Indexed OCR Text
Pages 301-320
المحدثين وغيرهم على اعتبارهما، وأنه لا ينبغي الجزم بشيء ضعيف، لأنها صيغة تقتضي صحته عن المضاف اليه، فلا ينبغي أن تطلق إلا فيما صح، قال: وقد أهمل ذلك كثير من المصنفين من الفقهاء وغيرهم، واشتد انكار البيهقي على من خالف ذلك، وهو تساهل قبيح جداً من فاعله، اذ يقول في الصحيح ((يذكر ويروى)) وفي الضعيف ((قال)) و((روي)) وهذا قلب المعاني، وحيد عن الصواب، قال: وقد اعتنى البخاري، رحمه الله، باعتبار هاتين الصيغتين، واعطائهما حكمهما في صحيحه، فيقول في الترجمة الواحدة بعض كلامه بتمريض، وبعضها بجزم مراعيا ما ذكرنا، وهذا مشعر بتحريه وورعه، وعلى هذا فيحمل قوله: (( ما أدخلت في الجامع الا ما صح)) أي مما سقت اسناده، والله تعالى أعلم أ. هـ كلامه. وقد تبين مما فصلنا به أقسام تعاليقه أنه لا يفتقر إلى هذا الحمل وأن جميع ما فيه صحيح، باعتبار أنه كله مقبول ليس فيه ما يرد مطلقا، إلا النادر، فهذا حكم المرفوعات))(١) أ.هـ. وأما الموقوفات، فإنه يجزم منها بما صح عنده، ولو لم يكن على شرطه، ولا يجزم بما كان في اسناده ضعف، أو انقطاع، إلا حيث يكون منجبرا، إما بمجيئه من وجه آخر، واما بشهرته عمن قاله وإنما يورد ما يورد من الموقوفات من فتاوى الصحابة، والتابعين ومن تفاسيرهم لكثير من الآيات على طريق الاستئناس، والتقوية لما يختاره من المذاهب في المسائل التي فيها الخلاف بين الائمة (٢). فمن الأول: قوله في كتاب الإيمان، وقال معاذ: ((اجلس بنا نؤمن ساعة)). ساق الحافظ طرقه في التغليق ثم ذكر أن الامام احمد رواه في کتاب الايمان، عن و کیع. ثم قال: هذا موقوف صحیح، رواه ابو بكر بن أبي شيبة في كتاب الايمان، عن وكيع، عن الأعمش وحده، فوافقناه بعلو درجة على طريقه(٣). (١) هدي الساري ص ١٩ . (٢) المرجع السابق. (٣) انظر تغليق التعليق ص٢٠-٢١ المجلد الثاني. ٣٠١ ومن الثاني قوله في باب كفارات الايمان: ويذكر عن ابن عباس وعطاء، وعكرمة، ما كان في القرآن أو، فصاحبه بالخيار (١). "قال الحافظ: ((أما قول ابن عباس فأخرجه الثوري في تفسيره، عن ليث عن مجاهد، عن ابن عباس. وليث بن أبي سليم ضعيف(٢). وأما قول عطاء، وقول عكرمة فهما صحيحان، وعلقهما بصيغة التمريض لأنه ضمهما إلى قول ابن عباس وهو ضعيف. وبالإضافة إلى ما سبق من أسباب التعليق بصيغة التمريض سأذكر بعض الاسباب الأخرى منها : ١ - التعليق بصيغة التمريض للين في الراوي: فمن ذلك قوله في ((كتاب الصيام)): ويذكر عن عامر بن ربيعة قال: رأيت النبي ◌َ ◌ّه، يستاك وهو صائم مالا أحصي أو أعد . قال الحافظ: ((وصله أحمد، وأبو داود، والترمذي، وغيرهم، من طريق عاصم بن عبيد الله، عن عبدالله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه. وأخرجه ابن خزيمة في صحيحه، وقال: كنت لا أخرج حديث عاصم، ثم نظرت فاذا شعبة والثوري، قد رویا عنه، وروى یحیی وعبدالرحمن عن الثوري، عنه وروى مالك عنه خبراً في غير الموطأ، قلت: وضعفه ابن معين والذهلي والبخاري، وغير واحد)»(٣). وقال أيضاً في تغليق التعليق(٤): ((قال ابن معين: ضعيف، وقال البخاري منكر الحديث، والله الموفق. ٢ - التعليق بصيغة التمريض لعلة في الراوي: فمن ذلك قوله في كتاب الزكاة: ((ويذكر عن سالم، عن ابن عمر، رضي الله عنهما، عن النبي عَ لّه مثله. (١) انظر المرجع السابق ص ٢٠٥ المجلد الخامس. (٢) انظر تخريج قول ابن عباس في المرجع السابق ص٢٠٦ المجلد الخامس. (٣) انظر الفتح ١٥٨/٤. (٤) انظر ص ١٦٠ المجلد الثالث. ٣٠٢ وقد ساق الحافظ طرقه في تغليق التعليق(١) عن أبي يعلى والدارمي وأحمد ، والشافعي، وابن خزيمة، وأبو داود، والترمذي، والحاكم وغيرهم من طريق سفيان بن حسين، عن الزهري، عنه موصولاً، وسفيان بن حسين ضعيف في الزهري، وقد خالفه من هو أحفظ منه في الزهري، فأخرجه الحاكم من طريق يونس بن يزيد، عن الزهري، وقال: ان فيه تقوية لرواية سفيان بن حسين لأنه قال، عن الزهري، قال: اقرأ فيها سالم بن عبدالله بن عمر، فوعيتها على وجهها، فذكر الحديث، ولم يقل ان ابن عمر حدثه، ولهذه العلة لم يجزم به (٢). ٣ - التعليق بصيغة التمريض لاضطراب الاسناد: فمن ذلك قوله في كتاب الزكاة: ويذكر عن ابن عباس، رضي الله عنهما: ((يعتق من زكاة ماله، ويعطي في الحج))(٣). أخرجه الحافظ في التغليق فقال: أما قول ابن عباس، فقال أبو عبيد في كتاب الأموال: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن حسان بن أبي الاشرس ... الحديث. وقال أبو عبيد أيضاً: حدثنا أبو بكر عن عياش، عن الأعمش. الحديث وساقه بسنده عن يحيى بن معين، عن أبي بكر بن عباس، به. وبسنده إلى ابن معين، ثنا عبدة، عن الأعمش. ثم قال: الإسناد الأول صحيح، والثاني فيه أبو الاشرس، وهو ضعيف وإنما وصفه بالاضطراب للاختلاف في اسناده على الأعمش كما ترى ولهذا لم يجزم به البخاري(٤). ٤ - التعليق بصيغة التمريض للتردد في سماع راو من آخر: فمن ذلك قوله في كتاب الحيض: ويذكر عن على وشريح ((ان امرأة جاءت ببينة من بطانة انظر ص١٥-١٦ المجلد الثالث. (١) (٢) انظر الفتح ١٦٤/٣، وتغليق التعليق ص١٦ المجلد الثالث. (٣) انظر تغليق التعليق ص٢٣ المجلد الثالث. (٤) انظر تغليق التعليق ص٢٤ المجلد الثالث. وفتح الباري ٣٣١/٣. ٣٠٣ أهلها ممن يرضى دينه أنها حاضت ثلاثاً في شهر صدقت))(١). أخرجه الدارمي(٢)، قال الحافظ ((وإنما لم يجزم به للتردد في سماع الشعبي من علي، ولم يقل انه سمعه من شريح فيكون موصولاً (٣). ٥ - التعليق بصيغة التمريض لضعف الإسناد إلى بعضهم: فمن ذلك قوله في كتاب الوصايا والوقف، ويذكر ان شريحاً وعمر بن عبدالعزيز وطاوساً وعطاء وابن أذينة ((أجازوا اقرار المريض بدين))(٤) وقد أخرج الحافظ تعاليقهم في تغليق التعليق (٥)، فقال: أما قول شريح فوصله ابن أبي شيبة عنه، وفي اسناده جابر الجعفي وهو ضعيف وأخرجه من طريق آخر اضعف من هذا. وأما عمر بن عبدالعزيز فلم أقف على من وصله. وأما طاوس، فوصله ابن أبي شيبة، وفي اسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف. وأما قول عطاء فوصله ابن أبي شيبة، عنه بمثله، ورجال اسناده ثقات. قال الحافظ: كأنه لم يجزم بالنقل عنهم لضعف الاسناد إلى بعضهم)) (٦) أ.هـ. ٦ - التعليق بصيغة التمريض للاختلاف في الاحتجاج براو: فمن ذلك قوله في كتاب العمل في الصلاة: ويذكر عن عبدالله بن عمرو: ((نفخ النبي ◌َ ◌ّه في سجوده في كسوف)» هذا طرف من حديث أخرجه أحمد، وصححه ابن خزيمة، والطبري وابن حبان من طريق عطاء بن السائب، عن أبيه، عن عبدالله بن عمرو قال: · تغليق التعليق ص ١٧٩ . (١) (٢) المرجع السابق حيث أشرت إلى رواية الدارمي في الهامش. (٣) انظر الفتح ٤٢٥/١. (٤) انظر تغليق التعليق ص٤١٦ المجلد الثالث. (٥) انظر ص٤١٧ المجلد الثالث. انظر تغليق التعليق ص٤٤٦ المجلد الثالث. (٦) ٣٠٤ (((كسفت الشمس على عهد رسول الله، عَ لَّه (١) .. الحديث)). قال الحافظ: (( وإنما ذكره البخاري بصيغة التمريض، لأن عطاء بن السائب مختلف في الاحتجاج به. وقد اختلط في آخر عمره، لكن أخرجه ابن خزيمة من رواية سفيان الثوري عنه، وهو ممن سمع منه قبل اختلاطه وأبوه وثقه العجلي، وابن حبان، وليس هو من شرط البخاري))(٢) أ.هـ. وأذكر في آخر هذا المبحث بعض فوائد التعاليق فمنها: ١ - بيان سماع أحد رواة الحديث من شيخه اذا كان موصوفاً بالتدليس: فمن ذلك قوله في كتاب الإيمان، عقب حديث (٤٤) حدثنا مسلم بن ابراهيم قال: حدثنا هشام، قال: حدثنا قتادة، عن أنس عن النبي عَ لّه قال: ((( يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قلبه وزن شعيرة من خير ... الحدیث. قال أبو عبدالله وقال أبان: حدثنا قتادة، حدثنا أنس، عن النبي عَ له (من إيمان)) مكان ((من خير))(٣). قال الحافظ: فائدة ايراد المصنف لهذا التعليق من جهتين: إحداهما: تصريح قتادة فيه بالتحديث، عن أنس، وذلك أن قتادة مدلس، لا يحتج بعنعنته إلا اذا ثبت سماعه لذلك. ثانيهما: تعبيره في المتن بقوله: ((من إيمان)) بدل قوله: ((من خير)) فبين أن المراد بالخير هنا ((الايمان)). فإن قيل على الأول لِمَ لم يكتف بطريق أبان السالمة من التدليس ويسوقها موصولة؟ فالجواب ان أبان وإن كان مقبولاً لكن هشام أتقن منه، وأضبط، فجمع المصنف بين المصلحتين، والله الموفق (٤). انظر الفتح ٨٤/٣، وانظر طرق الحديث في التغليق ص٤٤٦-٤٤٧ المجلد الثاني. (١) (٢) انظر الفتح ٨٤/٣، وأنظر تغليق التعليق ص٤٤٧ المجلد الثاني. (٣) انظر تغليق التعليق ص٤٩ المجلد الثاني، وقد ذكر الحافظ طرق الحديث. انظر الفتح ١٠٥/١، وعمدة القارىء ٢٩٩/١. (٤) ٣٠٥ ومثال آخر: قوله في كتاب السلم، حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان عن ابن أبي نجيح، عن عبدالله بن كثير، عن أبي المنهال، عن ابن عباس، رضي الله عنهما قال: قدم النبي معَ ◌ّه المدينة وهم يسلفون في الثمار السنتين ... الخ. وقال عبدالله بن الوليد: حدثنا سفيان، حدثنا ابن أبي نجيح وقال: ((في كيل معلوم، ووزن معلوم))(١). قال الحافظ: (( وأراد المصنف بهذا التعليق بيان التحديث، لأن الذي قبله مذكور بالعنعنة))(٢) أ.هـ. وفيه فائدة ثانية، وهي الاشارة إلى أن من جملة الشرط في السلم الوزن المعلوم في الموزونات، قاله العيني(٣). مثال ثالث: قوله في كتاب الصوم: عقب حديث خالد هو ابن الحارث، حدثنا حميد، عن أنس، رضي الله عنه ((دخل النبى معَّه، على أم سليم، فأتته بتمر وسمن ... الخ. قال ابن أبي مريم، أخبرنا يحيى بن أيوب، قال: حدثني حميد سمع أنسا، رضي الله عنه، عن النبي عَ له . قال الحافظ: « فائدة هذا التعليق بیان سماع حمید هذا الحديث من أنس لما اشتهر من أن حميدا كان ربما دلس عن أنس))(٤). ٢ - بيان لقاء محدث بآخر ربما تستنكر ((رواية أحدهما عن الآخر فمن ذلك قوله في كتاب الفتن: حدثنا علي بن عبدالله حدثنا محمد بن بشر، حدثنا مسعر، حدثنا سعد بن ابراهيم، عن أبيه، عن أبي بكرة، عن النبى عَ لَّه قال: لا يدخل المدينة رعب المسيح ، لها يومئذ سبعة أبواب ، على كل باب، ملکان ». (١) تغليق التعليق ص٢٧٨ المجلد الثالث، وانظر طرق الحديث أيضاً في التغليق. (٢) فتح الباري ٤٣٥/٤، وانظر عمدة القارىء ٥٩/١٠. (٣) في عمدة القارىء ٥٩/١٠. (٤) انظر تغليق التعليق، فتح الباري ٢٣٠/٤. ٣٠٦ قال: وقال اسحاق، عن صالح بن ابراهيم، عن أبيه، قال قدمت البصرة فقال لي أبو بكرة ((سمعت النبي (عمَّ))(١). وفائدة هذا التعليق ثبوت لقاء ابراهيم بن عبدالرحمن بن عوف لابي بكرة. لأن ابراهيم مدني، وقد تستنكر روايته عن أبي بكرة، لأنه نزل البصرة، من عهد عمر إلى أن مات(٢). ٣ - بيان الرواية فيه عن رب العالمين: فمن ذلك قوله في كتاب التوحيد: حدثنا مسدد عن يحيى، عن التيمي، عن أنس بن مالك، عن أبي هريرة، قال: ربما ذكر النبي، عَّه، قال: اذا تقرب العبد مني شبراً تقربت منه ذراعاً ... الحدیث. وقال معتمر: سمعت أنسا، عن أبي هريرة، عن النبى مُلم ، يرويه عن ربه تبارك وتعالى(٣) . رواه مسلم وغيره (٤). وقال الحافظ: ((أراد بهذا التعليق بيان التصريح بالرواية فيه عن الله عز وجل))(٥) . ٤ - دفع التوهم عن رواية يظن أنها موقوفة وهي مرفوعة: فمن ذلك قوله في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، عقب حديث سعيد بن ميناء عن جابر عن عبدالله قال: جاءت ملائكة إلى النبي ◌ُّه وهو نائم، فقال بعضهم: انه نائم، وقال بعضهم: ان العين نائمة والقلب يقظان ... الحديث. تابعه قتيبة عن ليث عن خالد، عن سعيد بن أبي هلال، عن جابر، خرج علينا النبي عَّةٍ ... الحديث (٦) انظر تغليق التعليق ص ٢٨٣ ٢٨٤ المجلد الخامس. (١) (٢) فتح الباري ٩٥/١٣. (٣) انظر تغليق التعليق ص ٣٧١ المجلد الخامس. (٤) انظر طرقه في المرجع السابق ص٣٧١ المجلد الخامس. (٥) انظر الفتح ٥١٣/١٣. انظر تغليق التعليق ص٣٢٠ المجلد الخامس. (٦) ٣٠٧ وصله الاسماعيلي والترمذي (١). قال الحافظ: ((وفائدة ايراد البخاري له دفع التوهم عمن يظن أن طريق سعيد بن ميناء موقوفة، لأنه لم ييصرح برفع ذلك إلى النبي ◌َ ◌ّله ، فأتى بهذه الصيغة لتصريحها(٢). أ.هـ. ٥ - بيان اختلاف الرواة في وصل الحديث ووصله، وبيان فائدة تتعلق بالمتن أيضاً: فمن ذلك قوله في کتاب فرض الخمس، حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو أسامة حدثنا هشام، قال: أخبرني أبي، عن أسماء بنت أبي بكر، رضي الله عنهما، قالت: (( كنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله عد اله على رأسي، وهي مني على ثلثي فرسخ. وقال أبو ضمرة: عن هشام، عن أبيه ((ان النبى معَّ ◌ُله، اقطع الزبير أيضاً من أموال بني النضير (٣) . قال الحافظ: (( والغرض بهذا التعليق بيان فائدتين: احداهما: ان أبا ضمرة خالف أبا اسامة في وصله فأرسله. ثانيهما: أن في رواية أبي ضمرة تعيين الأرض المذكورة، وأنها كانت مما أفاء الله على رسوله من أموال بني النضير، فأقطع الزبير فيها وبذلك يرتفع استشكال الخطابي حيث قال: ((لا أدري كيف أقطع النبي ◌َ ◌ّه، أرض المدينة، وأهلها قد أسلموا راغبين في الدين إلا أن يكون المراد ما وقع من الأنصار، أنهم جعلوا للنبي معَ ◌ّه مالاً لا يبلغه المأمن من أرضهم، فأقطع النبي عَ لِّ من شاء منه)) (٤) أ.هـ. (١) انظر طرق الحديث في المرجع السابق. (٢) انظر الفتح ٢٥٦/١٣. (٣) انظر تغليق التعليق ص ٤٨١ المجلد الثاني. (٤) انظر الفتح ٥٥٤/٦ . ٣٠٨ المبحث الثاني في الحديث الموقوف والمقطوع ويشتمل على ثلاثة مطالب: المطلب الأول: في الحديث الموقوف. المطلب الثاني: في الحديث المقطوع. المطلب الثالث: في مسائل تتعلق بها. المطلب الأول: في الحديث الموقوف: قال ابن الصلاح: ((هو ما يروى عن الصحابة، رضي الله عنهم، من أقوالهم وأفعالهم ونحوها، فيوقف عليهم، ولا يتجاوز به إلى رسول الله، عَ لَّه . ثم إن منه ما يتصل الإسناد فيه إلى الصحابي، فيكون من الموقوف الموصول ومنه ما لا يتصل اسناده، فيكون من الموقوف غير الموصول(١). وشذ الحاكم فاشترط عدم الانقطاع(٢) . وما ذكرنا من تخصيصه بالصحابي، فذلك اذا ذكر الموقوف مطلقاً، وقد يستعمل مقيداً في غير الصحابي، حديث كذا وكذا وقفه فلان على عطاء ، أو على طاوس، أو نحو هذا، والله أعلم(٣). وهل يسمى الموقوف خبراً أم لا؟ بعض أهل الفقه من الشافعية سماه الأثر (٤)، وقد جاء في اصطلاح الفقهاء الخراسانيين تعريف الموقوف باسم الأثر. قال أبو القاسم الفوراني منهم: ((الفقهاء (١) مقدمة ابن الصلاح ص ١٢٣. (٢) فتح المغيث ١٠٣/١. (٣) مقدمة ابن الصلاح ص ١٢٣ . (٤) فتح المغيث ١٠٣/١. ٣٠٩ يقولون: الخبر ما كان عن النبي، عَّ ◌ُله، والأثر ما يروى عن الصحابة)). انتهى(١). وظاهر تسمية البيهقي كتابه المشتمل عليهما بمعرفة السنن والآثار معهم، وكان سلفهم فيه امامهم، فقد وجد ذلك في كلامه كثيراً، واستحسنه بعض المتأخرين قال: لأن التفاوت في المراتب يقتضي التفاوت في المترتب عليها، فيقال لما نسب لصاحب الشرع الخبر، وللصحابة الأثر، وللعلماء القول والمذهب(٢). ولعل وجه تسمية الموقوف بالأثر، والمرفوع بالخبر أن الاثر يطلق على بقية الدار، قال في المصباح: ((وأثر الدار بقيتها))(٣) ولما كان قول الصحابي بقية من قول المصطفى، والخبر ما يخبر به، وأصل الإخبار انما هو عنه، ناسب أن يسمى قول الصحابي أثراً، وقول المصطفى خبراً (٤). ولكن المحدثون - كما عزاه اليهم النووي في كتابيه - يطلقون الأثر على المرفوع والموقوف، وظاهر تسمية الطحاوي لكتابه المشتمل عليهما شرح ((معاني الآثار))، وكذا أبو جعفر الطبري في ((تهذيب الآثار)) له، إلا أن كتابه اقتصر فيه على المرفوع، وما يورد فيه من الموقوف فبطريق التبعية(٥). والخبر عند المحدثين مرادف للحديث: قال ابن حجر: ((الخبر عند علماء هذا الفن مرادف للحديث، وقيل: الحديث ما جاء عن النبي، عَُّلّه، والخبر ما جاء عن غيره، ومن ثم قيل لمن يشتغل بالتواريخ وما شاكلها الاخباري، ولمن يشتغل بالسنة النبوية المحدث، وقيل بينهما عموم وخصوص مطلق فكل حديث خبر من غير عکس(٦) )). أ.هـ. (١) مقدمة ابن الصلاح ص ١٢٣، ١٢٤. (٢) انظر فتح المغيث ١٠٣/١. المصباح المنير ص ٤، وفيه: أثرت الحديث أثراً، من باب قتل، قتلته، والأثر بفتحتين اسم منه وحديث مأثور، (٣) أي منقول. ومنه المأثرة وهي المكرمة لأنها تنقل ويتحدث بها، وأثر الدار: بقيتها ، والجمع آثار، مثل سبب وأسباب. والاثارة مثل الأثر، وجئت في أثره بفتحتين، وأثره بكسر الهمزة والسكون أي تبعته عن قرب)) أ.هـ. (باختصار). حواش على المنظومة البيقونية ص ٥٣. (٤) (٥) انظر: فتح المغيث ١٠٣/١. شرح نخبة الفكر ص ٣. (٦) ٣١٠ المطلب الثاني: في الحديث المقطوع: قال الخطيب في كتاب الجامع بين آداب الراوي والسامع: ((من الحديث المقطوع)) وقال أيضاً: ((المقاطع هي الموقوفات على التابعين))(١). وقال ابن الصلاح: ((وهو غير المنقطع الذي يأتي ذكره - إن شاء الله تعالى - ويقال في جمعه المقاطيع والمقاطع، وهو ما جاء عن التابعين موقوفاً عليهم من أقوالهم وأفعالهم، ثم قال: وقد وجدت التعبير بالمقطوع عن المنقطع في كلام الإمام الشافعي، وأبي القاسم الطبراني، وغيرهما، والله أعلم. انتهى (٢) الا أن الشافعي استعمل ذلك قبل استقرار الاصطلاح كما قال في بعض الاحاديث حسن، وهو على شرط الشيخين))(٣) أهـ. وقال العراقي: (( ووجدته أيضاً في كلام أبي بكر الحميدي، وأبي الحسن الدار قطني)» (٤) . ثم قال: ((ان الحافظ أبا بكر أحمد بن هارون البرديجي البردعي جعل المنقطع هو قول التابعي، قال ذلك في جزء لطيف، وكذا ذكر ابن الصلاح هذا القول في آخر كلامه على المنقطع أن الخطيب حكاه عن بعض أهل العلم، واستبعده ابن الصلاح(٥) )) أهـ. المطلب الثالث: في مسائل تتعلق بالحديث الموقوف والمقطوع المسألة الأولى: ((قول الصحابي: ((أمرنا بكذا))، و((نهينا عن كذا))، و((من السنة كذا)) اذا كان من صحابي، كقول علي بن أبي طالب ((من السنة وضع الكف على الكف في الصلاة تحت السرة)). رواه أبو داود(٦) في رواية ابن داسة وابن الأعرابي(٧)، وقول عمر في المسح ((أصبت السنة)) رواه الدار قطني(٨)، وصححه. انظر: شرح ألفية العراقي المسماة بالتبصرة والتذكرة للعراقي ١٢٤/١. (١) (٢) مقدمة ابن الصلاح ص ١٢٥ . (٣) انظر: منهج ذوي النظر ص ٤٣. (٤) التبصرة والتذكرة ١٢٤/١. (٥) المرجع السابق. في سننه ٢٠١/١ كتاب الصلاة، باب وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة. حديث رقم (٧٥٦). (٦) (٧) التبصرة والتذكرة ١٢٥/١. انظر: مقدمة ابن الصلاح ص ١٢٧، منهج ذوي النظر ص ٤٤. (٨) ٣١١ ففيه ثلاثة أقوال: القول الأول: حكمه حكم المرفوع، وان لم يصرح بعلم النبى، عَِّ، وهو الذي عليه جمهور العلماء ، وذلك: - لأن مطلق ما ذكر ينصرف بظاهره إلى من يجب اتباع سننه، ومن له الأمر والنهي، وهو النبى، ◌ّ . . - ولأن مقصود الصحابي بيان الشرع، لا اللغة، ولا العادة، والشرع إنما يتلقى من الكتاب والحديث النبوي، والإجماع والقياس. لاجائز أن يريد أمر الكتاب، لكون مافيه مشهوراً يعرفه الناس، ولا الاجماع لأن المتكلم من أهل الاجماع، ويستحيل أمره نفسه، ولا القياس إذ لا أمر فيه، فتعين كون المراد أمره، القول الثاني: أن ذلك ليس بمرفوع لاحتمال كون الآمر والناهي غيره، مَ له، وأن يريد سنة غيره. وهو قول فريق منهم أبو بكر الاسماعيلي. وأجيب ببعد ذلك جداً، مع أن الأول هو الأصل، بل في البخاري حين قال ابن عمر، رضي الله تعالى عنهما، للحجاج: ((ان كنت تريد السنة فهجر بالصلاة. قال ابن شهاب: فقلت لسالم، أَفَعَله، صلى الله تعالى عليه وسلم؟ فقال: وهل يعنون بذلك الا سنته؟ فنقل سالم وهو من هو عن الصحابة أنهم إذا أطلقوا السنة لا يريدون بذلك إلا سنته، صلى الله تعالى عليه وسلم(٢)، لأن مقصودهم بيان الشرع، ولأن السنة لا تنصرف بظاهرها حقيقة إلا إلى الشارع، فإنه الفرد الكامل، ولأنه أصل، وسنة غيره إنما هي تبع في كلامهم، فحمل كلامهم على الأصل أولى (٣). (١) انظر: منهج ذوي النظر ص ٤٤. (٢) المرجع السابق. (٣) المرجع السابق. حاشية رقم (٤). ٣١٢ وما قيل: ان كان مرفوعاً، فلم لا يقولون: قال النبى، عَِّ؟ فجوابه أنهم تركوا الجزم بذلك تورعاً، واحتياطاً في الرواية. قال الحافظ: ومن هذا قول أبي قلابة، عن أنس من السنة إذا تزوج على الثيب أقام عندها سبعاً أخرجاه في الصحيح. قال أبو قلابة: لو شئت لقلت: إن أنساً رفعه الى النبى، مَ له: أي لو قلت لم أكذب، لأن قوله ((من السنة)) هذا معناه، لكن إيراده بالصيغة التي ذكرها الصحابي أولى.(١) القول الثالث: فيه التفصيل، فإن كان ذلك مما لا يخفى على الناس، فهو في حكم المرفوع، وإلا كان موقوفاً. وبه جزم الشيخ أبو اسحاق الشيرازي. قال في التدريب: وخصص بعضهم الخلاف بغير الصديق، رضي الله تعالى عنه، فإن قال ذلك فمرفوع بلا خلاف(٢) . قال ابن الصلاح: وكذلك قول: ((أنس)) رضي الله عنه: أمر بلال أن يشفع الأذان، ويوتر الاقامة، وسائر ما جانس ذلك، ولا فرق بين أن يقول ذلك في زمان رسول الله، عَ ◌ِّ، وبعده، عَ لَّم والله أعلم (٣). هذا كما أسلفنا إذا قال الصحابي، أما إذا قال التابعي، فإنه مرسل جزماً كما قال ابن الصباغ(٤). المسألة الثانية: قول الصحابي: ((كنا نفعل كذا)) أو (( كنا نقول كذا)) ونحو ذلك. إن لم يضفه إلى زمان رسول الله، عَ لَّه، فهو من قبيل الموقوف، وإِن اضافه الى زمان رسول الله، مَ ◌ّهِ، فالذي قطع به أبو عبدالله بن البيع الحافظ وغيره من أهل الحديث وغيرهم، أن ذلك من قبيل المرفوع(٥)، وصححه الأصوليون الامام فخر الدين، والسيف الآمدي، وأتباعهما(٦). (١) انظر: منهج ذوي النظر ص ٤٤، حاشية رقم (٤) المنهج الحديث في علوم الحديث (قسم المصطلح) ص ١١، ١٢. (٢) منهج ذوي النظر ص ٤٤، ٤٥. (٣) مقدمة ابن الصلاح ص ١٢٨ . (٤) منهج ذوي النظر ص ٤٥. (٥) مقدمة ابن الصلاح ص ١٢٦ . أنظر التبصرة والتذكرة ١٢٨/١. (٦) ٣١٣ قال ابن الصلاح: ((وهو الذي عليه الاعتماد، لأن ظاهر ذلك مشعر بأن رسول الله، عَِّ، اطلع على ذلك، وقررهم عليه، وتقريره أحد وجوه السنن المرفوعة، فإنها أنواع: منها أقواله ◌َّلّه، ومنها تقريره، وسكوته عن الانكار بعد اطلاعه(١))). قال: ((وبلغني عن البرقاني أنه سأل أبا بكر الاسماعيلي الإمام عن ذلك، فأنكر كونه من المرفوع)»(٢). أما اذا كان في القصة اطلاعه فحكمه الرفع إجماعاً كقول ابن عمر: (( كنا نقول ورسول الله عَ لَّه حي: أفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر وعمر وعثمان، ويسمع ذلك رسول الله، عَ لّه، فلا ينكره)) رواه الطبراني في المعجم الكبير، والحديث في الصحيح لكن ليس فيه اطلاع النبي، مَّله، على ذلك بالتصريح))(٣). وكذا ((أمرنا)) رسول الله، ◌َ ◌ّ بكذا)) (٤). وكذا قول الصحابي (( كنا لا نرى بأساً بكذا، ورسول الله، عَّه، فينا، أو كانوا يفعلون كذا وكذا في حياته، عَ له. فكل ذلك - وشبهه - مرفوع مسند، مخرج في كتب المسانيد (٥). قال في التدريب: إلا ما حكي عن داود وبعض المتكلمين أنه لا يكون حجة حتى ينقل لفظه، وهذا ضعيف بل باطل، لأن الصحابي عدل عارف باللسان فلا يطلق ذلك إلا بعد التحقيق(٦). المسألة الثالثة: قول المغيرة بن شعبة، كان أصحاب رسول الله مَ ◌ّلَه، يقرعون بابه بالأظافر، فقد صوب ابن الصلاح رفعه وقال الحاكم موقوف، حيث قال: ان هذا يتوهمه من ليس من أهل الصنعة مسنداً، يعني مرفوعاً، لذكر رسول الله، مَ لآمٍ ، (١) مقدمة ابن الصلاح ص ١٢٦ . (٢) المرجع السابق، وأنظر التبصرة والتذكرة ١٢٨/١. (٣) التبصرة والتذكرة ١٢٨/١، وأنظر معنى ذلك في منهج ذوي النظر ص ٤٥. (٤) منهج ذوي النظر ص ٤٥. (٥). مقدمة ابن الصلاح ص ١٢٦ . أنظر منهج ذوي النظر ص ٤٥. (٦) ٣١٤ فيه، وليس بمسند بل هو موقوف(١). وهذا القول مردود عليه، فالصواب أنه من المرفوع، بل أولى من نحو قول الصحابي: كنا نفعله في زمنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، الذي اعترف الحاكم برفعه، لأن هذا أحرى باطلاعه، صلى الله عليه وسلم عليه من ذلك. نعم أول ابن الصلاح كلام الحاكم بأنه أراد أنه ليس بمسند لفظاً، بل هو موقوف لفظاً، قال: وكذلك سائر ما سبق موقوف لفظاً، وإنما جعلناه مرفوعاً من حيث المعنى، والله أعلم (٢). المسألة الرابعة: ((ما جاء عن الصحابي من قول أو فعل موقوفاً عليه، ومثله لا يقال من قبل الرأي أو الاجتهاد)) فحكمه حكم المرفوع لأنه يحمل على السماع(٣)، وبه جزم الامام فخر الدين في المحصول حيث قال: ((اذا قال الصحابي قولا ليس للاجتهاد فيه مجال، فهو محمول على السماع تحسينا للظن به (٤)) ووافقه على ذلك طائفة من أئمة الحديث. قال العراقي: وما قاله في المحصول موجود في كلام غير واحد من الأئمة، کأبي عمر بن عبد البر، وغيره. وقد أدخل ابن عبد البر في كتابه التقصي عدة أحاديث ذكرها مالك في الموطأ موقوفة، مع أن موضوع الكتاب لما في الموطأ من الأحاديث المرفوعة: منها حديث سهل بن أبي حثمة في صلاة الخوف(٥). وقال في التمهيد: هذا الحديث موقوف على سهل في الموطأ، عند جماعة الرواة عن مالك، قال: ومثله لا يقال من جهة الرأي(٦). ومثله الحاكم(٧) بقول ابن مسعود، رضي الله تعالى عنه ((من أتى ساحراً، أو عرافاً فقد كفر بما أنزل على محمد، عَّه))(٨). (١) مقدمة ابن الصلاح ص ١٢٦ . (٢) منهج ذوي النظر ص ٤٥، مقدمة ابن الصلاح ص ١٢٧ . (٣) انظر منهج ذوي النظر ص ٤٥. (٤) انظر المرجع السابق، والتبصرة والتذكرة ١٣٩/١، ١٤٠. (٥) كتاب رقم (١١) حديث رقم (٢) الموطأ ١٨٣/١. (٦) التبصرة والتذكرة ١٤٠/١. ﴿، قال: ترجم الحاكم عليه في ((معرفة علوم الحديث)) له: معرفة المسانيد التي لا يذكر سندها عن رسول الله، : (٧) ومثال ذلك فذكر ثلاثة أحاديث هذا أحدها)). (٨) منهج ذوي النظر ص ٤٥. ٣١٥ ومثله الحافظ ابن حجر بصلاة علي بن أبي طالب، كرم الله تعالى وجهه في الكسوف في كل ركعة أكثر من ركوعين. وذلك مقيد بعدم أخذه من أهل الكتاب، ومثله بالاخبار عن الأمور الماضية من بدء الخلق، وأخبار الأنبياء الآتية، كالملاحم، والفتن، وأحوال يوم القيامة، وعما يحصل بفعله ثواب مخصوص، أو عقاب مخصوص. أما إذا حمل عن السالف فلا يكون ما ذكر في حكم المرفوع.(٣) المسألة الخامسة: تفسير الصحابي: إذا كان التفسير يتعلق بسبب نزول آية كقول جابر رضي الله عنه: ((كانت اليهود، تقول: ((من أتى امرأته من دبرها في قبلها، جاء الولد أحول)) فأنزل الله عز وجل ((نساؤكم حرث لكم(٤) ... الآية(٥))) أو يتعلق بما لا يمكن أن يؤخذ إلا منه سَّه، ولا مدخل فيه للرأي، فحكمه حكم المرفوع (٦)، وأما غير ذلك من تفاسير الصحابة التي لا تشتمل على إضافة شيء الى رسول الله، عَ له ، فمعدود في الموقوف، والله اعلم(٧) . المسألة السادسة: حكم الصحابي على الأفعال بأنه طاعة لله ولرسوله معَ له، أو معصية كقول عمار بن ياسر، رضي الله عنه: ((من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم)) رواه الترمذي، وغيره وصححوه، فله حكم الرفع في القول المشهور، وبه جزم الزركشي نقلاً عن ابن عبد البر. وقال البلقيني: الأقرب أن هذا ليس بمرفوع لجواز إحالة الإثم على ما ظهر من القواعد، وسبقه الى ذلك أبو القاسم الجوهري، نقله عنه ابن عبد البر ورده عليه(٨). المسألة السابعة: الأحاديث التي قيل في أسانيدها عند ذكر الصحابي: يرفع الحديث، أو: يبلغ به، أو: ينميه، أو: رواية(٩). (٣) انظر المرجع السابق. (٤) ٢٣٣: البقرة. (٥) مقدمة ابن الصلاح ص ١٢٨، ١٢٩. (٦) أنظر منهج ذوي النظر ص ٤٦. (٧) مقدمة ابن الصلاح ص ١٢٩ . انظر منهج ذوي النظر ص ٤٦. (٨) مقدمة ابن الصلاح ص ١٢٩. (٩) ٣١٦ مثال الأول: قول ابن عباس: ((الشفاء في ثلاثة: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار)). رفع الحديث. رواه البخاري(١). ومثال الثاني: حديث الأعرج عن أبي هريرة، يبلغ به ((الناس تبع لقريش)). متفق عليه(٢). ومثال الثالث: حديث مالك في الموطأ(٣) عن أبي حازم، عن سهل بن سعد قال ((كان الناس يؤمرون أن يضع الرجل يده اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة)). قال أبو حازم: لا أعلم إلا أنه ينمى ذلك (٤). ومثال الرابع: حديث الأعرج، عن أبي هريرة، رواية ((تقاتلون قوماً صغار الأعين ... )) أخرجه البخاري (٥) . فكل ذلك وأمثاله كناية عن رفع الصحابي الحديث إلى رسول الله، عَ ◌ّه وحكم ذلك عند أهل العلم، حكم المرفوع صريحاً(٦). والحامل له على ذلك الشك في الصيغة. التي سمع بها، أهي قال رسول الله، عَ لَه، أو النبي عَ لَّه، أو نحو ذلك: كسمعت أو حدثني، وهو ممن لا يرى الابدال أو طلباً للتخفيف أو إيثاراً للاختصار، أو للشك في ثبوته، أو ورعاً حيث علم أن المروي بالمعنى فيه خلاف(٧). ومنه الاقتصار على القول مع حذف العامل كقول ابن سيرين، عن أبي هريرة. قال: ((أسلم وغفار وشيء من مزينة)) الحديث. قال الخطيب: إلا أن ذلك اصطلاح خاص بأهل البصرة، لكن روى عن ابن سيرين أنه قال: كل شيء حدثت عن أبي هريرة فهو مرفوع (٨). وقال ابن الصلاح: وإذا قال الراوي عن التابعي: يرفع الحديث، أو: يبلغ به، فذلك أيضاً مرفوع، ولكنه مرفوع مرسل، والله أعلم(٩) . (١) منهج ذوي النظر ص ٤٦. (٢) المرجع السابق، مقدمة ابن الصلاح ص ١٢٩. ١٥٩/١، حديث رقم (٤٧). وأخرجه البخاري في كتاب الاذان (١٠) باب وضع اليمنى على اليسرى (٨٧). (٣) (٤) منهج ذوي النظر ص ٤٦. (٥) المرجع السابق، مقدمة ابن الصلاح ص ١٢٩. (٦) مقدمة ابن الصلاح، وأنظر منهج ذوي النظر ص ٤٦، النخبة النبهائية ص ٣٠. (٧) النخبة النبهائية ص ٣٠. (٨) انظر منهج ذوي النظر ص ٤٦، ٤٧ حيث عزاه المصنف الى السيوطي. مقدمة ابن الصلاح ص ١٢٩. (٩) ٣١٧ المبحث الثالث في التعريف ببعض المصطلحات الحديثية الواردة في الكتاب تمر في كتاب تغليق التعليق مصطلحات حديثية، يحتاج القارىء إلى معرفتها، وفهم المقصود منها، وتيسيراً على القارىء فسأعرف هذه المصطلحات باختصار، بقدر يجلي المعنى له. ١ - العلو والنزول: أصل الاسناد أولاً خصيصة فاضلة من خصائص هذه الأمة وسنة بالغة من السنن المؤكدة، وطلب العلو في الإسناد سنة أيضاً، ولذلك استحبت الرحلة فيه(١). فالعلو قلة الوسائط في سند الحديث. فكل حديث قلت رجال سنده يسمى عالياً، وضده أي الذي كثرت رجال سنده يسمى نازلاً(٢). ثم إن العلو المطلوب في رواية الحديث على أقسام خمسة: الأول: العلو المطلق، وهو أجلها: وهو القرب من الرسول، عَّ ◌ُلّه، بأن ينتهي السند . إلى النبي، مَ له بذلك العدد القليل بالنسبة إلى سند آخر يرد به ذلك الحديث بعينه بعدد كثير، فإن صح سنده كان الغاية القصوى، وإلا فصورة العلو فيه موجودة ما لم يكن موضوعاً فهو كالعدم(٣). الثاني: العلو النسبى وهو القرب من إمام من أئمة الحديث ذي صفة علية، كالحفظ والضبط والتصنيف، وغير ذلك من الصفات المقتضية للترجيح، كالإمام مالك، وشعبة، والثوري، والشافعي، والبخاري، ومسلم، ونحوهم. وهو ما يقل العدد فيه الى ذلك الإمام، ولو كان العدد من ذلك الإمام الى منتهاه كثيراً (٤). (١) انظر مقدمة ابن الصلاح ص ٣٧٨، ٣٧٩. (٢) النخبة النبهانية ص ٢٥. (٣) انظر: شرح نخبة الفكر ص ٣١، النخبة النبهانية ص ٢٥، ٢٦. انظر: شرح نخبة الفكر ص، ٣١، الطراز الحديث في مصطلح الحديث ص ٢٦، منهج ذوي النظر ص ١٩٧. (٤) ٣١٨ الثالث: وهو نسبي أيضاً، العلو المقيد بالنسبة لرواية الصحيحين مثلاً، وأصحاب السنن الأربع، ونحوها من الكتب المعتمدة(١). إذ الراوي لو روى حديثاً من طريق كتاب من السنة لوقع أنزل مما لو رواه من غير طريقها. وقد يكون عالياً مطلقاً أيضاً كحديث ابن مسعود مرفوعاً ((يوم كلم الله موسى كان عليه جبة صوف ... الحديث)) فلو رواه الراوي من جزء ابن عرفة، عن خلف بن خليفة يكون أعلى مما لو رواه من طريق الترمذي عن علي بن حجر، عن خلف. فهذا مع كونه علواً نسبياً مطلق، إذ لا يقع هذا الحديث اليوم أعلى من روايته من هذا الطريق. وسمى ابن دقيق العيد هذا القسم علو التنزيل لأنه يكون نازلاً بالنسبة للنبى، عَّه، وعالياً بالنسبة للكتاب المأخوذ منه(٢). وفي هذا القسم تقع الموافقات، والأبدال والمساواة، والمصافحة: أ - الموافقة: الوصول الى شيخ أحد المصنفين من غير طريقه. مثاله: حديث رواه البخاري عن محمد بن عبدالله الأنصاري، عن حميد، عن أنس مرفوعاً، (( كتاب الله القصاص)) فإذا رواه الراوي من جزء الأنصاري تقع موافقة للبخاري في شيخه مع علو درجته. وكحديث يرويه البخاري عن قتيبة عن مالك، فلو رويناه من طريقه كان بيننا وبين قتيبة ثمانية، ولو روينا ذلك الحديث بعينه من طريق أبي العباس السراج، عن قتيبة مثلاً لكان بيننا وبين قتيبة فيه سبعة، فقد حصلت لنا الموافقة مع البخاري في شيخه بعينه، مع علو الإِسناد على الاسناد إليه (٣) . ب - البدل: وهو الوصول الى شيخ شيخه كذلك، كأن يقع للراوي ذلك الاسناد بعينه من طريق أخرى الى القعنى عن مالك، فيكون القعنى بدلاً فيه عن قتيبة. قال الحافظ ابن حجر (٤): ((وأكثر ما يعتبرون الموافقة والبدل اذا قارنا العلو. والا النخبة النبهانية ص ٢٦، مقدمة ابن الصلاح ص ٣٨٤. (١) (٢) حواش على شرح البيقونية ص ٥٠. (٣) انظر: حواش على شرح البيقونية ص ٥٠، النخبة النبهانية ص ٢٦، شرح نخبة الفكر ص ٣١. (٤) انظر: شرح نخبة الفكر ص ٣١، حواش على شرح البيقونية ص ٥٠، النخبة النبهانية ص ٢٦. ٣١٩ فاسم الموافقة والبدل واقع بدونه(١))) أهـ وبحوه لشيحه العراقي (٢). جـ - المساواة: وهو استواء عدد الإِسناد من الراوي إلى آخره مع اسناد أحد المصنفين. كأن يروي النسائي مثلاً حديثاً يقع بينه وبين النبى، سَ لّه ، فيه أحد عشر نفساً، فيقع لنا ذلك الحديث بعينه، باسناد آخر الى النبى، عَ لَّه يقع بيننا فيه، وبين النبى عَ لّ أحد عشر نفساً، فنساوي النسائي من حيث العدد، مع قطع النظر عن ملاحظة ذلك الإِسناد الخاص(٣) . قال الترمسي: وهذا كان يوجد قديماً، وأما الآن فلا يوجد في حديث بعينه، بل ولا في مطلق العدد. نعم هذا وجد في عصر الحافظ ابن حجر، والمصنف - أي السيوطي - والسخاوي. فقد ذكروا أنه وقع لهم أحاديث بينهم وبين النبى، عَ لَّه عشرة رجال، ووقع للنسائي حديث سنده كذلك (٤)). أهـ. أقول: وقد وقع ذلك كثيراً لابن حجر في كتابه تغليق التعليق. د - المصافحة: وهي الاستواء مع تلميذ ذلك المصنف على الوجه المشروع أولاً . وسميت مصافحة، لأن العادة جرت في الغالب بالمصافحة بين من تلاقيا، ونحن في هذه الصورة كأنا لقينا النسائي، فكأنا صافحناه(٥) أهـ. قال ابن الصلاح: ((ثم لا يخفى على المتأمل أن في المساواة والمصافحة الواقعتين لك، لا يلتقي اسنادك واسناد مسلم، او نحوه الا بعيداً عن شيخ مسلم، فيلتقيان في الصحابي أو قريباً منه))(٦). أهـ. الرابع: العلو بتقدم وفاة الراوي عن شيخ على وفاة راو آخر عن ذلك الشيخ، وان تساويا في العدد . مثاله: من سمع سنن أبي داود على الزكي عبد العظيم أعلى ممن سمعه على شرح نخبة الفكر ص ٣١. (١) (٢) النخبة النبهانية ص ٢٦. (٣) شرح نخبة الفكر ص ٣٢. (٤) منهج ذوي النظر ص ١٩٨. لكن المثال كما ذكرناه قيل عن ابن حجر وقع فيه أحمد عشر رجلا لا عشرة كما قال، إلا أن مثالا غير الذي ذكره الحافظ في شرح نخبة الفكر ص ٣١. (٥) شرح نخبة الفكر ص ٣٢. (٦) مقدمة ابن الصلاح ص ٣٨٥. ٣٢٠