Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
النوع الأربعون : معرفة التابعين رضي الله عنهم
[ش]
واشترط ابن حبان أن يكون رآه في سنّ مَن يَحفظ عنه، فإن كان
صغيراً لم يحفظ عنه فلا عبرة برؤيته، كخلف بن خليفة، عدَّ في أتباع
التابعين، وإن رأى عمرو بن حريث لكونه كان صغيراً (١).
قال العراقي(٢): وما اختاره ابن حبان له وجه، كما اشترط في
الصحابي رؤيته وهو مميز.
قال(٣): وقد أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى الصحابة والتابعين
(ت)
(١) ((الثقات)) ٢٧٠:٦ ترجمة خلف بن خليفة، وصرّح بما حكاه الشارح هنا،
بواسطة العراقي في ((التقييد)) ٢: ٩٥٠، وتنظر ((الشمائل)) للترمذي (٤٠٨)، مع ما في
ترجمة خلف بن خليفة في التهذيبين.
(٢) ((التقييد)) ٩٥١:٢.
(٣) في ((شرح الألفية)) ص٣٦٦. والحديث رواه عدد من الصحابة، تخيَّر
الحافظ رحمه الله أقواها وذكره في ((الأمالي المطلقة)) (المجلس ٨٣)، فذكره أولاً من
رواية أبي عبد الرحمن الجهني، وحديثه عند أحمد ٤: ١٥٢ وحسَّنه، ثم: ابن عمر
وحديثه عند عبد بن حميد (٧٦٩) وأعلّه بطلحة بن عمرو، لكن ذكر له شاهداً من
حديث أبي أمامة، عند الطبراني في ((الكبير)) ٨ (٨٠٠٩، ٨٠١٠)، وأحمد ٥: ٢٥٧،
وابن حبان (٧٢٣٣)، ورابعاً: من حديث أبي سعيد الخدري، وحديثه في ((المسند))
٣: ٧١، وأبي يعلى (١٣٧٤)، وابن حبان (٧٢٣٠)، وحسّنه، وخامساً: من حديث
أنس، ورواه أحمد ٣: ١٥٥، وأبو يعلى (٣٣٩١)، وحسَّنه أيضاً. وسادساً: عن
عبد الله بن بسر، ذكره شاهداً وعزاه إلى الطبراني، ومسنده لم يُطبع، لكن رواه
الضياء في ((المختارة)) (٢٩٨١) من طريق الطبراني، وفي إسناده - كما قال
الهيثمي ١٠: ٢٠ -: بقية بن الوليد وقد صرّح بالسماع، والباقون ثقات.
=

٢٤٢
النوع الأربعون : معرفة التابعين رضي الله عنهم
[ش]
بقوله: ((طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن رأى من رآني)) الحديثَ،
فاكتفى فيهما بمجرد الرؤية.
تنبيه :
قال ابن الصلاح(١): مطلق التابعي مخصوص بالتابع بإحسان.
قال العراقي (٢): فإن أراد بالإحسان: الإسلامَ: فواضح، إلا أن الإحسان أمر
زائد عليه، فإن أراد به الكمالَ في الإسلام والعدالة، فلم أرَ من اشترط ذلك في
حدّ التابعي، بل منْ صنّ في الطبقات أدخل فيهم الثقات وغيرهم.
ثم اختلف في طبقات التابعين، فجعلهم مسلم ثلاث طبقات، وابن سعد
أربع طبقات.
[ب]
وثمة رواة آخرون من الصحابة رضي الله عنهم جميعاً، لو جمعت رواياتهم مع
شواهدها لبلغ هذا المعنى حدَّ التواتر على شرط الشارح رحمه الله: عشرة فما فوق.
ثم، إن الشارح ومصدره الإمام العراقي وغيرهما رحمهم الله جميعًا، يوردون
هذا الحديث بقصد الاستدلال على أن الرؤية كافية لإثبات الصحبة، والتابعية،
وللطبقة الثالثة حسب بعض الروايات، والطرق التي أشرت إليها كافية باجتماعها
وتعاضدها لإثبات هذا القصد. والله أعلم.
(١) ((المقدمة)) ص ٢٧١.
(٢) ((التقييد والإيضاح)) ٢: ٩٥٤.
قلت: المصنفون في الطبقات أدخلوا الثقات وغيرَهم لأنهم يلاحظون أمرًاً
تاريخيًا زمنيًا فقط، أما ابن الصلاح فكأنه لاحظ إخراج ابن مُلْجِم والحجاج
ونحوهما، وهو يتكلم في مقام الرواية، فلقوله هذا وجه إن شاء الله.

٢٤٣
النوع الأربعون : معرفة التابعين رضي الله عنهم
قال الحاكم: هم خمسَ عشْرة طبقةً، الأولى: من أدرك العشرة :
قيس بن أبي حازم، وابن المسيَّب، وغيرُهما، وغُلِّط في ابن المسيب، فإنه
ولد في خلافة عمر، ولم يسمع أكثرَ العشرة، وقيل: لم يصحَّ سماعُه من
غیرٍ سعد،
[ش]
(قال الحاكم: هم خمس عشرة طبقة(١)، الأولى: من أدرك العشرة) منهم:
(قيس بن أبي حازم، و) سعيد (بن المسيَّب، وغيرُهما) قال: كأبي عثمان
النَّهْدي، وقيس بن عُبَاد، وأبي ساسان حُضَين بن المنذر، وأبي وائل، وأبي
رجاءِ العُطاردي(٢).
(وغُلِّط في ابن المسيب، فإنه ولد في خلافة عمر) فلم يسمع من أبي بكر، ولا
من عمر، على الصحيح، (ولم يسمع) أيضاً (أكثرَ العشرة)، قاله ابن الصلاح(٣).
(وقيل: لم يصح سماعه من) أحدٍ منهم (غيرِ سعد).
قال العراقي(٤): كأن ابن الصلاح أخذ هذا من قول قتادة الذي رواه مسلم
[ب ] -
(١) ((المعرفة)) ص ٢٠٣ - ٢٠٤، لكنه تكلم عن ثلاث طبقات فقط.
(٢) هؤلاء سبعة كلهم مخضرمون، إلا سعيد بن المسيب، ولا ريب في تأخّر
طبقة سعيد زمناً عن أولئك.
(٣) ((المقدمة)) ص ٢٧٢، وكذا (القيل) التالي منه.
(٤) ((النكت)) ٩٥٦:٢ - ٩٥٧، ونحوه في ((شرح الألفية)) ص ٣٦٧. والنقل عن
مسلم في مقدمة ((صحيحه)) ٢٢:١، وسعد بن مالك الذي في آخر كلامه، هو سعد
ابن أبي وقاص رضي الله عنه. وأبو داود الأعمى: هو نفيع بن الحارث، متروك متهم.
وقول أحمد: رواه عنه ابن أبي حاتم ٤ (٢٦٢) آخر الترجمة، قال: «هو عندنا
=

٢٤٤
النوع الأربعون : معرفة التابعين رضي الله عنهم
[ش]
في مقدمة ((صحيحه)) من رواية همّام قال: دخل أبو داود الأعمى على قتادة،
فلما قام قالوا: إن هذا يزعم أنه لقي ثمانية عشر بدرياً، فقال قتادة: هذا كان
سائلاً قبل الجارف، لا يَعرِض في شيء من هذا، ولا يتكلم فيه، فوالله ما
حدثنا الحسن عن بدري مشافهةً، ولا حدثنا سعيد بن المسيب عن بدري
[ب] -
حجة، قد رأى عمر وسمع منه، إذا لم يُقبل: سعيد عن عمر: فمن يُقبل؟!)).
وقول ابن معين: في رواية الدوري عنه ٢٠٨:٢ (٥٨٥).
وكلمة أبي حاتم في ((المراسيل)) ص ٧٣ (٢٥٥). وينظر لزاماً ما علَّقته على
ترجمته من «الكاشف)» (١٩٦٠).
والواقع أن ما سمعه سعيد من عمر لا يُذكرَ بجانب ما رواه عنه، حتى كان يقال
له: راوية عمر، واحتجاج الإمام أحمد برواية: سعيد عن عمر، كما تقدم، بسبب ما
كان سعيد يَتَّع فقه عمر ورواياته، وبسبب أن مراسيله صحاح، والله أعلم، فقد صح
عن سعيد قوله: ولدت لسنتين مضتا من خلافة عمر، فمثله لا يسمع من عمر إلا
كُلَيمات، إذْ مدة إدراكه له ثماني سنوات وأربعة أشهر.
أما الجارف: فطاعون كبير، اقتصر عياض ١٤٦:١ على قول واحد في تحديد
زمانه يناسب قتادة وطبقته، وهو سنة ١١٩، وأفاض النووي ١٠٥:١ في حكاية
الأقوال، ثم الجمع بينهما.
وأذكِّر هنا بما قدمته ٢: ٢٩٤ في بحث ثبوت اللقاء أو إمكانه بين الراوي
وشيخه، فأقول: إن تصحيح أحمد وغيرِهِ لروايات سعيد عن عُمر وعثمان كلِّها بناء
على ما تقدم: لهو دليل قاطع على أن قول البخاري ومن معه، وأحمد ومن معه، إنما
مرادهم القرينة الدالة على رجحان الاتصال، لا حقيقة السماع، ولا حقيقة اللقاء،
والله أعلم، وينظر تمام البحث هناك.

٢٤٥
النوع الأربعون : معرفة التابعين رضي الله عنهم
[ش]
مشافهةً، إلا عن سعد بن مالك.
نعم، أثبتَ أحمد بن حنبل سماعه من عمر، وقال ابن معين: رأى عمر
وكان صغيراً، وقال أبو حاتم: رآه على المنبر ينعَى النعمان بن مقرِّن.
قال العراقي(١): وأما سماعه من عثمان وعليّ: فإنه ممكن غير ممتنع، لكن
لم أر في الصحيح التصريحَ بسماعه منهما.
نعم، في ((مسند)» أحمد (٢) من رواية موسى بن وردان: سمعت سعيد بن
المسيب يقول: سمعت عثمان يقول - وهو يخطب على المنبر -: كنت أبتاع
التمر من بطنٍ من اليهود، فبلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((إذا
اشترَيت فاكْتَلْ))، الحديث، وهو عند ابن ماجه بلفظ: ((عن))، دون التصريح
بالسماع.
وفي ((المسند)) أيضاً(٣) بسند جيد قال: حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني
[ب ] -
(١) ((النكت)) ٢: ٩٥٧، والكلام الآتي له أيضاً ٢: ٩٥٨ - ٩٥٩.
(٢) ((المسند)) ٦٢:١، ٧٥، و((سنن)) ابن ماجه (٢٢٣٠).
(٣) ((المسند) ٧٠:١، وقول الشارح ((بسند جيد)): أخذه من العراقي في
((النكت)) ٩٦١:٢، اعتمادًا على أن عطاء الخراساني ممن احتج به الشيخان، وأن أبا
شيبة شعيب بن رُزَيق، وثقه دحيم، وابن حبان، والدار قطني.
قلت: لكن في احتجاج الشيخين بعطاء الخراساني كلام كثير، فليس له في
البخاري شيئ، حسب تحقيق ابن حجر في ((التهذيب)) ٢١٣:٧، وله في مسلم حديث
واحد متابعة آخر كتاب الجنائز ٦٧٢:٢ (بعد ١٠٦)، والرجل: لا أقل من أنه
=

٢٤٦
النوع الأربعون : معرفة التابعين رضي الله عنهم
وأما قيس: فسمعهم وروى عنهم، ولم يشاركه في هذا أحدٌ، وقيل: لم
یسمع عبد الرحمن.
[ش]
شعيب أبو شيبة، سمعت عطاءً الخراسانيّ يقول: سمعت سعيد بن المسيب
يقول: رأيت عثمان قاعداً في المقاعد، فدعا بطعام ما مسَّتْه النار، فأكله، ثم قام
إلى الصلاة، الحديثَ، فثبت سماعه من عثمان. والله أعلم.
(وأما قيس : فسمعهم وروى عنهم، ولم يشاركه في هذا أحد، وقيل : لم
یسمع عبد الرحمن) بن عوف، قاله أبو داود(١).
[ب]
صدوق، كما تجده في التعليق على ((الكاشف)) (٣٨٠٥).
وتوثيق دحيم لشعيب في ((الجرح)) ٤(١٥١٠)، ولفظه: ((لا بأس به))، وتوثيق
الدارقطني: في رواية الكَرَجي، عن البرقاني، عنه (٢١٧)، لكنه قال في ((العلل)) ٧
(١٢٤٤) عن حديث يرويه عطاء الخراساني: ((رواه شعيب بن رزيق، وعثمان بن
عطاء، عن عطاء، عن المغيرة، مرسلاً، وجميع من يرويه عن عطاء ضعيف لا يمكن
الحكم بقوله))، فشمل قوله هذا شعيباً، والله أعلم.
وهو في ((ثقات)) ابن حبان ٣٠٨:٨. وفي الرجل تليينٌ وتضعيف آخر، لكن الذي
يبدو - والله أعلم - أن القول المعتمد فيه هو قول ابن حبان، فقد قال: ((يعتبر حديثه
من غير روايته عن عطاء الخراساني))، فكأن من وثقه نظر إلى عموم أحاديثه، ومن
ضعقه ضعقه من قِبَل روايته عن عطاء هذا.
وأقول: أنت ترى أن هذا الحديث من روايته عن عطاء، فالحكم عليه بالجودة
فيه نظر. والله أعلم.
(١) في ((سؤالات الآجري)) (٣٩٧)، ونقله عنه المزي في ((التهذيب)) ١٣:٢٤،
وأعقبه بنقل مثله عن يعقوب بن شيبة أيضًا، لكن في كلام يعقوب: يقال ....

٢٤٧
النوع الأربعون : معرفة التابعين رضي الله عنهم
ويليهم : الذين ولدوا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم من أولاد
الصحابة.
[ش]
(ويليهم) أي: يلي الطبقةَ الأولى (الذين ولدوا في حياة النبي صلى الله عليه
وسلم من أولاد الصحابة) كعبد الله بن أبي طلحة، وأبي أمامة أسعد بن سهل بن
حُنيف، وأبي إدريس الخَوْلاني، هكذا قال ابن الصلاح(١).
وقال البلقيني: هذا كلام لا يستقيم لا معنى ولا نقلاً(٢).
أما المعنى: فكيف يُجعل من ولد في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم
يلي مَن ولد بعده، والصواب أن يجعل هذا مقدَّماً، وتلك الطبقة تلیه.
وأما النقل: فلم يَذكر الحاكم ذلك، ولكنه عدَّ المخضرمين ثم قال: ومن
التابعين بعد المخضرمين طبقةً ولدوا في زمانه صلى الله عليه وسلم ولم يسمعوا
منه، فذكر: أبا أمامة، ومحمد بن أبي بكر الصديق، ونحوهما، ولم يذكر
[ب] -
-
(١) ((المقدمة)) ص ٢٧٣.
(٢) ((محاسن الاصطلاح)) ص ٥٠٨، وأطال وأسهب رحمه الله في البيان.
وأقول: المخضرمون الستة الذين ذكرهم الحاكم في الطبقة الأولى عاصروا
أحداث خلافة الصديق رضي الله عنه بوضوح، وأحداث خلافة عمر رضي الله عنه
كذلك، وهكذا، أما رجال الطبقة الثانية: فمحمد بن أبي بكر الصديق - مثلاً - أدرك
من حياة والده ثلاث سنوات، فماذا وعى من أحداث خلافة أبيه، ومن أحداث أوائل
خلافة عمر، وهكذا يقال في حق غيره، فهذا وجه تقديم الحاكم لطبقة المخضرمين
على طبقة أولاد الصحابة الذين ولدوا في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو تقديم
مستقيم إن شاء الله. أما من حيث الفضيلة: فلا ريب أن الأفضلية لمن شرَّفه الله بنظرة
كريمة منه صلى الله عليه وسلم. وعلى هذا المعنى ينزّل كلام البلقيني.

٢٤٨
النوع الأربعون : معرفة التابعين رضي الله عنهم
ومن التابعين : المُخَضْرَمون، واحدهم: مُخَضْرَم - بفتح الراء - وهو
[ش]
عبد الله بن أبي طلحة، ولا أبا إدريس.
ثم إن الحاكم لما ذكر الطبقة الأولى قال: والطبقة الثانية: الأسود بن يزيد،
وعلقمة بن قيس، ومسروق، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وخارجة بن زيد،
وغيرهم.
والطبقة الثالثة: الشعبي، وشُريح بن الحارث، وعبيدالله بن عبد الله بن
عتبة، وأقرانهم.
ثم قال: وهم خمس عشرة طبقة: آخرهم من لقي أنس بن مالك، من أهل
البصرة، وعبد الله بن أبي أوفى، من أهل الكوفة، والسائب بن يزيد، من أهل
المدينة، وعبد الله بن الحارث بن جَزْء، من أهل الحجاز، وأبا أمامة الباهلي،
من أهل الشام. انتهى(١).
فلم يعدَّ من الطبقات سوى الثلاثة الأولى والأخيرة، وأما أولاد الصحابة
فلم يذكرهم إلا بعد المخضرمين، فقدَّمه ابن الصلاح(٢) والمصنف هنا، فحصل
فیه وهم وإلباس.
(ومن التابعين: المُخَضْرَمون(٣)، واحدهم: مُخَضْرَم - بفتح الراء - وهو
[ب] -
(١) كلام الحاكم في ((المعرفة)) ص ٢٠٨، والنقول الآتية من ص ٢٠٤.
(٢) ((المقدمة)) ص ٢٧٣.
(٣) [في ديباجة ((الإصابة)) - ١: ٥ - ٦ -: المُخَضْرَمون الذين أدركوا الجاهلية
والإسلام ولم يَرد في خبر قطَّ أنهم اجتمعوا بالنبي صلى الله عليه وسلم، ولا رأوه،
سواء أسلموا في حياته أم لا، وهؤلاء ليسوا صحابةً باتفاق من أهل العلم بالحديث،
=

٢٤٩
النوع الأربعون : معرفة التابعين رضي الله عنهم
الذي أدرك الجاهليةَ وزمنَ النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم ولم يره.
[ش]
الذي أدرك الجاهلية وزمن النبي صلى الله عليه وسلم وأسلم ولم يره) ولا صحبةً
له، هذا مصطلح أهل الحديث فيه، لأنه متردِّد بين طبقتين لا يُدرَى من أيتهما
هو، من قولهم: لحم مخضرم: لا يُدرى مِن ذَكَر هو أو أنثى، كما في
((المحكم))، و((الصحاح))(١)، وطعام مخضرم: ليس بحلو ولا مرّ، حكاه ابن
(٢)
الأعرابي(٢).
وقيل: من الخَضْرمة بمعنى القطع، من: خَضْرَموا آذان الإبل، قطعوها،
لأنه اقتُطع عن الصحابة، وإن عاصر لعدم الرؤية.
أو من قولهم: رجل مخضرم، ناقص الحَسَب، وقيل: ليس بكريم النسب،
وقيل: دعيّ، وقيل: لا يُعرف أبواه، وقيل: وَلَدَتَه السراري، لكونه(٣) ناقصَ
(ت)
ولم يذكروهم في كتب الصحابة إلا لمقاربتهم تلك الطبقة، لا أنهم من أهلها، وممن
أفصح بذلك : ابن عبد البر، وقبله ابن شاهين، فاعتذر عن إخراجه ترجمة النجاشي
بأنه صدَّق النبيَّ صلى الله عليه وسلم في حياته، وغير ذلك، ولو كان مَن هذا سبيلُه
يدخل عنده في الصحابة ما احتاج إلى اعتذار، وأحاديثُ هؤلاء مرسلة بالاتفاق بين
أهل العلم بالحديث، وقد صرح بذلك ابن عبد البر في ((التمهيد))، وغيره من كتبه.].
وينظر ((الاستيعاب)) ترجمة: جبير بن نفير ٢٣٤:١، وحُجْر بن عَنْبس ٣٣٢:١،
وزِرّ بن حُبَيشَ ٥٦٣:٢، وسَعد بن إياس الشيباني ٥٨٣:٢، وغيرهم.
(١) ((المحكم) لابن سيده ٥: ٣٣٠، و ((الصحاح)) ١٩١٤:٥.
(٢) نقله عنه صاحب ((المحكم)) أيضًا، والشارح ينقل من ((التقييد والإيضاح))
٩٦٤:٢.
(٣) لا ارتباط بين هذا التعليل و(القيل) الذي قبله، لكن هكذا جاء في النسخ،
=

٢٥٠
النوع الأربعون : معرفة التابعين رضي الله عنهم
[ش]
الرتبة عن الصحابة لعدم الرؤية مع إمكانها، وسواء أدرك في الجاهلية نصف
و وُ
عُمُرُه أم لا.
والمراد بإدراكها: قال المصنف في ((شرح)) مسلم(١): ما قبل البعثة.
قال العراقي(٢): وفيه نظر، والظاهر إدراك قومه أو غيرهم على الكفر قبل
فتح مكة، فإن العرب بعده بادروا إلى الإسلام وزال أمر الجاهلية، وخطب
صلى الله عليه وسلم في الفتح بإبطال أمرها.
وقد ذكر مسلم في المخضرمين: يُسَير(٣) بن عَمرو، وإنما ولد بعد الهجرة.
-
[ب]
والشارح ينقل من ((النكت)) للعراقي ٩٦٤:٢، وجاء عنده بعد هذه الأقوال وزيادة
عليها ص ٩٦٥: ((ويحتمل أنه من ((النقص))، لكونه ناقص الرتبة ... )) وبها يرتبط
الكلام، والله أعلم.
(١) ١ :١٩٣ عند قول مسلم: ((وهذا أبو عثمان النهدي وأبو رافع الصائغ، وهما
ممن أدرك الجاهلية)).
(٢) ((النكت)) ٩٦٨:٢، وذكر العراقي هذا المثال كالتأكيد على صحة تفسيره
لزمن الجاهلية، فيُسَير بن عمرو هذا أدرك شيئًا من الجاهلية، لذلك عدّه مسلم في
المخضرمین مع أن له رؤية.
(٣) يُسَيْر: تحرف في نسخة أ، ز: إلى بشير، ونسخة أ هي نسخة الشيخ ابن
العجمي فتوهّم صحته فضبطه:
[بفتح أوله، وزيادة ياء، ابن عمرو، ولد عام الهجرة، وتوفي سنة خمس
وثمانين. ((إصابة)).].
قلت: نعم، هو في القسم الرابع من حرف الباء، لكن يستغرب منه رحمه الله أنه
ما تنبّه إلى ما نبّه إليه ابن حجر: أنه تحريف، تحرَّف اسمه على ابن عبد البر في
=

٢٥١
النوع الأربعون : معرفة التابعين رضي الله عنهم
[ش]
أما المخضرم في اصطلاح أهل اللغة(١): فهو الذي عاش نصف عمره في
الجاهلية، ونصفه في الإسلام، سواء أدرك الصحبة أم لا(٢)، فبين الاصطلاحين
عموم وخصوص من وجه، فحكيمُ بن حزام مخضرمٌ باصطلاح اللغة لا
الحديث، ويُسير بن عمرو مخضرم باصطلاح الحديث لا اللغة.
وحكى بعض أهل اللغة: مخضرم، بالكسر (٣).
[ب]
((الاستيعاب)) ١٧٦:١، وعلى ابن شاهين أيضًا، وأن صوابه: يُسَير، وجاء على
الصواب عند ابن سعد ٢٦٥:٨، وأرّخ ولادته ووفاته كما تقدم (١٠ - ٨٥هـ).
(١) [عبارة ((الصحاح)) - خ ض رم - المُخَضْرَمُ: بفتح الراء، الشاعر الذي أدرك
الجاهلية والإسلام، مثل ◌َبيد، وفي ((القاموس)) - أيضا -: المخضرم: بفتح الراء،
الماضي نصفُ عمره في الجاهلية، ونصفُه في الإسلام، أو في أحدهما، أو شاعر
أدركهما، كـ: لبيد. انتهى.].
(٢) [فائدة: قال النووي في ((تهذيبه)) - ١: ١٥٦ - ١٥٧ -: قالوا: عاش حسان
ابن ثابت، وأبوه ثابت، وأبوه المنكدر [كذا، وصوابه: المنذر، كما في المطبوع]،
وأبوه حَرَام : كل واحد من الأربعة : مئة وعشرون سنة، وهذه طريفة عجيبة لا تعرف
في غيرهم، كذا قاله أبو نعيم - في ((معرفة الصحابة)) ٢: ٨٤٥ - وجماعات من الأئمة،
قالوا : وعاش حسان ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام، وشاركه في هذا حكيم
ابن حزام، فعاش ستين سنة في الجاهلية، وستين [في الإسلام]، ولا يعرف لهما ثالث
في هذا، والمراد بالإسلام: من حين انتشر وشاع في الناس، وذلك قبل هجرة
رسول الله صلى الله عليه وسلم بنحو ست سنين. انتهى، وسيأتي في النوع الستين في
التواريخ : أن في الصحابة من شارك حكيماً وحساناً في ذلك. فيراجع.].
(٣) نقله في (لسان العرب)) ١٨٥:١٢ عن ابن بَرّي عن أكثر أهل اللغة، ونقله
=

٢٥٢
النوع الأربعون : معرفة التابعين رضي الله عنهم
وعدَّهم مسلم عشرين نفساً، .
[ش]
وحكى ابن خلِّكان(١): مُحَضْرِم، بالحاء المهملة والكسر أيضاً(٢).
وذكر العسكري في ((الأوائل)» (٣) أن المخضرم من المعاني التي حدثتْ في
الإسلام، وسمِيت بأسماءٍ كانت في الجاهلية لمعانٍ أُخَر، ثم ذكر أن أصله من:
خضرمتُ الغلام إذا ختنتَه، والأذنَ إذا قطعتَ طرفها، فكأنّ زمان الجاهلية قُطع
عليه، أو: من الإبل المخضرمة، وهي التي نُتجت من العِراب واليمانية، قال:
وهذا أعجب القولين إليّ.
(وعدَّهم مسلم) بن الحجاج فبلغ بهم (عشرين نفساً) وهم: أبو عمرو سعد
ابن إياس الشيباني، وسُويد بن غَفَلة، وشُريح بن هانئء، ويُسَير بن عمرو بن
جابر، وعمرو بن ميمون الأودي، والأسود بن يزيد النخعي، والأسود بن
هلال المحاربي، والمعرور بن سُويد، وعبدُ خيرٍ بن يزيد الخَيْواني، وشُبَيل بن
عوف الأحمسي، ومسعود بن حِراش أخو رِبعي، ومالك بن عمير، وأبو عثمان
[ب]
ابن ناصر الدين في ((مجالسه)) ص ٢٩٨ - ٢٩٩ عن أبي موسى المديني.
(١) [خَلّكان: كذا بخطه بفتح الخاء، وكسر اللام، ضبطاً بالقلم.].
كذا كتب: بخطه، بخط من؟ ولعله يريد خطّ الشارح رحمه الله، فيكون قد وقف
الشيخ ابن العجمي على نسخة ((التدريب)) بخط الشارح، وهكذا كتب: كسر اللام: لم
يزد: المشدَّدة.
(٢) آخر ترجمة حماد بن عَجْرَد، ولفظه ٢: ٢١٤: ((وسُمع في ذلك أيضًا:
محضرَم، وسمع بكسر الراء)).
(٣) ((الأوائل)) لأبي هلال العسكري ص ٢٨ تحت عنوان: أول من سمى الجمعة
جمعةً. وهذا النقل بتمامه زيادة من النسخ على ك.

٢٥٣
النوع الأربعون : معرفة التابعين رضي الله عنهم
وهم أكثر، وممن لم يذكره: أبو مسلم الخولاني، والأحنف.
[ش]
النهْدي، وأبو رجاء العطاردي، وغُنَيم بن قيس، وأبو رافع الصائغ، وأبو
الحَلال العتكي - واسمه ربيعة بن زرارة -، وخالد بن عُمير العدوي، وتُمامة بن
حَزْن القشيري، وجبير بن نفير الحضرمي.
(وهم أكثر) من ذلك.
(وممن لم يذكره) مسلم: (أبو مسلم) عبد الله بن ثُوَب، بوزن عُمَر
(الخولاني، والأحنف) واسمه الضحاك بن قيس، وعبد الله بن عُكيم، وعمرو
ابن عبد الله بن الأصم، وأبو أُمية الشَّعباني، وأسلمُ مولى عمر، وأُويسُ القَرَنِي،
وأوسطُ البَجَلي، وجبير بن الحويرث، وحابسٌ اليماني، وشُريح بن الحارث
القاضي، وأبو وائل شقيق بن سلمة، وعبد الرحمن بن عُسَيَلة الصُّنَابِحي،
وعبد الرحمن بن غَنْم، وعبد الرحمن بن يَربوع، وعَبيدة بن عمرو السَّلْماني،
وعلقمة بن قيس، وقيس بن أبي حازم، وكعب الأحبار، ومُرَّة بن شَراحيل،
ومسروق بن الأجدع، وأبو فالج الأنماري. قيل: وأبو عِنَبة الخولاني(١).
[ب]
(١) هذا كله من ((النكت)) للعراقي ٢: ٩٧٠ - ٩٨٠، ووقع في بعض الأسماء
تحريف، قوَّمته، إلا أن العراقي جزم بأن أبا عِنبة الخولاني مخضرم، وأما تصريحه
بالسماع في حديث ابن ماجه (٨) ففي إسناده مجهول، كذا قال العراقي، وكأن
الشارح أعرض عن هذا عمدًا، والله أعلم.
فإسناد ابن ماجه: هشام بن عمار، عن الجراح بن مليح، عن بكر بن زرعة، عن
أبي عنبة، وکان قد صلى القبلتين مع رسول الله صلی الله عليه وسلم، وروى ابن
حبان حديثه أيضًا في ((صحيحه)) (٣٢٦) من ((الإحسان))، وفي ((الثقات)) ٧٥:٤، وزاد
في تعريفه: أنه ممن أكل الدم في الجاهلية.
=

٢٥٤
النوع الأربعون : معرفة التابعين رضي الله عنهم
[ش]
هذا ما ذكره العراقي.
ومنهم - ممن لم يذكره -: الأبّاء بن قيس الأسدي، والأجدع بن مالك
الهَمْداني، والد مسروق، وأبو رُهم أحزاب بن أَسِيد السِّمَعي، وأرطاة ابن
سُهَية - وهي أمه - وأبوه زُفَر بن عبد الله الغَطَفاني المُزني، وأَرْطَبان المُزني
جدّ عبد الله بن عون، وأرطاة بن كعب الفَزاري، في خلائق آخرين، ذكرهم
شيخ الإسلام ابن حجر في كتاب ((الإصابة))(١)، وأرجو أن أفردهم في مؤلّف
[ب] -
وليس في إسناده مجهول، وأظن أن العراقي أراد بكر بن زرعة، لأن المزي لم
ينقل فيه توثيقًا لأحد، فاستدرك عليه مغلطاي في ((الإكمال)) ١٣:٣ - وعنه ابن حجر
في ((التهذيب)) - توثيق ابن حبان، وإخراج حديثه في ((صحيحه))، والعراقي ممن
يعتمد توثيق ابن حبان، كما نقلت كلامه في مقدمة ((مصنف)) ابن أبي شيبة ١ : ٨٢،
و(دراسات الكاشف)) ص ١٦٦.
(١) ذكر هؤلاء الستة الحافظ في القسم الثالث، من حرف الألف، من
((الإصابة)).
وقال مغلطاي ٢: ٤٧٠: ((بلغتُ أنا بهم أكثر من مئة رجل، أفردتهم في
كتاب، ولله الحمد))، فنكَّت عليه البلقيني ص٥١٤: ((لستُ بالواثق بذلك!))،
والبلقيني أعرف بمغلطاي، لكن يمكننا القول: إن من يقف على استدراكات
مغلطاي على من قبله لا يستغرب هذا منه، وقد يكون اختلاف في صحة استدراك
فلان، وعدم صحته.
هذا، ويمكن استخلاص عدد كبير من القسم الثالث من كل حرف من حروف
((الإصابة))، وجمع الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي مئة وثلاثة وثلاثين مخضرمًا،
=

٢٥٥
النوع الأربعون : معرفة التابعين رضي الله عنهم
ومن أكابر التابعين : الفقهاءُ السبعة :
[ش]
إن شاء الله تعالى.
(ومن أكابر التابعين: الفقهاء السبعة) من أهل المدينة (١): سعيد
-
[ب]
وذلك في المجلس الثالث عشر من ((مجالسه)) في تفسير قوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى
اٌلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا﴾، من ص ٣٠٠ فما بعدها، وينظر أيضًا ما علقته عليه من
جزء شيخه الإمام الحافظ سبط ابن العجمي رحمه الله («تذكرة الطالب المُعْلَم بمن قيل
إنه مخضرم))، وهو مطبوع أكثر من مرة، والأول من هؤلاء الستة لم يذكره ابن ناصر
الدين، ولا شيخه، إنما هو في ((الإصابة)).
(١) [لبعضهم في الفقهاء السبعة :
فَقِسْمته ضِيزى عن الحقّ خارجةْ
ألا كلُّ من لا يقتدي بأئمة
سعيد، أبو بكر، سليمانُ، خارجةٌ]
فَخُذْها: عبيد الله، عروة، قاسم
نَسَبهما القرشي في ((الجواهر المضية)» ٤٠٨:٣ إلى محمد بن يوسف بن الخضر
ابن الأبيض الحلبي (٥٦٠ - ٦١٤) رحمه الله، لكن رواهما ابن رشيد في ((رحلته))
١١٨:٥ بالسند إلى الحافظ المنذري، عن شيخه الحافظ ابن المفضَّل المقدسي (٥٤٤
- ٦١١) رحمه الله، وهو من شيوخ ابن الأبيض، كما ذكره القرشي، فالظاهر أن ابن
الأبيض تمثّل بهما فنسبا إليه، والأصل لشيخه ابن المفضل، والله أعلم.
والفقهاء السبعة [إذا أجمعوا على مسألة انعقد بهم الإجماع، ولم يجزْ لغيرهم
مخالفتهم. نقله الزركشي في ((البحر)) - ٤: ٤٨٤ -، وفي (تاريخ)) ابن خلكان - ١ :
٢٨٢ -: هؤلاء السبعة كانوا في عصر واحد، ومنهم انتشر العلم والفتيا في الدنيا،
وقد جمعهم بعضهم في بيت فقال :
=

٢٥٦
النوع الأربعون : معرفة التابعين رضي الله عنهم
ابن المسيَّب، والقاسم بن محمد، وعروة، وخارجة بن زيد، وأبو سلمة
ابن عبد الرحمن، وعبيدالله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار، وجعل
ابنُ المبارك : سالمَ بنَ عبد الله بدل : أبي سلمة، وجعل
[ش]
(ابن المسيَّب، والقاسم بن محمد) بن أبي بكر الصديق، (وعروة) بن الزبير،
(وخارجة بن زيد) بن ثابت، (وأبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف، (وعبيدالله
ابن عبد الله بن عتبة) بن مسعود، (وسليمان بن يسار) الهلالي أبو أيوب، هكذا
عدَّهم أكثر علماء الحجاز.
(وجعل ابنُ المبارك : سالمَ بنَ عبد الله) بن عمر (بدل: أبي سلمة، وجعل
(س)
فَخُذْهم : عبيد الله، عروة، قاسم
سعيد، سليمان، أبو بكر، خارجةٌ [كذا]
وإنما قيل لهم الفقهاء السبعة، وخُصُّوا بهذه التسمية: لأن الفتوى بعد الصحابة
صارت إليهم، وشُهروا بها، ومنهم انتشر العلم والفتيا في الدنيا، وقد كان في
عصرهم جماعة من التابعين، مثل: سالم بن عبد الله بن عمر، وأمثاله، لكن الفتوى
لم تكن إلا لهؤلاء السبعة، هكذا ذكره الحافظ السِّلَفي. انتهى.].
قلت: لا بدّ من مراجعة المسألة من أولها في ((البحر المحيط))، ومما فيه:
((إجماع أهل المدينة على الانفراد لا يكون حجة، وقال مالك: إذا أجمعوا لم يُعتدَّ
بخلاف غيرهم ... ، ونقل الأستاذ أبو منصور - البغدادي - في كتاب ((الرد على
الجرجاني)) أنه أراد الفقهاء السبعة وحدهم، وقال: إنهم إذا أجمعوا على مسألة،
انعقد عليهم الإجماع ... )).
فهذا قول قيل على مقتضى مذهب مالك، وليس قولاً عامًا، كما يوهمه نقله هنا.
وكتاب أبي منصور البغدادي سماه السبكي في ترجمته ١٤٠:٥: ((نقض ما عمله
أبو عبد الله الجرجاني في ترجيح مذهب أبي حنيفة)).

٢٥٧
النوع الأربعون : معرفة التابعين رضي الله عنهم
أبو الزناد : بدلهما أبا بكر بنَ عبد الرحمن.
وعن أحمد بن حنبل قال: أفضلُ التابعين : ابن المسيَّب، قيل:
فعلقمةُ والأسود؟ قال: هو وهُما، وعنه: لا أعلم فيهم مثلَ أبي عثمانَ
النَّهْدي، وقيسٍ، وعنه : أفضلهم قيس، وأبو عثمان وعلقمة، ومسروق.
[ش]
أبو الزناد (١) بدلهما) أي: سالمٍ وأبي سلمة (أبا بكر بنَ عبد الرحمن)(٢)، وعدّهم
ابن المديني اثني عشر: ابن المسيب، وأبو سلمة، والقاسم، وخارجة، وأخوه
إسماعيل، وسالم، وحمزة، وزيد، وعبيدالله، وبلال بنو عبد الله بن عمر،
وأبان بن عثمان، وقَبيصة بن ذُؤيب.
(وعن أحمد بن حنبل قال : أفضلُ التابعين) سعيد (ابن المسيَّب، قيل) له:
(فعلقمةُ والأسود؟ قال: هو وهُما، وعنه) أيضاً: (لا أعلم فيهم) أي: التابعين
(مثلَ أبي عثمان الَّهْدي، وقيس) بن أبي حازم، (وعنه) أيضاً: (أفضلهم قیس،
وأبو عثمان) النهدي، (وعلقمة، ومسروق) هؤلاء كانوا فاضلين، ومن عِلْية
التابعين.
[ب]
(١) وعبارة ابن الصلاح ص ٢٧٤: ((رُوِّينا عن أبي الزناد تسميتهم في كتابه
عنهم ... ))، فأفاد أن لأبي الزناد كتابًا عن الفقهاء السبعة، وكانت وفاته سنة ١٣٠، أو
بعدها، فهو من السابقين إلى التأليف، وهو غير معروف بذلك.
(٢) ابن عبد الرحمن [بن الحارث بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن
مخزوم القرشي المدني، أحد الفقهاء السبعة، قيل : اسمه محمد، وقيل : اسمه أبو
بكر، وكنيته أبو عبد الرحمن، والصحيح أن اسمه وكنيته واحد. انتهى ((تهذيب))
- ((تهذيب الأسماء واللغات)) ٢: ١٩٤ -. ].

٢٥٨
النوع الأربعون : معرفة التابعين رضي الله عنهم
وقال أبو عبد الله ابن خفيف : أهل المدينة يقولون : أفضلُ التابعين
ابن المسيب، وأهل الكوفة : أُويس، والبصرة: الحسن.
[ش]
(وقال أبو عبد الله) محمد (بن خفيف) الشيرازي(١): (أهل المدينة يقولون:
أفضلُ التابعين ابن المسيب، وأهل الكوفة) يقولون: (أُويس) القَرَنّي، (و) أهل
(البصرة) يقولون: (الحسن) البصري، واستحسنه ابن الصلاح(٢).
وقال العراقي (٣): الصحيح - بل الصواب - ما ذهب إليه أهل الكوفة، لِمَا
رَوَى مسلم في ((صحيحه)) (٤) عن عمر بن الخطاب قال: سمعت رسول الله
[ب] -
(١) ترجمه الذهبي في عدد من كتبه، منها: ((السِّير)) ٣٤٢:١٦، ٣٤٦، وحلآه
أولَها بقوله: ((الشيخ الإمام العارف القدوة ذو الفنون، ... ، جمع بين العلم والعمل
وعلوّ السند، والتمسّك بالسنن))، وختم ترجمته في كتابه الآخر ((تاريخ الإسلام))
٣٦٨:٨ بقوله: ((ازدحم الخلق على جنازته، وكان أمرًا عجيبًا، وصلَّوْا عليه نحوًا من
مئة مرّة، رضي الله عنه))، ونحو هذا في ((السير)).
(٢) صفحة ٢٧٤، وهذا شأن أهل التحقيق: الجمع بين الأقوال، لا حكاية
التضارب بينهما.
(٣) في ((شرح الألفية)) ص ٣٦٨، وكلامه متصل، فلا أدري لم كرر الشارح
رحمه الله كلمة ((قال)).
(٤) ١٩٦٨:٤ (٢٢٤)، وعنده في فضل أويس رضي الله عنه حديث آخر قبل
هذا، وبعده، وأطال الذهبي في ((السير)) ١٩:٤ - ٣٣، وغيره، وأحال على ترجمته
عند ابن عساكر ٤٠٨:٩ - ٤٥٥، ومما فيها ٤١٣:٩ نقلُه عن ابن عدي في ((الكامل))
١٠١:٢ - ١٠٤ وفيه قوله آخر الترجمة: ((وقد شك قوم فيه، إلا أنه من شهرته في
نفسه، وشهرة أخباره، لا يجوز أن يشك فيه))، فكأن ابن عدي يقول: الشكُّ فيه أو
=

٢٥٩
النوع الأربعون : معرفة التابعين رضي الله عنهم
[ب]
إنكارُه: إنكار للقطعيّ.
ثم نقل ابن عساكر في تمام كلامه عن ابن عدي قوله: ((مالك ينكره، يقول: لم
يكن))، وليست هذه الجملة في مطبوعات ((الكامل)) أصالةً، بل نُقلت وأضيفت عليه
من ابن عساكر، ومتابعة الذهبي له في ((السير)) وغيره، فكأن ابن عدي أوضح مراده
بقوله: ((شك قوم فيه))، وحكم على هذا الشك بأنه: لا يجوز، لمخالفته القطعيَّ.
ومع ذلك نجد من المعاصرين من يكتب رسالة في إنكاره، ويزيد الطين بِلَّة
بتهجمه على تضعيفِ أحاديثَ أخرى من ((صحيح مسلم)) غيرِ هذا، ثم يزيد: تضعيف
أحاديث أخرى من ((صحيح البخاري)) !! ونسأل الله علماً نافعاً.
وعلى كل، فقول الإمام العراقي عن الإمام أحمد: ((لعله لم يبلغه الحديث، أو
لم يصح عنه)): إنما حمله عليه ما نُقل عن الإمام مالك، فيكون اعتذارًا عن الإمامین،
وإلا فليست هذه الاحتمالات من منطق علمائنا، فمثل مالك أو أحمد لا يقال فيه:
لعله لم يبلغه الحديث، أو لم يصح عنده، ولو اقتصر الناظر على طرق أخباره التي في
((صحيح)) مسلم، لاستبعد هذين الاحتمالين، فكيف بأسانيدِ أخبارِه الأخرى التي في
((الحلية)) ٧٩:٢ - ٨٧، وابن عساكر.
ومع ذلك فإن الجواب القاطع لهذه الاحتمالات، والأول منها خاصة: هو أن
الإمام أحمد روى هذا الحديث في («مسنده)) ٣٨:١ في قصة استقراء سيدنا عمر
للحُجاج اليمنيين بطولها، حتى لقي أويسًا، وفيه قول عمر: سمعت رسول الله
صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن خير التابعين رجل يقال له: أويس .... ))، وإسناده
إسناد رواية مسلم التي أشرت إليها إشارةً أول التخريج ١٩٦٨:٤ (٢٢٤)، وهي
مختصرة جداً.
وكم زُعم مثل هذا الاحتمال على بعض الأئمة في مناسبات أخرى، فتبيّن عدم
صوابها !! ، وانظر ثلاثة أمثلة على ذلك، ذكرتها في ((أثر الحديث الشريف)) ص ١٨٧.
وأخيرًا: فإن الإمام الذهبي يرى القول بأن سيد التابعين هو أويس رضي الله عنهم
=

٢٦٠
النوع الأربعون : معرفة التابعين رضي الله عنهم
وقال ابن أبي داود : سیدتا التابعیات حفصة بنت سیرین،
[ش]
صلى الله عليه وسلم يقول: ((إن خير التابعين رجل يقال له أويسّ))، الحديثَ،
قال: فهذا قاطع للنزاع، قال: وأما تفضيل أحمد لابن المسيب وغيره فلعله لم
يبلغه الحديث، أو لم يصح عنده، أو أراد بالأفضلية في العلم لا الخيرية.
وقال البلقيني(١): الأحسن أن يقال: الأفضل من حيثُ الزهد والورع
أويسٌ، ومن حيثُ حفظُ الخبر والأثر سعيدٌ.
وقال أحمد: ليس أحدٌ أكثرَ فتوى في التابعين من الحسن وعطاء، كان
عطاء مفتي مكة، والحسن مفتي البصرة.
(وقال) أبو بكر (ابن أبي داود: سيدتا التابعيات حفصةُ بنت سيرين(٢)،
[ب]
جميعًا، فقد صدَّر ترجمته في ((تاريخ الإسلام)) ٣١٣:٢ بقوله: سيد التابعين، وختمها
بقوله الذي نقله العلامة ابن العجمي:
[((ليس في التابعين أحد أفضل منه، وأما أن يكون أحد مثله في الفضل فيمكن،
كسعيد بن المسيب، وهم قليل ... )).].
قلت: أما في الفضيلة: فنعم، وأما في العلم ونفع الأمة بالعلم والدعوة والثبات
على الحق أمام سلطان جائر، فلا، والله أعلم بصواب ما أقول في الأمرين، فمردّ
ذلك إلى علم الله تعالى وكرمه على العباد، ونحن نحكم ونقول بالظاهر وما نُقل إلينا،
والله يتولى السرائر، والاحتمال الأخير من كلام العراقي هو المتعين: التفرقة بين
الأفضلية والخيرية، والله أعلم.
(١) ((محاسن الاصطلاح)) ص ٥١٧.
(٢) [سِيرين: بكسر السين المهملة، وسكون التحتية، وفتح النون، قال عصام:
الظاهر أنها كـ: غِسْلين، وأنه منصرف، لأنه ليس فيه إلا العلمية، وفيه أنه من
الموالي، فلا بِدْعَ أن يكون فيه العجمة، مع احتمال أن سيرين أمه، فيكون فيه علتان،
=