Indexed OCR Text

Pages 1-20

ثالث
عبد الملك بن حبيب الشاعرالهند سي
١/٤ ٤ / ١٣٨ هـ
حفِظُهُ وَقَدِّ يه
مكة المكرمة ، خاصة ما شرى
مكتبة العبي

تَّ أَز المعطاء
تصنيـ

تَفَسَيُ حدّد المُقطَأ
تأليف
عبد الملك بن حبيب السُّلمي الأندلسي
١٧٤ هـ / ٢٣٨ هـ
الجزء الأول
حقّقه وقدم له
الدكتور عبد الرحمن بن سليمان العثيمين
مكة المكرمة - جامعة أم القرى
مكتبة العبيكان

مكتبة العبيكان، ١٤٢١هـ
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
ابن حبیب، عبد الملك بن حبیب
تفسير غريب الموطأ / تحقيق عبد الرحمن سليمان العثيمين . - الرياض.
٤٥٦ص، ١٧ ×٢٤ سم
ردمك: ٥-٧٢٨ - ٢٠ - ٩٩٦٠ (مجموعة)
٣-٧٢٩ -٢٠ -٩٩٦٠ (ج١)
٢ - الحديث - مسانيد أ - العثيمين،
١ - الحديث - شرح
ب - العنوان
عبد الرحمن سليمان (تحقيق)
٢٠٧٢ / ٢١
١ - ديوي ٤ر٢٣٦
رقم الإيداع: ٢٠٧٢ / ٢١
ردمك: ٥-٧٢٨ - ٢٠ - ٩٩٦٠ (مجموعة)
٣-٧٢٩ -٢٠ -٩٩٦٠ (ج١)
الطبعة الأولى
١٤٢١ هـ / ٢٠٠١م
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الناشر
مكتبة العبيكان
الرياض - العليا - تقاطع طريق الملك فهد مع العروبة
ص.ب: ٦٢٨٠٧ الرياض ١١٥٩٥
هاتف: ٤٦٥٤٤٢٤، فاكس: ٤٦٥٠١٢٩

المقدمة

الحمدُلله وحده، والصَّلاة والسَّلامُ على نبيّنا محمدٍ وعلى آله وَبْعُد:
فَلَقَد كتب كثيرٌ من الباحثين المعاصرين من العرب والمستشرقين عن حياة أبي
مروان عبد الملك بن حَبِيْبٍ السُّلَمِيُّ (ت٢٣٨هـ) مؤلّفِ هذا الكتاب وأولوا
ترجمته عنايةً واهتماماً؛ لذا فإنَّ هذا التقديم الذي أذكره عن سيرة المؤلّف لن
ينالَ من اهتمامي شيئاً يَستحقُّ الذِّكرَ والشُّكرَ، ولقد كتب القُدماء من مؤرِّخيْ
أهل الأندلس والمَشرق عن سِيْرَةٍ حَياة أبي مَروان كثيراً، وحفلت كتبهم
بأخباره ومناقبه، وما قيل فيه من مدَحٍ وقَدحٍ، وإن كانت هناك جوانبُ غامضةٌ
في حياته وأخباره لم تنقل إلينا، فهذا شأنُ كثيرٍ من العُلماء غيره، فأغلبُ
المُترجمين يذكرون جانباً ويغفِلُون جوانب قد لا تسترعي اهتمامهم آنذاك،
وإن كانت عندنا الآن في غاية الأهميّة والإفادة، ومن ثَمَّ يَقلُ متأخِّرهم عن
متقدِّمهم ولا يكون لدى المتأخر كبير إضافة، والملتقط للأخبار والباحث عن
الجوانب التي يَغْفُلُ عنها كثيرٌ من المُؤَرِّخين والمُتَرجمين قد يُحْصُلُ على
بعضها في ثنايا مؤلَّفَاتِ العالم التي قد ينثرها على شكلٍ إشاراتٍ سريعةٍ خاطِفَةٍ
لكنَّها تُنِيرُ الطَّريقَ وتُمَهِّدُ السَّبْلَ إلى اجتماعِ صُورةٍ أكثر وضوحاً، كما أنَّ في
تَتَتُّعِ تراجمٍ مُعاصریه من شُيُوخه وأقرانه، ثم تلاميذه ومُحِِِّه من معاصريه،
في تتبع هَاذه التَّراجم في الكُتُبِ المختلفةِ قد يظفرُ الباحثُ بأخبارٍ جيّدةٍ
وجوانب من حياة المترجم، يكون فيها من الفوائد أضعافُ ماذكر المُتَرجِمُون
في أَخباره، وقد يقعُ في كُتُبِ الفُقَهَاءِ وشُروح الحديثِ وغيرهما من موسَّعات
ومَوسُوعات العُلماءِ وأماليهم ومجالسهم من الأخبار والآثار والفوائد والنَّكات
١١

من المعلومات مالا يجمعه أهل كتب التَّراجم، ولا يولونه الاهتمامَ أيضاً.
وهذا منهجٌ عَسيرٌ، وطريقٌ شَاقٌ يذهب فيه وَقْتٌ وجُهْدٌ قد لا يتكافآن
من حيثُ المَصلحة العامَّة للباحث نَفسِهِ مع ما توصَّل إِليه من الفَوائد، وإن كان
فيه للباحثين الَّلاحِقِيْن فائدةٌ أيُّ فائدةٍ! وقد حاولتُ أن أسيرً على هذا المنهج
في بَعض تحقيقاتي، وهُنا آثرتُ العافية، ورجوتُ المعذرةَ من سُلوك هِذا
المَنهج إِزَاء أخبار أبي مَروان عبدِالمَلكِ، فرحم الله أبامَرْوَان وأرجو أن يُتاحَ
لغيري - مِمَّن هُو أقدرُ مني - مثل هذا العمل .
وقد صرفتُ اهتمامي وجَهدي وتَنْقِيرِي في المصادر والمجاميع والمشيخات
والأثبات، وغيرِها إلىْ جَمْعِ شُرُوح مُوطأ ((الإمامِ مالكٍ)) - رحمه الله -
والتَّعريفِ بها وبمؤلِّفِيْهَا تَعريفاً موجزاً يليق بهذا التَّقَدِيمِ، وآثرتُهُ على التَّوسُّع
في تَرجمةِ أبي مروان؛ لأنَّني لا أعرفُ أحداً من الباحثين تَوَجَّهَتْ هِمَّتُهُ إلى
ذُلك مع أهميَّة هذا، لما وجده «مُوطَّأُ مالكٍ)) - رحمه الله - مِنَ العناية التي لا
مَثيل لها من قبل عُلماء الأندلس والمَغرب بخاصَّةٍ، فقد خَلَّفُوا - رحمهم الله -
آثاراً جَليلةٌ تَدُلُّ على ما وَصَلُوا إليه من تَقَدُّمِ علميٍّ وحَضَاريٍّ، وما تَمَيَُّوا به
من محبّةٍ لهذا الدِّين، ونُصحِ للإسلامِ والمُسلمين، وشفقةٍ على العِلْمِ
وطُلَّبِهِ. وقد اقتَضَىْ مَنْهَجُ هَذا التَّقديم أن يكونَ في ثلاثة فصول:
الفَصْلُ الأوَّلُ: في حياة المؤلِّفِ من مَولدِهِ حتَّى وَفاتِهِ وذكر آثاره والتعريف به
تعريفاً مختصراً.
الفَصْلُ الثَّاني: في ذكر شُرُوح (المُوطَّأ) الموجودة والمفقودة والتَّعريف
بمؤلفيها تعريفاً مختصراً.
الفَصْلُ الثَّالثُ: دراسة موجزة للكتابِ المُحقَّقِ وذكر ما اشتمل عليه من العلم،
١٢

وما فيه من الفوائد، على ما تراه مُفَصَّلاً إن شاء الله.
ويلي هذا التَّقَديم النَصّ مُحقَّقاً، وخطةُ العَمَلِ في التَّحقيق سأذكرها
بعد وصف النُّسخة إن شاء الله، ومن الله نَسْتَمِدُّ العَوْنَ، وهو حَسْبُنَا ونِعْمَ
الوَكِيْلُ.
و کتبه الدُّكتور
عبد الرحمن بن سُليمان العُثيمين
جامعة أم القرى - مكة المكرمة
١٤١٧/٧/٢٨ هـ
١٣

(الفصل الأوَّل)
مؤلِّفُ الكتاب (عبدالملك بن حبيب)(١)
اسمه ونسبه :
هو عبدالملك بنُ حَبِيْبٍ بن سُلَيْمان بنِ هرون بنِ جَاهِمَةٍ (٢) بنِ
(١) تُراجع ترجمة ابن حَبيب في: تاريخ عُلماء الأندلس: ٢٦٩/١، وطَبقات الفُقهاء للشِّيرازي:
١٤٨، ١٦٢، وترتيب المدارك: ٣٠/٢ (بيروت)، و١٢٢/٤ (الرِّباط)، والمُقْتَسِ لابن
حيَّان: ٤٥، وجَذوة المقتبس: ٢٨٢، وبُغية الملتمس: ٣٣٧، ومَطمح الأنْفُسِ: ٢٣٣،
وطبقات النَّحويين واللُّغويين: ٢٨٢، ومعجم البُلدان: ٢٩٠/١ (إِلْبِيْرَةُ)، وإنباهُ الرُّواة:
٢٠٦/٢، والوافى بالوفيات: ١٥٨/١٩، والدِّيباج المُذهَب: ٨/٢، وتذكرة الحفاظ:
٥٣٧/٢، والعبر: ٤٢٧/١، وسير أعلام النُّبلاء: ١٠٢/١٢، ودول الإسلام: ١٤٥/١،
وتاريخ الإسلام: ٢٥٧، والمغني في الضُّعَفَاءِ: ٤٠٤/٢، وميزان الاعتدال: ٦٥٢/٢،
والبَيّان المُغرب لابن عَذَاري: ١٦٤/٢، والمُغرب لابن سَعيد: ٩٦/٢، والبداية والنِّهاية:
٣١٨/١٠، ومرآة الجنان: ١٢٢/٢، وإشارة التَّعيين: ١٩٠، وطبقات النُّحاة والُّغويين لابن
قاضي شُهبة: ٢/ ١٠٠، والإحاطة في أخبار غرناطة: ٥٤٨/٣، والبُلغة للفيروز آبادي :
١٢٧، ولسان الميزان: ٥٩/٤، ٦٠، ٦٢، ١٧٥، وتهذيب التهذيب: ٣٩٠/٦، وتقريب
التهذيب: ٥١٨/١، وبغية الوعاة: ١٠٩/٢، وطبقات الحفاظ: ٣٣٣، وطبقات المُفسِّرين
للدَّاودي: ٣٤٧/١، ونفح الطِّيب: ٥/٢، والشَّذرات: ٩٠/٢. وغيرها
والحديث عن مؤلفاته في فهرست ابن خَيْرٍ: ٢٠٢، ٢٦٥، ٢٩٠، وكشف الظُّنون:
١٢٣، ٩٠٩، ١١٠٥، ١٩٠٧، ١٩٩٦. وإيضاح المكنون: ٤٩٠/٢، وتاريخ الأدب
العربي لبروكلمان، وتاريخ التّراث العربي لمحمد فؤاد سزكين ويُراجع أيضاً المقدمة التى
كتبها عبدالمجيد تُركي حفظه الله تعالى لكتابه أدب النِّساء، ومنها استفدت، وأضفتُ إليها
فوائد لم يذكرها ولله الحمد والمنّة.
(٢) في بعض المصادر (جلهمة). و(الُجْلُهُمَةُ) - في اللُّغةِ -: شاطىءُ الوَادي، كَذَا قال ابنُ دُرَيْدٍ =
١٥

عبَّاس بنِ مرداس، السُّلميُّ، العبَّاسِيُّ، المِرْدَاسِىُّ، القُرطِيُّ، الألبيريُّ،
الأندلسيُّ، أبومروان.
السُّلَمِيُّ: نسبةٌ إلى ((بني سُلَيْم)) القَبيلة العَربيَّةِ الحجازيَّةِ المشهورةِ، وهم
بنوسُليم بنِ منصور بنِ عكرمة بنِ خَصَفَة بنِ قيس عيلان - وهو الناس - ابن مُضرَ(١).
العبّاسيُّ: نسبةٌ إلى ((العبّاس بن مرداس الشُّلمي)) الشَّاعر الصَّحابي
المشهور(٢) وهو من ذُرِّته. والعباس ابن الشَّاعرةِ الصَّحابيَّةِ الخَنْسَاء المشهورة.
والمِرْدَاسِيُّ: نسبةٌ إلى والد العباس بن مِرْدَاسٍ، فلمَّا كانت النِّسبةُ
السَّابقةُ قد تُلْبِسُ، أضافوا إليها هذه النِّسبة أيضاً ليتَّضِحَ المَقْصُودُ.
والقُرطُبِيُّ: لسُكناه ((قُرْطُبة))، وهي معروفَةٌ، واستقراره بها واتخاذها له
داراً ووطناً.
في الاشتقاق: ٥٦٦، وهو في أسماء الرِّجال مشهورٌ. قال الزَّبِيْدِيُّ في التَّاج: (جلهم) ((قال
=
أبو هِفَّن المَهْزَمِيُّ: جُلْهُمَةُ: اسمُ رَجُلٍ بالضَّمِّ، منقولٌ من الجُلْهُمَة لِطَرَفِ الوَادِي)) ونقلَ عن
سيبويه (والعَرَبُ يسَمُّونَ الرَّجُلَ جُلْهُمَةً والمرأةَ جُلْهُمَ)) وقال: ((ومما يُستدركُ عليه [على صَاحبٍ
القامُوس] جُلْهُمَةُ بن أدَدٍ، هو طيَّىٌ أبو القَبِيلِةِ المشهورة)). ويُراجع: كتاب سيبويه: ١/ ٣٤٤.
أقولُ - وعلى الله أعتمد -: وَجُلْهُمَةُ أَيْضًا جدُّ الشّاعر زهير بن عروة بن جُلهمة المازني
المعروف بـ(السَّكْبِ)) له ترجمة في الأغاني: ٢٧٠/٢٢ .
وَجَدُّ صاحبنا (ابنُ حبيبٍ) الأعلى جاهمة بن العبَّاسِ له صُحْبَةٌ، ترجم له الحافظ ابن حَجَرٍ
في الإصابة: ٤٤٦/١. وذكر الحافظ المِزِّي وغيره: ابنُهُ معاوية بن جاهمة بن العَبَّاس ...
وقال: ((له صُخبةٌ)) يراجع تهذيب الكمال: ١٦٢/٢٨، وطبقات ابن سعدٍ: ٢٧٤/٤،
والإصابة: ١٤٦/٦.
(١) جَمْهرةُ النَّسب لابن الكلبيَّ: ٣٩٥، وجَمْهرةُ أنسابِ العرب لابن حَزْمٍ: ٢٦١ .
(٢) الإصابه: ٦٣٣/٣، وله ديوانٌ مطبوعٌ ببغداد سنة ١٩٦٨ م بتحقيق يحيى الجُبُوري.
١٦

والإِلْبِيْرِىُّ: نسبةٌ إلى ((إِلْبِيْرَة) بلدةٌ شَهِيرةٌ بالأندلس، قال ياقُوت في
((معجم البلدان)): ((ومنها عبدُالمَلكِ بن حَبِيْبٍ بن سُليمان ... ))(١).
وهو من سُلَيْمٍ من أَنفُسِهِم، وقال ابنُ الفَرَضِيِّ: (٢) ((وقيلَ: إنَّه من موالي
سُليم)) ونقل عنه كثيرٌ من المُترجمين. والصَّحيحُ - إن شاءَ اللهُ - أنَّه من
أَنْفُسِهِم، ودَليلُنا على ذلك أمورٌ، منها:
أولاً: أنَّ عبارَةَ ابنِ الفَرَضِيِّ - رحمه الله - عبارةُ شَكِّ لا جَزْمٍ، فلم يؤكّد
ذلك، والأحكام لا تُبنَى على الشَكِّ، بل على الأمر الثابت المتيقن.
ثانياً: أنَّ القاضي عياضاً نقل عن ابن حارثٍ أنَّه من أنْفُسِهِم(٣)،
وَالأَنْدَلُسِتُّون به أدرى.
ثالثاً: أنَّ مابينَه وبين جدّه العبّاس بن مرداس مُتَّصلٌ وقَلِيْلٌ؛ لقُرب زمانِهِ منه.
فمن المستبعد أن يختلط نسبه، ولا يحفظ في تلك المدة القصيرة.
رابعاً: أنَّ ابنَ حَزْمٍ - وهو النَّسَّابَةُ النَّقِدُ - قال في ((جمهرة أنساب العرب)): (٤)
((ومن بني الحارث بن بُهئة بن سُلَيْمٍ: بنو ذكوان بن رفاعة بن الحارث بن حُيَيٍّ
بن الحارث بن بُهْثَةَ بن سُلَيْمٍ ... منهم: العبَّاس بنُ مِرداسٍ ... وللعبَّاسِ من
الولد: كنانةُ وَجُلْهُمَةُ ... ومن ولدِهِ: عبدُالمَلكِ وهُرون ابنا حَبِيْبٍ بن
سُليمان ... )).
(١) معجم البلدان: ١/ ٢٩٠ والمعروف أنَّه من قُرْطُبة ثم تحول إلى طُلَيْطُلَةَ ثم خَرجَ منها إلى
المشرقِ وعادَ إِليها، ثم إلى قُرْطُبة كما سيأتى.
(٢) تاريخُ علماءِ الأندلس: ٢٦٩.
(٣) ترتيب المدارك: ١٢٢/٤.
(٤) جمهرة أنساب العرب: ٢٦٣.
١٧

خامساً: أنَّ المَقَّرِيَّ قال في (النَّفَح)) (١) - لما ذكر القبائل العَربيّة التي دخلتٍ
الأندلس -: ((وأمَّا قيسُ عَيْلَانَ بن إلياس بن مُضر من العَدْنَانَّية ففي الأندلس
كثيرٌ منهم يَنْتَسِبُون إلى العُمُوم، ومنهم من يَنْتَسِبُ إلى سُلَيْمٍ بن مَنصُور بنِ
عِكْرِمَةَ بنِ خَصَفَة بنِ قَيْسٍ كعبدِ المَلكِ بن حَبِيْبِ السُّلَمِيِّ الفَقِيْهِ ... )).
وأمَّا الأندلسيُّ: فمعلومٌ حيث يعدُّ ابن حَبيب في كبارٍ رجالاتها،
ومشاهيرِ فُضَلائها وعُلمائها، وعدّه ابن سَعيدٍ في((رسالته في فضائل الأندلس))
من مفاخر الأندلس الذين يُبَاهَى بهم عُلماء المَشرق قال: (٢) ((وإنَّك إذا
تعرَّضت للمُفاضلة بالعُلماءِ فَأَخبرني: هل لكم في الفقهِ مثلِ عبدِ الملكِ بنِ
حَبِيْبٍ الذي يُعمَلُ بأقواله إلى الآن .. ؟!»
وفي ما يَتَعَلَّقُ بنسبه أيضاً: ربما زيد في آبائه (ربيع) بين (حبيب)
و(سليمان)(٣). وعرفنا من أُسرته والدَهُ، وعرفنا أنَّ ابنَ حبيبٍ متزوِّجٌ وله بنتٌ
وولدان، وعرفنا زوجَ ابنته، كما عرفنا أخاه هارون بن حَبِيْبٍ .
أمَّا والدُهُ حبيبُ بنُ سُليمان فذكر ابنُ حيَّان في ((المقتبس)»(٤) أنَّه توفي
سنة ٢٢١هـ وأنَّه كان من فقهاء قُرطبة، وذكر القاضي عياضٌ وغيره(٥) أنَّه كان
عَصَّاراً، يَعْصِرُ الأدهانَ ويَسْتَخرِجُها.
أمَّا بنتُهُ فَيظهر أنَّها كانت الكُبرىُ من بين أولاده؛ لأنَّها وُلِدَتْ قبل رحلته
(١) نفح الطيب: ٢٩١/١.
(٢) نفح الطيب: ١٩٢/٣.
(٣) يراجع: ترتيب المدارك: ٣٠/٢ (بيروت).
(٤) المقتبس: ٨٠. وترجم له ابن الآبار في تكملة الصِّلة: ١/ ٢٧٧.
(٥) ترتيب المدارك: ٣٠/٢ والدِّيباج المذهب: ٨/٢
١٨

إلى المشرق سنة ٢٠٧ أو ٢٠٨ هـ ذكرها في قَصيدتِهِ التي يَتَشَوَّقُ فيها إلى بلاده
وأهله(١)، وذكر ابنُ الفَرَضِيِّ تاريخ وفاة ابن حَبِيْبٍ عن أبي الحسن بن مجاهد
قال(٢): ((أخبرني بذلك ختنه أبو عبدالله محمَّد بن قَمَرِ الزَّاهدُ الفقيهُ)) وذكر
العُلماء أخاه هارون بن حَبِيْب في قضية تعرَّض لها بسبب أشياء بدرت منه
أوجبت إقامة الحدِّ عليه، من طعن في الدِّين، وتهكم وسُخرية، فدافع عنه
أخوه عبدالملك عند الأمير دفاعاً كبيراً ... (٣) أدَّى إِلى العَفْوِ عنه وتبرئتِهِ
وتخفيفٍ عُقُوبِهِ، وذكره أيضاً ابنُ حَزْمٍ في ((جمهرة أنساب العرب)) لما ذكر
نسب سُليم، فذكر في نسب آل العبّاس بن مِرْدَاسٍ: عبدَالملك وأخاه
هشرون(٤) هذا. أمَّا ابناه محمد وعبدالله فذكرهما القاضي عياضٌ ممن سمع
منه(٥). وذكروا أنَّ أُسْرَةَ ابن حَبِيْبٍ - رحمه الله - كانت تعيشُ في ((طُلَيْطُلَةَ(٦))،
(١) سيأتي ذكر ذلك في رحلته إلى المشرق إن شاء الله.
(٢) تاريخ علماء الإندلس: ٢٧٢. وذكر في ترجمة يوسف بن يحيى المغامي تلميذ ابن حَبِيبٍ
(ت ٢٨٨ هـ) أنه كان زوج ابنته أيضاً.
(٣) ترتيب المدارك: ٣٠/٢.
(٤) جمهرة أنساب العرب: ٢٦٣.
(٥) ترتيب المدارك: ١٢٣/٣. وترجم لهما في موضعيهما هو وغيره.
(٦) المصدر نفسه، وفي الإحاطة لابن الخطيب: ٥٤٨/٣ أصله من قرية قورت، وقيل: حصن
واط، من خارج غرناطة ((وبها نشأ وقرأ)) وقال أيضاً: ((قال ابن خلف أبو القاسم الغافقى:
كان له أرض وزيتون بقرية بيرة من طوق غرناطه حبس جميع ذلك على مسجد بقرطبة، وله
ببيرة مسجدٌ يُنْسَبُ إليه. وكان يَهِطُ من قريته قورت يوم الاثنين والخميس إلى مسجده ببيرة
فيُقرأ عليه ويَنْصَرِفُ إلی قریته»؟!
أقول ۔ وعلی الله اعتمد ۔: هذه أخبارٌ غريبةٌ لم أجدها عند غيره، ولا أدري متی کان
ذلك؟ أي: في أي مراحل حياته؟ لذلك أقول: لعلها تداخلت بأخبار غيره؟ !.
١٩

وأنَّ جدَّه أو أبا جَدِّهِ - عندَ مَنْ زاد رَبيعاً - هو الذي انتقل إلى ((قُرْطُبَةَ)) دارٍ
الخِلافةِ والمُلك، وأنَّ (حَبِيْباً) والده يُعَدُّ من فُقَهَائِهَا(١)، ثم انتقلَ حَبِيْبٌ
وإخوته في فتنة الرَّبض إلى («إلبيرة(٢))، وفتنة الرَّبض سنة ١٩٠هـ، وسنة
٢٠٢ هـ في زمن الحَكَمِ الأوَّل بن هِشَامٍ وعُرف بعدَها الحَكَمُ بـ(الرَّبَضِىِّ))(٣)
وكانت فترة حكمه ما بين (١٨٠-٢٠٦ هـ)، وقد أُزهقت في هذه الفتنة أرواحٌ،
وخُرِّبت فيها ديارٌ، وسادَ البلاد فَوضَىْ لا مثيلَ لها في ذلك الزَّمان، انتُهكت
فيها المحارم، وسُلِبَتْ فيها الأموالُ، وشُرِّدَ الناسُ عن بيوتِهِمْ وديارِهِمْ، ونالَ
العَلَمَاءَ وَالفقهاءَ أذىً كثيراً. نعوذ بالله من الفِتَن!
وبعدَ تَمَكُّن الحَكَمِ المَذْكُورِ من الثّائرين، وانتصاره عليهم، وعَزْمِهِ على
تتبُّعهم بالأندلس، وقتلهم حيث وجدوا، أصابَ النَّاس إرجافٌ وذُعْرٌ وخوفٌ،
وَخَرَجَ النَّاسُ أفواجاً بأهليهم وأولادهم، وتفرَّقوا في البلاد، واجتَازُوا العُدوة
إلى المغرب، و((تفرق أهل الرَّبض [الثائر]َ في جَميعِ أَقطارِ الأندلس))(٤)
و(أكثرُ مَنْ هَرَبَ مِن أهلِ العلمِ والخَيْرِ مِمَن الُّهِمَ أو خافَ على نفسه إلى ناحية
(طُلَيْطُلة)، ثم أَمَّنهم الحَكَمُ وَكَتَبَ لهم أماناً على الأنفس والأموالِ، وأباح لهم
التَّفَسُّحَ في البُلدان حيثما أحبُّوا من أقطارِ مملكته حاشا ((قُرطبة)) أو ما يقرب
منها)). وكان ممن تأثّر بهذه الفتنة ابنُ حَبِيْبٍ وعائلته كما قال القاضي عياضٌ
وغيره.
(١) تقدم ذلك.
(٢) ترتيب المدارك: ١٢٣/٤، والدِّيباج المذهب: ٨/٢ وفيه: ((أبوه أبو حبيب)).
(٣) نفح الطيب: ٢١٤/٣، وغيره.
(٤) البيان المعرب: ١١٥/٢.
٢٠