Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
النوع الثالث والثلاثون : المسلسل
أو صفاتهم، أو نسبتهم، كأحاديثَ رَوَيناها كلّ رجالها دمشقيون،
وكمسلسل الفقهاء.
[ش]
بالمحمّدين(١)، (أو صفاتهم، أو نسبتهم) فالثاني: (كأحاديثَ رَوَيناها كلُّ
رجالها دمشقيون)، أو مصريون، أو كوفيون، أو عراقيون(٢)، (و)الأول
(كمسلسل الفقهاء) مطلقاً، أو الشافعيين، أو الحفاظ، أو النحاة، أو الكُتّاب،
أو الشعراء، أو المُعَمَّرين(٣).
(١) ينظر ((جياد المسلسلات)) للشارح ص ٢٠٢، و((الجواهر)) للسخاوي ص
١٤٧.
(٢) ينظر للمسلسل بالدمشقيين آخر ((إرشاد طلاب الحقائق)) للإمام النووي،
وآخر كتابنا هذا ((التدريب)، و((الجواهر)» للسخاوي ص ١٣٧.
وينظر للمسلسل بالمصريين: ((جياد المسلسلات)) ص ٢٤٧، و((الجواهر)) ص
١٣٠. ولم أر المسلسل بالكوفیین.
وينظر للمسلسل بالعراقيين في أكثره: ((الجواهر)) ص ١٤٣.
(٣) ينظر للمسلسل بالفقهاء: ((الجياد)) ص ٢٨١، و((الجواهر)) ص ٨٣،
وللمسلسل بالشافعيين: آخر كتابنا ((التدريب))، لكن انخرم التسلسل بوجود أبي
الحسن ابن المفضَّل المقدسي المالكي، وفي ((المناهل السلسلة)» ص ٢٦٥ مسلسل
آخر لم ينخرم.
وينظر للمسلسل بالحفاظ: آخر ((التدريب))، و((الجياد)) ص ٩٨، و((الجواهر))
ص٧٩.
ومسلسل النحاة: في ((الجياد)) ص ٨٩، و((الجواهر)) ص ١١٧. ولم أر المسلسل
بالكُتّاب.
=

٨٢
النوع الثالث والثلاثون : المسلسل
وصفات الرواية كالمسلسل بـ: سمعت، أو بأخبرنا، أو أخبرنا فلان
واللهِ.
[ش]
٦ - (وصفات الرواية) المتعلقة بصيغ الأداء (كالمسلسل بـ: سمعت)
فلاناً، (أو بأخبرنا) فلان، (أو أخبرنا فلان واللهِ)، أو أشهد بالله لسمعت فلاناً،
ءِ
يقول ذلك کلّ راو منهم(١).
٧ - والمتعلقة بالزمان، كالمسلسل بروايته يومَ العيد، وقصّ الأظفار يوم
الخميس(٢)، ونحو ذلك.
[ب] -
ومسلسل الشعراء في ((الجواهر)) ص ١٢٣.
ومسلسل المعمَّرين (كلّ منهم جاوز الثمانين): في ((الجياد)) ص ٢٥٢،
و ((الجواهر)) ص ١٧٧.
(١) المسلسل بـ: ((سمعت)): في ((الجياد)) ص ١٦٣، و((الجواهر)) ص ٣٤٨ وما
بعدها.
والمسلسل بـ: ((أخبرنا)): لم أقف عليه. و: ((أخبرنا والله)): في ((المناهل)) ص
١٨٢، و: ((أشهد بالله لسمعت)): في ((الجياد)) ص ١٧٠، و: ((الجواهر)) ص ٢١٤.
وينظر: ((المحدث الفاصل)) (٥٤٩) فما بعدها.
(٢) المسلسل بيوم العيد - أو: العيدين -: في ((الجياد)) ص ١٨٧، و((الجواهر))
ص٦٤.
وأما المسلسل بقصّ الأظفار يوم الخميس: فهو في ((الجواهر)) ص ٥٩ من
طرق، أولها عن محمد الخازن الحِكْري، عن الحافظ زين الدين العراقي، إلى
آخره، والعراقي ساقه في ((طرح التثريب)) ٧٩:٢ بسنده مسلسلاً، وقال في آخره:
((في إسناده من يُحتاج إلى الكشف عنه من المتأخرين، فأما الحسين بن هارون
=

٨٣
النوع الثالث والثلاثون : المسلسل
[ش]
٨ - وبالمكان، كالمسلسل بإجابة الدعاء في الملتزم(١).
وقد جمعت كتاباً فيما وقع في سماعاتي من المسلسلات بأسانيدها(٢).
[ب] بـ
الضبي فمن بعده، عن عمر بن حفص بن غياث، عن أبيه، عن جعفر الصادق،
عن محمد الباقر، عن علي زين العابدين، عن الحسين السبط الشهيد، عن عليّ
رضي الله عنهم: فثقات)).
لكن السخاوي أعلّه بأمرين: بالتوقف في الاتصال بين الحسين بن هارون، وعمر
ابن حفص، وبرجل آخر لم يذكر في سند العراقي حسب مطبوعة ((طرح التثريب))،
وهو عبد الله بن موسى بن الحسن، أبو الحسن السلامي، ونقل تضعيفه عن ابن منده،
والحاكم، والخطيب، ونقل عن شيخه ابن حجر قوله: لم يثبت في استحباب قصّ
الأظفار شيء. فهل أبو الحسن السلامي سقط من مطبوعة ((طرح التثريب))؟ أو إنه غير
مذكور في سند العراقي أصلاً.
ثم رأيت السخاوي رحمه الله ضعَّفه جدًا في ((الأجوبة المرضية)) ٦٠٧:٢.
(١) هو في ((الجياد)) ص ١٩٦، و((الجواهر)) ص ٧١، وفي إسناده من اتُّهم،
لكن أدخله الشارح في كتابه ((الجياد)) من أجل الرواية الموقوفة على ابن عباس عند
البيهقي ١٦٤:٥، وقال عنه: شاهد قوي، وختم السخاوي كلامه عليه بقول ص ٧٦:
((وعلى كل حال، فهذا الموطن معروف بالاستجابة)).
(٢) للشارح رحمه الله كتابان: ((المسلسلات الكبرى)) جمع فيه خمسة وثمانين
حديثًا مسلسلاً، ثم اختصره وانتقى منه ثلاثة وعشرين حديثًا، وأثرين: الأول: عن
عثمان بن عفان، ويسمونه المسلسل بالنون، أي: بحرف النون، في اسم کل راو منه،
والثاني: عن علي رضي الله عنهما، وهو المسلسل - في آخره - بالآباء، وطبع هذا
المختصر باسم ((جیاد المسلسلات)).

٨٤
النوع الثالث والثلاثون : المسلسل
وأفضلُه: ما دلّ على الاتصال. ومن فوائده: زيادة الضبط، وقلَّما
يَسْلَم عن خلل في التسلسل، وقد ينقطع تسلسله في وسطه كمسلسل :
أولُ حدیثٍ سمعته، .
[ش]
وجَمَع الناس في ذلك كثيراً(١).
(وأفضلُه: ما دلّ على الاتصال) في السماع وعدم التدليس.
(ومن فوائده): اشتماله على (زيادة الضبط) من الرواة.
(وقلَّما يَسْلَم عن خلل في التسلسل، وقد ينقطع تسلسله في وسطه) أو
أوله، أو آخره، (كمسلسل: أولُ حديثٍ سمعته)(٢) وهو حديث عبد الله بن
عمرو: ((الراحمون يرحمُهم الرحمن)) (٣)، فإنه انتهى فيه التسلسل إلى عمرو بن
(ت) -
(١) ذكر السخاوي رحمه الله جملة وافرة منها في ((الجواهر المكلَّلة))، وينظر
مقدمته، ومقدمة ((الجياد))، ففيهما الشيء الكثير أيضًا، يزيد أحدهما على الآخر.
(٢) هنا سقط من نسخة وصفحتان رقمهما ٢٤٠، ٢٤١، وينتهي ص ٩٥.
(٣) هذا هو الحديث المشهور بلقب: حديث الرحمة، أو الحديث المسلسل
بالأولية، وقد رواه الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي في ((مجالسه)) في تفسير قوله
تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ﴾ [آل عمران: ١٦٤]، بأسانید کثیرة، أولها ص ٣٨،
وخرَّجتُه هناك من ((مسند)) الحميدي (٥٩١)، و((مصنَّف)) ابن أبي شيبة (٢٥٨٦٤)،
و((مسند)) أحمد ٢١٦٠:٢، و((الكنى)) للبخاري (٥٧٤)، وأبي داود (٤٩٠٢)،
والترمذي (١٩٢٤) وقال: حسن صحيح، والحاكم (٧٢٧٤) وصححه ووافقه
الذهبي، وغيرهم، والحديث ثابت قوي.
واستحسَنَ الأئمة وأصحابهم أن يكون هذا الحديثُ أولَ حديث يلقِّنه الشيوخ
لأصحابهم، ليتعاملوا مع الناس بالرحمة، ولتَشيع الرحمة بين الناس، وهذا حقّ وخير.
=

٨٥
النوع الثالث والثلاثون : المسلسل
على ما هو الصحيح فيه.
[ش]
دينار، وانقطع في سماع عمرو من أبي قابوسَ، وسماع أبي قابوسَ من عبد الله
ابن عمرو، وفي سماع عبد الله من النبي صلى الله عليه وسلم (على ما هو
الصحيح فيه)، وقد رواه بعضهم كاملَ السلسلة، فوهِم فيه(١).
فائدة:
قال شيخ الإسلام(٢): من أصح مسلسل يُروى في الدنيا: المسلسلُ بقراءة
سورة الصف.
لکن مما أنّه إليه دائمًا في مثل هذه المناسبة: أن الرامهرمزي بوّب في کتابه ص
٢٠١ فقال: ((أوصاف الطالب وآدابه))، وذكر أخباراً مهمة جدًا في حق طالب العلم،
جزاه الله خيراً، ومنها ما أسنده إلى الإمام مالك (٩٠) عن الزهري، عن علي زين
العابدين، مرسلاً: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه))، وقال مالك: ((ينبغي
لطالب العلم أن يبدأ بهذا القول من الإسناد))، فنبّه رحمه الله إلى أمر مهم جداً لطالب
العلم، وهو في مرحلة بنائه وتكوينه العلمي، أن يلقُنه شيوخُه هذا التوجيه النبوي
الكريم، أَلاَ وهو ترك كلِّ ما لا يَهمه ويَعنيه من الأمور، ليتفرّغ تماماً لما هو بسبيله:
هو طلب العلم وتحصيله.
(١) وكذلك قال ابن ناصر الدين ص ٤٠، فانظره.
(٢) كأن هذا النقل من ((النكت الكبرى على ابن الصلاح)) للحافظ ابن حجر
رحمه الله، ومثل هذا النقل جاء في ((فتح الباقي)) للقاضي زكريا الأنصاري ص ٥٠٢.
وقال الشارح في ((جياد المسلسلات)) ص ١١٤: ((قال الحفاظ: هذا من أصح مسلسل
يروى في الدنيا)) فحكاه عن الجميع، وفي ((الجواهر المكللة)) ص ١٩٢: ((هذا حديث
صحيح متصل الإسناد والتسلسل، بل هو من أصح المسلسلات)).

٨٦
النوع الثالث والثلاثون : المسلسل
[ش]
قلت: والمسلسل بالحفاظ والفقهاء أيضاً، بل ذَكَر في ((شرح النخبة))(١) أن
المسلسل بالحفاظ مما يفيد العلم القطعي.
[ب] -
(١) نعم، صفحة ٥١، لكن بشرط، ونقلُ الشارح هنا فيه قصور، وهذا لفظ
الحافظ بتمامه، وفيه شرطُه، وبيانُ وجهة نظره، قال رحمه الله ص ٤٨ فما بعدها:
((وقد يقع في أخبار الآحاد ما يفيد العلم النظريَّ بالقرائن ... ، والخبر المحتفُّ
بالقرائن أنواع، منها: ما أخرجه الشيخان ... ، ومنها: المسلسل بالأئمة الحفاظ، حيثُ
لا یکون غریبًا، کالحدیث الذي یرویه أحمد بن حنبل مثلاً، ويشاركه فيه غيره، عن
الشافعي، ويشاركه فيه غيره، عن مالك بن أنس، فإنه يفيد العلم عند سامعه
بالاستدلال، من جهةِ جلالةِ رواته، وأن فيهم من الصفات اللائقة الموجبة للقبول ما
يقوم مقام العدد الكثير، عن غيرهم)).

٨٧
النوع الرابع والثلاثون : ناسخ الحديث ومنسوخه
النّوع الرّابع وَالثّلاثون: ناسخ الحَديثِ وَمَنْسَوْخه
وهو فنّ مهم صعبٌ،
[ش]
(النوع الرابع والثلاثون : ناسخ الحديث ومنسوخه)
(وهو فنّ مهم) فقد مرَّ عليٌّ على قاصّ، فقال: تعرف الناسخ من
المنسوخ؟ فقال: لا، فقال: هلكتَ وأهلكتَ، أسنده الحازمي في كتابه(١)،
وأسند نحوه عن ابن عباس(٢).
وأسند عن حذيفة(٣): أنه سُئل عن شيء؟ فقال: إنما يُقتي مَن عرف الناسخ
والمنسوخ، قالوا: ومن يعرف ذلك؟ قال: عمر.
(صعبٌ) فقد رُوِّينا عن الزهري قال(٤): أعيى الفقهاءَ وأعجزَهم أن يعرفوا
[ب]
--
(١) ((الاعتبار)) ص٦، والقاصُّ: هو أبو يحيى مِصْدَع، الملقَّب بالمُعَرْقَب، وفيه
قصة، وانظر ((مصنف)) ابن أبي شيبة (٢٦٧١٦).
(٢) خبر ابن عباس عند الحازمي بسنده ص ٧.
(٣) خبر حذيفة عنده أيضًا ص ٦، من طريق عبد الرزاق، وهو في ((مصنفه))
(٢٠٤٠٥)، وله تتمّة: ((إنما يفتي من عرف الناسخ والمنسوخ، ... ، أو رجل وَلِيَ
سلطانًا - أي: أُسندت إليه وظيفة الإفتاء - فلا يجدُ من ذلك بدًّا، أو متكلف))، ولفظه
عند الدارمي (١٧٢): أو أحمق متكلِّف.
(٤) ((تاريخ أبي زرعة الدمشقي)) ١ (١٧٧٨)، و((التمهيد)) ٣٣٢:٣، وهو في
((الاستذكار)) ١٤٧:٢ بغير سند.

٨٨
النوع الرابع والثلاثون : ناسخ الحديث ومنسوخه
وكان للشافعي فيه يدٌ طولى، وسابقةٌ أُولى، وأَدخل فيه بعض أهل
الحديث ما ليس منه، لخفاء معناه. والمختارُ أن النسخ: رفعُ الشارعِ
حكماً منه، متقدِّماً، بحكم منه متأخر.
[ش]
ناسخ الحديث من منسوخه.
(وكان للشافعي فيه يدٌ طولى وسابقةٌ أولى) فقد قال الإمام أحمد لابن وارَهْ
- وقد قدم من مصر -: كتبتَ كُتُب الشافعي؟ قال: لا، قال: فرطتَ، ما علمنا
٠
المجمل من المفسَّر، ولا ناسخَ الحديثِ من منسوخه حتى جالسنا الشافعي(١).
(وأدخل فيه بعض أهل الحديث) ممن صنَّف فيه (ما ليس منه، لخفاء
معناه) أي: النسخِ وشرطِهِ(٢).
(والمختارُ) في حدّه: (أن النسخ: رفعُ الشارعِ حكماً منه، متقدماً، بحكم
منه متأخر).
فالمراد بـ: رفع الحكم: قطعُ تعلُّقُه عن المكلّفين، واحترزَ به عن بيان
المجمل.
وبإضافته لـ: الشارع: عن إخبار بعض مَن شاهد النسخَ من الصحابة، فإنه
لا يكون نسخاً، وإنْ لم يحصُل التكليفُ به لمن لم يبلغه قبل ذلك إلا بإخباره.
-
(١) أسنده الحازمي في مقدمة ((الاعتبار))، وأقدم منه: أبو نعيم في ((الحلية))
٩٧:٩، وزاد: قال ابن واره: فحملني ذلك إلى أن رجعت إلى مصر، وكتبتها، ثم
قدمت)). وابن وارَه: هو الإمام أبو عبد الله محمد بن مسلم ابن واره (نحو ١٩٠ -
٢٧٠) رحمه الله، من أقران أبي حاتم وأبي زرعة: زمانًا ومكانًا ومكانةً.
(٢) كأنه يشير إلى كتاب ابن شاهين: ((ناسخ الحديث ومنسوخه)).

٨٩
النوع الرابع والثلاثون : ناسخ الحديث ومنسوخه
فمنه : ما عُرف بتصريح رسول الله صلى الله عليه وسلم كـ ((كنتُ
نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها)).
[ش]
وبـ: الحكم: عن رفع الإباحة الأصلية، فإنه لا يُسمَّى نسخاً.
وبـ: المتقدم: عن التخصيص المتصل بالتكليف، كالاستثناء ونحوه.
وبقولنا: بحكم منه متأخر: عن رفع الحكم بموت المكلّف، أو زوال
تكليفه بجنون ونحوه. وعن انتهائه: بانتهاء الوقت، كقوله صلى الله عليه وسلم:
(إنكم لاقُو العدوِّ غداً، والفطرُ أقوى لكم فأَفطِروا))(١)، فالصوم بعد ذلك اليوم
ليس نسخاً.
١ - (فمنه: ما عُرف) النسخ فيه (بتصريح رسول الله صلى الله عليه وسلم)
بذلك (كـ «كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»)، و «كنتُ نهيتكم عن لحوم
الأضاحي فوقَ ثلاثٍ، فكُلُوا ما بدا لكم))، و(«كنتُ نهيتكم عن الظُّروف ... ))،
الحديث، أخرجه مسلم عن بريدة(٢).
(١) رواه مسلم ٧٨٩:٢ (١٠٢) بلفظ: ((إنكم مصبِّحو العدوّ ... )).
(٢) رواه مسلم ٦٧٢:٢ (١٠٦) بطوله، دون لفظ: ((كنت)) مع الجُمَل الثلاثة،
ويلفظ: ((فأَمسِكوا)) بدل: ((فَكُلُوا))، وزاد في آخره: ((ونهيتكم عن النبيذ إلا في سقاءٍ،
فاشربوا في الأسقية كلها، ولا تشربوا مسکِرًا)).
وقد [قال النووي - ((شرح مسلم)) ٧: ٤٦ -: هذا في الأحاديث التي تجمع
الناسخ والمنسوخ، وهو صريح في نسخ نهي الرجال عن زيارتها، وأجمعوا على أن
زيارتها سنة لهم، وأما النساء ففيهن خلاف لأصحابنا قدَّمناه، وقدَّمنا أن مَن منعهن
قال: النساء لا يدخلن في خطاب الرجال، وهو الصحيح عند الأصوليين. انتهى.].
=

٩٠
النوع الرابع والثلاثون : ناسخ الحديث ومنسوخه
ومنه: ما عُرف بقول الصحابي كـ: كان آخرُ الأمرين من رسول الله
صلى الله عليه وسلم تركَ الوضوء مما مسَّتِ النار.
[ش]
٢ - (ومنه: ما عُرف بقول الصحابي كـ: كان آخرُ الأمرين من رسول الله
صلى الله عليه وسلم تركَ الوضوء مما مسَّتِ النار) رواه أبو داود، والنسائي عن
جابر(١).
وكقول أبيّ بن كعب: كان الماء من الماء رخصةً في أول الإسلام، ثم أَمَر
بالغُسل، رواه أبو داود، والترمذي وصححه(٢).
وشَرَط أهل الأصول(٣) في ذلك أن يُخبِر بتأخره، فإِنْ قال (هذا ناسخ): لم
يثبت به النسخ، لجواز أن يقوله عن اجتهاد.
قال العراقي(٤): وإطلاق أهل الحديث أوضح وأشهر، لأن النسخ لا يُصار
إليه بالاجتهاد والرأي، إنما يُصار إليه عند معرفة التاريخ، والصحابةُ أورِعُ من
[وقوله: في الأحاديث التي تجمع الناسخ والمنسوخ: لعل فيه نوعَ تسمُّح، فإن
الذي في الحديث الإخبار عن المنسوخ، لا نفسه. سم.].
(١) أبو داود (١٩٤)، والنسائي (١٨٨)، وصححه ابن الملقن - وغيره - في
((البدر المنير)) ٢٩٢:٤، وتسامح الحافظ في ((التلخيص الحبير)) ١٥:١، فعزا الحديث
إلى الأربعة، وليس هو بهذا اللفظ إلا في هذين الكتابين.
(٢) أبو داود (٢١٦، ٢١٧)، والترمذي (١١٠، ١١١) وقال: حسن صحيح.
(٣) ((الإحكام)) للآمدي ٢٥٩:٣، و((البحر المحيط)) للزركشي ١٥٥:٤، وفضّل
رحمه الله.
(٤) في ((شرح الألفية)) ص ٣٣١.

٩١
النوع الرابع والثلاثون : ناسخ الحديث ومنسوخه
ومنه : ما عُرف بالتاريخ.
[ش]
أن يحكم أحد منهم على حكم شرعي بنسخ، من غير أن يعرف تأخر الناسخ
عنه.
وقد أطلق الشافعي ذلك أيضاً(١).
٢- (ومنه: ما عُرف بالتاريخ) كحديث شداد بن أوس مرفوعاً: ((أفطر
الحاجم والمحجوم))، رواه أبو داود، والنسائي(٢)، ذكر الشافعي(٣) أنه منسوخ
[ب]
(١) هذه الجملة الأخيرة: اختصار لتمام كلام العراقي، ولفظه: ((وفي كلام
الشافعي موافقة لأهل الحديث، فقد قال فيما رواه البيهقي في ((المدخل)) (١٠١٥):
((ولا يُستدل على الناسخ والمنسوخ، إلا بخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو
بوقتٍ يدل على أن أحدهما بعد الآخر، أو بقولِ من سمع الحديث، أو العامة)).
فقوله: أو بقول من سمع الحديث: أراد به قول الصحابي مطلقًا)). أي: سواء صرح
الصحابي بالتاريخ أم لم يصرِّح.
ثم قال العراقي: ((فذكر - أي: الشافعيُّ - الوجوه الأربعة التي يُعرف بها النسخ))
وهي التي هنا، وكلمة الإمام الشافعي الأخيرة: ((العامة)) يريد بها الإجماع.
وأقول: نصُّ الشافعي الذي تقدم، نَقَله الزركشي في ((البحر)) ١٥٣:٤، وفي
مطبوعته تحريف، يصحح من هنا.
(٢) أبو داود (٢٣٦١)، والنسائي (٣١٣٨)، والحديث ذكره الشارح في جملة
المتواتر ص ١٢٩ من ((قطف الأزهار))، وسمَّى خمسة عشر صحابيًا رووه، وانظر
زيادة عليه في ((التلخيص الحبير)) ١٩٣:٢.
(٣) في ((اختلاف الحديث)) الملحق بـ: ((الأم)) ٨: ٥٣٠، وهو في الطبعة المفردة
ص ١٩٧.

٩٢
النوع الرابع والثلاثون : ناسخ الحديث ومنسوخه
ومنه : ما عُرف بدلالة الإجماع، كحديثٍ قتلِ شاربِ الخمر في الرابعة.
[ش]
بحديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم صائم،
أخرجه مسلم(١)، فإن ابن عباس إنما صحبه محرماً في حجة الوداع سنة عشر،
وفي بعض طرق حديث شداد: أن ذلك كان زمن الفتح سنة ثمانٍ (٢).
(ومنه: ما عرف بدلالة الإجماع (٣)، كحديثِ قتلِ شاربِ الخمر في الرابعة)،
وهو ما رواه أبو داود، والترمذي من حديث معاوية (٤): ((من شرب الخمر
[ب] -
(١) هذا العزو متابعة للعراقي في ((شرح الألفية)) ص ٣٣١، وأصل كلامه بعدما
ذكر حديث شداد، قال: «فذكر الشافعي رضي الله عنه أنه منسوخ بحديث ابن عباس:
((أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وهو محرم صائم))، أخرجه مسلم)).
قلت: ولفظ الشافعي فيه: ((أخبرنا سفيان، عن يزيد بن أبي زياد، عن مِقْسم،
عن ابن عباس: أن رسول الله احتجم محرمًا صائمًا))، وهذا اللفظ في رواية ابن أبي
شيبة (٩٤٠٤)، ومَن ذكرتُه في التعليق عليه: أحمد، وأصحاب السنن الأربعة،
وغيرهم، أما رواية مسلم ٨٦٢:٢ (٨٧) التي يريدها العراقي والشارح فليس فيها ذكر
الصيام، وهو محلّ الشاهد ورواية البخاري (١٩٣٨) بلفظ: احتجم وهو محرم،
واحتجم وهو صائم: فليست نصًا في المراد، لاحتمال أن يكون ابن عباس أشار إلى
واقعتين.
(٢) هي في ((المسند)) ١٢٢:٤ - ١٢٣، والنسائي (٣١٣٨، ٣١٥٢)، وغيرهما.
(٣) لينظر ((آداب الفقيه والمتفقه)) للخطيب ١: ٣٥٤ قوله: ((والثالث ... )).
(٤) أبو داود (٤٤٧٧)، والترمذي (١٤٤٤)، وزاد العراقي في ((شرح الألفية))
ص ٣٣١: ابن ماجه، وهو فيه (٢٥٧٣)، ورواه النسائي أيضاً (٥٢٩٧، ٥٢٩٩).
وهو في ((المسند)) (٦١٩٧) بترقيم الأستاذ العلامة أحمد شاكر رحمه الله، وكتب
=

٩٣
النوع الرابع والثلاثون : ناسخ الحديث ومنسوخه
[ب]
عليه شرحًا مسهبًا، أفرده بعدُ برسالة سماها ((القول الفصل في قتل مدمن الخمر))،
وفيه فوائد جانبية كثيرة، وتحقيقات لطيفة، أما اختياره في أصل المسألة - وهو الأخذ
بظاهر الحديث - فللكلام مجالُه.
وقال الترمذي عقب روايته الحديثَ كلامًا طويلاً، جاء فيه قوله: ((كان هذا أول
الأمر، ثم نُسخ))، وأشار إلى حديث جابر، وقَبيصة بن ذُؤيب في الدلالة على ذلك.
ثم قال رحمه الله في آخر ((سننه)) أول كتاب ((العلل)): ((جميع ما في هذا الكتاب
من الحديث فهو معمول به، وقد أخذ به بعض أهل العلم، ما خلا حديثين)) ذكر
ثانیهما هذا الحدیث، وأنه لم يأخذ به أحد.
ثم جاء ابن الصلاح فقال في ((مقدمته)) ص ٢٥١ تحت هذا النوع: الناسخ
والمنسوخ، وقد ذكر هذا الحديث، قال: ((إنه منسوخ، عُرف نسخه بانعقاد الإجماع
على ترك العمل به))، وتابعه النووي على التصريح بدعوى الإجماع في ((الإرشاد)) ص
١٨٦، و((التقریب)) كما ترى.
لكنه رحمه الله في ((شرح مسلم)) ٥: ٢١٨ تصرف في نقل كلام الترمذي، فكلام
الترمذي كما قدمته قبل أسطر، أما النووي فنقله هناك بلفظ: ((قال الترمذي في آخر
كتابه: ليس في كتابي حديث أجمعت الأمة على ترك العمل به إلا حديث ... شارب
الخمر في المرة الرابعة، وهو كما قاله، فهو حديث منسوخ دلّ الإجماع على نسخه)).
ونفيُ العلم بالاختلاف - كما قال الترمذي عقب الحديث (١٤٤٤) - شيء،
ودعوى الإجماع شيء آخر، ومع ذلك ففي كليهما نظر، إذ إن بعض السلف قد قال
بقتل شارب الخمر في المرة الرابعة، منهم: عبد الله بن عُمر، وعبد الله بن عمرو،
وقالا: جيئونا به، فإن لم نقتله فنحن كاذبان، وقال بقولهما: الحسن البصري أيضًا،
وهؤلاء الثلاثة قبل الشافعي والترمذي، وممن قال بهذا القول بعدهم: ابن حزم في
((المحلى)) ٣٦٥:١١ (٢٢٨٨)، وهو قبل ابن الصلاح والنووي.
ونازع في دعوى النسخ، واعتمد الأخذ بظاهره: الشارح في ((قوت المغتذي)) ٢: ٤٣٩.
=

٩٤
النوع الرابع والثلاثون : ناسخ الحديث ومنسوخه
[ش]
فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه))، قال المصنف في ((شرح مسلم)): دلّ
الإجماع على نسخه(١)، وإن كان ابن حزم خالف في ذلك فخلاف الظاهرية لا
يقدح في الإجماع.
نعم، ورد نسخه في السنة(٢) أيضاً، كما قال الترمذي من رواية محمد بن
إسحاق، عن محمد بن المنكدر، عن جابر: أن النبي صلى الله عليه وسلم
[ت)
وذهب إلى هذا المذهب ابن القيم في ((حواشيه)) على مختصر المنذري لسنن أبي
داود ٢٣٨:٦، لكن يرى قتله تعزيرًاً وسياسةً، لا حدًا شرعيًا، وينظر ((معارف السنن))
للبنّوري ١ : ١٦٧.
وقد تعقب العراقي في ((التقييد والإيضاح)) ١ : ٨٣٦ كلام من ادعى الإجماع،
فقال: ((وفيما قالوه نظر))، ثم ذكر قول ابن عَمْرو، والحسن، وابن حزم، ثم قال: ((فلا
إجماع إذن، وإنْ قلنا: إن خلاف أهل الظاهر لا يقدح في الإجماع على أحد القولين،
فقد قال به بعض الصحابة والتابعين))، ولا بدّ من الرجوع إلى ما حرَّره الحافظ في
((الفتح)) ١٢ : ٧٨ (٦٧٨٠).
وعلى كل: فنقض دعوى الإجماع شيء، والعمل بقول ابن عُمر، وابن عَمْرو،
ومن بعدهما شيء آخر، فالأدلة على صحة القول بعدم القتل في المرة الرابعة ناهضة.
(١) ٢١٨:٥ هذه الجملة فقط، وحكاية مذهب ابن حزم وما بعده فمن كلام
العراقي.
(٢) ولهذا قال العراقي في ((التقييد والإيضاح)) ١: ٨٣٤ في أول استدراك له على
ابن الصلاح: ما دام قد «ورد في الحديث نسخه، فلا حاجة للاستدلال عليه
بالإجماع)».

٩٥
النوع الرابع والثلاثون : ناسخ الحديث ومنسوخه
[ش]
قال: ((إن شرب الخمر فاجلدوه، فإن شرب في الرابعة فاقتلوه))، قال: ثم أُتي
النبيُّ صلى الله عليه وسلم بعد ذلك برجلٍ قد شرب في الرابعة فضربه ولم
يقتله، قال: وكذلك رَوَى الزهري، عن قَبيصة بن ذُؤَيب، عن النبي صلى الله
عليه وسلم نحو هذا، قال: فرُفع القتل وكانت رخصة. انتهى(١).
وما علَّقه الترمذي أسنده البزار في ((مسنده))، وقَبيصة: ذكره ابن عبد البر
في الصحابة(٢) وقال: ولد أولَ سنةٍ من الهجرة، وقيل: عام الفتح.
[ب]
(١) هذا كله من كلام الترمذي عقب الحديث (١٤٤٤). وحديث محمد بن
إسحاق، عن ابن المنكدر علّقه الترمذي كما ترى، فوصله العراقي من ((مسند البزار))
(٥٩٦٥) عن محمد بن موسى الحَرَشي، عن زياد بن عبد الله البكّائي، عن ابن
إسحاق، به، وتبعه الشارح، كما سيأتي، فأبعدا النُّجعة، فالحديث بهذا الإسناد،
عند النسائي (٥٣٠٣)، ورواه قبل (٥٣٠٢) من طريق آخر إلى ابن إسحاق أيضًا،
مختصراً، وفي آخر رواية النسائي عن الحَرَشي، عن زياد: فرأى المسلمون أن الحدّ
قد وقع - أي: ثبت واستقرّ -، وأن القتل قد رُفع - أي: نُسخ -، وفي رواية البزار نحوه
مختصراً بلفظ: ((فكان ذلك ناسخًا للقتل)).
وهاهنا انتهى السقط من نسخة و الذي ذكرته فيما سبق ص٨٤.
(٢) ((الاستيعاب)) ١٢٧٢:٣، وذكره الحافظ في القسم الثاني في ((الإصابة))،
ونَقَل من الثناء عليه وعلى علمه من كبار السلف الشيء الكثير، وحديثه الذي أشار
إليه الترمذي: رواه أبو داود (٤٤٨٠) بإسناد صحيح إلى قبيصة، لكن حديثه من قبيل
المراسيل، لاسيما أنهم رجّحوا ولادته عام الفتح، لكن من المعلوم حال الحديث
المرسل عند جمهور الفقهاء - ومنهم الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، ومالك، وأحمد -
أنهم يحتجون به إذا سلم من علّة أخرى، كهذا الحديث.
=

٩٦
النوع الرابع والثلاثون : ناسخ الحديث ومنسوخه
[ش]
فالمثال الصحيح لذلك(١): ما رواه الترمذي من حديث جابر قال: كُنّا إذا
(س)
ومحل الشاهد منه قوله: ((رُفع القتل وكانت رخصة))، وهذا أمر فقهي، وفي
قبيصة ثناء كبير عليه من هذا القبيل، فيعتمد ولا يردّ.
(١) هذا كلام العراقي في ((النكت)) ٨٣٧:١ فما بعدها، والحديث رواه الترمذي
(٩٢٧) عن محمد بن إسماعيل الواسطي، عن ابن نمير، وقال: غريب من هذا
الوجه، وقد أجمع أهل العلم على أن المرأة لا يُلِّي عنها غيرها، بل هي تلبّي عن
نفسها، ويكره لها رفع الصوت بالتلبية.
قلت: نَبَّه العراقي رحمه الله في الموضع المذكور إلى أمور أهمّها: أن دعوى
الإجماع غير مسلّمة في حق الرمي عن الصبيان. وفي هذا الاستدراك نظر. فالترمذي
ادّعى الإجماع على أن المرأة لا يلبي عنها غيرها، ولم يتكلم عن الرمي عن الصبيان !.
ثم نبّه إلى أن الصواب في الرواية ما جاء في ((سنن)) ابن ماجه (٣٠٣٨) عن ابن
أبي شيبة - وهو في ((مصنفه)) (١٤٠٢٧) - عن ابن نمير، وهو شيخ شيخ الترمذي في
هذه الرواية، ولفظه: حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعنا النساء
والصبيان، فلبينا عن الصبيان، ورمينا عنهم)).
وتابع ابنَ أبي شيبة أحمدُ، فرواه ٣١٤:٣ عن ابن نمير على الصواب، دون ذكر
للنساء في التلبية أو الرمي عنهم، وتواردت كلمات الحفاظ على تصحيح رواية ابن
أبي شيبة، وتخطئة رواية الترمذي، وليس الخطأ منه، إنما الخطأ من شيخه محمد بن
إسماعيل الحسّاني الواسطي، قال الذهبي في ((الميزان)) (٦٨٣٢): ((ما به بأس، لكنه
غلطَ غلطةً ضخمة))، وذكر الحديث، وقال: ((الصواب رواية ابن أبي شيبة لهذا الخبر
في «مصنفه)) عن ابن نمیر)).
ولما قال ابن القطان في («بيان الوهم والإيهام)) ٤٧٠:٣ (١٢٣٢) عن رواية ابن
أبي شيبة: ((هذا أولى بالصواب وأشبه به)) قال عليه الذهبي في جزئه ((الردّ على ابن
=

٩٧
النوع الرابع والثلاثون : ناسخ الحديث ومنسوخه
القطان في كتاب الوهم والإيهام)) المطبوع في مقدمة ((الأحكام الوسطى)) لعبد الحق
ص ٢٢ (٣٤): ((تبيّن أن الحق مع أبي بكر)) ابن أبي شيبة.
وأكرِّر ما أؤكد عليه في مثل هذه المناسبة: أن الرواية - أو القول - الذي يتأكد
خطؤه لا يعتدّ به ولا يذكر بين الروايات أو الأقوال، فهو وما لم يُرْوَ سِيّان، وإذا كان
هذا هو الحكمَ على رواية الترمذي الموهومة: فلا ينبغي ذكرها والاعتداد بها، ولا أن
يقال: أُجمع على خلافها - إن صحّ مورد ادعاء الإجماع ..
وعلى هذا: فلا يقال عن هذا المثال: إنه مثال صحيح على ما عُرف نسخه بدلالة
الإجماع.
ولقائل أن يقول: إذًا فما هو المثال الصحيح؟ أقول: إن هذا أمر يتعذّر على أمثالنا
إثباته: حديث تتوافر فيه وجوه الصحة، ولا قائلَ به أبدًا بعد استقراء تام لمذاهب
السلف.
أما من حيثُ الوجود النظري: فنعم، هناك عدّة نقول عن الأئمة المتقدمين، فيها
صحة هذا المعنى:
١ - أولها وأقربها إلى الأخ القارئ: كلمة الإمام الترمذي التي نقلتها قبل قليل،
من أول كتاب ((العلل)) الذي في آخر ((سننه)): ((جميع ما في هذا الكتاب من الحديث
فهو معمول به، وقد أخذ به بعض أهل العلم، ما خلا حدیثین» هما حديث ابن عباس
في الجمع بين صلاتين من غير عذر، وحديث قتل شارب الخمر في المرة الرابعة.
وكنت عَرَضت لهذه المسألة في ((أثر الحديث الشريف)) ص ٨١ - ١٠٠، ونقلت
فيه أقوال جمهرة من الأئمة المتقدمين والمتأخرين، وها هي أسماؤهم على ترتيب
ورودهم في تلك الصفحات: إبراهيم النخعي، ابن أبي ليلى، ابن مهدي، ابن وهب،
زفر بن الهذيل، عمر بن الخطاب، ابن الماجشون، عمر بن عبد العزيز، محمد بن
عيسى الطباع، الذهبي، الأوزاعي، ابن تيمية، ابن رجب، أحمد بن حنبل، الثوري،
رضي الله عنهم جميعًا.
=

٩٨
النوع الرابع والثلاثون : ناسخ الحديث ومنسوخه
والإجماعُ لا يُنْسَخ ولا يَنْسَخ، لكنْ يدلّ على ناسخ.
[ش]
حَجَجْنا مع النبي صلى الله عليه وسلم فكنّا نُلبي عن النساء، ونَرمي عن
الصبيان، قال الترمذي: أجمع أهل العلم أن المرأة لا يُلبي عنها غيرُها.
ثم، الحديث لا يحكم عليه بالنسخ بالإجماع على ترك العمل به، إلا إذا
عُرف صحته، وإلا فيحتمِل أنه غلط، صرح به الصيرفي.
(والإجماع لا يُنْسَخ) أي: لا ينسخه شيء (ولا يَنْسَخ) هو غيره (لكنْ يدلّ
علی ناسخ) أي: على وجود ناسخ غيره.
[ب]
وأعود لأكرِّر القول: إن إثبات مثال صحيح على حديث أُجمع على خلافه
إجماعًا حقيقيًا صحيحًا، هو أمر متعذُّر، وقد قال الإمام الشافعي رحمه الله على لسان
مُحاوره في ((الرسالة)) (١٣٠٦): ((هل تجد لرسول الله سنة ثابتة من جهة الاتصال،
خالفها الناس كلهم؟، فقال له الشافعي: لا ... )).

٩٩
النوع الخامس والثلاثون : معرفة المصحَّف
النّوع الخامِسُ والثّلاثون: مَعْرفة المصَخّف
[ش]
(النوع الخامس والثلاثون: معرفة المصحَّف(١))
(١) المصحَّف: اسم مفعول من قولك: صحَّف فلان، فهو مصحِّف، وذاك
مصحَّف، ونقل الإمام أبو أحمد العسكري في مقدمة كتابَيْه: ((تصحيفات المحدثين))
٢٤:١، و((شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف)) ص ١٣، عن الإمام الخليل بن
أحمد الفراهيدي في كتابه ((العين)) ١٢٠:٣ قوله في تعريف المصحِّف: ((هو الذي
يروي الخطأ عن قراءة الصحف باشتباه الحروف))، أي: يخطئ بسبب اشتباه
الحروف، ووقع في مطبوعة ((كتاب العين)) تحريف مطبعي: بأشباه الحروف،
فیصحح.
وهذا المعنى متكرر في كتاباتهم، على مختلف العصور، أقصد: أنهم حصروا
- أو كادوا - التصحيف والتحريف على اشتباه الحروف، على السمع أو البصر، على
القارئ، أو السامع، أو الناسخ.
وسيأتي في كلام الشارح رحمه الله - وأصلُه لمن سبقه - زيادة سبب آخر، هو ما
يسبق إلى الفهم من معنى غير صحيح، فيتصرف فيه الراوي على وَفْق ما فهم،
فيزدوج الخطأ، كما سيأتي في مثال الحاكم في ((المعرفة)) عن الأعرابي الذي غيَّر
((شاة)) إلى: ((عَنْزة)).
ويؤكد علماؤنا السابقون رحمهم الله على أن هذه الأوهام تكون غالبًا لمن يتلقّى
العلم عن الصحف، لا عن مُثَافَنَةِ العلماء ومزاحمتهم بالرُّكَب، وكنت طبعت
- بتوفيق الله وتیسیرہ ۔ بحثًا بعنوان ((معالم إرشادية لصناعة طالب العلم)) أكَّدتُ فيه ص
١٥٩ فما بعدها، على ضرورة تلقي العلم عن العلماء المتقنين العاملين، وذكرت
=

١٠٠
النوع الخامس والثلاثون : معرفة المصحَّف
(س)
هناك کلامًا عن الداودي، وسأذكره هنا، وأزید علیه.
قال عياض في («ترتيب المدارك)» ٤٠٢:٣ في ترجمة أبي جعفر الداودي الأسدي
المتوفى سنة ٤٠٢ رحمه الله: ((بلغني أنه كان ينكر على معاصريه من علماء القيروان
سُكناهم في مملكة بني عُبيد، وبقاءَهم بين أظهرهم، وأنه كتب إليهم مرة بذلك،
فأجابوه: اسكتْ لا شيخ لك، أي: لأن درسه كان وحده، ولم يتفقّه في أكثر علمه
عند إمام مشهور، وإنما وصل إلى ما وصل إليه بإدراكه، ویشیرون أنه لو كان له شيخ
يفقهه حقيقة الفقه، لعلم أن بقاءهم مع مَن هناك مِن عامة المسلمين تثبيتٌ لهم على
الإسلام، وبقية صالحة للإيمان)). انتهى كلام القاضي عياض.
فانظر إلى جوابهم ما أبلَغَه: اسكت لا شيخ لك، وإلى قوله: يفقُّهه حقيقة الفقه.
ومن آثار هذا العلم غيرِ المتلقَّى عن شيخ يفقهه حقيقة الفقه: أنْ تجرأ صاحبه
على إمام من كبار أئمة الإسلام علمًا وتفتًّا وديانة، فقد نقل الحافظ في ((فتح الباري))
٥١٤:٨ (٤٧٧٨) عن الداودي نفسه أنه «توهّم من كلام لابن جرير الطبري أنه ينكر
البعث، فأقدم على تكفيره !! ))، فهل يقول هذا مَن عرف مَن هو ابن جرير الطبري، أو
سمع به !! ، سبحانك اللهم، هذا ...
وقال الذهبي رحمه الله ص ٧ من جزئه ((الردّ على ابن القطان في كتابه الوهم
والإيهام))، وهو يثني على ابن القطان: ((والرجل حافظ في الجملة، له اطلاع عظيم،
وتوسّع في الرجال، ويقظة وفطنة، قلّ من يجاريه في زمنه))، فانظر إلى هذا الثناء ما
أجلّه، لاسيما من الذهبي! لكن فرَّغه ونَسَفه بجملةٍ عقبه فقال: ((أخذ الفنّ من
المطالعة)).
ثم نقل ص ٤١ عن ابن القطان أنه عدّ هشام بن عروة، وسهيل بن أبي صالح من
المختلطين، فتعقبه بشدّة وتهكَّم !! قال له: ((فاتتك نكتة !! ، فإنك صَحَفي ما جالستَ
أصحاب الحديث! أَعاقلٌ يعدّ هشام بن عروة من المختلطين! أعظم الله أجرنا فيك!)).
وتجد نحو هذا في («الميزان» (٨٧١٩).
=