Indexed OCR Text

Pages 341-360

جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنِسِ وَالَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (٤)﴾ تأويلُهُ: يُحْبَسُ أوَّلُهُم على آخرِهِم،
وهو من التَّعبية ما هو .
قَالَ عبدُ الملكِ: وفيه وَجْهُ ثَانٍ: أَنَّ ((الوَازِعَ)) الذي يَكَفُّ النَّاسَ ويَمْنَعُهُم
مِنَ الشَرِّ، ومنه حَدِيْثُ أبي بَكْرٍ - حين اشتُكِيَ إليه بعضُ عُمَّاله وقيل: أَقِدْنَا
منه - فَقَالَ: ((أَنَا [لا] أُقِيْدُ [مِنْآ مَنْ وَزَعَهُ الله﴾(١).
قال عبدُالملكِ: الوَزَعَةُ: جَمَاعَةُ الوَازِعِ الذي يكفُّ النَّاسَ ويمنَعُهُم من
الشَّرِّ، تقولُ منه: وَزَعْتُهُ وَأَنَا أَزَعُهُ وَزْعاً، وقَد اتَّزعتُ أنا: إِذَا كَفَفْتَ، ومنه
حديثُ الحَسَنِ البَصْرِيِّ حينَ قَالَ: (٢) لابُدَّ للنَّاسِ من وُزَعَةٍ))، يَعْني: مِنْ وُلَةٍ
(١) هذا لفظه في غريب الحديث لأبي عُبَيْدٍ: ٢٢٨/٢ وجاء في إعراب القراءات وعللها لابن
خالويه: ٢٧٦/٢، وشرح مقصورة ابن دُرَيْدٍ له: حدّثنا محمد بن عبدالواحد، عن ثعلبِ،
عن ابن الأعرابيّ: أنَّ رَجُلا شَتَمَ أبابكرٍ - رحمة الله عليه - في وجهه فَلَطَّمَهُ رَجُلٌ من الأنصارِ
فقالوا لأبي بكر: اقْتَصَّ لنا، فقال: إنِّي لا أَقْتَصُّ ممن وَزَعَهُ اللهُ. وقال ابنُ خالويه أيضاً:
((وشَبْيهٌ بهذا أنَّ عليًّا - صَلَوَاتُ الله عليه - لطم رجلاً فَشَجَّهُ فشكا عليًّا إلى عمر - رضي الله
عنه - فدعا عليًا وقال: ما أردت من هذا؟ فقال: إنِّي رأيته يُسَارُّ امرأة خاصٍ من خَوَاصِّ
الله، فقال عمر: إنَّالله عيوناً في أرضه، وإنَّ عليًّا عينُ اللهِ في أرضه، أي: خاصَّته. وفي خبر
آخر قال: لم لطمته ياأبا الحسن؟ قال: رأيته ينظر إلى حرم المسلمين في الطَّواف فقال
للمَلْطَوم: وقعت عليك عينٌ من عُيُون الله تعالی)).
(٢) قال ابن خالويه في إعراب القراءات: ٢٧٦/٢ (وكان الحسن البَصْرِيُّ قد تقلّد القَضَاءَ فقال:
لا يقربني عَوْنٌ ولا منكبٌ ولا شُرطيٌّ - والمنكبُ: عونُ العَريفِ، وقيل: المنكبُ قومٌ
العَريفِ - فازدحم النَّاسُ على الحَسَنِ فَقَالَ: لابدَّ للناس من وُزَعَةٍ، وبعث إلى السُّلطان حتى
أمدَّه بالأعوانِ».
=
٣٤١

يَكُقُوْنَهُمْ وَيَمْنَعُونَهُم مِنَ الشَرِّ. ومنه حَدِيْثُ مَالكِ، عن عُثمان بنِ عقَّانِ: أنَّه
كَانَ يَقُوْلُ: (١) ((مَا يَزَعُ اللهُ النَّاسَ بِالسُّلْطَانِ أكثرُ مِمَّا يَزَعَهُمْ بالقُرآنِ)) يَعني:
يَكُفُهُمْ. وَقَالَ الشَّاعرُ: (٢)
وَقَدْ لاَحَ فِ عَارِضَيْكَ المَشِئْ
ـبُ ومِثْلُكَ بِالشَّيْبِ قَدْ يُؤْزَعُ
يعني : قد یُكَفُّ.
قال عبدُالملكِ: وفيه وجهٌ ثالثٌ؛ قوله [عَزَّ وجَلَّ](٣): ﴿ رَبِّ أَوْزِعْنِىِّ أَنْ
أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ اَلِّى أَنْعَمْتَ عَلَّ﴾ يعني: أَلْهِمْنِيْ.
- وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرح (السَّرحَةِ) في حديث مالكٍ
عن ابن عُمر (٤)، قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِوَّهِ: ((إِذَا كُنْتَ بَيْنَ الأَخْشَبَيْنِ مِنْ
منىّ ونَفَخَ بِيَدِهِ نحوَ المَشْرِقِ فإنَّ هُنَاكَ وَادِياً يقالُ له: السُّرَرُ، به سَرْحَةٌ سُرَّ
تَحْتَهَا سَبْعُونَ نَبِيًّا)) [٤٢٤/١ رقم (٢٤٩)].
قال عبدُالملكِ: أمَّا السَّرْحَةُ: فَصِنْفٌ من الشَّجَرِ مَعْرُوفٌ(٥) من شَجَرِ
ويُراجع: النّهاية: ١٨٠/٥، وتفسير القرطبي: ١٦٨/١٣، وفيه: ((وقال ابن عَوْن:
=
سمعتُ الحسن يقول - وهو في مجلس قضائه لما رأى ما يصنع الناس - : ((والله ما يُصلح
هؤلاء النَّاسِ إِلَّ وُزَعَةٌ. وقال الحسن أيضاً: لابُدَّ للنَّاسِ من وَازِعٍ ... )).
(١) يُراجع: تفسير القرطبي: ١٦٨/١٣، عن ابن القاسم عن مالك مع اختلاف لفظه، وهو أيضاً
في الدُّر المصون: ٥٨٢/٧، ويُراجع: النُّهاية: ١٨٠/٥.
(٢) لم أقف على البيت.
(٣) سورة النمل: الآية: ١٩.
(٤) يراجع سنده في ((الموطأ)).
(٥) جاء في اللَّسان: (سرح) - عن أبي حنيفة الدِّيْنَوَرِيِّ صاحبُ كتاب النَّبات -: ((السَّرْحَةُ: دوحةٌ
محلالٌ، واسعةٌ، يَحِلُّ تَحْتَهَ الناسُ في الصَّيفِ، ويبتنون تحتها البُيُوتَ، وظلُّها صالحٌ قال الشَّاعرُ : =
٣٤٢

المَشْرِقِ، وَلَيْسَ يكونُ بالأَنْدَلُسِ، وكثيرُ السَّرْحَةِ: سَرْحٌ، وَالسَّرحُ لا يَعْبَلُ كَمَا
لاَ يَعْبَلُ الأُتْرُجُ(١) والزَّيْتُوْنُ والبَّلُّوْطُ(٢) وأَشبَاهُهُ من الشَّجرِ الذي لا يَعْبَلُ،
وَمَاؤُكِ عَذْبٌ لا يَحِلُّ لِوَارِدِ
فَيَا سَرْحَةٌ الرُّكْبَانِ ظُلُكِ باردٌ
=
والسَّرْحُ: شجرٌ كبارٌ عظامٌ طوّالٌ، لا يُرعَى وإنما يُستَظَلُّ فيه ويَنْبُتُ بتجدٍ فِي السَّهْلِ والِلَظِ،
ولا ينبتُ فِي رَمْلٍ ولا جَبَلٍ، ولا يأكله المالُ إلَّ قليلاً، وله ثمرٌ أصفَرُ، واحدته سَرْحَةٌ ... ))
ونصُّ اللَّسان هذا من المُحكم لابن سِيْدَةَ: ١٣٥/٢، ويراجع: العين: ١٣٧/٣،
ومختصره: ٢٧٥/١، وجمهرة اللُّغة: ٥١٢، وتهذيب اللُّغة: ٢٩٨/٤، قال: ((وأخبرني
المنذريُّ، عن أبي الهَيْثَمِ أنَّه قال: السَّرْحُ: كُلُّ شَجَرِ لا شَوْكَ فيها ... قال: والعَرَبُ تكني
عن المرأة بالسَّرحةِ النَّابتة على الماء، ومنه قوله [إسحاق بن إبراهيم الموصليُّ]:
أَمَا إِلَيْكِ طَرِيْقٌ غير مَسْدُؤْدِ
ياسَرْحَةَ الماءِ قد سُدَّتْ مَوَارِدُهُ
مُتَّلاً مِنْ طَرِيْقِ الوِرْدِ مَرْدُوْدِ
لِحَائِمٍ حَامَ حَتَّى لاَ حَرَاكَ بِهِ
كنَّى بِالسَّرْحَةِ النَّابِتَةِ على الماءِ عن المَرأة؛ لأنَّها حِيْنَئِذٍ أَحْسَنُ ما تكونُ».
(١) جاء في اللِّسان (ترج): ((الأُتْرُجُ: مَعْرُوْفٌ، واحدتُهُ: تُرُنْجَةٌ وَأُتْرُجَّةٌ، قال عَلْقَمَةُ بن عَبدةَ
[ديوانه: ٥١]:
كأَنَّ تِطْيَابَهَا بِالأَنْفِ مَشْمُوْمُ
يَحْمِلْنَ أُتْرُجَّةً نَضْخُ العَبِيْرِبِهَا
وحكى أبوعُبَيْدَةَ: تُرُّنْجَةٌ وَتُرُنْجٌ .. )). أقولُ - وعلى الله أعتمد -: هي فاكهةٌ طيِّةُ الطَّعْمِ
والرِّيحِ جاء في الحَدِيْثِ: (مَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرآن كَمَثَلِ الأَنْرُجَّة ◌َطَعْمُهَا طَيِّبٌ وَرِيْحُها
طَيِّبٌ ... )) وتُزرع بكثرة في بلدتنا عُنيزة، وهي شبيهةٌ بالبُرتقال، وهي أكبرُ منه حَجْماً،
حَامِضَةُ الطَّعْمِ، غَلِيْظَةُ القِشْرِ، كثيرة الُلَبِّ.
(٢) في اللِّسان: (بلط) «البُوطُ: ثمرُ شَجَرٍ يؤكّلُ ويديغُ بقشره» وفي الأنساب لأبي سعدٍ
السَّمعاني: ٢٩٨/٢ (((البَلُوطِيُّ)) بفتح الباء الموحدة وضمّ اللام المشددة وفي آخرها الطَّاءُ
المهملةُ: هذه النّسبة إلى البُلُّوط، وهو شجرٌ يحملُ شيئاً يأكله الزُّهاد ... )) أمَّا عالمُ
الأندلس وزَاهِدُها الإِمامُ، العلَّمَةُ، الورعُ، أبوالحَكَمِ مُنْذِرُ بن سَعِيْدِ البُوطيُّ (ت ٣٥٥هـ)
فينسب إلى (فَحْصِ البلُّوطِ) موضعٌ بجهة قرطبة.
٣٤٣

وَمَعنىُ لا يَعْبَلُ: لا يَتَسَاقَطُ وَرَقُهُ. وأمَّا قَوْلُهُ: ((سُرَّ تَحْتَهَا سَبْعُوْنَ نَبِيًّا)) فَقَدْ
قِيْلَ: قُطِعَتْ سُرُرُهُمْ؛ أَيْ: وُلِدُوا تَحْتَهَا، يَعْنِي: أَنَّهَا كَانَتْ مَسْكَناً ومَحِلَّةً
لِلأَنْبِيَاءِ، وَكَانَ مالكٌ يَقُولُ: (١) بُشِّرُوا تَحْتَهَا بِمَا يَسُرُّهُمْ، وَهُوَ أَحَبُّ إليّ، وَبِهِ
أَقُوْلُ، إِنَّه مِنَ السُّرُورِ.
۔ وسألنا عبدالملك بن حبیپٍ عن شرح حدیث مالكٍ
حِيْنَ ذَكَرَ أباذَرٍّ فَقَالَ: ((فَإِذَا بِالنَّاسِ مُنْقَصِفِيْنَ علىْ رَجُلٍ)) [٤٢٥/١ رقم
(٢٥٢)].
قال عبدُالملكِ: يعني: مُزْدَحِمِينَ عليه، أَلاَ تَرَى أَنَّه قَالَ في الحَدِيْثِ :
فَضَاغَطْتُ عَلَيْهِ، يَعِنِي: فَزَاحَمْتُ عليه(٢) .
- وسألنا عبدَالملكِ بنَ حَبِيبٍ عن شَرْحٍ [٢٤]
الذي جَرَى في كتابِ مالكٍ في الحَجِّ مِنْ ذِكْرِ التَّلبِيَةِ مَا مَعْنَاهَا وَمَعْنَى
(البَيْكَ) فَقَالَ: معنى التَّلبيةِ: الإِجابةُ، ومعنىُ لَبَيْكَ: أجبتُكَ، وإنَّما كان أصلُ
التَّلبية في الحَجِّ من قَوْلِ اللهِ [عَزَّ وجَلَّ] في كتابه لإِبراهيمَ خَلِيْلِهِ: (٣) ﴿ وَأَزِّنْ فِ
النَّاسِ بِالْحَجِ يَأْتُكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ فَمَنْ حَجَّ لَّى مُجِيْباً لدَعوَّةِ
إبراهيمَ عن اللهِ، فقالُوا: لبَّكَ الَّلهُمَّ لبّيكَ، أَيْ: أَجَبْنَاكَ الَّهُمَّ أَجَبْنَاكَ(٤) ..
(١) في الأصل: ((يقول مالك)).
(٢) جاء في النّهاية لابن الأثير: ٧٣/٤ ((من القَصْفِ: الكسرُ والدَّفِعُ الشَّديدُ لفُرط الزِّحام)».
(٣) سورة الحج: الآية: ٢٧ .
(٤) هذه اللَّفظة كثيرة الورود في الكتب مشروحة فيها ومعناها: إجابتي لك ياربِّ، مأخوذة من
لَبَّ بالمكانِ وَأَلَبَّ به: إذا أقام به، وَتُسْتَعْمَلُ على لفظ الَّنية في معنى التكرير أي: إجابةٌ
لَكَ بعد إجابةٍ، وإعرابها مصدرٌ منصوبٌ بعامل محذوف وجوباً. يراجع: غريب أبي عبيد : =
٣٤٤

( شرحُ غريبٍ كتابِ الچِهَادِ)(١)
( من مُوَطَّأ مالكِ بنِ أنسٍ رحمه الله)
- وسألنا عبدالملكِ بنَ حَبِيبٍ عن شرحٍ حدیثِ مالكٍ
الَّذِي رَوَاهُ عَنْ زَيْدُ بنُ أسلمَ، عن أبي صالحِ السَّمَّانِ، عن أبي هُرَيْرَةَ :
أنَّ رَسُوْلَ اللهِهِ قَالَ: ((الخَيْلُ لِرَجُلٍ أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ، وَعَلَى رَجُلٍ وِزْرٌ،
فأمَّا الَّذِي له أجرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا في سَبيلِ اللهِ، فأطالَ لها في مَرْجٍ أو رَوْضَةٍ فما
أَصَابَتْ في طِيِّهَا ذُلك من المَرْجِ أو الرَّوضةِ كانت له حَسَنَاتٌ، ولو أنَّها قطعت
طِيَلَهَا في ذُلك فاستَنَّت شَرَفاً أو شَرَفَيْن كانت آثارُها وأَرْوَانُها حَسَنَاتٌ له، ولو
أنَّها مَرَّتْ بِنَهْرٍ فَشَرِبَتْ منه وَلَمْ يرِدْ أَنْ يَسْقِيَ به، كان ذلك له حَسَنَاتٌ، فهي له
أجرٌ. ورَجُلٌ رَبَطَهَا تَغَنِّيّاً وتَعَقُّفاً، ولم ينسَ حقَّ اللهِ فِي رِقَابِهَا ولا في ظُهُورِهَا،
فهيَ له سِتْرٌ. وَرَجُلٌ رَبَطَهَا فَخْراً ورِيَاءَ، ونِوَاءٌ لأهلِ الإِسلامِ، فهي على ذلك
وِزْرٌ)) [٤٤٤/٢ رقم (٣)].
قَالَ عَبدُ المَلكِ: وأمَّا قَوْلُهُ: ((فَأَطَالَ لَهَا فِي مَرْجٍ أَوَ رَوْضَةٍ)) فإنَّ الرَّوْضَةَ
٨٨/٣، وغريب ابن قتيبة: ١/ ٢٢٠، والغريبين: ١٦٦٦، وغريب ابن الجوزي: ٣١٠/٢،
والنّهاية لابن الأثير: ٢٢٢/٤ ويُراجع: الفاخر: ٤، وتهذيب الألفاظ: ٤٤٧، والاتباع:
٥٤، والزَّاهر لابن الأنباري: ١٩٦/١ ... وغيرها.
(١) الموطأ رواية يحيى: ٤٤٣/٢، ورواية أبي مُصْعَبٍ: ٣٧٧/١، ورواية محمد بن الحسن:
١٠٧، ورواية سُوَيْدٍ: ٣٤٥، والاستذكار لأبي عمر: ١٤ /٧، والتَّعْلِيْقُ على المُوَطَّأَ لأبي
الوَليد الوَقَّشيِّ: ٣٣٣/١، والمنتقى لأبي الوليد: ١٥٩/٣، والقَبَس لابن العَرَّبِيِّ: ٥٧٩،
وتنوير الحوالك: ٢/٢، وشرح الزُّرقاني: ٢/٢ أيضاً، وكشف المُغَطَّ: ٢١٦.
٣٤٥

ما تناوَلَ الفرسُ فِي طِيَلِهِ(١). والمَرْجُ: المَمْدُوْدُ المُهْمَلُ فيه. وأمَّا قَوْلُهُ:
((فأَسْتَنَّتْ)) فَمَعْنَاهُ: أَقْبَلَتْ وَأَدْبَرَتْ تَجرِيْ وتَمْرَحُ(٢). وأمَّا قَوْلُهُ: ((رَجُلٌ رَبَطَهَا
تَغَنِّاً وَتَعَقُّعاً)) فيعني بالتَّغَنِّي: الاستِغْنَاءَ بها عن النَّاسِ(٣)، تَقولُ منه: قد تغنَيتُ
تَغْنِيّاً، وتَغانيتُ تَغَانِياً، واسْتَغْنَيْتُ اسْتِغْنَاءً، علىْ مِثَالِ تَفَعَّلْتُ، وتَفَاعَلْتُ
واسْتَفْعَلْتُ، كُلُّ ذُلك من تَصَارِيْفِ الكَلَامِ، قال أَعشى بكرٍ : (٤)
قِ عَفِيفَ المُنَاخِ طَوِيْلَ الَّغَنْ
وكُنْتُ امْرَءاً زَمَناً بالعِرَا
وَقَالَ المُغِيْرَةُ بنُ حَبْنَاءَ التَّمِيْمِيُّ يُعَاتِبُ أَخَاَلَهُ: (٥)
(١) الطَّيْلُ: الحبل الذي يربط به الفرس.
(٢) اللِّسان (سنن) وقد تقدم مثل ذلك.
(٣) يُراجع: غريب أَبِي عُبَيْدٍ: ١٧٢/٢ والنَّهاية: ٣٩١/٣، والعين: ٤٥٠/٨، ومختصره: ٥١٢/١،
وتهذيب اللُّغة: ٢٠١/٨، ومجمل اللُّغة: ٦٨٧، والصِّحاح، واللِّسان، والتاج: (غني).
(٤) ديوانه (الصُّبح المنير): ٢٢ وهو في غريب الحديث لأبي عُبَيْدٍ: ١٧٢/٢، وتهذيب اللُّغة:
٨/ ٢٠١، والمخصَّص: ٢٧٦/٢، واللِّسان: (غنى) .
(٥) نسبة أبو عُبَيْدٍ في غريب الحديث: ١٧٢/٢ إلى المُغيرة بن حَبْنَاء كما ذكر المؤلِّف، وهو
مصدره، وهو له أيضاً الصَّحاح واللِّسان (غنى) وقد اختلف الرُّواة في نسبه اختلافاً كبيراً
فنسب إلى عبدالله بن معاوية بن عبدالله بن جعفر بن أبى طالبٍ في دِيْوَانه: ٩٠، وإلى الأبيرد
الرِّياحيِّ يخاطبُ حارثة بن زَيْدٍ في شرح شواهد المغني: ٥٥٥، عن ابن الأعرابي في
(نوادره) وكذا هو في الأغاني أيضاً: ٨٤/١٣. وفي بهجة المجلس : ٧٠٩ نسبہ إلی جریرٍ،
وهو في ديوانه: ٨٠/١ وينْسَبُ إلى الأعشى في ديوانه: ٢٦١، إلى سيَّر بن هُبيرة بن ربيعة
في ذيل الأمالي، وهو في طبقات ابن المُعتز: ١٥٥ ضمن قصيدة لنُصيب الأصغر المعروف
بـ((أبى الحَجْنَاءِ)) عَرَّفْتُ به قبل صفحات خَلَتْ يُراجع هناك. وفي ((حماسة ابن الشَّجرى)»،
و(ربيع الأبرار)) للزَّمخشري أنّها للفُضَيْلِ بن السِّائب، وهو مع نسبته إلى كلِّ شاعر ضمن
أبياتٍ أُخَرَ قالها الشَّاعرُ بمناسبة عِتَابٍ مُفَصَّلٍ فى المصادر المذكورة وغيرها، وربّما تنازعَ =
٣٤٦

الأبياتِ أو القصيدةَ أكثرُ من شاعرٍ. والأبياتُ التى فيها الشَّاهدُ تُنسب إلى المُغيرة بن حَبناء
=
في معاتبة طلحة الِطلحات، لا في معاتبة أخيه كما ذَكَرَ المؤلِّفُ، وهو طَلْحَةُ بنُ عبد الله بن
خَلَفِ الخُزَاعِيُّ المعروف بـ«طلحةَ الجُود)) و(طَلحةَ الخَير)) و((طلحةَ الفَيَّاضِ)) و(طَلحة
الَّطلحات)) وكان من أجوادِ العَرَبِ وشُجعانهم، وكبار قَادَتِهِمْ، كان والياً على سجستان وبها
مات سنة٦٥، فقال مُبَيْدُاللهِ بن قَیْس الرّقیات یرئیه:
رَحِمَ اللهُ أَعْظُماً دَفَنُوْها
بِسجِسْتان طلحةَ الطَّلَحَاتِ
وكان طَلْحَةُ أعورَ، ذَهَبَتْ عَيْنُهُ بسمَرَقَنْدَ، له أخبارٌ مفصَّلةُ في المحبر: ١٥٦، والمعارف:
٢٢٨، والخزانة: ٣٩٤/٣.
وَمِنْ أبيات القصيدة - كما جاء في شعر المغيرة الذى جمعه الدُّكتور نُورِي حَمُّودي
القَيسيُّ في شُعراء أُمويُّون: ١٠٧ -:
لتُعطِرَ بِي عَدَتْ عَجَاجاً وسَافِيًا
أَرَانِيْ إِذَا أَمَّلْتُ منكَ سَحَابَةٌ
شَآَبِيُهَا أو يَاسَرَتْ عَنْ شَمَالِيَا
إذا قلتُ جَادَثْنِي سَمَاؤُكَ يَامَنَتْ
فَأُبْنَ مِلاَءٌ غيرَ دَلْوِيّ كَمَا هِيَا
وأدْلَيْتُ دَلْوِيْ فِي دِلاَءٍ كَثِيْرَةٍ
مِنَ القَوْمِ حُرًّا بالخَسِيْسَةِ رَاضِيَا
ولَسْتُ بِلَقٍ ذَا حِفَاظٍ ونَجْدَةٍ
وإِن تَنّ عَنِّي تَلْقَنِيْ عَنْكَ نَائِيًا
فَإِن تَدْنُ مِنِّي تَدْنُ مِنْكَ مَوَّتِي
والمُغيرةُ بنُ حَبْنَاءَ - وهو أبوه على الأرجح، وقيل: أمُّه - شاعرٌ مِحْسِنٌ ينتهي نسبه إلى
حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميمٍ، لازم المُهَلَّبِ، وامتَدَحّهُ بقصائد هي من عيون شعره،
وله يقول:
عَلَى مَنَازِلِ أَفْوَّامٍ إِذَا ذكُرُوا
إِنَّ المُهَلَّبَ فِي الأَيَّامِ فَضَّلَهُ
فيها يعدُّ جَسِيْمُ الأَمْرِ والخَّطَرُ
حَزْمٌ وجُوْدٌ وأيّامٌ له سَلَفَتُ
أَسْبَابَ مُعْضِلَةٍ يَعْيَى بِهَا البَشَرُ
مَاضٍ عَلَى الهَوْلِ مَا يَنْفَكُ مُرْتَحِلاً
توفي المُغِيرَةُ شهیداً في نسف سنة ٩١هـ.
٣٤٧

ونَحْنُ إِذَا مِثْنَا أَشَدُّ تَغَانِيًا
كِلَاَنَا غَنِيُّ عَنْ أَخِيْهِ حَيَاتَهُ
وأمَّا قوله: ((ولم يَنْسَ حقَّ الله في رِقَابها ولا ظُهُورِهَا)) فالرِّقَابُ: الحملانُ عليها
والإِنْبِتَاتُ بِعَطِيَّتِهَا في ذلك. والظُّهورُ: أن تحملَ عليها وترجعَ إليه. وأن
يَغْزوَ بها. وأمَّ قولُهُ: ((وَنِوَاءٌ لِأَهْلِ الإِسْلَامِ)) فيعني: مُنَاوَأَةً لهم، وعِدَةً عليهم .
- وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرح قوله: (بَرَّحَتْ بِنَا امرأةٌ ابنِ أبي
الحُقَيْقِ) [٦٥] في حَدِيثِ مالكٍ
الَّذِي رَوَاهُ عن ابن شِهَابٍ: ((أنَّ رَسُوْلَ اللهِّهِ فَهَى الَّذِيْنَ قَتَلُوا ابن أَبي
الحُقَيْقِ عن قَتْلِ النِّساءِ وَالوِلِدان. قَالَ: فَكَانَ رَجُلٌ منهم بِقُولُ: بَرَّحَتْ بنا
امرأةٌ ابنٍ أَبي الحُقَيْقِ بالصِّياحِ، فأرْفَعُ عليها السَّيْفَ ثم أَذْكُرُ نَهْيَ رَسُولِ الله وَه
فَأَكُفَّ، وَلَوْلاَ ذَلِكَ اسْتَرَحْنَا مِنْهَا)) [٤٤٧/٢ رقم (٨)].
قال عبدالملكِ: فَالمُبَرِّحُ من الأَمرِ: المُضِرُّ المُؤْذِي، وهي كَلِمَةٌ
يُراجع: الأغاني: ٨٤/١٣ (دار الكتب) وغيره.
=
وفي شعر عبدالله بن معاوية بن جعفر :
فَكَشَّفَهُ التَّمْحِيْصُ حَتَّى بَدًا لِيَا
رأيتُ فُضّيْلاً كان شَيْئاً مُلَفَّفاً
فَأَنْتَ أَخِيْ مَالَمْ تَكُنْ لِيَ حَاجَةٌ
فَلاَ زَادَ مَا بَيْنِيْ وَبَيْنَكَ بَعْدَ مَا
فإِنْ عَرَضَتْ أَيقَنْتُ أنْ لا أخالِیًا
بَلَوْتُكَ فِيْ الحَاجَاتِ إلاَّ تَمَادِيًا
وَلاَ بَعْضَ مَا فِيْهِ إِذَا كُنْتَ رَاضِيَا
فَلَسْتُ بِرَاءٍ عَيْبَ ذِيْ الوُّدِّ كُلَّهُ
وَلَكِنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِيْ المَسَاوِيَا
فَعَيْنُ الرِّضَا عَنْ كلِّ عَيْبٍ كَلِيْلَةٌ
كلّانًا غِنِيٌّ عَنْ أَخِيْهِ ...
. البيت
إلى غير ذُلك من الأشعار التي على هذا الوزن والقافية أُدْخِلَ فيها البَيْتُ المذكورُ، واللهُ
أَعلمُ بِحَقِيقَةِ الحَالِ.
٣٤٨

تتصرَّفُ في أشياء مُتَفَرَّقةٍ، تقولُ منها: هَمٌّ مُبَرِّحٌ، وضَرْبٌ مُبَرِّعٌ، وصِيَاحٌ
مُبرِّحٌ، وحُبٌّ مُبَرٌِّ، فالمُبَرِّحُ حيثُ ما وَقَعَ هو: البالغُ المُضِرُ المُؤْذِيّ(١).
- وسألنا عبدالملكِ بنَ حَبِيبٍ عن شَرْح (النَّثُل) في حَدِيْثِ مَالكِ
الذي رَوَاهُ عن يحيى بن سَعِيْدٍ: في سَلَبِ قتيلِ أبِي قَتَادَةَ حينَ قَالَ:
فابتَعْتُ بِثَمِنِهِ مَخْرَفاً في بَنِي سَلِمَةَ، فإنَّه لأولُ مَالٍ تَّلْتُهُ في الإِسلامِ» [٤٥٥/٢
رقم (١٨)].
قال عبدُالملكِ: يعني اعتَقَدْتُهُ في الإِسْلَامِ، واتَّخَذْتُهُ أَضْلاً وعقدةً من
مالِ المُتَأَثّلِ المُعْتَقِدِ للشَّيءِ والجامعِ(٢) للشَّيءٍ، وكلُّ شَيْءٍ لَهُ أَصْلٌ قَدِيْمٌ، أو
جُمِعَ حتَّى يَصِيْرَ لَهُ أَصْلٌّ فهو مُتَأَثٌَّ(٣)، قال لَبِْدُ بن ربيعة: (٤)
اللهِ نَافِلَةُ الأَجَلِّ الأَفْضَلِ
وَلَهُ الْعُلَى وَأَنِيْثُ كلِّ مُؤَثَّلِ
وقال امرُؤُ القَيْسِ: (٥)
(١) يُراجع: الغريبين: ١/ ١٥٠ (ط) مصر، والنّهاية: ١١٣/١، وجمهرة اللُّغة: ٢٧٤/١،
وتهذيب اللُّغة: ٢٧/٥، والصِّحاح واللَّسان والتَّاج: (برح).
(٢) من هنا إلى آخرِ بيتِ الأعشى عن غريب أبى عُبَيْدٍ ١٩٢/١٠ بلفظه ماعدا بيت حسّان.
(٣) في غريب أبى عُبَيْدٍ: ((مُؤَثَّلٌّ ومُتَأَثَّلٌ)) وفي (النَّهذيب)): ((مُؤَثَّلٌ)).
(٤) ديوان لبيد: ٢٧١، وهو في غريب الحديث: ١٩٢/١، وتهذيب اللُّغة: ١٣١/١٥،
واللِّسان: (أثل).
(٥) دیوان امرىء القيس: ٣٩، وقبله:
كَفَإِنِيْ وَلَمْ أَطْلُبْ قَلِيْلٌ مِنَ الَمالِ
فَلَوْ أَنَّ مَا أَسْعَى لِأَدْنَىْ مَعِيْشَةٍ
٠٠٠
ولكنَّمَا أَسْعَى
........ البيت
والبيت في غريب أبي عبيد: ١٩٢/١، والإنصاف: ٤٨/١، والتّبيين: ٢٥٧، وشرح
المفصَّل لابن يعيش: ٧٩/١، ٥٧/٨، والمغني: ٢٥٦، ٢٦٩، وشرح أبياته للبغدادى : =
٣٤٩

وَقَدْ يُدْرِكُ المَجْدُ المُأثَّلُ أَمْثَالِيْ
وَلَكِنَّمَا أسْعَىْ لِمَجْدٍ مُؤَثَّلِ
وقالَ حَسَّانُ بن ثابتٍ: (١)
بَنَّى العِزّ فِيْهَا بَيْتَهُ فَتَأَثَّلاَ
لَنَا حَرَّةٌ مَأْطُورَةٍ بِجَبَالِهَا
يقول: صَارَ أَصْلاً للعزِّ.
قال عبدُ الملكِ: وَأَثْلَةُ الشَّيءِ: أَصْلُهُ، وقالَ الشَّاعِرُ: (٢)
وَلَسْتَ ضَائِرَهَا مَا حَنَّتِ الإِبلُ
أَسْتَ مُنْتَهِياً عَنْ نَحْتِ أَنْلَئِنَا
٢/ ١٦٢ والِّسان (أثل).
=
(١) ديوانه: ٤٥/١ وروايته هناك: ((فَتَأَھَّلاً))
وفي القصيدة نفسها:
وَنَحنُ الذُّرِى مِن نَسْلِ آدَمَ والدُّرى
ومما ينسب إلى حسان ديوانه: ٥٠٨/١:
تَرَبَّعَ فِيْهَا المَجْدُ حَتَّى تَأَثَّلا
وحَارِثَةَ الِغْطِرِيْفِ مَجْداً مُؤَثَلاَ
وَرِثْنَا مِنَ الْبُهُلوْلِ عَمْرِو بنِ عَامٍ
(٢) هو الأعشى، ديوانه (الصّبح المنير): ٤٦ وفيه:
أَباً ثُبَيْتٍ أَمَا تَنَفَكُ تَأْكِلُ
أَبْلِغْ يَزِيْدَ يَنِي شَيْبَانَ مَأْلُكَةٌ
وَلَسْتَ ضَائِرَهَا مَا أَطَّتِ الإِبلُ
أَسْتَ مُنْتَهِياً عن تِلْكَ إِثْلَتِنَا
عِند اللَّقَاءِ فَتُرْدِيْ ثُمَّ تَعْتَزِلُ
تُغْرِي بِنَا رَهُطَ مَسْعُوْدٍ واخَوتِهِ
وَشُبَّتِ الحَرْبُ بالطَّوافِ وَأَحْتَمَلُوا
لأَعْرِفِنَّكَ إِنْ جَدَّ النَّغِيْرُ بنَا
فَلَمْ يَضِرْهَا وَأَوْهَى قَرْنَةُ الوَعِلُ
كَنَاطحٍ صَخْرةٌ يَوْماً لِيُؤْهِنَهَا
ويزيدُ المذكور في الشعر هو يزيد بن مسهر الشَّيبانىٌّ.
والشَّاهد في غريب أبي عُبَيْد: ١٩٢/١ وهو هناك كرواية الديَّوان، وتهذيب اللُّغة:
١٣١/١٥ ومقاييس اللُّغة: ٥٩/١، واللِّسان والتاج: (أثل). وفي الاقتضاب في غريب
الموطأ لليَقْرُنِيِّ: ((والأثْلَةُ وَالأَثْلَةُ - بتسكين الثاء وفتحها - أَصْلُ كلِّ شيءٍ».
٣٥٠

قال عبدُالملكِ: والمَخْرَفُ: الحَائِطُ (١) هُوَ الَّذِي عَنَى به أبو قَتَادَةً في
الحَدِيْثِ، غير أنَّ نفسَ الكَلِمَةِ: أنَّ كلَّ حائطٍ أو جنانٍ أو حديقةٍ فيها شَجَرٌ له
ثَمَرٌ من أيِّ أنواعِ الثَّمَارِ كَانَ فهو مَخْرَفٌ، وإنَّما اشتُقَّ اسمُ الخَرِيْفِ من
المَخْرَفِ؛ لأنَّ الثَّمَارَ تُخْتَرَفُ فِيْهِ، أَيْ: تُجْتَنَى فيه.
- وسألنا عبدالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرح حديث مالكٍ [٦٦]
الَّذِي رَوَاهُ عنِ رَسُوْلِ اللهِوَّهِ أَنَّهِ قَالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ: ((وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ
أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكُم مثلَ سَمُّرٍ تِهَامة نَعَمَاً لَقَسَمْتُهُ بَيْنَكُمْ، ثُمَّ لا تَجِدُوْنِي بَخِيْلاً، ولا
جَبَاناً، وَلاَ كَذَّاباً. فَلَمَّا نَزَلَ رَسُوْلُ اللهِن ◌َّهِ قَامَ في النَّاسِ فَقَالَ: أَدُّوا الخَائِطَ
والمِخْيَطَ، فإنَّ الغُلُولَ عَارٌ وَنَارٌ وَشَنَارٌ عَلَى أَهْلِهِ يومَ القيامة)) [٤٥٧/٢ رقم (٢٢].
قال عبدُالملكِ: أَمَّا قولُهُ: ((لَوْ أَفَاءَ اللهُ عَلَيْكُمْ مِثْلِ سَمُرٍ تَهِامَةَ نَعَماً)
قال: السَّمُرُ: شَجَرُ جِبَالِ مَّةَ(٢) وما حَولَهَا وهي تِهَامَةُ، وَالنَّعمُ: الإِبِلُ وَالبَقَرُ
والغَنَمُ، والأَنْعَامُ. وأمَّا قَوْلُهُ: (أَذُوا الخَائِطَ والِمِخْيَطُ)) فإنَّ الخَائِطَ هَهُنا:
(١) غريب أبي عُبَيْدٍ: ١/ ٨١، وغريب ابن قتيبة: ٤/٢، وغريب ابن الجوزي: ٢٧٤/١،
والفائق: ٣٥٩/١، والنِّهاية: ٢٤/٢. وهو في تعليق الوَّقشيِّ، وغريب اليفرُني (الاقتضاب).
ويُراجع: العين: ٢٥١/٤، ومختصره: ٤٥١/١، وجمهرة اللُّغة: ٥٨٨/١،
وتهذيب اللُّغة: ٧/ ٣٤٨، ومجمل اللُّغة: ٢٨٤، والصِّحاح والِّسان والتَّاجِ: (خَرَفَ).
وقال اليَقْرُنيُّ في الاقتضاب في غريب الموطأ: ((المَخْرَفُ: النَّخلُ، وقال ابنُ بُكيرٍ:
المَخْرَفُ: الأرضُ يزرعُها. قال الأَصْمَعِيُّ: المَخَارِفُ: واحدُها: مَخْرَفٌ، وهو جنى
النِّخْلِ؛ لأنَّه يُخْتَرَفُ، أَيْ: يُجْنِى ... وقيلَ: المَخْرَقَةُ: سِكَّةٌ بين صَفَّين منَ نَخْلٍ يَخْتَرِفُ
من أيُّها شّاءَ، آَيْ : يَجْنِي ... )).
(٢) في النّهاية: ٣٩٩/٢ «السَّمُرُ من شَجَرِ الطَّلْحِ، وَالوَاحِدَةُ سَمُرَةٌ». أقولُ: هو شَجَرٌ مَعْرُوْفٌ
لا یزال علی تسمیته.
٣٥١

الخَيْطُ، وَالمِخْيَطُ [هي]: الإبرةُ، وقد تُسمَّ العَرَبُ الإِبْرَةَ الخِيَاطَ أيضاً ومنه
قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ: (١) ﴿حَّ ◌َلِجَ الْجَمَلُ فِي سَيِّ الْخِيَارِ ﴾ تقولُ فِي تُقُبِ الإِبْرَةِ: السَمُّ،
والثُّبُ، والخِيَاطُ: الإِبْرَةُ، وَالخِيَاطُ أَيْضاً - في كَلَام العَرَبِ - الخُيُوْطُ، وَهُوَ
الَّذي أرادَ رَسُولُ اللهِ لَّه] في هَذا الحَدِيثِ حينَ قَال: ((أدُّوا الخِيَاطَ
وَالِمِخْيَطَ)) فَسَقَّىُ الإِبرةَ: المِخْيَطَ، وَسَمَّىُ الخُيُوطَ: الخِيَاطَ(٢). وأمَّا قَوْلُهُ:
(فإنَّ الغُلُوْلَ عَارٌ وَنَارٌ وَشَنَارٌ)) فالشَّنَارُ: العَيْبُ. يقولُ: فَإِنَّ الغُلُولَ نارٌ في
الْآخِرَةِ وَعَارٌ وعَيْبٌ في الدُّنيا(٣).
- وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن (السَّهْمِ العَائِرِ) في حَديثِ مَالكٍ
في مِدْعَمٍ حِيْنَ ذَكَرَ أنَّ رَسُوْلَ اللهِوَ له كان بوادي القُرَىْ فبينما مِدْعَمٌ يَحُطُّ
رَحْلَ رَسُوْلِ اللهِ [وَآ إِذْ جاءَه سَهْمٌ عائرٌ فَأَصَابَهُ فَقَتَلَهُ)) [٤٥٩/٢ رقم (٢٥)].
(١) سورة الأعراف: الآية: ٤٠ وفي الآية قراءةٌ أُخرى هي : - ﴿حَتَّى يَلِجَ الجُمَّلُ﴾. قال ابن
الجَوْزِيِّ في زاد المسير: ١٩٧/٣ عن ابن الأنباريِّ قال: ((وقد روى شهر بن حوشب عن ابن
عبّاسِ أَّه قرأ : - ﴿حَتَّى يَلِجَ الجُمَّلُ﴾ - بضمِّ الجيم وتشديد الميم، وقال: هو القَلْسُ
الغَلِيْظُ)). أقولُ: في اللِّسان: (قَلَسَ) ((حَبْلٌ غليظٌ)). قال ابن الجوزيِّ: ((وهي قراءة
أبي رَزين، ومُجاهدٍ، وابن مُحَيْصِنٍ، وأبي مجلز، وابن يعمر، وأبان عن عاصمٍ) وزاد
غيرِ: الشَّعبيِّ، وأبو رجاء، ومالك بن الشِّخير، يراجع: المحتسب: ٢٤٩/١، وتفسير
القُرطبي: ٢٠٧/٧، والبحر المحيط: ٤/ ٢٩٧.
(٢) تهذيب اللُّغة: ٧/ ٥٠١، والنِّهاية: ٩٢/٢.
(٣) تهذيب اللُّغة: ٣٤٠/١١ عن أبي عُبيد في غريب الحديث: ٤٢٩/٤، وأنشدأبو عُبَيْدٍ:
للغَّطاميِّ: [ديوانه: ١٤٢].
وَلَوْلاَ رَعْيُهُمْ شَنَعَ الشَّنَارُ
وَنَحْنُ رَعيَّةٌ وهُمُ رُعَاةٌ
ويراجع: الفائق: ١٦٥/٢ واللِّسان: (شنر) وأنشدا بيتَ القُطامي، المذكور وفي تعليق
الوَقَّشِيِّ والاقتضاب لليَفْرُنيِّ مزيدُ فائدةٍ فراجعها هناك إن شئت.
٣٥٢

قال عبدُالملكِ: السَّهمُ العَائِرُ: (١) السَّهْمُ الذي لا يُعرَفُ رَامِيْهِ، فَإِذَا
عُرِفَ رَامِيْهِ فَلَيْسَ بِعَائٍ، وَكَذَلِكَ السَّهْمُ الغَرْبُ أَيْضاً هو مثلُ العَائِرِ. (٢)
۔ وسألنا عبدالملك بن حَبیپٍ عن شرح (الگلْمِ) في حديث مالك
الذي رَوَاهُ عن أبي الزّناد، عن الأَغْرَجِ، عن أبي هُريرة: أنَّ رَسُوْلَ الله
وَلّه قال: ((والذي نَفْسِي بِيَدِهِ لا يُكْلَمُ أَحَدٌ في سَبيلِ اللهِ- واللهُ أعلمُ بمن يُكلَمُ
في سبيله - إلاَّ جاءَ يومَ القيامةِ وجُرْحُهُ يَتْعَبُ دَماً، الَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ، والرِّئْعُ رِئْحُ
مِسْكِ)) [٤٦١/٢ رقم (٢٩)].
قَالَ عبدُالملكِ: الكَلْمُ هو الجَرْحُ، فَمَعْنِىْ يُكْلَمُ: يُجْرَحُ، وَالكَثِيْرُ من
الكَلْمِ: كُلُوْمٌ(٣).
ــ وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن شَرحِ (الجَمْعِ) في حديثٍ مَالٍ
الذي رَوَاهُ [٦٧] عن رَسُوْلِ اللهِ وَّهِ حِينَ ذَكَرَ الشُّهَدَاءَ فقالَ: ((الشُّهَدَاءُ
سَبْعَةٌ سِوى القَتْلِ فِي سَبيل الله؛ المَطْعُوْنُ شَهِيْدٌ، والغَرِقُ شَهِيْدٌ، وصاحبُ
(١) في تعليق الوَقَّشِىِّ: ((وهو مأخوذ من قولهم: عارَ الفَرَسُ: إذا أفلت)).
(٢) جاء في اللِّسان (غرب): ((وأصابه سَهْمٌ غَرْبٌ وغَرَبٌ: إذا كان لايُدْرَي مَنْ رَمَاهُ. وقيل: إذا
أتاهُ من حيثُ لا يَدرِيْ، وقيل: إذا تعمَّدَ به غيرَهُ فأصابَهُ، وقد يوصفُ به، وهو يُسكّنُ ويُحَرَّكُ
ويُضَافُ ولا يُضَافُ، وقال الكسائيُّ والأصمعيُّ: بفتح الرَّاءِ، وكذلك سَهْمُ غَرَضٍ ...
وقيل: هو بالسُّكون: إذا أتاه من حيث لا يدرِيْ، وبالفتح: إذا رماهُ فأصابَ غيره. وقال ابنُ
الأثير والهَرَويِّ: لم يثبت عن الأزهري إلاَّ الفتح)). ويراجع: تهذيب اللُّغة: ١١٤/٨،
والغريبين للهَرَوِيِّ: ١٣٦٣، والنهاية لابن الأثير: ٣/ ٣٥٠، والتَّاج: (غرب) .
(٣) في النَّعْلِيْقِ عَلَى المُوَطَّأْ لأبي الوليد الوَّقَّشِيِّ: (وَجَمْعُهُ ◌ِلاَمٌ وَكُلُّوٌُ) ومثله في (الاقتضاب في
غريب الموطأ» لليفرِّنِيِّ وأنشدَ لجرير [ديوانه: ٢١٩]:
بِرَدِّ الْخَيْلِ دَامِيَةِ الْكُلُوْمِ
تَوَصَتْ مِنْ تَكُّمِهَا قُرَيْشٌ
٣٥٣

ذاتِ الجَنب شَهِيْدٌ، والمَبْطُونُ شَهِيْدٌ، والحَرِقُ شَهِيْدٌ، والَّذي يَمُوْتُ تحتَ
الهَدْمِ شَهِيْدٌ، والمَرْأَةُ تموت بجُمْعٍ شَهِيدٌ)). [٢٣٣/١ رقم (٣٦)](١) .
قال عبدُالملكِ: أَمَّا قَوْلُهُ: ((المَرْأَةُ تَمُوْتُ بِجُمْعِ)) فيعني أَنْ تَمُوْتَ وفي
بَطْنِهَا جَنِيْنٌ (٢)، قَالَ الشَّاعِرُ - وهو يَذْكُرُ مَاءً وَرَدَهُ -: (٣)
بِصُعْرِ البُرَىُ مِنْ بَيْنِ جُمْعٍ وَخَادِجٍ
وَرَدْناهُ في مَجْرَىْ سُهَيْلٍ يَمَانِياً
فالخَادِجُ: النَّقَةُ التي أَلْقَتْ وَلَدَهَا، والجُمْعُ: التي في بَطْنِهَا وَلَدُهَا،
فَجائزٌ أن تقولَ: امرأةٌ جُمْعٌ: إذا كانت حاملاً تامًّا حَمْلُها، وجائزٌ أن تقولَ
(١) هذا الحديث من كتاب الجنائز في الموطأ؟!
(٢) كلام أبي عُبَيّدٍ في غريب الحديث أكثرُ وضوحاً وتفصيلاً من كلام المؤلِّف. قال: قال
أبو زيدٍ: يعني أن تموتَ وفي بطنها ولدٌ، وقال الكسائيُّ مثل ذلك، قال: ويقال أيضاً بِجِمْعٍ،
ولم يقله إلاَّ الكسائي، وقال غيرهما: وقد تكون التي تموت بجُمع: أن تموتَ ولم يمسها،
رَجُلٌ لحديث آخر يروى عن النَِّّوَه مرفوعاً: ((أَيَّما امرأة ماتت بجُمْعٍ لم تطمث دخلت
الجنَّة)» ... ثم ذكر الشَّاهد الآتي، والشَّاهدُ وما بعده في كتابنا هو نفسُهُ كلامُ أبي عُبَيْدٍ مع
تقديم وتأخير. ويُراجع في شرح هذه اللَّفظه: الغريبين: ٣٩٦/١ (ط) مصر، ٣٧٨/١ (ط)
الهند وغريب ابن الجوزيّ: ١٧١/١، والنِّهاية: ٢٩٦/١. وهو في العين: ٢٤٠/١،
ومختصره: ١٠٥/١، وجمهرة اللُّغة: ٤٨٤/١، وتهذيب اللُّغة: ٣٩٩/١، ومجمل
اللُّغة: ١/ ١٩٨، والمُحكم: ٢١٢/١، والصِّحاح واللَّسان والتاج: (جمع).
(٣) البيت الذي الرُّمَّة في ديوانه: ١٨٥٢ (ملحقات الدِّيوان) عن الفائق للزَّمخشري: ٢١١/١،
وهو في غريب أبي عُبَيْدٍ، و((تهذيب اللُّغة))، و((المحكم))، و((اللُّسان)) ... وغيرها غير
منسوب، وفيها (بصُعْر البُري) وفي المحكم: (بصُعر اللِّوَى) ولم أجد من شرحها، والبيت
في وصف الإبل، ولعلَّ صحة العبارة في البيت ((بصُفر البُرَى)).
و(الْبَرَىْ) ((جمعُ البُرَةِ وهي الحلقةُ في أنف البَعيِ)». وقال اللَّحيَانِيُّ: هي الحلقة من
صُفر أو غيره تُجْعَلُ في لحمٍ أَنفِ البَعيِ، كَذَا في اللَّسان: (برىُ).
٣٥٤

أيضاً في المَرْأَةِ الحَامِلِ: هي بِجُمْعٍ، وَبِهَذَا الَّلِفْظِ جَرَىْ الحَدِيْثُ، والآخر
أَفْصَحُ(١). وأمَّا قَوْلُهُ: ((والمَطْعُوْنُ شَهِيدٌ)) فيعني الذي يموتُ في الطَّاعُونِ.
۔ وسألنا عبدالملك بن حَبِیپٍ عن (الگرِئْمَةِ) في حديث مالكٍ
الَّذِي رَوَاهُ عن يَحْيِى بن سَعِيْدٍ، [عن](٢) مُعاذِ بن جَبَلٍ [أَنَّه] قَالَ:
((الغَزْوُ غَزْوَانِ؛ فَغَزْوٌ تُنْفَقُ فيه الكَرِيْمَةُ وَيُبَاشِرُ فيه الشَّرِيْكُ)).
قال عبدُالملكِ: الكَرِيْمَةُ: الذَّهَبُ وَالفِضَّةُ (٣). والشَّرِيْكُ: الرَّقيقُ.
ــ وسألنا عبدالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرح (الزَّوْجَیْنِ) في حدیث مالكٍ
الذي رَوَاهُ عن ابنِ شِهَابٍ [عن حُمَيْدِ بنِ عبدالرَّحْمَن بن عَوْفٍ، عن أبي
هُرَيْرَةَ: ] أنَّ رَسُوْلَ اللهِ هِقَالَ: ((مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيْلِ اللهِ نُؤْدِيَ في الجَنَّة
يا عبدَالله هَذَا خَيْرٌ)) [٤٩٦/٢ رقم (٤٩)].
(١) ما ذكره المؤلِّفُ ههنا غير واضح، فلعل نقصاً قد لحق العبارة، وأكثرُ منه وضوحاً كلام
الحافظ ابن عبد البرِّ - رحمه الله - قال في التَّمهيد: ٢٠٧/١٩ «أمَّا قولُهُ: «المرأةُ تموتُ
بِجُمعٍ)) ففيه قولان لكلِّ واحدٍ منهما وجهان أحدُهما هي المرأةُ تموتُ من الولادةِ وولدها في
بطنها، قد تمَّ خَلقُهُ، وماتَتْ من النَّاسِ وهو في بَطنها لم تَلده. قال أبو عُبَيْدٍ: الجمعُ التي
في بطنها ولدها، وأنشد قول الشَّاعر ... وذكر الشَّاهد المذكور هنا، وقال: وقيل: إذا
ماتت من الوِلاَدَةِ فِسَوَاء ماتت وولدها في بطنها أو ولدتهُ، ثم ماتت بإثر ذلك.
والقولُ الآخرُ: هي التي تموتُ عَذْرَاءَ لم تُنكح، ولم تُفْتَضَّ، وقيل: هي المرأة التي
تموتُ ولم تَطْمِث، والمعنى واحد لقوله عزَّ وجل: ﴿لَمْ يَطْمِنْهُنَّ إِنسَُّ قَبْلَهُمْ وَلَا جَاتٌ
[سورة الرحمن] أي: لم يَطَأْهُنَّ، والقولُ الأولُ أشهرُ وأكثرُ واللهُ أعلمُ)). وذكر عن ابن
السِّكيت الضمَّ والكسر لغتان في الجيم. يُراجع إصلاح المنطق: ٣٦، وتهذيبه: ١٠٢ .
(٢) في الأصل: ((أن)) والزيادة الأخرى عن ((الموطأ)).
(٣) وكذلك العِتَاقُ من الإِيلِ؛ ولذلك تُسمَّىُ كرائمَ الأموالِ.
٣٥٥

قال عبدُالملكِ: يعني بالزَّوْجَيْنِ فِي هَذَا الحَدِيْثِ دِرْهَمَيْنٍ، دِيْنَارَیْنِ، قَوْسَیْنِ،
ثَوْبَيْنٍ، ثُقَّيْنٍ، تَعْلَيْنِ، وَمَا أَشبهَ ذلك من الأَمْوَالِ والمَتَاعِ، هَكَذَا فُسِّر لي.
- وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرحٍ (الخّمِْس) في حدیثِ مالكٍ
الَّذِي رَوَاهُ عن حُمَيْدٍ، عن أَنَسِ بنِ مالكِ: ((حينَ نَزَلَ رَسُولُ اللهِو ◌َ ل﴾ على
أَهْلِ خَيْبَرَ فَصَاحُوا: مُحَمَّدٌ [٦٨] والله، محمدٌ والخَمِيْسُ)) [٤٦٨/٢ رقم (٤٨)]
قَالَ عبدُالملكِ: الخَمْيِسُ في كلامِ العَرَبِ: العَسْكَرُ(١)، فإنَّما قالُوا:
مُحَمَّدٌ والعَسْگرُ.
ــ وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرحٍ (شأن صَبِیْغ) حين قال ابنُ عباس
- في حديث مالكٍ -: ((إذْ سَأَلَهُ السّائلُ عن تَفَسَيرِ الأنفال وألحَّ عليه في السّؤال
فقال ابنُ عبّاسٍ : أَتَدْرُوْنَ مَا مِثْلُ هَذَا؟ مثلُ صَبِيْغِ الذي ضَرَبَةٌ عُمَرُ بن الخَطَّابِ)»
[٢/ ٤٥٥ رقم (١٩)].
قال عبدُالملكِ بنُ حَبِيْبٍ: كان صَبِيْغٌ (٢) رَجُلاًّ اثُّهِمَ بالحَرُوْرِيَّةِ، وكان
(١) اللِّسان ((خمس)) وغيره.
(٢) هو صَيْغٌ بن عِسْلِ الحَنْظَلِيُّ.
قال الحافظ ابن حجرٍ في الإصابة: ٤٥٨/٣ ((صَبِيْعٌ بوزن عَظِيْمٍ - وآخره بِمُعْجَمَةٍ ابن عِسْلٍ
بمهملتين الأولي مكسورة والثانية ساكنة. ويقال: بالتَّصغيرِ، ويقالُ: ابن سَهْلِ الحَنْظَلِيُّ، له
إدراكٌ، وقصته مع عمر مشهورةٌ، روى الدَّارميُّ عن طريق سُليمان بن يَسَار قال: قدم المدينة
رجلٌ يقالُ له: صَبِيْغٌ بوزن عَظِيْمٍ وآخرٍ مهملةٌ (كذا؟)، ابن عِسْلٍ، فجعل يسأل عن مُتَشَابِهِ
القُرآن، فأرسلَ إليه عُمَرُ فأعدَّ له عَرَاجِيْنَ النَّخلِ، فقالَ: من أنتَ؟! قال أنا عبدُ الله صَبيغٌ،
فقال: وأنا عبدُاللهِ عُمَرُ، فضَربه حتى أدمىُ رأسَهُ، فقال: حسبُكَ يا أميرَ المؤمنين قد ذَهب
الذي کنتُ أجده في رأسي».
قال الحافظ ابن حَجَرٍ - رحمه الله -: ((وأخرَجَهُ من طريقٍ نافعٍ أُثمَّ من هَذًا، قال: ثُمَّ =
٣٥٦

من أهلِ العِرَاقِ، وكان يَطُوْفُ فِي الأَمْصَارِ يكشِفُ عن غرائب القُرآن، ويَسألُ
عن مِثْلِ: ﴿وَلَّرِيَةِ﴾(١) و﴿ وَالَّزِعَتِ﴾(٢) ويُقِّبُ عن أشباهِ ذلك تنقيبَ رَجُلٍ
خِيْفَ أن يكون لَهُ عَوَرُ إلحادٍ، وأنَّه قَدِمَ على عَمْرِو بنِ العاص بمصرَ، فقال له
عَمْرٌو - حين اتَّهَمَهُ -: أَنَا أَدُلُّكَ عَلَى مَنْ يُجِيْئُكَ فيمَا تَكْشِفُ عنه، أنا أَكْتُبُ لَكَ
إلى أميرِ المُؤمنين عُمَرُ، وَأُرسلكَ مع رَسُولِي، فَفَعَلَ، فلمَّا قدمَ عليه أمرَ به
فَضَرَبَهُ بِرَطَائِبَ النَّخْلِ حتَّى أَدْبَرَ جِلْدُهُ، ثمَّ حَبَسَهُ حتَّى إِذا كَادَ أَنْ يَبْرَأَ أَخْرَجَهُ
فَضَرَبَهُ ثُمَّ حَبَسَهُ، فَفَعَلَ ذُلِكَ به مِراراً. فَقَالَ له صَبِيْغٌ عن آخرِ ذُلك: يا أميرَ
المُؤمنين إِنْ كُنْتَ تُريدُ قَتِيْ فَقَتْلاً جَمِيْلاً، وإن كُنْتَ تُرِيْدُ دَوَائِي فقد بَلَغَنِي
الدَّوَاءُ، فَأَطْلَقَهُ وَكَتَبَ إلى أبي مُوسَى وهو أميرُ العِرَاقِ أن لا يُجَالِسَهُ أحدٌ،
فَكَانَ صَبِيْغٌ يَجْلِسُ في المُسْجِدِ وَحْدَهُ لا يَجِلسُ مَعَهُ أَحَدٌ، يَطُوْفُ في
المَجَالِسِ فَيُدْفَعُ عنها، ثم كَتَبَ أَبُومُؤْسَى إلى عُمر: إِنَّه قَدَ ثَبَتَتْ تَوبته، فَكَتَبَ
إليه يَأْمُرُهُ أن يأذنَ لِلنَّاسِ في مُجَالَسَتِهِ، فَكَانَ صَبِيْغٌ يَقُوْلُ: واللهِ لنَهِيُهُ النَّاسَ عن
نفاه إلى البصرة. وأخرجه الخطيب، وابن عساكرٍ عن طريق أنس والسَّائب بن زيدٍ، وأبي
=
عثمان النَّهديِّ مطولاً ومختصراً، وفي رواية أبي عثمان: وَكَتَبَ إلينا عُمَرُ: لاتجالِسُوه، قال:
فلو جَاءَ ونحنُ مائة لتفرّقنا». وضبط الحافظُ ابنُ ماكولا (الأميرُ) - رحمه الله - (عِسلُ) في
كتابه الإكمال: ١٢٦/٢ (بكسر أوله وسكون ثانيه والمهملتين)). وقال مَرَّةً: ((عُسَيْل مُصَغَّراً)
وفي التّوضيح لابن ناصر الدِّين - رحمه الله -: ٤٥٥/٥، ٢٨١/٦. قال في الموضوع
الأخير: «صَبِيْغُ بن عِسْلٍ، حدَّث عنه ابن أخيه عِسْل بن عبد الله بن ◌ِسْلٍ، وقال ابنُ معين: بل
هو صَبِيْغُ بن شريك. قلتُ: [ابن ناصر الدين] ذكره المُصَنَّهُ قبلُ في حرف الضَّاد
المُعجمة، وعرَّفه بأنه الذي سأل عن المُتشابه ... )).
(١) سورة الذاريات: الآية: ١.
(٢) سورة النازعات: الآية: ١.
٣٥٧

مُجَالَسَتِي وَكَلَامِيْ كَانَ أشدَّ عليَّ من ضَرْبِي.
قال عبدُالملكِ: هَلَكَذا أخبرني مُطَرِّفٌ عن مالكِ، وعن العُمَرِيِّ في
تفسیرِ شَأَنٍ صَبِيْغ.
(شرحُ غريبٍ كتابِ الصِّيامِ)(١)
( من موطأ مالك بن أنس رحمه الله )
- وسألنا عبدالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرح (فإنْ غُمَّ عَلَيْكُم(٣) في حديث مالك
الذي رواه عن ثَوْر بن زيد الدِّيَلِيِّ، عن ابن عبّاسِ: أنَّ رَسُولَ اللهِصلّ
قَالَ: ((لا تَصُوْمُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلَاَلَ، ولا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ
فَأَكْمِلُوا العِدَّةَ ثَلاثينَ)) [٢٨٦/١ رقم (٣)].
مَا تَفْسِيْرُ قَوْلِهِ: ((فإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ)) أَهِيَ مِنَ الغَيْمِ؟ فَقَالَ: لاَ لَيْسَتْ منَ
الغَيْمِ، ولو كَانَتْ من الغَيْمِ لَقَالَ: فإن غُيِّمَ عَلَيْكُمْ، لكنَّها من غَمِّ الالتباسِ،
التباسِ العَدَدِ، من قِبَلِ الغَيْمِ، أو من قِبَلِ الشَكِّ في الرُّؤية بالنِّسْيَانِ أو غَيْرِهِ(٣).
(١) الموطأ رواية يحيى: ٢٨٦/١، ورواية أبي مُصعب: ٢٩٧/١، ورواية محمد بن الحسن:
١٢٢، ورواية سُويد: ٣٦٠، ورواية القعنبيِّ: ٣١٩، والاستذكار: ٥/١٠، والتَّعْلِيقُ على
المُوَطَّأ لأبي الوَليد الوَقَّشيِّ: ٣٠١/١، والمُنتقىُ لأَبي الوَليد الباجي: ٣٥/٢ والقَبس لابن العَرَبِيِّ:
١/ ٤٧٧، وتنوير الحوالك: ٢٦٩/١، وشرح الزّرقاني: ١٥٢/٢، وكشف المغطى: ١٦٣ .
(٢) في الأصل: ((علیه)).
(٣) قال الأزهريُّ في تهذيب اللُّغة: ١١٥/١٦ ((قال اللَّيْثُ: تقول: يومٌ غَمّ، وليلةٌ غَمَّةٌ، وأمرٌ
غاُ، ورَجُلٌ مَعمُوْمٌ ومُغْتَمٍّ: ذُو غَمِّ. قَالَ اللهُ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿ ثُزَّلَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُنَّةً﴾
[يونس، الآية: ٧١]. قال أَبُو الهَيْثَِ: أَي: مُّبْهَماً من قَوْلِهِم: غُمَّ عَلَيْنَا الهِلَاَلُ فهو مَغْمُوْمٌ:
إذا التّبَسَ)). ويُراجع: العَين: ٣٥٠/٤، ومُختصره: ٤٨٥/١ وجَمْهَرَة اللُّغة ومُجمل
اللُّغة: ٦٨٠ والصِّحاح واللِّسان والنَّاج: (غمم).
٣٥٨

ــ وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرحٍ حديثٍ [٦٩] مالك
الذي رواه عن ابن شِهَابٍ، عن سالمٍ بنِ عبدِ الله بنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ
وَّ قَالَ:((إنَّ بلالاً يُتَادِيْ بَلَيْلٍ فَكُلُوا واشرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابنُ [أُمَّامَكْتُوْمِ، قال:
كَانَ ابنُ أمّ مَكْتُومٍ رَجُلاً أعمَىُ لا يُنَادِيْ حتَّى يُقال له: أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ))
[٧٤/١ رقم (١٥)](١).
قال عبدُالملكِ: [ليس] معنى قولهم في الحديث: ((أَصْبَحْتَ أَصْبَحْتَ))
إِفْصَاحاً بالصُّنْحِ، عَلَىْ مَعْنَى أَنَّ الصُّبحَ قد انفَجَرَ وظَهَرَ، ولكنَّه على معنى
التَّحْذِيْرِ من اطلاعه، والتِّحضيض له على النِّداءِ بالأَذانِ خيفةَ انفجاره،
وكذلك هو في حديثٍ يُونُسَ بنِ يَزِيْدَ، عن ابن شِهَابٍ، عن سَالِمٍ بِنِ عَبْدِ اللهِ أنَّه
قَالَ: ((كَانَ ابنُ أَمِّ مَكْتُوْمٍ رجلاً ضَرِيْرَ البَصَرِ لا يُؤَذِّنُ حَتَّى يَقُولَ له الناسُ - حين
يَنْظُرُوْنَ إلى بُزُوْعِ الفَجْرِ -: أَذِّنْ)).
وَحَدَّثَنِي مُطَرِّفٌ، عن العُمَرِيِّ، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمَرَ قَالَ: ((كَانَ يُؤَذِّنُ
لِرَسُوْلِ اللهِوَل﴿ بلالُ بنُ رباحٍ وابنُ أمِّ مكتومٍ، فكان بلالٌ يؤذِّنُ بلَيْلٍ يُوقِظُ
النَّاسَ، وكان ابنُ أمِّ مَكْتُوْمٍ يتوخّى الفَجْرَ فلا يُخْطِؤُهُ، فَكَانَ رَسُوْلُ اللهِ وَهـ
يَقُوْلُ: كُلُوا واشرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابنِ أمِّ مَكْتُومٍ)).
۔ وسألنا عبدالملك بن حبیپٍ عن شرح حديثٍ مالكٍ
الَّذِي رَوَاهُ عن ابنِ حَرْمَلَةَ، عن سَعِيْدِ بنِ المُسَيِّبِ: أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَّ
قَالَ: (لاَيَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرِ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ، وَلَمْ يُؤَخِّرُؤْهُ تَأْخِيْرَ أَهْلِ المَشْرِقِ)»
[٢٨٩/١ رقم (٧)].
(١) من كتاب الصلاة في ((الموطأ)).
٣٥٩

قال عبدُالملكِ: لم يَعْنِ(١) أَهْلِ المَشْرِقِ من المُسلِمِيْنَ، فَلَمْ يَكُنْ(٢)
يَوْمَئِذٍ بِالمَشْرِقِ مُسْلِمُون، إنَّما عَنَى به أَهلَ الكِتَابِ .
وَقَد حَدَّثَنِي ابنُ المُغِيْرَةِ، عن سُفيان الثَّوْرِيِّ، عن سِمَاك بنِ حَرْبٍ،
قَالَ: ((قيل لِعَمَّرِ بنِ يَاسِرٍ: إنَّ أبامُوسىُ الأَشْعَرِيَّ يَقُولُ: لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن
تُفْطِرُوا حتَّى تَرَؤُوا الكواكبَ، قَالَ عَمَّارٌ: ذُلك فِعْلُ اليَهُوْدِ)).
- وسألنا عبدالملكِ بن حَبِيبٍ عن اختلاف أحاديث مالكٍ
في قُبلة الصَّائمِ بالتَّشْدِيْدِ والرُّخْصَةِ.
قال عبدُالملكِ: ليس ذلك باختِلافٍ من القَوْلِ والرِّوَايةِ، ولكنَّه على
تَصَرُّفِ المَعْنَى فِي ذُلك، فَمَعْنَىْ الشِّدَّة فيها أنَّه في الفَرِيْضَةِ وعلى الشَّابِّ،
وَمَعْنَى الرُّخْصَة فيها أنَّه في التَطَوّعِ وَعَلَى الشَّيْخِ، ومَنْ مَلَكَ نَفْسَهُ عَنْ مَا بَعْدَهَا
- وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرح (العَرَقِ) في حدیث مالكٍ
[٧٠] الذي رواه عن حُمَيْدٍ بن عبد الرَّحمن [بن عَوْفٍ،](٣) عن أبي هُريرة:
((أنَّ رجلاً أفطرَ في رمضان فأمرَهُ رَسُوْلُ اللهِنَّهِ أن يكفِّرَ بِعِثْقِ رَقَبَةٍ أو صِيَام
شَهرين مُتَتَابِعَين، أو إِطْعَامِ سَتِيْن مِسْكيناً قال: لا أَجِدُ شَيْئاً، فَأَتِيَ رَسُوْلُ اللهِ
وَّ بِعَرَقٍ تَمْرٍ فقال: خُذْ هَذَا فَتَصَدَّقْ بِهِ)) [٢٩٦/١ رقم (٢٨)].
قال عبدُالملكِ: العَرَقُ : - بِفَتْحِ الرَّاءِ - هُوَ المِكْتَلُ(٤)، كَانَ يَسَعُ قَدْرَ
(١) في الأصل: ((يعني)).
(٢) في الأصل: ((ولم يكن)).
(٣) عن الموطأ.
(٤) اللَّفظةُ في غريب أبي عُبَيْدٍ: ١٠٥/١، والفائق: ٤٠٩/٢، وغريب ابن الجوزي: ٨٨/٢،
والنّهاية: ٢١٩/٣. ويُراجع: العين: ١٥٤/١، ومختصره: ٧٥/١ وجمهرة اللُّغة: ٧٦٨/٢، =
٣٦٠