن وَعْثَاءِ السَّفَرِ،
وَمِنْ كَابَةِ المُنْقَلَبِ، وَسُوْءِ المَنْظَرِ، فِي الأَهْلِ وَالمَالِ)). [٩٧٧/١ رقم (٣٤)].
قَالَ عبدُ المَلكِ: أمَّا قولُهُ: ((اللَّهُمَّ ازْوٍ لَنَا الأرْضَ) فَعْنِي: اطْوٍ لَنَا الأَرْضَ
وَقَرَّبْ لَنَا بُعْدَهَا، ومنه الحَدِيْثُ الَّذِي [١٦٢] حَدَّثِيْهِ إِسْمَاعِيْلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ،
عن إِسْمَاعِيْلَ بنِ إِبرَاهِيْمَ بنِ عُقْبَةَ، عن أيُّوبَ، عن أَبي قِلابةً: أنَّ رَسُوْلَ اللهَِ
قَالَ(١): ((زُوِيَتْ لِيَ الأرضُ فَأَيْتُ مَشَارِقَها ومَغَارِبَها، وسيَبْلُغُ مُلْكُ أمَّتي ما
زُوِيَ لي منها».
قَالَ عبدُالملكِ: وهوَ بالتَّخْفِيْفِ، يَقُولُ: طُوِيَتْ لِيَ الأَرْضُ، وَقُرَّبَ لي
بُعْدُهَا، وُجُمِعَ لِيَ بَعْضُهَا إِلَى بَعْضٍ. [وَيُقَالُ: انْزَوَىُ القَوْمُ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ: ](٢)
إِذَا تَدَانَوا وتَضَامُّوا، والاسْمُ منه: الزِّوَاءُ.
قَالَ عبدُالملكِ: وَقَدْ تَجْرِي هَذِ الكَلِمَةُ أَيْضاً فِيْمَا تَقَبَّضَ وَاجْتَمَعَ وتَشَنَّجَ (٣)،
(١) غريب أبي عُبَيْدٍ: ٣/١.
(٢) عن غريب الحديث لأبي عُبَيْدٍ.
(٣) اللَّفظةُ مشروحةٌ في غريب أبي عُبَيْدٍ: ٣/١، ٤، وغريب ابن الجوزي: ١/ ٤٤٧، والفائق:
١٢٨/٢، والنّهاية: ٣٢٠/٢، ويُراجع: الجمهرة: ١٣١، ٢٣٧، وتهذيب اللُّغة: ٢٧٦/١٣، =
١٦٣

وَالعَرَبُ تَقُولُ: قَدْ اْزَوَت الجِلْدَةُ في النَّارِ: إِذَا تَشَتَّجَتْ وتقبَّضَت. ومن ذُلِكَ
حَدِيْثُ رَسُوْلِ اللهِهِ؛ حينَ قَالَ: ((إنَّ المَسْجِدَ لَيَتْزَوِيْ من النُّخَامَةِ كَمَا تَنْزَوِيْ
الجِلْدَةُ في النَّارِ)) إِذَا انقَبَضَتْ وَاجْتَمَعَتْ، يَعني: إنَّ المَسْجِدَ يَتَقَبَّضُ من الثُّخَامَةِ
ويَلْتَوِيْ كَرَامِيَّةً لَهَا، وَهُوَ مِثْلُ الحَدِيثِ الَّذِي حَدَّثَنِي الِزَامِيُّ، عن مَعْنِ بنِ
عِيْسَى، أَنَّ كَعْباً قَالَ: ((مَا مِنْ مَسْجِدٍ يُبْنَى اللهِ إلَّ لَهُ عَيْنَان يُبْصِرُ بِهِمَا، وَلِسَانٌ
يَكَلَّمُ بِهِ، وإنّه لَيَلْتَوِيْ مِنَ النُّخَامَةِ كَمَا تَلْتَوِيْ الدَّابَةُ مِنَ السَّوْطِ وَالقَضِيْبِ».
قال عبدُ الملكِ: ومثلُهُ أيضاً الحَدِيْثُ الَّذِي حَدَّثَنِي أَبُوصَالِحِ الجُهَنِيُّ(١)،
عن مُعَاوِيَةَ بنِ أَبِي صَالِحِ، أنَّ رَسُوْلَ اللهِوَلَ قَالَ: ((يَتَزَوَّجُ أَحَدُكُمُ المَرْأَةَ الشَّابَّةَ
الرَّطْبَةَ حَتَّى إِذَا تَزَوَّى جِلْدُهَا وَتَقَبَّضَ بَطْنُهَا طَلَّقْهَا، اللّهَ اللهَ في النِّسَاءِ، ثُمَّ اللهَ
اللهَ في النِّساءِ)).
قَالَ عبدُالملكِ: يَقُولُ: إِذَا تَقَبَّضَ جِلْدُهَا وَتَشَنَّجَ مِنَ الكِبَرِ، وقَعَدَتْ عن
الوَلَدِ طَلَّقَهَا، وإِنَّمَا يَعْنِي ذَهَابَ الشَّبَابِ وَإِقْبَالَ الكِبَرِ. فَمَعْنَى الزِّوَاءِ فِي جَمِيْعِ
هَذِهِ الأَحَادِيْثِ قَرِيبٌ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ، إِنَّمَا هُوَ انْطِوَاءُ الشَّيْءِ واجْتِمَاعُهُ،
وَتَقَبُُّهُ وَتَشَتُّجُهُ، كَذلِكَ قَالَ لِي مُحَمَّدُ بنُ سَلَّمِ الْبَصْرِيُّ، وَأَنْشَدَنِي قَوْلَ
أَعْشَىْ بَكْرِ بنِ وَائلٍ(٢) :
ومجمل اللُّغة: ٤٤٣، والتَّمهيد: ٣٥٢/٢٤، والصِّحاحِ، واللُّسان، والتَّاجِ: (زَوَى).
(١) لم أقف عليه لعدم ظُهُوْرِ اسمِهِ، وقد يكون مَجْهُولاً .
(٢) لم يُشده مُحَمَّدُ بنُّ سَلَّمٍ، إِنَّمَا نَقْلَهُ من غَرِيْبِ أبي عُبَيْدٍ: ٤/١ والنَّصُّ الَّذِي أَوْرَدَهُ المُؤْلِّفُ
هُنا، وفي أَغْلَبِ مباحث الكتاب اللغوية لأبي عُبَيْدٍ مع مُحاولة المؤلِّف جَحْدَ ذلك وإنكارَهُ،
والرّواية عن شُيُوخِهِ بأسانيد هي لأبي عُبَيْدٍ مع زيادة شَيْخِهِ فِي أَعْلَى الإسنادِ. وقد أَوْضَحْتُ
ذلك في مواضع من التَّعليق وأشرتُ إليه في المقدمة. وبيتا الأعشى في ديوانه (الصُّبح =
١٦٤

يَزِيْدُ يَغُضُّ الطَّرْفَ عَنِّي كَأَنَّمَا زَوَى بَيْنَ عَيْنَيْهِ عليَّ المَحَاجِمُ
فلا يَنْبِطْ مَابَيْنَ عَيْنَيْكَ مَانْزَوَى وَلا تَلْقَنِيْ إلاَّ وأنفُكَ رَاغِمُ
الزَّوَاءُ : - هَهُنا - تَقَبُُّ جِلْدَةِ ما بينَ العَينين، وذلك يكونُ من تَقْطِيْبِ الرَّجُلِ.
قَالَ عَبدُالملكِ: وأمَّا قولُهُ: (أَعوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السَّفَرِ)) فَمَعْنَاهُ: شِدَّةُ
النَّصَبِ ومَشَقَّةُ السَّفرِ. وأمَّا نَفْسُ الكَلِمَةِ فإِنَّ الوَعثَاءَ وَالوَعَثَ(١): كلُّ ما
اسْتَوْعَرَ من الأَرْضِ وَهِيَ الحُزُونَةُ كلُّهَا، وَكَذلِكَ ما استَوْعَرَ مِنَ الأَشْيَاءِ كُلِّها
=
المثير): ٥٨ من قصيدةٍ جيّةٍ يهجو بها يَزِيدَ بنَ مُسهرِ الشَّيْبَانِيَّ، وقد هجاه في قصيدته
المشهورة
* وَدَّعْ هُرَيْرَةً إِنَّ الرَّكْبَ مُرْتَحِلُ *
وأَوَّلُ القَصِيْدِةِ التي منها الشَّاهد:
هُرَيْرَةَ وَدِّعْهَا وَإِنْ لاَمَ لآئِمُ
لَقَدْ كَانَ فِي حَوْلٍ ثَوَاءٍ ثَوَيْتُهُ
مُبَثَّلَةٌ هَيْقَاءُ رَوْدٌ شَبَابُهَا
وَوَجْهٌ نقيُّ اللَّوْنِ صَافٍ يَزِيْنُهُ
غَدَاةَ غَدٍ أَمْ أَنْتَ لِلْبَيْنِ وَاجِمُ
تَقَضِّي لُبَانَاتِ وَيَسْأَمُ سَائِمُ
لَهَا مُقْلَنَا رِئْمٍ وَأَسْوَدُ فَاحِمُ
مَعَ الحَلْيِ لَبَّاتٌّ لَهَا وَمَعَاصِمُ
ثُمَّ قَالَ:
رَأَيْتُ يَنِي شَيْبَانَ يَظْهَرُ مِنْهُمُ
فَإِنْ تُصْبِحُوا أَدْنَى العَدُوِّ نَقَبْلَكُمْ
لِقَوْمِيَ عَمْداً نِغْصَةٌ وَمَظَالِمُ
مِنَ الدَّهْرِ عَادَتنا الرِّبابُ وَدَارِمُ
وَدُوْدَانُ فِي أَلْفَافِهَا وَالأَرَاقِمُ
وَسَعْدٌ وَكَعْبٌ وَالعِبَادُ وَطَيِّىءٌ
(١) اللَّفظةٌ مشروحةٌ في غريب أبي عُبَيْدٍ: ٢١٩/١، وغريب الحربي ٧٣١، وغريب ابن
الجوزي: ٤٧٦/٢، والفائق: ٧١/٤، والنّهاية: ٢٠٦/٥، ويراجع: العين: ٢٣١/٢،
ومختصره: ٢٠٣/١، وجمهرة اللُّغة: ٤٢٧، وتهذيب اللُّغة: ١٥٣/٣، ومجمل اللُّغة:
٩٣١، والمُحكم: ٢٤٣/٢، والأفعال للسّرقُطِيِّ: ٢٤٤/٤، والصِّحاح، واللِّسان،
والتَّاج: (وَعَثَ).
١٦٥

واشتَدَّ فَهِيَ وَعْثَاءُ. قَالَ الْكُمَيْتُ - يُخَاطِبُ [قُرَيْمَشياً(١) في انْتِمَاءِ جُذَامِ إليها،
وَذُلِكَ أنَّ جُذَاماً فِي نَسَبِهَا ابْنُ أَسَدَةَ بِنِ خُزَيْمَةَ(٢) أَخُو أَسَدِ بنِ خُزَيْمَةَ -:
(١) في الأصل: ((شيئا))، وَهَكذا صحةُ العِبَارَةِ - فيما أَظُنُّ -؛ لأنَّ البيتَ من قصيدةٍ جيّدةٍ طَوِيْلَةٍ
قالها الكُمَيْتُ يُخَاطِبُ ويُعَاتبُ قُرَيْشاً وهي في ديوانه: (شعر الكميت) ١١٣/١-١٢٤ نقلها
جامع الدِّيوان من جمهرة أشعار العرب: ٩٧٩/٣ -٩٩١ أولها:
لِطُوْلٍ وَلاَ الأَحْدَاثَ تَغْتَى خُطُوْبُهَا
◌َلاَ لاَ أَرَىُ الأَيَّامَ يُقْضَى عَجِيْبُهَا
بِبَعْضٍ مِنَ الأَقْوَامِ إِلَّ لَبِيُهَا
وَلاَ عِبَرَ الأَيَّامِ يَعْرِفُ بَعْضَهَا
وَلَمْ أَرَ قَوْلَ المَرْءِ إِلَّ كَنَيْلِهِ
بِهِ وَلَهُ مَخْرُوْمُهَا وَمُصِيبُهَا
وَلَّ مِثْلُهَا كَسْباً أَفَادَ كُسُوبُهَا
وَمَا غُبِنَ الأَقْوَامُ مِثْلَ عُقُوْلِهِمْ
وَمَا غُيِّبَ الأَقْوَّامُ عَنْ مِثْلِ خُطَّةٍ
تَغَيَّبَ عَنْهَا يَوْمَ قِيْلَتْ لَبْهَا
ومنها:
رَمَتِي قُرَيْشٌ عَنْ قُسِيٍّ عَدَاوَةٍ
تُوَقِّعُ حَوْلِي تَارَةً وَتُصِيُِّنِي
ثُمَّ يقولُ:
وَحِقْدٍ كَأنْ لَمْ تَدْرِ أَنِّي قَرِيْبُهَا
بِنَّلِ الأَذَى عَفْواً جَزَاهَا حَسِبُهَا
وَهَيْهَاتَ مِنِّي ثُمَّ هَيْهَاتَ طِيْبُهَا
أُطَيِّبُ نَفْسِي عَنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالبٍ
أَبُوْهَا أَبِيْ الأَدْنَىْ
عَصَشِي وَلَمْ يَسْلَسْ لِطَوْعٍ جَنِيُْهَا
إِذَا سُمْتُ نَفْسِي عَنْ يَنِيْ النَّضْرِ سَلْوَةً
(٢) في الأصل: ((خريمه)) وجاء في أنساب الأشراف: ٤٢/١: ((قال هشام بن الكلبي: دخل
بنوأَسَدَةً بن خُزَيْمَةً فِي بِنِي أَسَدِ بن خُزَيْمَةً وكانُوا قليلاً، وَقَوْمٌ يقولُون: إِنَّ أَسَدَةَ دَرَجٌ.
ونُسَّابُ مُضر يقولون: إنَّ أَسَدَةَ هَذا أبوجُذَامٍ، وإنَّ وَلَدَهُ غَاضَبُوا إخوته فأخرجوهم فأتوا
الشَّامَ وحالَفُوا لَخْماً، وقالوا: جُدَامُ بنُ عَدِيٍّ أَخُو لَخْمٍ بن عَدِيٍّ، وقال بشرُ بنُ أبي خَازِمِ
الأَسدِيُّ [لم يردا في ديوانه؟!]:
صَبَرْنَا عَنْ عَشِيْتِنَا فَبَانُوا كَمَا صَبَرَتْ خُزَيْمَةُ عن جُذَّامٍ
=
١٦٦

خُزَيْمَةُ والأَرْحَامُ وَعْثاً جُؤُوْبُهَا
وأَيْنَ ابنُهَا مِنْكُمْ ومنَّا وَبَعْلَها
يَقُولُ: إنَّ قَطيعةَ الرَّحِمِ مأثمٌ شَدِيْدٌ فكلُّ ما اشْتَدَّ من الأَمْرِ فَهُوَ وَعْثٌ وَوَعْثَاءُ
وأمَّا نَفْسُ الكَلِمَةِ وَأَصْلُهَا فالحُزُونة من الأَرْضِ.
قَالَ عبدُالملكِ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: ((وكآبَةُ المُنْقَلَبِ)) فَيَعْنِي أَنْ يَنْقَلِبَ (١) من
سَفَرِهِ إِلَى [١٦٣] مَنْزِلِهِ بِأَمْرٍ يَكْتِبُ منه مِمَّا أُصِيْبَ بِهِ فِي سَفَرِهِ، أَوْ مِمَّا يَقْدِمُ
عَلَيْهِ فِي أَهْلِهِ.
قالَ عبدُالملكِ: وَالغَرْزُ - في هَذَا الحَدِيْثِ - مُتَفَّفٌ، بِجَزْمِ الرَّاء(٢)،
قَالَ الرَّاجزُ(٣):
كَسَاقِ سَلْمَى سَاقُهُ فِي غَرْزِهِ
إِنْ يُبْدِهَا لِلْقَوْمِ يَوْماً يَجْزِه
- وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيْبٍ عن شَرْحٍ (النّقْي) في حَدِيثِ مَالكٍ
=
وَكَانُوا قَوْمَنَا فَبَغَوْا عَلَيْنَا فَسُقْنَاهُمْ إِلَى الْبَلَدِ الشَّآمِي
ثم قال: قال أبو اليَقْضَان البَصْرِيُّ: ردَّ مروان بن محمد جُذَامَ في أيَّامه إلى بني أَسَدٍ
فقال القَعْقَاعُ الطَّائِيُّ: [لم يرد في شعر طيِّىءٍ وأخبارها؟!]
حَتَّى تَكُوْنَ جُذَامٌ فِي نِي أَسَدِ
مَا كُنْتُ أَحْسَبُ أَنْ يَمْتَّ بِي أَجَلِي
يَا لَلِرُّجَالِ لِرَيْبِ الدَّهْرِ ذِي النَّحَدِ
فَأَصْبَحَتْ فَفْعَسٌ تُدعىُ إِمَامَهُمُ
شُمُّ العَرَانِيْنِ لاَ يُسْقَوْنَ مِنْ ثَمَدِ
وَالِبِيْضُ لَخْمٌ وَكَانُوا أَهْلَ مَمْلَكَةٍ
وللخبر بقية تجدها هناك، وفي جمهرة أنساب العرب لابن حزم وغيرهما.
(١) هو تفسير أبي عُبَيْدٍ في غريب الحديث بلفظه: ٢٢٠/١.
(٢) لم يشرحِ المؤلِّفُ اللَّفظةَ، قال ابن الأثير في النّهاية: ٣٥٩/٣ (الغُرْزُ: ركابُ كورِ الجَمَلِ إذا
كان من جلدٍ أو خَشَبٍ، وقيل: هو الكورُ مطلقاً مثل الرِّكاب للسَّرج)).
(٣) لم أقف عليهما.
١٦٧

الَّذِي رَوَاهُ عن أَبِي عُبَيْدٍ، عَنْ خَالِدِ بنِ مَعْدَان: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ◌ّ قال:
((إِنَّ اللهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفق ويَرَضَاهُ ويُعينُ عَليه مَا لاَ يُعينُ عَلَى العُنْفِ، فَإِذَا
رَكِبْتُمْ هَذه الدَّوَابَّ العُجْمَ فَأَنَزِلُوهَا مَنَازِلَهَا، فَإِنْ كَانَتِ الأَرْضُ جَدْبَةٌ فانجُوا
عَلَيْها بِنِقْيِهَا، وَعَلَيْكُمْ بِسَيْرِ اللَّيْلِ، فَإِنَّ الأَرْضَ تُطْوى باللَّيْلِ مَا لاَ تُطْوَى
بالنَّهَارِ، وإِيَّاكُمْ والتَّعْرِيسَ عَلَى الطَّرِيْقِ فَإِنَّها طُرُقُ الدَّوَابِّ، ومأوَىُ الحَيَّاتِ))
[٩٧٩/٢ رقم (٣٨)].
قال عبدُالملك: أمَّا قولُهُ: ((فانجوا عَلَيها بِنِقْتِهَا)) فيَعْنِي فَانْجُوا عَلَيْهَا
بِشُحُومِهَا، نِقْيُ(١) الدَّوَابِّ وَالإِلِ: شُحُوْمُهَا. وَقَوْلُهُ: ((انْجُوا عَلَيْهَا)): سِيْرُوا
عَلَيْهَا مِنَ النَّجَاءِ، وَلَيْسَ من النَّجَاةِ، والنَّجَاءُ: السَّيْرُ الشَّدِيْدُ. وقولُهُ: ((فإِذَا
رَكِبْتُمْ هَذِهِ الدَّوَابَّ العُجْمَ)) سَمَّاها عُجْماً من أَجْلِ أَنَّها لا تُبِيْنُ كَلاَمَاً، وَالوَاحِدَةُ
عَجْمَاءُ. وَقَدْ قَالَ فِي غَيْرِ حَدِيْثِ مَالكِ: ((فَإِنْ سِرْتُمْ في المخِصْبِ فَأَمْكِنُوهَا من
أَسْنَانِهَا)) يَعْنِي: أَمْكِنُوهَا مِنَ المَرْعَى. وفي حَدِيْثٍ آخرَ: (فَأَعْطُوْهَا حَظّهَا مِنَ
الكّلاٍ)) يَعْنِي: أن ينزلُوا بها في مَوَاضِعَ الرَّعي وَالكَلِإِ حَتَّى تُصِيْبَ منه، وإنْ
كَانَتْ الأرضُ جَدْبَةٌ فَأَسْرِعُوا السَّيرَ لِتَقْطَعُوا السَّفَرَ.
- وسألنا عبدَ الملكِ بن حَبِيبٍ عن شَرْحِ (الجَوْسِ) في حَدِیْثِ مَالكٍ
الَّذِي رَوَاهُ عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ: ((حِيَّنَ نَظَرَ إِلى أَمَةٍ لايْنِهِ عُبَيْدِ الله وَقَدْ
تَهََّتْ بِهَيْئَةِ الحَرَائِ فَدَخَلَ عَلَّى ابنَتِهِ حَفْصَةَ فَقَالَ: أَمْ أَرَ جَارِيَّةً أَخِيْكِ تَجُوْسُ
النَّاسَ وَقَدْ تَهَّأَتْ بِهَيْئَةِ الحَرَائِ؟! وَأَنْكَرَ ذُلِكَ عُمَرُ)) [٩٨١/٢ رقم (٤٤)].
(١) تقدَّم مثل هذا.
١٦٨

قال عبدُالملك: مَعْنَى قَوْلِهِ: تَجُوْسُ النَّاسَ: تَجُوْلُ فِيْهِمْ(١)، وَتُقِلُ
وَتُدْبِرُ، وَمِنْهُ قَوْلُ المُتْلَمِّسِ(٢):
سِرْ قَدْ أَنَىْ لَكَ أَيُّها (٣) المُتَجَوَّسُ في الدَّارِ أنْ كَادَتْ لِعَامِكَ (٤) تَدْرُسُ
(١) اللَّفظةُ مشروحةٌ في غريب أبي عُبَيْدٍ: ٣/ ٤٠٤، والغَريبين: ١/ ٤٢٠، والنّهاية: ١/ ٤٦٠.
ويُراجع: جهرة اللّغة: ١٠٤١، ١٢٩٢ (جوس)، و٥٣٦، ١٠٤٩ (حوس)، وتهذيب
اللُّغة: ١٣٩/١١ (جوس)، و١٧٠/٥ (حوس)، ومجمل اللَّغة: ١٠٣ (جوس)، و٢٥٧
(حوس) والمحكم ٣٥٩/٧ (جوس)، ٣٦٨/٣ (حوس)، والصِّحاح، واللِّسان، والتّاج:
(جوس) و(حوس)، وهي مشروحة في كتب التفاسير وغريب القرآن في تفسير قوله تعالى:
﴿فَجَاسُواْ ◌َِلَ الدِّيَارِ﴾ سورة الإسراء، الآية: ٥، وفي قراءة أبي السَّمال وطلحة بالحاء
المهملة.
يراجع: المحتسب: ١٥/٢، والكشاف: ٤٣٨/٢، والبحر المحيط: ١٠/٦.
قال أبو عُبَيِّدٍ: ((الخَوْسُ والجَوْسُ بمعنّى واحدٍ، وهو كلُّ موضعٍ خالطتُهُ وَوَطِئْتُهُ فقد
جُسْتُهُ وَحُسْتُهُ سواءً، قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿عِبَادًالَنَّا أُوْلِي بَأْسِ شَدِيدٍ فَبَاسُواْ خِلَلَ الذِّيَارِ وَكَانَ وَهْدًا
مفعولا (#)﴾ ومنه قول الشاعر:
نَجُوْسُ عِمَارَةٌ وَنَكُفْتُّ أُخْرَى لَنَا حَتَّى يُجَاوِزُهَا دَلِيْلُ
... قال أبو عُبَيْدٍ: فَهَذا الجَوْسُ، وقَال الحُطِيئَةُ في الحوسِ يَدُمُّ رَجُلاً: [ديوانه: ١٠٢]
دُنُسُ الشَّابِ قَنَاتُهُمْ لَمْ تُضْرَسِ
رَهْطُ ابْنٍ أَفْعَلَ فِي الْخُطُوبِ أَذٌِّ
يُعْطِيْ الظُّلاَمَةَ في الخُطُوبِ الخُوَسِ
بِالهَمْزِ مِنْ طُوْلِ الثَّافِ وَجَارُهُم
وقال الهَرَوِيُّ في ((الغريبين): ((قال الأصْمَعِيُّ: يُقالُ: تركتُ فلاناً يجوسُ بني فلانٍ ونْحُوسُه
ويَدُوسهم أي: يطؤُّهُمْ)). وفي ديون الخُطَيْئَةِ: ((رهط ابن جَحْشٍ). وفي شَرْحِهِ: الحُوَّسُ:
الأمورُ الشِّدادُ.
(٢) ديوان المُتَلَمِّس: ٢٩٤.
(٣) في الأصل: ((أيه)).
(٤) في الأصل: ((إن كان لعام)).
١٦٩

[ تفسيرُ غريبٍ كتابِ الكَلَام ](١)
[من مُوَطَّأ مالكِ بنِ أَنَسٍ رحمه الله]
- وسألنا عبدالملكِ بنَ حَبِيبٍ عن شرحٍ [١٦٤] حديثٍ مَالكِ
الَّذِي رَوَاهُ عن عبدِ اللهِ بن دِيْنَارٍ، عن ابن عُمَرَ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِنَّهِ قَالَ:
(أَيُّمَا رَجُلٍ قَالَ لأَخِيْهِ كَافِرٌ فَقَدْ بَاءَ بِهِ أَحَدُهُمَا)) [٩٨٤/٢ رقم (١)].
قَالَ عبدُ المَلك: يعني بقَوْلِهِ: ((فَقَدْ بَاءَ به أَحَدُهُمَا)) فقد انقلبَ بها
أَحَدُهُمَا، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ [عَزَّ وَجَلَّ] (٢): ﴿إِّ أُرِيدُ أَنْ تَبُوَأَ بِثِى وَإِّكَ﴾ يعني
أَنْ تَنْقَلِبَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ. ومعنى الحَدِيْثِ: إِنْ كَانَ الَّذِي قِيْلَ لَهُ ذُلِكَ كَافِراً فَهُوَ
كَمَا قِيْلَ لَهُ، وإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَلْ يَكُوْنُ] الَّذِي قَالَ لَهُ ذُلِكَ كَافِراً، وَلاَ أُرَاهُ
أَرَادَ بِذْلِكَ إِلَّ الخَوَارِجَ الَّذِيْنَ يَكْفِّرون أهلَ الإِيمانِ عَلَى الذُّنُوبِ، ومن رَأَى
رَأْيَهُمْ وَذَهَبَ مَذْهَبَهُمْ. فَأَمَّا مَنْ قَاله على وجهِ استعظامٍ ما يَرْكَبُهُ الرَّجُل من
المَعصيّة وإظهارِ الشَرِّ على الزَّجْرِ لَهُ، وَالنَّهي والتَّوجُّعَ لِمَا يُبْدِي فَلَيْسَ عن
هَذا، إنَّما مَعْنَى هَذا الحَدِيْثِ فِيمَنْ قالَهُ على حَالَةِ التَّكْفِيرِ بِالنِيَّةِ والبَصِيْرةِ،
كَذْلِكَ أَخْبَرَنِي مُطَرِّفٌ عَنْ مَالِكِ.
وَقَدْ حَدَّثَنِي صَعْصَعَةُ(٣)، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ: أَنَّ قِيْلَ لِرَسُوْلِ اللهِ وَِّ: ((أَيُّهما
(١) المُوطَّأ رواية يحيىُ: ٩٨٤/٢، ورواية أَبي مُصْعَبِ الزُّهري: ١٦٢/٢، ورواية سُويدٍ
الحَدَثَانِي: ٥٢١، والاستذكار لأبي عمر بن عبدالبرٌ: ٢٩٩/٢٧، والتعليق على الموطأ لأبي
الوليد الوقَّشيِّ: ٣٨٥/٢، والمنتقى لأبي الوليد: ٣٠٨/٧، والقبس لابن العربيّ: ١١٦٢،
وتنوير الحوالك: ١٤٨/٣، وشرح الزّرقاني: ٤٠٠/٤، وكشف المغطى: ٣٧٦ .
(٢) سورة المائدة: الآية: ٢٩.
(٣) هو صَعْصَعَةُ بنُ سَلَّمِ الشَّامِيُّ (ت ١٩٢ هـ). تقدَّم ذكره.
١٧٠

أَحَقُّ بِهَا المَرْمِيُّ أَوِ الرَّامِي؟ فَقَالَ: المَرْمِيُّ مَا ذَنْبُهُ؟!)).
۔ وسألنا عبدالملك بن حبیپٍ عن شرح حديث مالكٍ
الَّذِي رَوَاهُ عن سُهَيْلِ بنِ أَبِي صَالحِ، عن أَبِيْهِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رَسُوْلَ
اللهِ وَ﴿ قَالَ: ((إذا سَمِعْتَ الرَّجُلَ يَقولُ: هَلَكَ النَّاسُ فَهُوَ أهلَكَهُمْ)) [٩٨٤/٢
رقم (٢)].
قال عبدُالملكِ: إنَّما ذُلك فيمن يقُولُهُ إِزْرَاءً عَلَى النَّاسِ أَنَّه لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ
فيه خَيْرٌ، وأمَّا إِذَا قَالَ ذُلكَ تَوجُّعاً عَلَى النَّاسِ لِمَا ظَهَرَ فيهم مِنَ الشَرِّ،
ولِذَهَابِ أَهلِ الفَضْلِ فَلاَ شَيْءَ عليه، كَذَلِكَ أخبَرَنِي مُطرِّفٌ عن مَالكِ.
۔ وسألنا عبدالملك بن حبیپٍ عن شرح حديث مالكٍ
الَّذِي رَوَاهُ عن أبي الزِّناد، عن الأَعْرَجِ، عن أبي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِعَه
قَالَ: ((لاَ يَقُوْلَنَّ أَحَدُكُمْ: يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ، فإنَّ اللهَهُوَ الدَّهرُ)). [٩٨٤/٢ رقم (٣)].
قَالَ عبدُالملك: وَقَدْ حدَّثنيه مُطَرِّفٌ، عن أَبي الزُّنادِ، عن أَبِيْهِ، عن
الأَعْرَجِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِوَهِ قَالَ: ((لا تَسُبُّوا الدَّهَر فإنَّ اللهَ هُوَ
الدَّهُ))َ وَحَدَّثَنِيْهِ ابْنُ عَبْدِ الحَكَمِ وَغَيْرُهُ، عن ابنِ لَهِيْعَةَ، عن الأَعْرَجِ، عن أبي
هُرَيْرَةَ عن رَسُوْلِ اللهِوَ﴾(١) .
قال عبدُالملكِ: وَالحَدِيْثُ بِذْلِكَ عن رَسُوْلِ اللهِوَهْ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ رَوَاهُ
المَدَنِيُّ وَالعِراقِيُّ وَغَيْرُهُم.
قَالَ عبدُالمَلكِ(٢): وَهُوَ مِمَّ لاَ يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِنْ أَهْلِ الإِسْلامِ أَنْ يَجْهَلَ
(١) غريب أبي عُبَيْدٍ: ١٤٥/٢.
(٢) القَولُ هُنا لأبي عُبَيْدٍ مع اختلافٍ یسیر.
١٧١

شَرْحَهُ [١٦٥] وَوَجْهَهُ، وَذُلِكَ أنَّ الزَّنَادِقَةَ وَأَهْلَ التَّعْطِيلِ والمُلْحِدِيْنَ في الدِّين
يَحْتَجُوْنَ بِهِ على المُسْلِمِيْنَ وَأَهْلِ الإِيْمَانِ بِاللهِ، فَإِنَّمَا وَجْهُهُ وَشَرْحُهُ عِنْدَ أَهْلِ
العِلْمِ وَالسُّنَّةِ: أنَّ العَرَبَ شأنُها أن تَذَمَّ الدَّهْرَ وتَسبَّه عندَ المَصَائبِ التي تَنزِلُ
بِهِمْ مِنْ مَوْتٍ، أَوْ هَرَمٍ، أَوْ تَلَفِ مالٍ أَوْ غَيْرِ ذُلِكَ، فَيَقُوْلُوْنَ: أَصَابَتْ يَنِي فُلانٍ
قَوَارِعُ الدَّهْرِ، وَأَبَادَهُمُ الذَّهْرُ، وَأَتَى عَلَيْهِمُ الدَّهْرُ، فَيَجْعَلُوْنَ الدَّهْرَ الَّذِي يَفْعَلُ
ذُلِكَ، فَيَذْقُونَهُ وَيَسِبُّونَهُ عَلَىْ ذُلِكَ، وَقَدْ ذَكَرُوا ذُلِكَ في أَشْعَارِهِمْ كَثِيْراً، من
ذُلِكَ قَوْلُ زُهَيْرِ بنِ أَبِي سُلمَى (١) - حينَ ذَكَرَ قَوْماً هَلَكُوا - قَالَ:
فاستَأْثَرَ الذَّهْرُ الغَدَاةَ بِهِمْ وَالدَّهْرُ يَرْمِيْنِيْ وَلاَ أَرْمِيْ
مَاطَاشَ عِنْدَ حَفِيْظَةٍ سَهْمِيْ
أَحْرَزْتَ قَسْمَكَ فَالْهُ عَنْ قَسْمِيْ
بِسُرَاتِنَا وَقَرَغْتَ فِي العَظْمِ
يَادَهْرُ ما أَنْصَفْتَ في الحُكْمِ
بِمِزَاجٍ كَأْسٍ مُرَّةِ الطَّعْمِ
حَامِيْ الزَّمَانِ مُخَالَطِ العَزْمِ
لَوْ كَانَ لِيْ قِرْناً أُنَاضِلُهُ
أَوْ كَانَ يُعْطِي النَّصْفَ قُلْتُ لَهُ
يَا دَهْرُ قَدْ أَكْثَرْتَ فَجْعَتَنَا
وسَلَبْتَنَا مَا لَسْتَ تُعْقِبُنَا
فارْفَعْ جُرَابَكَ طَالَمَا عَلَلْتَنَا
أَبْلَتْ صُرُوْفُكَ كُلَّ ذِيْ ثِقَةٍ
وَمِنْ ذُلِكَ قَوْلُ زُهَيْرٍ أَيْضاً(٢):
(١) في غَريب أبي عُبَيْدٍ: ((قال الشَّاعرُ)) الأبيات المذكورة ليست كلُّها محلَّ اتِّفاقِ أنَّها لزُهيرٍ.
فالبيتُ الرابعُ ينسبُ إلى الأعشىُّ في ملحقات ديوانه: ٢٥٨ وفيه: ((ووقرتَ في العَظُمِ))
والبيتان الأخيران لم يردَا في شرح دِيوان زُهَيْرٍ. وماعداها في شرح الدِّيوان: ٣٨٥.
والأبيات: ١، ٤، ٥ في غريب الحديث لأبي عُبَيْدٍ: ١٤٦/٢.
(٢) في غريب أبي عُبَيْدٍ: ١٤٦/٢: ((وقال عمرُو بنُ قَمِيْئَةً)) وفي التَّمهيد: ١٥٥/١٨: ((قال
شاعِرُهُم) وهي في جمهرة أشعار العرب: ٢٠٦/١ للبيد، الأول والثَّني منهما، وقبل =
١٧٢

فَكَيْفَ بِمَنْ يُرمَى وَلَيْسَ بِرَامِي
رَمَثْنِي بَنَّاتُ الدَّهرِمِنْ حَيْثُ لاَأَرِي
فَلَوْ أَنَّها نَبْلٌ إذاً لاتَّقَيْتُهَا
عَلَى الرَّاحَتَيْنِ مَرَّةً وَعَلَى العَصَا
ولكَنِيْ أُزْمَىُ بِغَيْرِ سِهَامِ
أَنَّوْءُ ثَلَاثاً بَعْدَهُنَّ فِيَامِي
زُهَيْرٌ شَدِيْدَ الرُّكْنِ غَيْرَ كُهَامِي
إِذَا مَا رَآنِيْ النَّاسُ قَالُوا أَلَمْ يَكُنْ
فَأَفْنَى وَمَا أَقْنَيْتُ لِلدَّهْرِ لَيْلَةً وَلَمْ يُغْنِ مَا أَفْنَيْتُ سِلْكَ نظامٍ
وَمِنْ ذُلِكَ قَوْلُ سُلَيْمَانَ بِنِ عَلَيٍّ الأَسَدِيِّ(١):
الأبيات المذكورة هنا قوله:
=
كَأَنِّي وقَدْ جَاوَزْتُ تِسْعِيْنَ حجَّة خَلَعْتُ بِهَا يَوْماً غِدَارٍ لجامِيْ
والمَشْهُور للبِيْدِ: ما جاء: [في الأغاني: ٣٦٢/١٥] قال أبو الفرج: «فلما بلغ التِّسعين قال:
كَأَنِّي وَقَدْ جَاوَزْتُ تِسْعِيْنَ حِبَّةٌ خَلَعْتُ بِهَا عَنْ مَنْكِيَّ رِدَائِیًا»
كذا جاء، وإن كان هذا البيت أيضاً ينسبُ إلى زُهَيْرِ بنِ أَبِي سُلْمَىْ من قَصِيْدَةٍ طَويلةٍ هُناك،
وجاء في شرح ديوانه: ٢٨٦ وروى الثّوريُّ:
كأَنِّي وَقَدْ خَلَّفْتُ تِسْعِينَ حِبَّةٌ
خَلَعْتُ بِهَا عَنْ مَنْكِبَيَّ رِدَائِیًا
والأبياتُ أيضاً من قَصيدةٍ طَويلةٍ في ديوان عَمْرِو بِن قَمِيْئَةَ: ٤٤ غير متتالية وفيها بعض
الاختلاف في الألفاظ. وفي رواية المؤلِّفُ هُنا: ((ألم يكن زهيرٌ» دلالةٌ على أنَّ القائلَ زُهيرٌ،
لكن روايةَ ديوان عَمْرٍو: ((أَمْ يَكُنْ حَدِيْئاً، ويُراجع المزيد من التَّخريجِ في ديوان عَمرِو.
(١) هكذا جاء في الأصل، وفي التَّمهيد: ١٥٨/١٨: ((وهذا سُليمان العَدَوِيُّ - وكانَ خَيِّراً
مُتَدَيَّناً - يَقُوْلُ ... )). وقال الحافظُ ابنُ عبدِ البرِّ في التَّمهيد: ((وأشعارُهُم في هذا أكثرُ من أن
تُحصَىْ خُرِّجت كلُّها على المجازِ والاستعارةِ، وَالمَعْرُوْفُ من مَذَاهِبِ العَرَبِ في كلامها؛
لأنَّهم يُسمُّون الشيءَ ويُعبِّرون عنه بما يقربُ منه وبما هو فيه، كأنَّهم أرادوا ما ينزِلُ بهم في
اللَّلِ والنَّهارِ من مصائبِ الأيَّامِ فجاءَ النَّهيُ عن ذلك تنزيهاً للهِ؛ لأنَّه الفاعلُ ذلك بهم في
الحقيقةِ، وجَرَى ذلك على ألسِتَّتِهِمْ في الإسلام وهم لا يريدون ذلك؛ ألا تَرَى أنَّ المسلمين
الخيارَ الفُضَلَاَءَ قد استعمَلُوا ذلك في أشْعَارِهِمْ علىْ دِينهم وإيمانهم جَرْياً في ذلك على =
١٧٣

فَوَلَّيْتَنَا بَعْدَ وَجْهٍ قَفَاكًا
فَيَا دَهْرُ وَيْحَكَ أَنَّى انْقَلَبْتَ
وأَجْلَسْتَ سِفْلَتَنَا مُسْتَوَاكَا
جَعَلْتَ الشِّرارَ عَلَيْنَا خِيَاراً
فَهَا قَدْ صَنَعْتَ بِنَا ما كَفَاكَا
فيا دَهْرُ إِنْ كُنْتَ عَادَيْتَنَا
وَمِنْ ذُلِكَ قَوْلُ الرَّاحِزَ(١):
أَلْقَىْ عليَّ الدَّهِرُ رِجْلاً وَيَداً
والدَّهْرُ مَا أَصْلَحَ يَوْماً أَفْسَدا
[١٦٦ ]
يُصلِحُهُ الْيَوْمَ ويُفْسِدْهُ غَدَا
ويُسْعِدُ المَوْتُ إِذِ المَوْتُ عَدَا
فِي أَشْبَاءِ هَذَا مِنْ أَشْعَارِهِمْ كَثِيْرٌ، وَقَد ذَكَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ ذُلِكَ في كتابه،
مِن قَوْلهم، ثُمَّ كذَّبهم قال(٢): ﴿ وَقَالُواْ مَا هِىَ إِلََّ حَانُنَ الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُاَ إِلَّا
الذَّهْرُ﴾ قال الله: ﴿ وَمَالَمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلٌَّ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُونَ(٤)﴾ فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِوَلَ:
(لاَ تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنَّ اللهَ هُوَ الدَّهْرُ)) يَقُوْلَ: إِنَّ الَّذِي يَفْعَلُ بِكُمْ هَذِهِ الأشياء،
وَيُصِينِكُمْ بِهَذِهِ المَصَائِبِ هُوَ اللهُ، وَلَيْسَ الدَّهْرَ، فَإِذَا سَبَيْتُمُ فَاعِلَهَا وَأَنْتُمْ
عادتهم وعِلْماً بالمراد، وأنَّ ذلك مفهومٌ معلومٌ لا يُشكلُ على ذي لُبِّ ... )) أورد نماذج من
=
أَشْعَارِهِمْ في ذلك ثُمَّ قَالَ: ((وَالأَشْعَارُ فِي ذُلك لا يُحاطُ بها كثرةً، وفيما لوَّحْنَا به كفايةٌ
وَالحَمْدُ ش».
(١) هو دُوَيْدُ - بالوَاوِ - بن زَيْدِ بن نَهْدِ القُضَاعِيُّ، شاعرٌ قديمٌ معمَّرٌ له أخبارٌ في طبقات فحول
الشُّعراء: ٣١، والمُؤتلف والمُختلف: ١٦٥، والشِّعر والشُّعراء: ٥١، وشرح التَّصحيف
والتَّحريف: ٤٢٨، والمُعمرين: ٢٠ وذكروا الأبياتَ الثلاثةَ المذكورةَ هُنا دونَ الرَّابع،
وَذَكَرَهَا الحَافظُ ابنُ عبدِالبرِّ في التَّمهيد: ١٨/ ١٥٧.
(٢) سورة الجاثية.
١٧٤

تَظُنُّونَهُ الدَّهْرَ فإِنَّما يَقَعُ السَّبُّ وَالذَّمُّ عَلَى اللهِ؛ لأنَّه هُوَ الفَاعِلُ ذُلِكَ لاَ الذَّهْرُ.
هَذَا وَجْهُ الحَدِيْثِ وَتَأْوِيْلُهُ، وَشَرْحُهُ وَتَفْسِيْرُهُ، وَكَذَلِكَ سَمِعْتُ ابنَ المَاحِشُوْن
يُقَسِّرُهُ، وَكُلَّ مَنْ لَقِيْتُ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وَالسُّنَّةِ وَالمَعْرِفَةِ بِتَأْوِيْلِ الحَدِيْثِ، وَهُوَ
كَانَ مَذْهَبُ مَالِكِ في تَفْسِيْرِهِ.
- وَسَأَلنا عبدَالملكِ بنَ حَبِيْبٍ عن شرحٍ حَديثِ مالكِ
الَّذِي رَوَاهُ عن أَبي الزِّنادِ، عن الأَعْرَجِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رَسُوْلَ اللهِ
تَ﴿ قَالَ: ((نِعْمَتِ الصَّدَقَةُ الَّلِفْحَةُ الصَّفِيُّ مِنَحَةً، والشَّاةُ الصَّفيَّةُ مِنْحَةٌ تَغْدُو
بإِنِاءِ، وَتَرُوْحُ بِإِنَاءٍ)) .
قَالَ عبدُالملكِ: أَمَّا اللَّفْحَةُ: فَالنَّقَةُ اللَّبُونُ، وَالصَّغِيُّ: الغَزِيْرَةُ اللَّبَنِ(١)
المُصْطَفَاءُ مِنَ اللَّفَاحِ، وَكَذْلِكَ الشَّةُ الصَّفِيُّ، هِيَ الغَزِيْرَةُ الَّبَنِ، المُصْطَفَاةُ؟
أَيْ: المُخْتَارَةُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: (مِنْحَةً)) فَأَنْ يَمْنَحَ الرَّجُلُ [الرَّجُلَ] ناقَتَهُ أو شاتَهُ فِي أَيَّامٍ
اللَّبَنِ(٢)، يَحْلِبُهَا عَامَهُ ذُلِكَ، أو أياماً مَعْدُوْدَةً ثُمَّ يَرُدُّهَا، وَلاَ تُسمَّى عَطِيَّةَ الرَّقَبَةِ
مِنْحَةٌ، إِنَّمَا المِنْحَةُ: عَطِيُّ لَبِهَا دُوْنَ رَقَبَتِهَا، مِثْلُ العَربيّةِ فِي النَّخْلِ وَالشَّجَرِ(٣)،
وَهِيَ عَطِيَّةُ التَّمْرِ دُوْنَ الأَصْلِ عَامَهُ ذُلِكَ. وَهُوَ فِي الدَّوَابِّ إِفْقَارُ(٤)، تَقُولُ:
(١) اللَّفظةُ مشروحةٌ في غريب ابن الجوزي: ٥٩٦/١، والفائق: ٣٠٦/٢، والنِّهاية: ٤٠/٣،
ويُراجع: تَهذيب اللُّغة: ٢٤٩/٢، ومُجمل اللُّغةِ: ٥٣٥، والصِّحاح، واللِّسان، والتّاج:
(صفا).
(٢) غريب الحديث لأبي عُبَيْدٍ: ١/ ٢٩٢، ٣٣٩/٤، والصِّحاح، واللُّسان، والتاج: (منح).
(٣) تقدَّم ذكرها في (كتاب البيوع) فلتُراجع هُناك.
(٤) غريب ابن الحديث لأبي عُبَيْدٍ: ٢٩٢/١، ٣٣٩/٤، والصِّحاح، واللِّسان والتَّاجِ: (فقر).
١٧٥

أَفْقَرْتَ الرَّجُلَ دَابَتَكَ (١) يَرْكَبُها فَقَط، في حَضَرٍ أَوْ سَفَرٍ أَيَاماً. الإِفْقَارُ: عَارِيةُ
ظَهْرِهَا دُوْنَ رَقَبَتِهَا، وَهُوَ مَأْخُوْذٌ مِنَ الفِقَارِ، وَهُوَ ظَهْرُ الدَّابَّةِ الَّذِي عَلَيْهَا يَرْكَبُ
الرَّاكِبُ، وهو في الإِبلِ إِحْبَالٌ (٢)، تَقُولُ: أَخْبَلْتُ الرَّجلَ ناقةٌ أو بْعْيراً، وُهَو
أَنْ تُعْطِيَهُ النَّاقَةَ يركبُها وَيَجْتُ وَبَرَهَا، ويَنْتَفِعُ بِهَا ثُمَّ يَرُدَّهَا، وَإِيَّاه عَنَى زُهيرُ بنُ
أَبِي سُلْمَى لِقَوْمٍ مَّدَحَهُم (٣):
هُنَالِكَ إِنْ يُسْتَخْبَلُواْ المَالَ يُخْبِلُوا وإِنْ يُسْأَلُواْ يُعْطُوا وإِنْ بَيْسِرُو يُعْلُوا
قَالَ عبدُالمَلكِ: وَمِنَ المِنْحَةِ قَرْضُ الدَّنَانِيْرِ وَالدَّرَاهِمِ، قَدْ حَدَّثَنِي المُقْرِىءُ(٤)،
عَنْ مُحَمَّد بنِ طَلْحَةَ بنِ مُصَرِّفٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَن، عَنْ عَوْسَجَةَ، عَنِ البَرَاءِ
(١) في الأصل: ((دَابَتَهُ».
(٢) غريب أبي عُبَيْدٍ: ١/ ٢٩٢، ٣٣٩/٤، والصِّحاح، واللَّسان، والتَّاج: (خَبَلَ).
(٣) شرح ديوان زُهيرٍ: ١١٢، وغريب الحديث لأبي عُبَيْدٍ: ٢٩٤/٢ .
(فائدة): قال الحافظ أبو عُمر بن عبدالبَرِّ في التَّمهيد: ٣٢٤/٢ ((وَلَهُمْ عَطَايَا مَنَافِعٍ لا يُملَكُ
بشيءٍ منها رَقَبَةُ الشَّيْءِ المَوقوف، منها: (الإفْقَارُ) و(الإخْبَالُ) و(الإِعْرَاءُ)، ومنها:
(الِمِنْحَةُ) كانُوا إذا أعطىُ أحدٌ منهم صاحبه ناقةً أو شَاةً من غَنَمِهِ يشربُ لبنَها مرَّةً قيل:
مَنَّحَهُ، فَإِنْ أعطاهُ دابَّةٌ يَرْتَفِقُ بظهرهَا وَيُكري ذُلِكٌ وينتفعُ به قيل: أَخْبَلَهُ. فإن أعطاهُ شَيئاً من
الإبلِ يركبُهُ مرةً قيل: أَفْقَرَهُ ظَهْرَ جَمَلِهِ أو نَاقَتِهِ أو داَتِهِ. فالعَرايا في ثَمَرَ النَّخْلِ، وتكونُ عند
جَمَاعةٍ من العُلَّمَاءِ في النَّخْلِ والعِنَبِ وغيرِهِمَا من الثِّمارِ. والِمِنْحَةُ في أَلْبَانِ النُّوقِ والغَنّمِ.
والإخبالُ في الدَّوابِّ، والإفقارُ في النّوقِ والإبلِ. والإطراقُ: أنْ يُعطيَه فحلَ غَنَمِهِ أو إِيلِهِ
الحَمْلِهِ على نِعاجِهِ أو نُوقِهِ. والإسكانُ: أن يسكنَهُ بيتاً له مُدَّةً، لا يَعْلِكُ بشيءٍ من هذا كلِّه
رَقَبَةً ما يُعْطَى، ومن هذا البابِ عندَ أصحابنا (العُمْرَىْ) وخَالَفَهُم في ذلك غيرُهم. وقد
ذكرنا ذلك في مَوْضِعِهِ من كتابنا هَلذا)).
(٤) لم أستطع التَّعرُّف عليه.
١٧٦

ابْنِ عَازِبٍ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِوَهِ قَالَ(١): ((مَنْ مَنَحَ مِنْحَةَ لَبٍَّ أو مِنْحَةَ وَرِقٍ كَانَ لَهُ
مِنَ الأَجْرِ كَعِثْقِ رَقَبَةٍ» وَقَالَ في حَدِيثٍ آخرَ: ((مَنْ مَنَحَ مِنْحَةً وَكُوْفاً فَلَهُ مِنَ
الأَجْرِ [١٦٧] كَعِثْقِ رَقَبَةٍ) فَالوَّكُوْفُ: الغَزِيْرَةُ الكَثِيْرَةُ الَّلَبَنِ، وَمِنْ هَاذَا قِيْلَ:
وَكَفَ الْبَيْتُ بِالمَطَرِ، وَوَكَفَتِ العَيْنُ بِالدَّمْعِ (٣).
قَالَ عَبدُالملكِ: فَقَوْلُهُ: ((أو مَنَحَ مِنْحَةَ وَرِقٍ)) يُبيِّن لَكَ أنَّ القَرْضَ من
المِنْحَةِ؛ وَذُلِكَ لأَنَّه يُرَدُّ، وَكَذَلِكَ مِنْحَةُ الأَرْضِ أَيْضاً: أَنْ تَمْنَحَ أَخَاكَ أرضَكَ
يَزْرَعُها ثُمَّ يَرُدُّهَا، ومنه الحَدِيْثُ الَّذِي حَدَّثَنِي ابنُ المَاجِشُوْنَ، عَن إِبْرَاهِيْمَ بنِ
سَعْدِ بنِ إبراهيم بنِ عبدِ الرَّحْمَان بنِ عَوْفٍ، عن أبيه عن جَدِّه: أنَّ رَسُوْلَ اللهِ
ـَِّ نَهَىُ عن كِرَاءِ الأَرضِ بِالحِنْطَةِ، وَقَالَ: مَنْ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ فَلْيَزْرَعَهَا أو
لَمْنَحْهَا أَخَاهُ)) فَجَعَلَ عَارِيَتَهُ لِلأَرْضِ مِنْحَةً. فَأَصْلُ المِنْحَةِ أنَّ كلَّ ما أُعْطِيَ
لِيُنْتَفَعَ بِهِ ثُمَّ يُرجَعَ إِلى صَاحِبِهِ فَهُوَ مِنْحَةٌ، فَإِذَا بَثَلَ فَهُوَ عَطِيٌَّ وَلَيْسَ مِنْحَةٌ، ولا
تُسَمَّى الهِبَةُ وَالعَطِيَّةُ مِنْحَةً.
[ شرحٌ غريبٍ كتابِ الصَّدَقَةِ ](٣)
[من مُوطأ مالكِ بنِ أَنَسٍ رحمه الله]
- وسألنا عبدَالملكِ بنَ حَبِيبٍ عن شَرحٍ حَدِيْثِ مَالكِ
(١) غريب الحَديث لأبي عُبَيَدٍ: ١/ ٢٩٢ .
(٢) اللِّسان: (وكف).
(٣) المُوطَّأ رواية يحيى: ٩٩٥/٢، ورواية أبي مُصْعَبِ الزُّهري: ١٧٤/٢، ورواية سُوَيِّدِ الحَدَّثَانِيِّ:
٥٢٨، ورواية محمد بن الحسن: ٣٢٨، والاستذكار لأبي عُمَر بن عبدالبرِّ: ٢٧/ ٣٩٣، والتَّعَليق
على الموطأ لأبي الوليد الوقَّشيِّ: ٢/ ٣٩٥، والمُنْتَقَى لأبي الوليد: ٣١٩/٧، والقبس لابن العربيّ:
١١٨٨، وتنوير الحوالك: ١٥٦/٣، وشرح الزُّرقاني: ٤٢١/٤، وكشفُ المُغَطَّى: ٣٨١.
١٧٧

الَّذِي رَوَاهُ في حائطِ أبِي طَلْحَةَ الَّذِي تَصَدَّقَ به حينَ أنزلَ اللهُ ﴿لَنْ تَنَالُواْ
اَلْبِرَّحَتّى تُنفِقُواْ مِمَا شُّونَ﴾(١) فَقَالَ لَهُ رَسُوْلُ اللهِ: ((ذلكَ مَالٌّ رابِحٌ)) [٩٩٥/٢
رقم (٢)]. كَيْفَ هُوَ، من الرِّبْحِ، أَوْ رَائِحٍ من الرَّوَاحِ؟
فَقَالَ: رَوَاهَا أَصْحَابُ مَالكِ عَنْ مَالكِ بالوَجْهَيْنِ جَمْيْعاً، كَانَ ابنُ وَهبٍ
يَزْوِيْهَا عَنْهُ باليَاءِ، وَيَقُوْلُ في تأويله: يَعْنِي أَنَّه يَرُوحُ عَلَى صاحِبِهِ في الآخرةِ
بالأَجْرِ العَظِيْمِ. وأمَّا مُطَرِّفٌ وابنُ المَاجِشُوْن فَرَوَيَاهَا عن مَالِكِ: ((ذَلِكَ مَالٌ
رَابِحٌ)) من الرِّبْحِ، وَهُوَ حَسَنٌّ من كَلاَمِ العَرَبِ أَن تَقُولَ في المَالِ مَالٌ رَابٌ،
ومَتْجَرٌ رَابٌ، وَلاَ تَقُولُ: مُرِيحٌ، قال الشَّاعِرُ(٢):
مَنِ اثْقَى الله فَذَاكَ الَّذِيْ سِيْقَ إِلَى المَتْجَرِ الرَّبِحِ
۔ وسألنا عبدالملك بن حَبِیپٍ عن شرح حديث مالكٍ
الَّذِي رَوَاهُ عن أَبي الزِّنَادِ، عن الأَعْرَجِ، عن أَبِي هُرَيْرَةَ: أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَه
(١) سورة آل عمران الآية: ٩٢.
(٢) لم أقف على هذا البيتِ في مصادري. وفي تَعْلِيْقِ أبي الوليد الوَقَّشِيِّ: ((رابحٌ)) يعود عليه من
هيئة الرِّبح، وهذه اللَّفظة تجري مجرى النَّسب كقوله تعالى: ﴿فِى عِيشَةِ رَّاضِيَةِ ﴾﴾ [الحاقة]
وإلاَّ فإنَّ الوَجهَ أن يَقُولَ مَرْبُوحٌ وَمَنْ رَوَى: (رائِحٌ) أراد: يروحُ عليكَ خيرُهُ كما تَرُوْحُ
الماشيةُ من المَرْعَىْ ... )). قال الحافظُ ابنُ عبدِ البرِّ: ((وأمَّا قولُهُ: بَخ ذلك مالٌ رابحٌ)) فإنَّه
أراد: مالٌ رابحٌ صاحبُهُ ومُعطيه فحذفَ، وذلك مَعروفٌ في كلامِ العَرَّبِ يقولون: مالٌّ رابِحٌ
ومتجرِّ رابحٌ كما قالوا: ليلٌ نائمٌ أي: يُنام فيه. وَهَكذا رواه يَحيَى: (مالٌ رابٌ) من الرُّبح،
وتابعه على ذلك جماعةٌ. ورواه ابنُ وَهْبٍ وغيره بالياء المنقوطة باثنتين من تحتها وقال في
تَفسيره: إِنَّه يَرُوحُ على صاحبه بالأَجْرِ العَظيمِ. وحقيقتُهُ عند أهل المَعرفة باللِّسان على أنَّه
على النَّب أي: مالٌ ذُو ربْحٍ وعيشةٌ ذاتُ رَضَى. وقال الأَخفشُ: أصلُهُ من الرَّوْحَةِ أي:
هو مَالٌ يَرُوْحُ عليكَ ثَمَرُهُ وخَيْرُهُ متىْ شِئْتَ. والأولُ عندي أولى واللهُ أعلمٌ».
١٧٨

قَالَ عندَ مَوْتِهِ: ((لا نُوْرَثُ مَا تَرَكْتُ بَعْدَ نَفَقَةِ نِسَائِيْ وَمَؤُوْنَةٍ عَامِلِيْ فَهُوَ صَدَقَةٌ)).
مَا يُريدُ بقَوْلِهِ: ((وَمَؤُونَة عَامِلِيْ)).
قال [عبدُّالملك](١): يَعْنِي أَجِيْرَهُ فِي نَخْلِهِ.
[ شَرحُ غَريبٍ كِتابٍ أَسماءِ النَّبِّ وَ](٢)
[من موطَِّ مَالكِ بنِ أَنَسٍ رحمه الله]
- وَسَألنا عبدَالملكِ بنَ حَبِيبٍ عن شَرْح (العاقب) في حَديثِ مالكٍ
الَّذِي رَوَاه عن ابنِ شِهَابٍ، عن مُحَمَّدِ بنِ جُبَيْرٍ بن مُطْعِمٍ: أنَّ رَسُوْلَ اللهِ
﴿﴿ قَالَ: ((لِيْ [١٦٨] خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ؛ أَنَا مُحَمَّدٌ، وَأَنَا أحمدُ، وأنا المَاحِي
يَمْحُو اللهُ بِيَ الكَفَرَةَ، وَأَنَا الحَاشِرُ يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِيْ، وَأَنَا العَاقِبُ))
[١٠٠٤/٢ رقم (١)].
قالَ عبدُالملكِ: يَعْنِي بِقَوْلِهِ: ((العَاقِبُ)): آخِرُ الأَنْبِيَاءِ(٣)، وَكَذَلِكَ (٤)
(١) ساقط من الأصل. ولم أتبين المقصود بقول عبدالملك هذا؟!
(٢) الموطأ رواية يحيىُ: ١٠٠٤/٢، ورواية أبي مُصْعَبِ الزُّهري: ٩١/٢، ورواية سُويد الحَدَثَانِيِّ:
٥٢٧، ورواية محمد بن الحسن: ٣٣٤، والاستذكار لأبي عمر بن عبدالبرٌّ: ٢٧/ ٤٤١، والتعليق
على الموطأ لأبي الوليد الوقَّشيُّ: ٤٠٧/٢، والمُنْتَقَى لأبي الوليد: ٣٢٨، والقبس لابن العربيِّ:
١١٨٤، وتنوير الحوالك: ١٦٢/٣، وشرح الزُّرقاني: ٤٣٢/٤، وكشف المُغَطَّى: ٣٨٦.
(٣) اللَّفظةُ مَشروحةٌ في: غريب الحديث لأبي عُبَيْدٍ: ٢٤٣/١، والفائق: ١٠/٣، وغريب ابن
الجوزي: ١١١/٢، والنّهاية: ٢٦٨/٣. ويراجع: التَّمهيد: ١٥٣/٩، والصِّحاح واللَّسان،
والتَّاجِ: (عقب) وقد جَمَعَ أسماءَ النَّبِيِّلِ لْ﴿ وَشَرَحَهَا عددٌ من العُلَمَاءِ منهم: أحمدُ بن فارسٍ
(ت٣٩٥)، وابنُ خَالويه (ت ٣٧٠هـ)، وابنُ دِخْيَةٌ (ت ٦٣٨هـ)، والسُّيوطيُّ: (ت٩١١هـ)
واسم كتابه: ((الرِّياضُ الأنيقةُ)) وهو مطبوع وغيرهم.
(٤) النَّصُّ لأبي عُبَيْدٍ.
١٧٩

كلُّ شَيءٍ خَلَفَ [بعدَ شَيْءٍ](١) فهو العَاقبُ، وقد عَقَبَ فَهُوَ يَعْقُبُ، ولذلك قيلَ
لِوَلَدِ الرَّجُلِ بَعْدَهُ هو عَقِبُهُ، وَكَذُلك آخرُ كُلِّ شَيْءٍ عَقِبُهُ، ومنه حَدِيْثِ عُمَرَ(٢) :
(حِيْنَ سَافرَ في عَقِبٍ رَمَضَان فَقَالَ: إِنَّ الشَّهْرَ قد تَسَعْسَعَ بِكُمْ فَلَوْ صُمْنَا
بَقِيَّتَهُ). يعني في قَوْلِهِ: ((فِي عَقِبٍ رمَضَان)»: آخِرَهُ، وَبِقَوْلِهِ: ((قد تَسَعْسَعَ)) قُد
أَدْبَرَ(٣)، قَالَ(٤): ومن هَذَا قِيلَ: فَرَسٌ ذُو عَقِبٍ: إِذَا كَانَ باقي الجَري،
وَكَذْلِكَ العَاقبةُ من كُلِّ شَيْءٍ هي آخرُهُ، ومنه عَوَاقِبُ الأُمُورِ. وقدْ حَدَّثَنِي
الطَّلْحِيُّ(٥) عن ابنِ أَبِي حَازمٍ، عن أَبيه - وَكَانَ حَكِيْماً -، كَانَ يَقُولُ في
حِكْمَتِهِ: ((لَيْسَ لِمَلُولٍ صَدِيْقٌ، ولا لِحَسُوْدٍ غِنِىّ، وَالنَّظرُ في العَوَاقِبِ تَلْقِيْحُ
للعُقُولِ)).
- وسألنا عبدَ الملكِ بنَ حَبِيبٍ عن شَرْحِ (التَّشَرُمِ) في حَدِيثِ مالكٍ
الَّذِي رَوَاهُ عن زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ: أنَّ كَعْباً أَتَّى عُمَرَ بَنَ الخَطَّابِ فَقَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ
فاستَخرَجَ من تَحْتِ ثَوْبِهِ مُصْحَفاً قَدْ تَشَرَّمَتْ حَوَاشِيْهِ».
(١) في الأصلى: (بعدي ... )) والتَّصحيح من غريب أبي عُبَيْدٍ.
(٢) في غريب أبي عُبَيْدٍ.
(٣) في النّهاية: ٣٦٨/٢ ((أي: أدبرَ وفَنِيَ إلاَّ أقلَّه، ويُروى بالشِّين)).
(٤) في غريب أبي عُبَيْدٍ: ((قال الأصمعيُّ: فَرَسٌ ذو عَقِبٍ ... )).
(٥) في غريب أبي عُبَيْدٍ: ((قال أبو عُبَيْدٍ: ويُروى عن أبي حازمٍ أَنَّه قال: ليس لِمَلُولٍ ... وقولُهُ:
(َيْسَ لِمَلُّوْلٍ صَدِيْقٌ) مثلٌ، يراجع أمثال أبي عُبَيْدٍ: ٢١٧، والمُستَقْصَىُ: ٣٠٨/٢، ومجمع
الأمثال: ١٩٥/٢. وأنشد:
إِنَّكَ وَاللهِ لَذُو مَلَّةٍ يُطْرِفُكَ الأَذْنَى عَنِ الأَبْعِدِ
وقوله: ((وكان حكيماً)) ساقطة من غريب أبي عُبَيْدٍ وفي أمثاله: ((وكان من الحُكَمَاءِ)).
١٨٠