Indexed OCR Text
Pages 101-120
جزء البطاقة، ومنتقى من جزء الانصاري في يوم الثلاثاء، رابع عشري شعبان سنة اثنتين وثماني مائة (١). وممن أخذ عنه، وهو ذاهب في رحلته إلى دمشق، بقطية صاحبه ورفيقه في الرحلة الحافظ التقي محمد بن أحمد الفاسي المكي(٢). ولد سنة خمس وسبعين وسبعمائة ومات في رابع شوال سنة اثنتين وثلاثين وثماني مائة. قال ابن حجر: ورافقني في السماع كثيراً بمصر والشام واليمن وغيرها، وكنت أوده وأعظمه، وأقوم معه في مهماته)»(٣) . وبغزة: الإمام الشهاب أحمد بن محمد بن عثمان الخليلي المقدسي الأصل، نزيل غزة، ولد سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، ومات بمكة في صفر سنة خمس وثماني مائة. قرأ عليه عدة أجزاء(٤). - والعلامة أعجوبة الزمان برهان الدين ابراهيم بن محمد بن بهادر الغزي عرف بابن زقاعه - بضم الزاى وفتح القاف المشددة وألف وعين مهملة وهاء - مولده سنة أربع وعشرين على الصحيح ووفاته بالقاهرة في ثامن عشر ذي الحجة سنة ست عشرة وثمانمائة(٥). قال الحافظ: ((اجتمعت به غير مرة، وأخذت عنه من نظمه، وأجازني قبل ذلك بالقاهرة)) أهـ(٦). وبنابلس: - ابراهيم، وعلي ابنا أحمد بن ابراهيم بن العفيف. - وأحمد بن محمد بن عبد القادر. - وأبو بكر بن علي بن أبي بكر بن الحكم، وعيسى بن علي بن محمد بن غانم أنظر الجواهر والدرر ق ٢٣ ب، المجمع المؤسس ص ١١٤. (١) (٢) انظر الجواهر والدرر ق ٢٣ ب. انظر أنباء الغمر ٤٢٩/٣، شذرات الذهب ١٩٩/٧، ذيل تذكرة الحفاظ ص ٣٧٧. (٣) انظر المجمع المؤسس ص ٧٧، أنباء الغمر ٢٤٠/٢، شذرات الذهب (٤٩/٧) (٤) وجاء فيه: الحنبلي وهو تصحيف. أنظر أيضا الضوء اللامع ٢/ ٤٠٢. (٥) انظر شذرات الذهب ١١٥/٧ . (٦) انظر أنباء الغمر ١٧/٣، والجواهر والدرر ق ٢٣ ب. ١٠١ المقدسي(١) . وبالرملة: الإمام الشهاب أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن حسين، مهندس الحرم أبوه عرف بابن زغلش - بفتح الزاي، وسكون المعجمة، وكسر اللام، وآخر معجمة - ولد سنة أربع وأربعين، ومات في شهر رمضان سنة ثلاث وثماني مائة. قال الحافظ: (( سمعت منه في ثامن عشر رمضان سنة اثنتين وثماني مائة)) (٢). وعبدالله بن سليمان بن عبدالله بن حرز الله الاحازي المقدسي المالكي، يعرف بابن سجادة، جمال الدين. قال الحافظ: ((سمعت عليه الفوائد التي في آخر جزء الانصاري من رواية أبي محمد بن ماسي(٣). وببيت المقدس: - امام الأقصى الشهاب أحمد بن محمد بن علي بن محمد بن مثبت - بضم الميم، وفتح المثلثة، وتشديد الموحدة المكسورة، بعدها هاء مثناة - المكي. ولد في حدود الثلاثين، ومات سنة ثلاث عشرة وثماني مائة (٤). - وأبو بكر بن عثمان بن خليل الحوراني الحنفي. ولد بعد سنة أربعين، ومات سنة أربع وثماني مائة ببيت المقدس، قرأ عليه المسلسل بالأولية، وجزء البطاقة (٥). وغيرهم. وبدمشق وصالحيتها من خلائق من أصحاب أبي العباس أحمد بن أبي طالب الحجار، ومن قبله مثل القاسم بن عساكر، وأبي عبدالله الزراد، ونحوهما بالسماع المتصل، والقاضي سليمان بن حمزة، ونحوه بالاجازة. ووصل هناك على جاري عادته من الكتب الكبار، والاجزاء الصغار، وغيرهما (١). (٢) انظر الجواهر والدرر ق ٢٣ ب. أنظر الجواهر والدرر ق ٢٣ ب، المجمع المؤسس ص ٧٢، أنباء الغمر ١٥٦/٢. (٣) انظر الجواهر والدرر ق ٢٣ ب، المجمع المؤسس ص ١٢٠. (٤) انظر المجمع المؤسس ص ٧٨. (٥) انظر المجمع المؤسس ص ١٠١، أنباء الغمر ٢١١/٢. ١٠٢ أشياء كثيرة جداً، كانت قد انقطعت من مدد متطاولة، واحتاج في وصلها للقراءة بتوالي ثلاثة أجايز، وربما توالى أكثر من ذلك(١). وكان دخوله الشام في حادي عشري رمضان سنة اثنتين، فنزل فيها على صاحبه الصدر علي بن محمد بن محمد بن الأدمي(٢)، ووجد هناك رفيقه الحافظ صلاح الدين الأقفهسي(٣)، وحصل له في هذه المدة مع قضاء اشغاله، ما بين قراءة وسماع من الكتب والمجلدات خاصة من المعجم الأوسط للطبراني ثلاثة، ومن الكبير مجلد ، والصغير بتمامه في مجلد، ومن الدعاء له مجلد، والمعرفة لابن منده في أربعة، والسنن للدار قطني في اثنين، ومسند مسدد، والموطأ لأبي مصعب كل واحد منهما في مجلد ، ومن كل كتاب من صحيحي ابن خزيمة وابن حبان مجلد، ومن المختارة للضياء خمسة، ومن الاستيعاب لابن عبد البر واحد، والطهور لأبي عبيد، والذكر لجعفر الفريابي، وفضائل الأوقات للبيهقي، والايمان لابن منده، ومكارم الأخلاق للخرائطي، كل واحد من هذه الكتب في مجلد، ومن مسند الدارمي مجلد، وقطعة من مساوىء الاخلاق للخرائطي، والخراج ليحيى بن آدم، ومشيخة الباغبان، والشمائل للترمذي، والأدب للبيهقي، وعلوم الحديث للحاكم، والارشاد للخليلي، وحديث قتيبة للعيار، واختلاف الحديث لابن قتيبة، وآداب الحكماء وذم الكلام للهروي، والسنن للشافعي رواية ابن عبد الحكم، وغرائب شعبة لابن منده، كل واحد من هذه الكتب في مجلد، ومن مشيخة مسعود الثقفي مجلد، ومن مسند أبي يعلى الموصلي مجلد. فمن هذه الكتب ما يكون في مجلدة ضخمة، ومنها ما يكون في مجلدة لطيفة، فتكون نحو الثلاثين مجلداً ضخمة، وتكون نحو أربعين أو خمسين جزءاً حديثية خارجاً عن الأجزاء الحديثية، والفوائد النثرية، والتتمات التي يلحقها في تصانيفه، ونحوها ثمان مجلدات فأكثر. وطرف كتاب المختارة للحافظ ضياء الدين محمد بن (١) أنظر الجواهر والدرر ق ٢٣ ب. (٢) توفي سنة (٨١٧هـ). أنظر شذرات الذهب ١٣١/٧. (٣) هو صلاح الدين، وغرس الدين أبو الصفا خليل بن محمد بن محمد بن عبد الرحمن الأقفهسي المصري المحدث الحافظ. مات سنة (٨٢١هـ) أنظر شذرات الذهب ١٥٠/٧. ١٠٣ عبد الواحد المقدسي في مجلد ضخم، لو لم يكن له عمل، في طول هذه المدة، الا هي لكانت كافية في جلالته. وأعانه على كل هذا أمور، يسرها الله تعالى له، قل أن تجتمع في غيره منها سرعة القراءة الحسنة(١) وأخذ بالزعيفرينية من أبي العباس أحمد بن اسماعيل بن خليفة بن عبد العال، قاضي القضاة، الدمشقي، الشافعي، المعروف بابن الحسباني(٢). ولد سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، ومات في ربيع الأول سنة خمس عشرة وثماني مائة. قال الحافظ: (( وقد اجتمعت به في دمشق، فأكرمني، وأعارني کتبه، وأجزاءه، التي کانیضن بها على غيري، ثم قدم القاهرة بعد الكائنة، فأعطيته جملة من الأجزاء، وشهد لي بالحفظ في عنوان ((تغليق التعليق)) وسمعت منه بدمشق قليلاً .... ))(٣). - وأخذ بالنيرب من: - المحدث البدرانس بن علي الأنصاري (٤). - والمحدث الزين أبي هريرة عبد الرحمن بن يوسف بن أحمد بن الحسين بن سليمان بن فزارة بن بدر بن محمد بن يوسف الكفري الحنفي، القاضي، من بيت القضاء وليه هو وأبوه(٥). قال الحافظ: ((قرأت عليه جزء المؤمل بن اهاب .. ومن مسموعاته جزء اسحاق رواية الماسرجسي))(٦). ولما كثرت الاشاعة في دمشق بطروق اللنك (٧) اليها، وأرجف الناس بذلك، رجع إلى بلاده، وكان ظهوره منها - كما سلف - في أول يوم من سنة ثلاث وثماني مائة وقد اتسعت معارفه كثيراً، وأظهر لعلماء الشام وفضلائها حفظاً كثيراً، واغتبطوا به وشهدوا له بالتقدم في فنون الحديث إلى أعلى رتبة، فأقام بها على انظر الجواهر والدرر ق ١٢٤ أ، ق ٢٤ ب. (١) انظر الجواهر والدرر ق ٢٤ أ. وشذرات الذهب ١٠٨/٧. (٢) (٣) انظر أنباء الغمر ٨١٥/٢. (٤) انظر الجواهر والدرر ق ٢٤ أ. (٥) ولد سنة (٧٥١هـ) ومات في ربيع الآخر سنة (٨١١هـ). أنظر شذرات الذهب ٨٤/٧. (٦) انظر المجمع المؤسس ص ١٧٦ . (٧) انظر شذرات الذهب ٢٢/٧. ١٠٤ طريقته في التصنيف والاقراء والاملاء، والكتابة، بل لم يهمل سماعه على الشيوخ(١). وكان قد عزم - وهو بدمشق - على التوجه إلى البلاد الحلبية، ليأخذ بها عن خاتمة المسندين بها، عن ابن ايدغمش، فبلغته وفاته، فتخلف عن التوجه اليها ، وهو - كما قال: على كل خير مانع، لكنه كان قد قرأ على شيخه التنوخي بإجازته من شيخ ابن ايدغمش، الذي انفرد عنه بالسماع. وهو العز ابراهيم بن صالح بن العجمي شيئاً . ثم يسر الله - عز وجل - بعد دهر، وذلك في سنة ست وثلاثين وثماني مائة، له السفر إلى حلب(٢)، وذلك أن السلطان الأشرف برسباي توجه إلى آمد(٣) لدفع أذى التركمان الذين تغلبوا على بلاد آمد، وماردين(٤)، وغيرها(٥). بعد اللنكية. فسافر بصحبته القضاة الأربعة ومنهم الحافظ ابن حجر. وقد حصل في رحلته فوائد ونوادر علقها في تذكرته التي سماها جلب حلب وهي في نحو أربعة أجزاء حديثية (٦). انظر الجواهر والدرر ق ١٢٧ أ. (١) (٢) حلب بالتحريك: مدينة مشهورة بالشام. انظر مراصد الاطلاع ١/ ٤١٧. آمد: بكسر الميم، وهي لفظة رومية، بلد قديم حصين ركين، مبني بالحجارة السود على نشز، ودجلة محيطة بأكثره، (٣) مستديرة به كالهلال، وهي تنشأ من عيون بقربه. أهـ. أنظر مراصد الاطلاع ١/ ٦. ماردين: بكسر الراء، والدال: قلعة مشهورة على قمة جبل الجزيرة، مشرفة على دنيسر ودارا ونصيبين. أنظر (٤) مراصد الاطلاع ١٢١٩/٣. أنظر بدائع الزهور ص ٣٢٨، النجوم الزاهرة ٩/١٥، الجواهر والدرر ق ٢٨ أ. (٥) انظر الجواهر والدرر ق ٢٨ أ. (٦) ١٠٥ المبحث الثالث ويشتمل على مطلبين: المطلب الأول: في شيوخه. المطلب الثاني: في تلاميذه. المطلب الأول: في شيوخه أسلفنا فيما مضى أن الحافظ ابن حجر، رحمه الله، قد جد في الطلب، ورحل في طلب العلم، يتنقل من بلد إلى بلد، ليلتقي بالعلماء والشيوخ، لسماع الكتب والأجزاء بالأسانيد المتصلة، وتحصيل الأسانيد العالية، والعلوم النافعة، فضلاً عن نقل الكتب الكبار والأجزاء، وغيرها . وما من شك أن الحافظ ابن حجر أخذ عن شيوخ هم من الكثرة بحيث لا يستطيع الانسان أن يحيط بهم في هذه الدراسة الموجزة عن حياته، وحسبك لمعرفة شيوخه وللوقوف على ما أخذ عنهم معجمه المسمى ((المجمع المؤسس بالمعجم المفهرس))(١) الذي خرج فيه شيوخه عن نحو أربعمائة وخمسين شيخاً، وقد قسمهم من حيث العلو إلى خمس مراتب(٢) . وسأترجم لبعض مشايخه الذين تلقى عنهم العلم، وأثروا في حياته العلمية، وكونوا عنده هذه الملكة القوية، والعقلية العلمية النيرة، حتى أضحى حافظ العصر، ومدقق المصر . تتلمذ الحافظ على شيوخ في مختلف العلوم الشرعية منها وغير الشرعية، فله شيوخه في القراءات وفي الفقه وأصول الفقه واللغة والحديث. أولاً - شيوخه في القراءات: واقتصر على ترجمة شيخه التنوخي. مخطوط بدار الكتب المصرية مصطلح رقم ٧٥، ومنه نسخة بالتصوير الشمسي تحت رقم (٤٥٣). (١) انظر التعريف بالكتاب في الأصل الأول من الباب الثاني. (٢) ١٠٦ ١ - التنوخي(١): نسبه: هو ابراهيم بن أحمد بن عبد الواحد بن عبد المؤمن بن سعيد بن كامل بن علوان التنوخي البعلي الأصل، الدمشقي المنشأ، نزيل القاهرة، الشيخ برهان الدين الشامي الضرير المقرىء المجود، المسند الكبير، وكناه شيخه الوادي آشي ((أبا الفداء))، وقد نسبه بعضهم ((الأقمري)) لاقامته بجامع الأقمر دهراً طويلاً إلى أن مات. وكان يقال لوالده القاضي شهاب الدين الحريري(٢). مولده: ولد بدمشق سنة تسع وسبع مائة، أو في أوائل سنة عشر (٢). طلبه العلم: عني بالطلب، وجد واجتهد في تحصيل العلوم، حتى حصل على اجازة مشايخه، فأجاز له في سنة ست عشرة أبو بكر بن أحمد بن عبد الدائم، وعيسى بن عبد الرحمن بن معالي المطعم، وأبو نصر بن أبي الفضل بن الشيرازي، والقاسم بن عساكر، ومحمد بن مشرف، وست الفقهاء بنت الواسطي، وزينب بنت شكر، وجمع كبير يزيدون على الثلاثمائة. ثم طلب الحديث بنفسه، فسمع الكثير من أبي العباس الحجار، والبرزالي، والمزي، وخلق كثير يزيد على المائتين. وعني بالقراءات، فأخذ عن البرهان الجعبري، والبرقي، وغيرهما، ثم رحل فأخذ عن أبي حيان(٤)، وابن السراج(٥)، والوادي آشي، والحكري(٦). ومهر في القراءات انظر ترجمته في المجمع المؤسس ص ٣ وما بعدها، أنباء الغمر ٢٢/٢، الدرر الكامنة ١١/١، شذرات الذهب (١) ٣٦٣/٦. (٢) انظر المراجع السابقة. (٣) في الدرر الكامنة ١١/١: ولد سنة تسع وسبعمائة. هو الإمام أثير الدين محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الأندلسي الغرناطي، نحوي عصره، ولغويه ومقرئه. ولد في شوال سنة أربع وخمسين وستمائة ومات في صفر سنة خمس وأربعين وسبعمائة. أنظر حسن المحاضرة (٤) ٥٣٤/١، النجوم الزاهرة ١١١/١٠ - ١١٥. (٥) هو شمس الدين محمد بن محمد بن نمير المعروف بابن السراج، تصدر للأقراء وأخذ عنه جماعة. ولد بعد السبعين وستمائة، ومات بالقاهرة في شعبان سنة سبع وأربعين وسبعمائة. أنظر حسن المحاضرة ٥٠٨/١، طبقات القراء ٢٥٦/٢. (٦) هو برهان الدين إبراهيم بن عبدالله بن علي الحكري. كان إماماً في القراءات نحوياً مفسراً. مات بالطاعون في ذي القعدة سنة تسع وأربعين وسبعمائة. أنظر حسن المحاضرة ٥٠٩/١، طبقات القراء ١١/١. ١٠٧ وكتب مشايخه له خطوطهم بها(١)، وصار شيخ الديار المصرية في القراءات والاسناد (٢). وعني بالفقه، فتفقه بدمشق على شيوخها إذ ذاك، ثم رحل إلى حماة، فتفقه على القاضي شرف الدين البارزي وعلى ابن النقيب بحلب، ثم إلى القاهرة فتفقه على الشيخ شمس الدين بن القماح، واذن له في التدريس والافتاء والاقراء (٣). وصحب القاضي عز الدين بن جماعة، وسمع معه وعليه، ولما رجع إلى دمشق حدث بالأربعين المتباينة من مرويات العز بن جماعة. ثم رجع الشيخ برهان الدين إلى القاهرة، فسكنها، وحدث بالكثير، وتفرد بجملة من مسموعاته(٤) . الحافظ ابن حجر وشيخه التنوخي: تصدر الشيخ برهان الدين التدريس والاقراء والافتاء، في كل من دمشق والقاهرة وقد سمع منه خلق كثير، وتخرجوا به، منهم شيخنا الحافظ ابن حجر، فأخذ عنه، وأفاد منه: قال ابن حجر: ((كان (الشيخ برهان الدين) قد تعسر في آخر عمره إلى أن اجتمعت به، وخرجت له المعجم، والمائدة العشارية، ففرح بها، وانبسط في التحديث، فلازمته ثلاث سنين، ووصلت عليه بالاجازة شيئاً كثيراً. وانتفعت ببركته، ودعائه لي كثيراً، وخرجت له أربعين عشارية تلو المائة أيضاً، وما أظنه حدث بها)). وقال: ((قرأت على الشيخ برهان الدين المذكور المسلسل بالأولية بسماعه عليَّ بشرطه عن أبي الفتح الميدومي)»(٥) أهـ . وقال في الدرر الكامنة: ((أخذت عنه الكثير من الكتب الكبار والاجزاء ولازمته انظر أنباء الغمر ٢٢/٢، شذرات الذهب ٣٦٤/٦. (١) (٢) انظر الدرر الكامنة ١/ ١٢. (٣) انظر الدرر الكامنة ١٢/١. (٤) انظر المجمع المؤسس ص ٤. انظر المجمع المؤسس ص ٥. (٥) ١٠٨ :. مدة طويلة ... ))(١). وقال أيضا: ((فأخذ عنه أهل البلد والرحالة، فأكثروا عنه، وكان قد أضر بآخره، وحصل له خلط ثقل منه لسانه، فصار كلامه قد يخفى بعضه بعد أن كان لسانه كما يقال كالمبرد (٢). ولم أخرج له في المعجم عن التقي سليمان لأني ما ظفرت بذلك الا بعد موته(٣). وفاته : قال ابن حجر: مات وأنا بالحجاز في جمادى الأولى سنة ثماني مائة. وكان موته فجأة من غير علة، رحمه الله، وقد نزل أهل مصر بموته درجة (٤). ثانياً - شيوخه في الفقه: تفقه الحافظ ابن حجر على الشيخ سراج الدين البلقيني، والشيخ سراج الدين بن الملقن، والشيخ برهان الدين الابناسي(٥) وغيرهم: (١) البلقيني: نسبه: هو شيخ الاسلام، سراج الدين، أبو حفص عمر بن رسلان بن نصير بن صالح ابن شهاب الدين بن عبدالخالق بن محمد بن مسافر الكناني الشافعي (٦)، الشيخ الامام الفقيه المحدث، الحافظ، المفسر، الأصولي، المتكلم، النحوي، اللغوي، المنطقي، الجدلي، الخلافي، النظار، بقية المجتهدين(٧). انظر الدرر الكامنة ١٢/١. (١) انظر أنباء الغمر ٢٣/٢، وشذرات الذهب ٣٦٤/٦. (٢) (٣) أنظر الدرر الكامنة ١٢/١. (٤) أنظر المجمع المؤسس ص ٣١ والدرر الكامنة ١٢/١. (٥) انظر نظم العقيان ص ٤٥. انظر المجمع المؤسس ص ٢١٦ (مخطوط) والضوء اللامع ٨٥/٦ . (٦) (٧) انظر طبقات الشافعية لقاضي شهبة ق ١١١ أ (مخطوط دار الكتب المصرية). ١٠٩ مولده: ولد في ليلة الجمعة ثاني عشر رمضان سنة أربع وعشرين وسبعمائة ببلقينة (١). طلبه العلم: بدأ البلقيني بالاشتغال بأصل الأصول، فحفظ القرآن، وهو ابن سبع سنين، وحفظ المحرر في الفقه، والكافية لابن مالك، ومختصر ابن الحاجب الأصلي، والشاطبية(٢). وقدم مع أبيه القاهرة في طلب العلم سنة ست وثلاثين، وعرض على القزويني والسبكي بعض محفوظاته، ثم قدمها سنة ثمان وثلاثين، فاستوطنها، وأخذ الفقه عن ابن عدلان، والتقي، والسبكي. وسمع الحديث من جماعة من مشايخ عصره كمحمد بن غالي (٣)، وأحمد بن كشتغدي (٤) واسماعيل بن ابراهيم التفليسي(٥)، وشمس الدين بن القماح(٦)، وابن عبد الهادي (٧)، والميدومي(٨) وغيرهم. وأجاز له المزي(٩)، والذهبي(١٠)، والجزري(١١)، (بلقينة) بالضم وكسر القاف، وياء ساكنة، ونون: قرية من حوف مصر من كورة بنا ويقال لها البوب أيضا. (١) انظر مراصد الاطلاع ٢١٩/١. (٢) انظر البدر الطالع ٥٠٦/١، حسن المحاضرة ٣٢٩/١. هو محمد بن غالي بن نجم بن عبد العزيز، شمس الدين أبو عبدالله الدمياطي المعروف بابن الشماع (٦٥٠ - ٧٤١هـ) (٣) انظر ترجمته في الدرر الكامنة جـ ٤ رقم (٣٢١٥). (٤) احمد بن كشتغدي - بضم الكاف والتاء، واسكان الشين بينهما، واسكان الغين المعجمة بعد التاء - ابن عبدالله المعزي الصيرفي المصري (٦٦٣ - ٧٤٤هـ) أنظر ترجمته في الدرر الكامنة جـ ١ رقم (٦٠٨). (٥) اسماعيل بن ابراهيم أبي بكر التفليسي، نجم الدين بن الامام (ت: ٧٤٦هـ) أنظر ترجمته في الدرر الكامنة جـ ١ رقم (٩٠٧). (٦) ابن القماح شمس الدين محمد بن أحمد بن ابراهيم بن حيدرة (٦٥٦ - ٧٤١هـ). انظر حسن المحاضرة ٤٢٦/١، شذرات الذهب ١٣١/٦، دول الاسلام ٢٤٦/٢. (٧) هو عبد الرحمن بن أحمد بن عبد الهادي بن عبد الحميد بن عبد الهادي. زين الدين الصالحي (ت: ٧٧٩هـ). أنظر ترجمته في الدرر الكامنة جـ ٢ رقم (٢٢٧٩). (٨) (٩) هو محمد بن محمد بن ابراهيم، صدر الدين أبو القاسم الميدومي (٦٦٤ - ٧٥٤هـ) أنظر النجوم الزاهرة ٢٩١/١٠. هو الإمام العالم الحافظ الاوحد محدث الشام جمال الدين أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبد الرحمن بن يوسف القضاعي ثم الكلي الشافعي (٦٥٤ - ٧٤٢هـ) أنظر ترجمته في تذكرة الحفاظ ١٤٩٨/٤، شذرات الذهب ١٣٦/٦، النجوم الزاهرة ٧٦/١٠، دول الاسلام ٢٤٧/٢. (١٠) هو الامام الحافظ، مؤرخ الاسلام، شمس الدين أبو عبدالله محمد بن أحمد بن عثمان بن قاماز التركماني، ثم الدمشقي المقرىء (٦٧٣ - ٧٤٨هـ) أنظر ترجمته في البدر الطالع ١١٠/٢، ذيل تذكرة الحفاظ ٣٤٦، ٣٤٧، شذرات الذهب ١٥٣/٦. (١١) هو شمس الدين محمد بن ابراهيم عبد العزيز بن الجزري صاحب التاريخ الكبير ت (٧٣٩هـ) أنظر شذرات الذهب ١٢٤/٦. ١١٠ وابن نباتة (١)، وآخرون. وأخذ النحو عن أبي حيان(٢)، واذن له في إقرائه، وأطراه فيما كتبه عنه، وأخذ الأصول عن الأصبهاني(٣)، ولازم ابن عقيل (٤)، وتزوج ابنته سنة اثنتين وخمسين (٥). وبرع في الفقه والحديث والأصول، وانتهت اليه رياسة المذهب، والافتاء، وبلغ رتبة الاجتهاد، وله ترجيحات في المذهب، خلاف ما رجحه النووي، وله اختيارات خارجة عن المذهب، وأفتى بجواز اخراج الفلوس في الزكاة، وقال: انه خارج عن مذهب الشافعي(٦). وقد توسع في العلوم حتى وقع الاتفاق على أنه أحفظ أهل عصره، وأوسعهم معارفاً، وأكثرهم علوماً، ومع هذا فكان يتعانى نظم الشعر، فيأتي بما يستحيى منه بل قد لا يقيم وزنه، والكمال لله(٧). صفاته: كان - رحمه الله تعالى - ذكياً بهر العلماء بذكائه، قوي الحافظة، سريع الادراك. ومما يحكى من حفظه أنه أول ما دخل الكاملية طلب من ناظرها بيتاً، فامتنع، واتفق مجيء شاعر الناصر بقصيدة، وأنشده اياها بحضرة صاحب الترجمة، فقال للناظر : قد حفظتها، فقال له الناظر: ان كان كذلك أعطيتك بيتا، فأملاها من حفظه جميعها فأعطاه البيت (٨). (١) هو الأديب المشهور جمال الدين أبو بكر محمد بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسن الجدامي المصري (٦٣٦ - ٧٦٨هـ). حسن المحاضرة ١/ ٥٧١. (٢) أبو حيان هو الإمام أثير الدين محمد يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الأندلسي الغرناطي نحوي عصره، ولغويه، ومقرئه (٦٥٤ - ٧٤٥هـ) أنظر حسن المحاضرة ٥٣٤/١. (٣) هو شمس الدين أبو الثناء محمود بن عبد الرحمن بن أحمد بن أبي بكر بن علي الأصبهاني. عارفاً بالأصلين، فقيهاً، ولد سنة أربع وسبعين وستمائة. مات شهيداً بالطاعون في أواخر سنة تسع وأربعين وسبعمائة. أنظر الدرر الكامنة ٩٥/٥، حسن المحاضرة ٥٤٥/١ . (٤) هو قاضي القضاة بهاء الدين عبدالله بن عبد الرحمن بن عقيل العقيلي من ولد عقيل بن أبي طالب (٦٩٨ - ٧٦٩هـ) أنظر حسن المحاضرة ١/ ٥٣٧. (٥) أنظر أنباء الغمر ٢٤٦/٢، المجمع المؤسس ص ٢١٦. (٦) انظر حسن المحاضرة ٣٢٩/١. (٧) انظر البدر الطالع ١/ ٥٠٧ . انظر البدر الطالع ٥٠٦/١، والمجمع المؤسس ص ٢١٧. (٨) ١١١ وقال الحافظ ابن حجر: وقرأت بخط المحدث برهان الدين الحلبي أن الشيخ ذكر له أن الشيخ شرف الدين بن قاضي الجبل لما دخل القاهرة اجتمع به في مدعاة، وأنه قال له: أينا أحفظ، أنا أو أنت؟ فقال له شيخنا: تذكر أو اذكر؟ قال: بل اذكر، قال: قال شيخنا: فشرعت من أول أبواب الفقه، اذكر الحديث وما يناسبه من تصحيح وتضعيف إلى أن طلع الفجر، وقد وصلت إلى كتاب النكاح، فقام، وقبل ما بين عيني، وقال: ما رأيت بعد شيخنا أحفظ منك. يعني ابن تيمية. قال الشيخ برهان الدين: ذكر في الشيخ أنه كان يحفظ من المحرر صفحة في وقت ابتداء فلان الأعمى صلاة العصر إلى انتهائها، ولم يكن يطول في صلاته.(١) وكان عظيم المروءة، جميل المودة، كثير الاحتمال، مهيباً، مع كثرة المباسطة لأصحابه والشفقة عليهم، والتنويه بذكرهم(٢). معظماً عند الأكابر، عظيم السمعة عند العوام، واذا ذكر البلقيني خضعت الرقاب، حتى كان الشيخ جمال الدين الاسنوي يتوقى الافتاء، مهابة له، لكثرة ما كان ينقب عليه في ذلك (٣). وكان كثير الصدقة، طارحاً للتكلف، قائماً في الحق، ناصراً للسنة، قامعاً لأهل البدعة مبطلاً للمكوس، والمظالم، معظماً عند الملك، أبطل في دولة الأشرف مكبر الملاهي، وأبطل في دولة المنصور مكبر القراريط (٤). ثناء العلماء عليه: توسع في طلب العلوم، حتى فاق الأقران، وتفرد بكثير من المعارف، وانتهت اليه الرياسة في الفقه الشافعي، والمشاركة في غيره، حتى كان لا يجتمع به أحد من العلماء إلا ويعترف بفضله ووفور علمه، وحدة ذهنه. وأثنى عليه أكابر شيوخه، قال ابن حجي: ((كان أحفظ الناس لمذهب الشافعي، واشتهر بذلك، وطبقة شيوخه موجودون، قدم علينا دمشق قاضياً، وهو كهل، انظر المجمع المؤسس ص ٢١٧ . (١) (٢) انظر أنباء الغمر ٢٤٧/٢. (٣) انظر أنباء الغمر ٢٤٦/٢. انظر طبقات الشافعية لقاضي شهبة ق ١١١ ب. (٤) ١١٢ فبهر الناس بحفظه، وحسن عبارته، وجودة معرفته، وخضع له الشيوخ في ذلك الوقت، فاعترفوا بفضله ثم رجع وتصدى للفتيا، فكان معول الناس عليه في ذلك، وكثر طلبته، فنفعوا، وأفتوا، ودرسوا، وصاروا شيوخ بلادهم، وهو حي))(١). وكان البهاء بن عقيل يقول: ((هو أحق الناس بالفتوى في زمانه)).(٢) وقال البرهان الحلبي: ((رأيته رجلاً فريد دهره، لم تر عيناي أحفظ منه للفقه، وأحاديث الأحكام، وقد حضرت دروسه مراراً، وهو يقرىء في مختصر مسلم للقرطبي، يقرأه عليه شخص مالكي، ويحضره عنده فقهاء المذاهب الأربعة، فيتكلم على الحديث الواحد من بكرة إلى قريب الظهر، وربما أذن الظهر، ولم يفرغ من الحديث. انتهى(٣) . وهذا تبحر عظيم، وتوسع باهر، فان استغراق هذا الوقت الطويل في الكلام على حديث واحد يتحصل منه کراریس. وقال الحافظ ابن حجر: قرأت في الطبقات لمحمد بن عبد الرحمن العثماني، قاضي صفد في ترجمته: وهو شيخ الوقت، وامامه وحجته، وانتهت إليه مشيخة الفقه في وقته، وكأنه البحر الزاخر، ولسان الجم الأوائل والأواخر)). انتهى (٤). وظائفه: بعد أن وجد مشايخ البلقيني الكفاية فيه في العلوم التي تلقاها عليهم أجازوه فيها وتولى الوظائف التي أسندت اليه، وقام بها خير قيام، ضارباً المثل الأعلى، والقدوة الحسنة، والوظائف التي تولاها هي: ١ - الافتاء: وهو أول شيء وليه من المناصب، فتولى افتاء دار العدل(٥) رفيقاً لبهاء الدين السبكي في سنة خمس وستين، وله يومئذ احدى وأربعون سنة (٦) انظر طبقات الشافعية لقاضي شهبة ق ١١٢ أ، وأنباء الغمر ٢٤٧/٢، والبدر الطالع ١ / ٥٠٦، ٥٠٧. (١) (٢) انظر حسن المحاضرة ٣٢٩/١، المجمع المؤسس ص ٢١٧، وطبقات الشافعية لقاضي شهبة ق ١١١ ب. (٣) انظر البدر الطالع ٥٠٧/١، المجمع المؤسس ص ٢١٧. (٤) انظر المجمع المؤسس ص ٢١٩. (٥) انظر النجوم الزاهرة ٣٠/١٣. (٦) انظر المجمع المؤسس ص ٢١٧، وطبقات المفسرين للداودي ٣/٢. ١١٣ وقد كان موفقاً في الفتوى، يجلس بعد العصر إلى الغروب، ولا يأنف إذا أشكل عليه شيء من مراجعة الكتب، ولا من تأخير فتوى عنده إلى أن يحقق أمرها. وقد دارت على رأسه الفتوى عدة سنين، وقصد من أقطار الأرض للأخذ عنه، وبالفتاوى(١). ٢ - التدريس: درس - رحمه الله - بالبدرية، وبالحجازية، وبالخروبية البدرية،(٢) وولي تدريس الخشابية، بجامع مصر نحوا من ثلاثين سنة، ونوزع فيها مراراً، واستمرت معه أيضاً (٣). وولي تدريس التفسير بالجامع الطولوني، والظاهرية البرقوقية لما فتحت (٤). وولي تدريس الملكية بعد وفاة الاسنوي(٥) . ٣ - القضاء: قال ابن شهبة: ولي قضاء العسكر بعد ابن السبكي(٦). وولي قضاء الشام، سنة تسع وستين، عوضا عن تاج الدين السبكي، فباشر دون السنة، وعاد إلى القاهرة متوفراً على الاشتغال والفتيا والتصنيف(٧). مصنفاته: قال ابن حجر: ((وكانت آلات الاجتهاد فيه كاملة، قال: ولم يكمل من مصنفاته إلا القليل، لأنه كان يشرع في الشيء، فلسعة علمه يطول عليه الأمر حتى أنه كتب من شرح البخاري على نحو عشرين حديثاً مجلدين، وعلى الروضة عدة مجلدات تعقبات))(٨) أهـ . ومن مصنفاته: ((شرح البخاري)) و((الترمذي)) و((محاسن الاصطلاح)) و ((تضمين ابن الصلاح)) و ((التدريب)) في الفقه، ولم يكمله و((حواشي الرافعي)) و (١) انظر طبقات المفسرين الداودي ٤/٢. (٢) انظر المجمع المؤسس ص ٢١٧. (٣) انظر المرجع السابق، وانظر حسن المحاضرة ٣٢٩/١. انظر حسن المحاضرة ٣٢٩/١، وطبقات المفسرين ٤/٢. (٤) انظر طبقات الشافعية لقاضي شهبة ق ١١١ ب. (٥) (٦) انظر طبقات الشافعية ق ١١١ ب. (٧) انظر المجمع المؤسس ص ٢١٧، طبقات المفسرين الداودي ٣/٢. (٨) انظر البدر الطالع ٢ / ٥٠٧. ١١٤ ((الروضة)) وغير ذلك(١) . وقد عمل له ولده جلال الدين ترجمة جمع فيها أساس تصانيفه، وأشياء من اختياراته أجادها (٢). الحافظ ابن حجر وشيخه البلقيني: برع البلقيني - رحمه الله - في معرفة مذهبه، مع كثرة الحفظ للحديث، أسانيد ومتوناً، والتبحر في علم التفسير، ومعرفة العربية واللغة، وغير ذلك من العلوم، وتخرج به أعيان العصر .. وأتاه الناس من الهند ، والیمن، وبغداد، وخراسان، وبلاد الروم، والمغرب والشام، والحجاز، وكان في الحفظ آية من آيات خالقه تعالى(٢). وقد تتلمذ على يديه الحافظ ابن حجر، وأفاد منه مع خلق كثير من أقطار متعددة، قال ابن حجر: ((لازمت الشيخ مدة، وقرأت عليه عدة أجزاء حديثية، وسمعت عليه أشياء، وحضرت دروسه الفقهية، وقرأت عليه الكتب من الروضة، ومن كلامه في حواشيها، وكتب لي خطه بالاذن على العادة، وقرأت عليه كتاب دلائل النبوة للبيهقي، وقرأت عليه المسلسل بالأولية، قبل ذلك، وسمعته من لفظه أيضا، وسمعت عليه جزءاً أخرجه له الشيخ ولي الدين بن العراقي من عواليه، والأربعين التي خرجها له عن مشايخه عشرين بالسماع، وعشرين بالاجازة، وجزءاً من الصلاة على النبي، ◌َِّ، لاسماعيل بن اسحاق القاضي. وقرأت عليه من حلية الأولياء لابن نعيم، من ترجمة طاوس من حديث ابن عباس، رضي الله عنهما، أن رجلاً سأل النبي، عَّلِّ، عن الشهادة، فقال: هل ترى الشمس؟ ... الحديث. إلى قوله في ترجمة وهب بن منبه .. والجزء التاسع والعشرين من امالي الضبي. وسمعت عليه الكثير من صحيح البخاري .... ومن صحيح مسلم .. وسمعت عليه (١) انظر طبقات المفسرين الداودي ٤/٢. (٢) انظر أنباء الغمر ٢٤٦/٢، والضوء اللامع ٨٧/٦. (٣) انظر طبقات المفسرين ٤/٢. ١١٥ الکثیر من سنن ابن داود(١). وقد ذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة البلقيني تناسب أبواب الفقه التي كان يسردها الشيخ، وسمعه منه مراراً، احصاها للفائدة، قال: قال الصلاة هي الركن الأول بعد الشهادتين، فبدىء بمقدماتها من الطهارات، وثنى في ذلك بالمياه لأنها الأصل في التطهير وذكرت أحكام الأواني لضرورة وضع الماء في الاناء، غالباً، ثم الوضوء الذي هو الوسيلة إلى الصلاة، ثم الاستنجاء اشارة إلى أنه لا يجب تقديمه، ثم النواقض فبدأ بالأصغر ثم بالأكبر. وهكذا إلى آخر الأبواب(٢). وقال أيضاً: وخرجت أنا له أربعين حديثاً عن أربعين شيخاً، حدث بها مراراً، وقرأت عليه دلائل النبوة للبيهقي، فشهد لي بالحفظ في المجلس العام، وقرأت عليه دروساً من ((الروضة)) وأذن لي بخطه، وكتب لي خطه على جزء ((تغليق التعليق)) الذي وصلت فيه تعاليق البخاري))(٣). وفاته: مات - رحمه الله - ليلة الجمعة، عاشر ذي القعدة، سنة خمس وثمانمائة وله احدى وثمانون سنة(٤)، وثلاثة أشهر إلا أياماً، وصلي عليه بجامع الحاكم(٥)، ثم دفن بمدرسته التي أنشأها تجاه داره بحارة بهاء الدين قراقوش من القاهرة. وفيه قال الحافظ ابن حجر يرثيه: يا عين جودي لفقد البحر بالمطر واذري الدموع ولا تبقي ولا تذري (٦) ٢ - ابن الملقن: هو عمر بن علي بن أحمد بن محمد بن عبدالله الانصاري، الاندلسي الأصل، نسبه : انظر المجمع المؤسس ص ٢١٨ وما بعدها (باختصار). (١) (٢) انظر المرجع السابق ص ٢٢٠ . (٣) انظر أنباء العمر ٢٤٦/٢. انظر طبقات المفسرين الداودي ٤/٢، شذرات الذهب ٥١٠/٧. (٤) ويعرف بجامع الأنور، أسسه العزيز بالله الفاطمي سنة (٣٨٠هـ) وأتمه الحاكم بأمر الله سنة ٤٠٤هـ. انظر الخطط (٥) للمقريزي ٢٧٧/٢، والنجوم الزاهرة ١٤٠/٨. (٦) انظر النجوم الزاهرة ٢٩/١٣. ١١٦ المصري، نزيل القاهرة، سراج الدين ابن الملقن، أحد شيوخ الشافعية، كان أبوه أبو الحسن عالماً بالنحو، أخذ عنه الشيخ جمال الدين الاسنائي، وغيره. فلهذا كان شيخنا يكتب بخطه عمر بن أبي الحسن النحوي، وبهذا اشتهر في بلاد اليمن لكثرة ما رواها بخطه في تصانيفه. وأما الملقن فهو زوج أمه، وكان يلقن الناس القرآن، فنسب اليه، و كان يغضب من ذلك، ولم يكتبه بخطه، إنما كان يكتب - كما مر - ابن النحوي(١). مولده: ولد في ربيع الأول سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة بالقاهرة (٢). نشأته وطلبه للعلم: كان أبوه عالماً بالنحو، وأصله من الأندلس، رحل أبوه منها إلى التكرور، وأقرأ أهلها القرآن، فحصل له مال، ثم قدم القاهرة، فولد له هذا، فمات وله سنة، وأوصى به إلى الشيخ عيسى المغربي، وكان يلقن القرآن في المسجد الطولوني، فتزوج أمه، فعرف به، وحفظ القرآن والعمدة، وشغله في مذهب مالك، ثم أشار عليه بعض أصحاب أبيه أن يقرئه المنهاج، فحفظه، وانشأ له وصيه ربعا، فكان يكتفي بأجرته، ويوفر له بقية ماله، فكان يقتني الكتب(٣). وعني بالطلب في صغره، فاسمع على الحافظ أبي الفتح بن سيد الناس، والحافظ قطب الدين الحلبى، وسمع الكثير بنفسه من الحسن بن سديد الدين، وأحمد بن كشتغدي، ومحمد بن غالي، وغيرهم من أصحاب النجيب (٤)، وابن عبد الدايم(٥)، (١) انظر ذيل تذكرة الحفاظ ص ٣٦٩، شذرات الذهب ٤٤/٧، المجمع المؤسس ص ٢٢٦، حسن المحاضرة ٤٣٨/١، أنباء الغمر ٢١٦/٢، الضوء اللامع ١٠٠/٦، طبقات الحفاظ ص ٥٣٧، البدر الطالع ٥٠٨/١. (٢) انظر المراجع السابقة. (٣) أنظر أنباء الغمر ٢١٦/٢. هو عبد اللطيف بن أبي محمد عبد المنعم بن علي بن نصر بن منصور بن منصور بن هبة الله أبي الفرج ابن الصقيل (٤) الحراني الحنبلي (٥٨٧ - ٦٧٢هـ). أنظر شذرات الذهب ٣٣٦/٥. (٥) أحمد بن عبد الدائم بن نعمة بن أحمد بن محمد بن ابراهيم، زين الدين أبو العباس المقدسي، المعروف بابن عبد الدايم (٥٧٥ - ٦٦٨هـ) انظر ترجمته في العبر ٢٨٨/٥، النجوم الزاهرة ٢٣٠/٧. ١١٧ ولازم الشيخ زين الدين الرحبى(١)، فتخرج به، وبعلاء الدين مغلطاي(٢). وأجاز له جماعة كالمزي، ورحل إلى الشام، وبيت المقدس. وتفقه بالتقي السبكي، والعز بن جماعة، وغيرهما، وأخذ العربية عن أبي حيان، والجمال بن هشام، وغيرهما، وفي القراءات، عن البرهان الرشيدي. قال البرهان الحلبى: انه اشتغل في كل فن حتى قرأ في كل مذهب كتاباً(٢). أقوال العلماء فيه: كان القدماء يعظمونه، وقد ترجمه جماعة من أقرانه الذين ماتوا قبله، كالعثماني قاضي صفد، فإنه قال في طبقات الفقهاء: ((انه أحد مشايخ الاسلام، صاحب التصانيف التي ما فتح على غيره بمثلها في هذه الأوقات)»(٤) وقال البرهان الحلبى: كان فريد وقته في كثرة التصنيف، وعبارته فيها جلية جيدة، وغرائبه كثيرة)»(٥) . قال ابن حجر: ((وقد كان المتقدمون يعظمونه كالعلائي، وابن البقاء ونحوهما، فلعله كان في أول أمره حاذقاً، وأما الذين قرأوا عليه ورأوه من سنة سبعين فما بعدها، فقالوا: لم يكن بالماهر بالفتوى، ولا التدريس، وإنما كان يقرأ عليهم مصنفاته غالباً، فيقرر على ما فيها(٦). وقال ابن حجي: ((كان ينسب إلى سرقة التصانيف، فانه ما كان يستحضر شيئاً ولا يحقق علماً، ويؤلف المؤلفات الكثيرة على معنى النسخ من كتب الناس))(٧). قال الشوكاني: ((وفي هذا الكلام من التحامل ما لا يخفى على مصنف، فكتبه (١) هو أبو بكر بن أبي بكر بن قاسم بن أبي عبد الرحمن، زين الدين الكتاني الرحبى (٦٦٦ - ٧٤٩هـ) أنظر ترجمته في الدرر الكامنة جـ ١ رقم (١٢٢٠). (٢) مغلطاي بن فليج بن عبدالله، علاء الدين أبو عبدالله البكجري الحنفي (٦٩٠ - ٧٦٢هـ) أنظر ترجمته في ذيل طبقات الحفاظ لابن فهد ص ١٣٣ - ١٤٢، الدرر الكامنة ج ٥ رقم (٤٨٢٤). أنظر البدر الطالع ٥٠٨/١. (٣) (٤) انظر المرجع السابق. (٥) انظر المرجع السابق. (٦) انظر أنباء الغمر ٢١٨/٢. انظر البدر الطالع ٥١٠/١. (٧) ١١٨ شاهدة بخلاف ذلك، منادية بأنه من الأئمة في جميع العلوم، وقد اشتهر صيته، وطار ذكره، وسارت مؤلفاته في الدنيا(١). أقول: ان في قول ابن حجي اجحافاً وتحاملاً غير خاف على كل لبيب، وما ذهب اليه الحافظ ابن حجر، في غاية الانصاف، فابن الملقن - رحمه الله - صنف في علوم كثيرة، وشأن من لا يتخصص في فن أن لا يبلغ إلى درجة المتخصص فيه، ومهما تقدم وارتقى فإنه لا يعد من أصحاب ذلك الفن، لأن من رام ذلك فعليه أن يصل المرتبة العليا في ذلك الفن بحيث يصبح المشار إليه بالبنان فيه، أما الذي يطلب ويحصل أكثر من فن، فلا يتمكن من تحصيل تلك المرتبة، ويبدو في مرتبة دون مرتبة المتخصص في ذلك الفن. هذا فضلا عن أن الانسان في مقتبل العمر، وعنفوان الشباب يتمتع بقوى عقلية وذهنية وحافظة أكثر مما إذا كبر وتقدمت به السنون، فموقف الحافظ ابن حجر في غاية الدقة والانصاف لاسيما وأنه أخذ عنه بعد السبعين. قال ابن حجر: انه كان موسعاً عليه في الدنيا، مشهورا بكثرة التصانيف، حتى كان يقال أنها بلغت ثلاثمائة مجلدة ما بين كبير وصغير، وعنده من الكتب ما لا يدخل تحت الحصر، منها ما هو ملكه، ومنها ما هو من أوقاف المدارس، ثم انها احترقت مع أكثر مسوداته في آخر عمره، ففقد أكثرها، وتغير حاله بعدها، فحجبه ولده نور الدين إلى أن مات(٢). وظائفه : ابن الملقن هو أحد شيوخ الشافعية، وقد ولي منصب القضاء، وقد ذكر السخاوي انه طلب الاستقلال بالقضاء، وخدعه بعض الناس، حتى كتب بخطه،بمالٍ على ذلك، فغضب برقوق عليه لمزيد اختصاصه به، وكونه لم يعلمه بذلك، ولو أعلمه لكان يأخذه له بلا بذل، وأراد الايقاع به، فسلمه الله من ذلك. ثم استقر في التدريس بأماكن(٣). (١) انظر المرجع السابق. انظر أنباء الغمر ٢١٨/٢ باختصار وتصرف. (٢) (٣) انظر البدر الطالع ٥١٠/١. ١١٩ مصنفاته: اشتغل وهو شاب بالتصنيف، فكتب الكثير حتى كان أكثر عصره تصنيفاً في الفقه، والحديث، وقيل: انها بلغت ثلاثمائة تصنيف، واشتهر اسمه، وطار صيته. وقال ابن حجر: شرح المنهاج عدة شروح، أكبرها في ثمانية مجلدات، وأصغرها في مجلد. والتنبيه كذلك، والحاوي في مجلدين، أجاد فيه، وأفرد تصحيحه. وخرج أحاديث الرافعي في ست مجلدات، وشرح البخاري في عشرين مجلداً، اعتمد فيه على شرح شيخه القطب ومغلطاي، وزاد فيه قليلاً، وهو في أوائله أبعد منه في أواخره بل هو في نصفه الثاني قليل الجدوى، ثم شرح ((زوائد مسلم)) عليه، ثم ((زوائد أبي داود)) عليهما، ثم ((زوائد الترمذي)) على الثلاثة، ثم ((النسائي)) كذلك، ثم ((ابن ماجه)) كذلك(١). وكان يكتب في كل فن، سواء أتقنه أم لم يتقنه. وصنف في علوم الحديث مختصراً أسماه الكافي، ولم يكن فيه بالمتقن، ولا له ذوق أهل الفن(٢). ومن مصنفاته أيضاً تخريج أحاديث الرافعي، سبع مجلدات، ومختصر الخلاصة في مجلدة ومختصر للمنتقى في جزء. وتخريج أحاديث الوسيط للغزالي المسمى ((بتذكرة الاحبار بما في الوسيط من الأخبار)) في مجلد، وتخريج أحاديث مختصر المنتهى لابن الحاجب في جزء، وشرح العمدة المسمى بالاعلام في ثلاث مجلدات، وأسماء رجالها في مجلد، وقطعة من شرح المنتقى في الأحكام للمجد ابن تيمية، ولكن قال صاحب الترجمة في تخريج أحاديث الرافعي أنه إنما كتب شيئاً من ذلك على هوامش نسخته كالتخريج على أحاديث المنتقى)). ومن مصنفاته أيضاً: ((طبقات الفقهاء للشافعية)) و ((طبقات المحدثين)) وفي الفقه ((شرح المنهاج)) ست مجلدات، وآخر صغير في مجلدين، و((لغاته في مجلد)) و ((التحفة في الحديث على أبوابه)) كذلك، و((البلغة على أبوابه)) في جزء لطيف. و ((الاعتراضات عليه)) في مجلد، و((شرح التنبيه)) و((الخلاصة على أبوابه في (١) انظر أنباء الغمر ٢١٧/٢. (٢) انظر المجمع المؤسس ص ٢٢٦. ١٢٠