Indexed OCR Text
Pages 521-540
٥٢١ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث [ش] رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب الناسَ بمنىّ حين ارتفع الضحى على بغلة شهباء، وعليٌّ یعبِّر عنه. وفي الصحيح(١): عن أبي جَمْرةَ قال: كنتُ أُتَرجم بين ابن عباس وبين الناس. فإن كثُر الجمع بحيثُ لا يكفي مستملٍ اتخذ مستمليَيْن، فأكثر، فقد أملى أبو مسلم الكَجّي في رَحْبة غسان، وكان في مجلسه سبعةُ مستملين، يبلّغ كلُّ واحد صاحبه الذي يليه، وحضر عنده نيفٌ وأربعون ألف مَحْبرةٍ سوى النظارة(٢). وكان يحضر مجلسَ عاصم بن علي أكثر من مئة ألف إنسان(٣). ولا يكون المستملي بليداً، كمستملي يزيد بن هارون، حيثُ سئل يزيدُ عن حديث فقال: حدثنا به عِدَّة، فصاح المستملي: يا أبا خالد، عِدةُ ابنُ مَن؟ فقال (س) أبي داود (١٩٥١)، والنسائي (٤٠٩٤)، ونُسب فيهما: مزنيًا. (١) رواه البخاري (٨٧)، ومسلم ٤٧:١ (٢٤). وهذا الخبر زيادة على نسخة ك. (٢) أبو مسلم الكَجّي: هو إبراهيم بن عبد الله بن مسلم البصري، أحد الثقات، توفي أول سنة ٢٩٢، ورحبة غسان: في بغداد، والخبر في ترجمته من ((تاريخ بغداد)) ٢٣٧:٧، و((الجامع)) للخطيب (١١٧٥). و[النظّارة: القوم ينظرون إلى الشيء. ق.]. ((القاموس)) ن ظ ر .. (٣) ((الجامع)) (١٧٢)، و((التاريخ)) أيضًا ١٧١:١٤، وانظر لزاماً ما تقدم صفحة ٢٥٨. ٥٢٢ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث ويستملي مرتفعاً وإلا قائماً، وعليه تبليغُ لفظه. [ش] له: [عِدَّة] ابن فَقَدْتُك(١). ومن لطيف ما ورد في الاستملاء: ما حكاه المِزي في ((تهذيبه)) (٢) عن عبدان بن محمد المروزي قال: رأيت الحافظ يعقوب بن سفيان الفَسَوي في النوم، فقلت: ما فعل الله تعالى بك؟ قال: غفر لي، وأمرني أن أحدِّث في السماء كما كنتُ أحدِّث في الأرض، فحدثت في السماء السابعة، فاجتمع عليَّ الملائكة، واستملى عليَّ جبريل، وكتبوا بأقلام من الذهب. وعن أحمد بن جعفر النُّستَري قال: لما جاء نعيُ يعقوب بن سفيان رأيته في النوم كأنه يحدث في السماء السابعة، وجبريل يَستملي عليه(٣). (ويستملي مرتفعاً) على كرسيّ ونحوه (وإلا قائماً) على قدميه، ليكونَ أبلغَ للسامعين (وعليه) أي: المستملي وجوباً (٤) (تبليغُ لفظه) أي: المملي وأداؤُه [ب] (١) (تصحيفات المحدثين)) لأبي أحمد العسكري ٣٧:١، ومن طريقه السمعاني في ((أدب الإملاء)) (٢٦٨)، ورواه أيضًا الخطيب في ((الجامع)) (١٢٢٢). (٢) (تهذيب الكمال)) ٣٣٤:٣٢ ترجمة يعقوب بن سفيان رحمه الله، و((أدب الإملاء)) (٣٧) للسمعاني، وجملة: ((فحدثت في السماء السابعة)): من النسخ، وعند المزي: الرابعة، وليست عند السمعاني، وهنيئاً لخدام السنة النبوية خاصة، ولخدام دين الإسلام عامة. (٣) ((تهذيب الكمال)) أيضًا. وفيه وفي النسخ: أحمد بن جعفر، وتحرف في ك إلى: بن يعقوب. (٤) لفظ الخطيب في ((الجامع)) (١٢٢٤): ((يستحب له أن لا يخالف لفظَ الراوي = ٥٢٣ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث على وجهه، وفائدةُ المستملي : تفهيمُ السامعِ على بُعْد، وأما من لم يسمع إلا المبلِّغَ فلا يجوز له روايتُه عن المملي، إلا أن يبيِّن الحال، وقد تقدم هذا في الرابع والعشرين. ويَستنصت المستملي الناسَ. [ش] (على وجهه) من غير تغيير. (وفائدة المستملي تفهيمُ السامعِ) لفظَ المُمْلِي (على بُعْد) لتَحَقُّقه(١) بصوته، (وأما من لم يسمع إلا المبلِّغَ فلا يجوز له روايتُه عن المملي، إلا أن يبِيِّن الحال، وقد تقدم هذا) بما فيه (في) النوع (الرابع والعشرين)(٢). (ويَستنصت المستملي الناسَ) أي: أهلَ المجلس، حيثُ احتيج للاستنصات، ففي الصحيحين من حديث جرير(٣): أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: ((استنصتِ الناسَ)). [ب] - في التبليغ عنه، بل يلزمه ذلك))، هكذا: يستحب له، بل يلزمه ذلك، أما العراقي في ((شرح الألفية)) ص ٢٨٨ - وهو مصدر الشارح في الأغلب - فقال: ((على المستملي أن يتبع لفظ المملي، وقال الخطيب: يستحب له، وقال ابن الصلاح - ص ٢١٩ -: عليه ذلك)». (١) هذا أولى مما جاء في أ، ب، ج، ك: ليتحقَّقه. (٢) ينظر ما تقدم ص ٢٥٨ آخر الفرع الرابع من فروع النوع الرابع والعشرين. (٣) ((جرير)): هو الصواب، وهو كذلك في نسخة هـ، و، ك، وفي النسخ الأخرى: جابر، خطأ، فالحديث رواه البخاري (١٢١)، ومسلم ٨١:١ (١١٨) من حديث جرير البَجَلي رضي الله عنه. ٥٢٤ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث بعد قراءة قارئ حسن الصوت شيئاً من القرآن، ثم يبسملُ، ويحمدُ الله تعالى، ويصليٌّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتحرَّى الأبلغ فيه، [ش] (بعد قراءة قارئ حسن الصوت شيئاً من القرآن) لما تقدم(١) (ثم يبسملُ) المستملي (ويحمدُ الله تعالى، ويصليِّ على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويتحرَّى الأبلغ فيه) من ألفاظ الحمد والصلاة. وقد ذكر المصنف في ((الروضة)) عن المتولّي وجماعة من الخراسانيين، أن أبلغ ألفاظ الحمد: الحمد لله حمداً یوافي نعمه، ویکافئ مزیده، وقال: ليس لذلك دليل يُعتمد(٢). وقال البلقيني (٣): بل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِ الْعَلَمِينَ﴾، لأنه فاتحة الكتاب، وآخِرُ دعوى أهل الجنة، فينبغي الجمع بينهما، ونقل في ((الروضة)) (٤) عن إبراهيم المَرُّوذي(٥): أن أبلغ ألفاظ الصلاة: اللهم صلّ على محمد كلما ذكره [ب] (١) صفحة ٥١٨. (٢) ((روضة الطالبين)) ١١: ٦٥ - ٦٦، وانظر ((غذاء الألباب)) للسفّاريني ٢٠:١. (٣) لا شيء في ((محاسن الاصطلاح))، وقوله: ((فينبغي الجمع بينهما)): يحتمل أن يكون من كلام البلقيني، أو من كلام الشارح. والله أعلم. (٤) ((روضة الطالبين)) ١١: ٦٥ - ٦٦، وكلمة ((ذكره)) الأولى منه، وفي النسخ: ذكرك. (٥) إبراهيم المرُّوذي: هكذا الصواب في نسبته، والأصل فيها: المَرْوَرُّوذي، فخففت إلى: المرّوذي، فيصحح في ((الروضة)) في الموضع الأول والأخير، وكُتِب على الصواب فيها في الموضع الثاني. وهو الإمام أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد بن محمد المرّوذي (٤٥٣ - ٥٣٦) رحمه الله، ترجمه السبكي في ((طبقاته)) ٣١:٧. ٥٢٥ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث ثم يقول للمحدِّث: مَن أو: ما ذكرتَ رحمك الله، أو: رضي عنك، وما أشبهه، وكلَّما ذَكَر النبيَّ صلى الله عليه وسلم صلى عليه وسلم. [ش] الذاكرون، وغَفَل عن ذِكره الغافلون، ثم قال: والصواب الذي ينبغي أن يُجزم به، أن أبلغها ما علَّمه النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه حيثُ قالوا: كيف نصلي عليك؟ فقال قولوا: ((اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم(١)، وعلى آل إبراهيم، وبارك على محمد، وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم، وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد)). (ثم يقول) المستملي (للمحدث) المملي: (مَن) ذكرتَ؟ أي: من الشيوخ، (أو : ما ذكرتَ) أي: من الأحاديث (رحمك الله، أو: رضي عنك، وما أشبهه). قال يحيى بن أكثم (٢): نلت القضاءَ، أو قضاء القضاة، والوزارة، وكذا وكذا، ما سُررت بشيء مثلَ قول المستملي: من ذكرتَ رحمك الله. (وكلَّما ذَكَر النبيَّ صلى الله عليه وسلم صلى) المستملي (عليه وسلم). - (س) (١) إلى هنا كلام النووي رحمه الله في ((الروضة))، فنسبة ما بعده إليه فيه وقفة، لما هو معلوم من اختلاف روايات الإبراهيمية. والحديث في الصحيحين وغيرهما عن عدد من الصحابة، ينظر الباب الأول من ((القول البديع)). (٢) كما في ((الجامع)) للخطيب (١٢٣٨)، وفيه وفي ك: وقضاء القضاة، وفي غيرها: أو. وهذا أمر تمنَّه ثلاثة من الخلفاء العباسيين، كانوا أجلَّ مَن تولَّى الخلافة مِن آل العباس: أبو جعفر المنصور، وهارون الرشيد، والمأمون. وانظر أخبارهم في ((أدب الإملاء)) للسمعاني (٥٣) فما بعده. ابن أكثم: [هو بالمثلثة، كما في ((القاموس)) - ك ث م -. ]. ٥٢٦ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث قال الخطيب : ويرفع بها صوته، وإذا ذَكَر صحابياً تَرَضّى عليه، فإن كان ابنَ صحابي قال : رضي الله عنهما. [ش] (قال الخطيب: ويرفع بها صوته، وإذا ذَكَر صحابياً تَرَضَى (١) عليه، فإن كان ابنَ صحابي قال: رضي الله عنهما)(٢). وكذا يترجَّم على الأئمة، فقد روى الخطيب: أن الربيع بن سليمان قال له القارئ يوماً: حدثكم الشافعي؟ ولم يقل: رضي الله عنه، فقال الربيع: ولا حرف، حتى يقال: رضي الله عنه(٣). (١) [قوله: ترضَّى عليه: عبارة ابن الصلاح - ص٢١٩ -: وإذا ذَكَر الصحابيَّ قال: رضي الله عنه. انتهى. وعن: للمجاوزة، قال ابن قاسم: والمعنى: أن المؤاخذة تعدَّتْ عن المجرور بسبب الرضا. انتهى. وفي ديباجة ((عقود الزبرجد)) - ١ : ١٣ -: سئل ابن السِّيْد البَطَلْيَوْسي عن قولنا: رضي الله عنه، ورضوان الله عليه: هل ((على)) هنا مبدلة من: ((عَنْ))، أو لا؟ فأجاب بأنها ليست مبدلةً مِن ((عَنْ))، التي حُكْم رَضِي أن تتعدى بها، بدليل أن ((عليه)) قد صارت خبراً عن المبتدأ، ولو كانت بدلاً من ((عَن)) لكانت صلة الرضوان، ولم تصح أن تكون خبراً عنه، و((عَن)) مُضمَّنة في الكلام، كأنه قال: رضوان الله عنه سائغ أو واقعٌ علیه، ونحو ذلك. انتهى. قال الراغب ((المفردات)) - رض ى -: معنى رضا العبدِ عن الله: أن لا يكره ما يجري به قضاؤه، ورضا الله عن العبد هو أن يراه مؤتمراً لأوامره، ومنتَهياً عن نواهيه، قال تعالى: ﴿رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾. انتهى.]. (٢) ((الجامع)) للخطيب (١٣٣٩). (٣) ((الجامع)) أيضًا (١٣٥٢) ولفظه: غلط القارئ فلم يقل .... ٥٢٧ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث ويحسنُ بالمحدث الثناءُ على شيخه حالَ الرواية بما هو أهله، كما فعله جماعاتٌ من السلف، وليعتَنِ بالدعاء له فهو أهمُّ. [ش] (ويحسن بالمحدث الثناءُ على شيخه حالَ الرواية) عنه (بما هو أهله، كما فعله جماعاتٌ من السلف)، كقول أبي مسلم الخولاني: حدثني الحبيبُ الأمينُ عوف بن مالك(١). وكقول مسروق: حدثتني الصدِّيقةُ بنت الصديق، حبيبةُ حبيب الله المبرأة. وكقول عطاء: حدثني البحر. يعني: ابن عباس. وكقول شعبة: حدثني سيد الفقهاء أيوب. وكقول وكيع: حدثنا سفيان أمير المؤمنين في الحديث(٢). (وليعتَنِ بالدعاء له فهو أهمُ) من الثناء المذكور، ويَجمع في الشيخ بين اسمه وكنيته فهو أبلغ في إعظامه(٣). قال الخطيب: لكن يقتصر في الرواية على اسم من لا يُشكل، كأيوب، (١) ((مالك)): تحرف في أ، ب، د، ز، ط إلى: سلم، وفي غيرها إلى: مسلم، مع أنه جاء في مصدر الشارح: ((شرح الألفية)) ص ٢٩٠: مالك، وهو الصواب، وعزاه إلى ((صحيح)) مسلم، وهو فيه ٧٢١:٢ (١٠٨)، ولفظه: ((حدثني الحبيب الأمين، أما هو فحبيب إليّ، وأما هو عندي فأمين: عوف بن مالك الأشجعي)). (٢) هذه الأقوال الأربعة في ((جامع)) الخطيب على ترتيبها (١٢٧٥، ١٢٧٤، ١٢٧٩، ١٢٨١)، وهناك غيرها ما بين (١٢٧٤ - ١٢٨٨). وسفيان: هو الثوري، رضي الله عنهم جميعاً. (٣) قاله الخطيب في ((الجامع)) (١٢٤٠)، وأعقبه بالقول الثاني (١٢٤٢). ٥٢٨ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث ولا بأس بذكر مَن يَروي عنه بلقبٍ، أو وصف، أو حِرفة، أو أمّ عُرف بها، ويستحبُّ أن يجمع في إملائه جماعة من شيوخه مقدِّماً أرجحَهم، .. [ش] ويونس، ومالك، والليث، ونحوهم، وكذا على نسبة من هو مشهور بها، كابن عون، وابن جريج، والشعبي، والنخعي، والثوري، والزهري، ونحو ذلك. (ولا بأس بذكر مَن يَروي عنه بلقب) كَ: غُنْدَر، (أو وصف) كـ: الأعمش، (أو حِرفة) كـ: الحنّاط، (أو أمّ) كـ: ابن عُليّة، وإِن كَره ذلك إذا (عُرف بها) وقَصَد تعريفه لا عيبه. (ويستحب) للمملي (أن يجمع في إملائه) الرواية عن (جماعة من شيوخه) ولا يقتصر على شيخ واحد (مقدِّماً أرجحَهم) بعلوّ سند أو غيره، ولا يروي إلا عن ثقات شيوخه، دون كذاب، أو فاسق، أو مبتدع(١). روى مسلم في مقدمة ((صحيحه)) (٢) عن ابن مهدي قال: لا يكون الرجل (ت) (١) قاله الخطيب أيضًا (١٢٩٢). (٢) هذا القول متداخل، جامع لكلمتين أسندهما مسلم ١١:١ تحت الباب الثالث من مقدمة ((صحيحه))، أولاهما: للإمام مالك، والثانية: لابن مهدي. أما الأولى: فيخاطِب مالك بها ابن وهب: «اعلم أنه لیس یسلم رجل حدث بكل ما سمع، ولا يكون إمامًا أبدًا وهو يحدث بكل ما سمع)). والثانية: ((لا يكون الرجل إمامًا يُقتدى به، حتى يمسك عن بعض ما سمع))، لكن عزو مقولة ابن مهدي التي ذكرها الشارح إلى ((جامع بيان العلم)) لابن عبد البر أولى، ففيه (١٥٣٩): ((لا يكون إمامًا في العلم مَن أخذ بالشاذّ من العلم، ولا يكون إمامًا في العلم مَن روى عن كل أحد، ولا يكون إمامًا في العلم من روى كل ما سمع)). ٥٢٩ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث ويروي عن كل شيخ حديثاً، ويختارُ ما علا سنده وقصُر متنه، والمستفادَ منه، وينبه على صحته، وما فيه من علوّ وفائدةٍ وضبطٍ مشكلٍ . [ش] إماماً وهو يحدِّث بكل ما سمع، ولا يكون الرجل إماماً وهو يحدث عن كل أحد. (ويروي عن كل شيخ حديثاً) واحداً في مجلس. (ويختار) من الأحاديث (ما علا سنده وقصُر متنه) وكان في الفقه أو الترغيب، قال علي بن حُجر(١): ـب في كل يوم سوى ما يُعاد وظيفتنا مئةٌ للغريـ أحاديثُ فقهِ قصارٌ جياد شَريكيةٌ أو مُشيميّةٌ (و) يتحرَّى (المستفادَ منه، وينبه على صحته) أي: الحديث، أو حسنه، أو ضعفه، أو علّته إِن كان معلولاً، (و)على (ما فيه من علوّ) وجلالة في الإسناد (وفائدةٍ) في الحديث أو السند، کتقدیم تاريخ سماعه، وانفراده عن شيخه، وكونه لا يوجد إلا عنده. (وضبطِ مشكلٍ) في الأسماء، أو غريبٍ، أو معنى غامض في المتن. (١) علي بن حُجْر: هو السَّعْدي، أحد الأئمة الثقات الحفاظ، من شيوخ الشيخين، رحمهم الله تعالى، والبيتان - وغيرهما بهذا المعنى من شعره - في ((الجامع)) للخطيب (٤٠٨)، ولفظه كما هنا، وذكرهما القاضي عياض في ((الإلماع)) ٢٢٦، مع مغايرة كلمة في البيت الأول: سوی ما يُقاد، وفي الثاني: صحاح، بدل: قصار. وكان يروي عن شريك بن عبد الله النخعي القاضي، وهشيم بن بشير الواسطي، فأشار إليهما في البيت الثاني. ٥٣٠ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث وليجتنبْ ما لا تَحمِله عقولهم وما لا يفهمونه. [ش] (وليجتنبْ) من الأحاديث (ما لا تحمله عقولهم وما لا يفهمونه) كأحاديث الصفات، لما لا يُؤْمَن عليهم من الخطأ والوهم، والوقوع في التشبيه والتجسيم، فقد قال عليّ: تُحبّون أن يكذَّب الله ورسوله، حدِّثُوا الناس بما يعرفون، ودَعُوا ما ينكرون، رواه البخاري(١). وروى البيهقي في ((الشُّعَب)) عن المِقْدام بن مَعْدِي كَرِبَ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا حدَّثتم الناس عن ربهم فلا تحدِّئوهم بما يَغْرُب [ب] - (١) الخطيب في ((الجامع)) (١٣٥٤)، وفيه طول وفائدة، وقول عليّ رضي الله عنه المذكور هو لفظه عند الخطيب، أما لفظه عند البخاري (١٢٧)، فذكر الجملة الأولى والثانية - مع تقديم وتأخير -، ولم يذكر الثالثة، مع أن المخرج واحد: عبيد الله ابن موسى، عن معروف بن خرَّبوذ، عن أبي الطفيل. ثم إن البخاري رواه على وجه خاص: ذكر القول أولاً معلقًا، ثم ساق سنده، كالطريقة التي حكاها الشارح ص ٢٣٦ عن ابن خزيمة، وذكرتُ هناك في التعليق أن البخاري قد يصنع ذلك لهذا الغرض: وهو أن في صحة الإسناد شيئًا عنده، ولم ينبه الحافظ إلى اصطلاح البخاري هذا هناك في هذا الموضع، لكن نبّه إليه في ((الفتح)) ٥٥٩:٨ في تفسير سورة فصِّلت، فكان التنبيه إلى هذا الوجه في الرواية - مع العزو إلیه والتخريج - أولى. ومِن أوجب ما يتحلّى به العالم: الحكمة، ليضع الأمور في مواضعها، فالمجلس الذي يناسبه كبار مسائل العلم لا ينبغي أن يتحدَّث فيه بصغار مسائله، ولا ينبغي أن يتحدث مع الخاصة بما يتحدث به مع العامة، وكذلك العكس، وأهمُّ ذلك وأدقُّ إذا كان هذا العالم المتحدِّث في مجلس يجمع طبقات مختلفة متفاوتة من السامعين. ٥٣١ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث ویختمُ الإملاء بحكاياتٍ ونوادر وإنشاداتٍ بأسانیدها، [ش] [عنهم]، ويَشُقْ عليهم))(١). وقال ابن مسعود: ما أنت بمحدِّث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة، رواه مسلم(٢). قال الخطيب: ويجتنب أيضاً في روايته للعوامِّ أحاديث الرُّخَص، وما شَجَر بين الصحابة، والإسرائيلياتٍ(٣). (ويختم الإملاء بحكاياتٍ ونوادرَ وإنشاداتٍ بأسانيدها) كعادة الأئمة في ذلك، وقد استدل له الخطيب بما رواه عن عليٍّ قال: روّحوا القلوب وابتغوا لها طُرَف الحكمة (٤). وكان الزهري يقول لأصحابه: هاتوا من أشعاركم، هاتوا من حديثكم، فإن [س) . (١) ((شُعَب الإيمان)) (١٦٣١)، و((المدخل)) له أيضًا (١٦٨٨) - وما بين المعقوفين زيادة منهما - من طريق إسحاق بن راهويه، ورواه غيره، وفي الإسناد ضعف. (٢) في مقدمة ((صحيحه)) ١١:١، ولو قيَّد الشارح رحمه الله العزو إلى المقدمة: كان أولى، كما بيَّنت هذا في الكلام على الجانب الخامس من جوانب دراسة ((تقريب التهذيب)). (٣) هذا معنى كلام الخطيب في ((الجامع)) (١٣٦٤، ١٣٧٥، ١٣٩٥)، وهذا تنبيه مهم جدًا، فالعالم حقًا: هو الذي يعلِّم الناس ما يصلحهم في دنياهم وآخرتهم. (٤) المصدر السابق (١٤٢٨)، وتمامه: ((فإنها - أي القلوب - تَمَلُّ كما تَمَلُّ الأبدان)). ٥٣٢ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث وأَوْلاها ما في الزهد، والآداب، ومكارم الأخلاق، وإذا قَصُر المحدِّث، أو اشتغل عن تخريج الإملاء استعان ببعض الحفاظ، وإذا فرغ الإملاء قابله وأتقنه. [ش] الأَذُنَ مجّة، والقلبَ حَمِض(١). (وأَوْلاها ما في الزهد، والآداب، ومكارم الأخلاق) هذا من زوائد المصنف. (وإذا قَصر المحدِّث) عن تخريج الإملاء، لقصوره عن المعرفة بالحديث، وعلله، واختلاف وجوهه (أو اشتغل عن تخريج الإملاء استعان ببعض الحفاظ) في تخريج الأحاديث التي يريد إملاءها قبل يومٍ مجلسِه، فقد فعله جماعة كأبي الحسين ابن بشران، وأبي القاسم السّراج، وخلائق(٢). (وإذا فرغ الإملاء قابله وأتقنه) لإصلاح ما فسد منه بِزَيْغ القلم وطُغيانه، [ب] - (١) ((الجامع)) أيضًا (١٤٣١)، وهذا القول كان الزهري يأثره عن أحد الصحابة، كما هو عند الخطيب (١٤٣٠)، ونحوه عند ابن عبد البر في ((جامعه)) (٦٦٠). ومعنى: الأذُن مجّة، أو مجَّاجة: عدم الفهم لكل ما يُسمع ويقال، بسبب الملل. وقوله: ((القلب حَمِض)): لفظ ابن عبد البر: والنفس حَمِضة، وهو أولى، فالنفس هي التي تشتهي الحامض، فالمعنى: أن النفس - أو القلب - تشتهي طرائف العلم والحكمة، لكن الأُذُن تملُّ وتمجّ، فينبغي مراعاتها، لئلا يُحرم القلبُ العلم والفائدة. (٢) ((الجامع)) أيضًا (١٢٩١). ٥٣٣ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث [ش] وفيه حديث زيد بن ثابت السابق في فرع المقابلة(١). قال العراقي(٢): وقد رخّص ابن الصلاح هناك في الرواية بدونها بشروط ثلاثة، ولم يذكر ذلك هنا، فَيَحتمِل أن يُحمل هذا على ما تقدم، ويحتمل الفرقَ بين النَّسْخ من أصل السماع والنسخ من إملاء الشيخ حفظاً، لأن الحفظ خَوَّان، قال: ولكن المقابلة للإملاء أيضاً إنما هي مع الشيخ أيضاً من حفظه، لا على أصوله. قلت: جرتْ عادتنا بتخريج الإملاء وتحريرِه في كراسة، ثم نملي حفظاً، وإذا نَجَزَ قابله المملي معنا على الأصل الذي حررناه، وذلك غاية الإتقان. وقد كان الإملاء دَرَس(٣) بعد ابن الصلاح إلى أواخر أيام الحافظ أبي الفضل العراقي، فافتتحه سنة ست وتسعين وسبع مئة، فأملى أربع مئة مجلس وبضعةَ عَشر مجلساً إلى سنة موته سنة ست وثمان مئة. ثم أملى ولده إلى أن مات سنة ست وعشرين ستَّ مئةِ مجلسٍ وكسراً. ثم أملى شيخ الإسلام ابن حجر إِلى أن مات سنة ثنتين وخمسين أكثر من ألف مجلس (٤). [ب] - (١) المسألة الرابعة من مسائل النوع الخامس والعشرين صفحة ٣٨٣. (٢) في ((شرح الألفية)) ص ٢٩٤، و((المقدمة)) ص١٦٨، ٢٢١. (٣) [دَرَس الرسمُ: عَفَا، وبابُهُ دخل.]. (٤) [ذكر السخاوي ــ ((الجواهر والدرر)) ٢: ٥٨٤ -: أن جملة ما أملاه الحافظ ابن حجر ألف ومئة وخمسون مجلساً، تزيد قليلاً أو تنقص قليلاً، وأنها بلغتْ عشر = ٥٣٤ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث [ش] ثم دَرَس تسعَ عشْرة سنة، فافتتحتُه أول سنة ثنتين وسبعين(١)، فأمليت ثمانين مجلساً ثم خمسين أخرى(٢). وينبغي أن لا يُملي في الأسبوع إلا يوماً واحداً، لحديث الشيخين(٣)، عن مجلدات، وأنه كان يستفتح مجلسه بقراءة سورة الأعلى - ((فتح المغيث)) ٣ : ٢٥٦ -، والصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، والدعاء له وللحاضرين وللأئمة الماضين، وأنه تبع في ذلك شيخه العراقي.]. وزاد في ((فتح المغيث)) قوله: وكأن ذلك من أجل قوله فيها: ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾، وقوله: ﴿فذكِّر﴾، وقوله: ﴿صحف إبراهيم وموسى﴾ [الأعلى: ٦، ٩، ١٩]. (١) وكذلك قال الشارح رحمه الله في ((المزهر)) ٢: ٣١٤، وزاد: أردتُ أن أجدِّر إملاء اللغة وأحييه بعد دثوره، فأمليت مجلساً واحداً، فلم أجد له حَمَلة ولا مَن يرغب فيه، فتركته)). (٢) لكن كان افتتح مجالسَ الإملاء قبل الشارح: الحافظُ السخاوي رحمهما الله تعالى. قال السخاوي في ترجمة نفسه في كتابه ((الضوء اللامع)) ١٣:٨ - ١٤، حاكيًا عن نفسه، أن شيخه تقي الدين الشُّمُنّي المتوفى سنة ٨٧٢: ((حضّه على عقد مجلس الإملاء غير مرّة .. ، فأملى بمنزله يسيرًا، ثم تحوّل لسعيد السعداء وغيرها ... ، حتى أكمل تسعة وخمسين مجلسًا، ثم توجه للحج سنة سبعين، وأملى مجالس بالمسجد الحرام، ولما رجع إلى القاهرة، شرع في إملاء تكملة تخريج شيخه ابن حجر للأذكار إلى أنْ تمّ، ثم أملى تخريج أربعي النووي، ثم غيرها، بحيث بلغت مجالس الإملاء ست مئة مجلس فأكثر)). (٣) البخاري (٧٠)، ومسلم ٢١٧٣:٤ (٨٣). ٥٣٥ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث [ش] أبي وائل قال: كان ابن مسعود يذكِّر الناس في كل يوم خميس، فقال له رجل: لَوَدِدْنَا أنك ذكَّرتنا كل يوم، فقال: أما إنه ما يمنعني من ذلك إلا أني أكره أن أُمِلكم، وإني أَتَخوّلكم بالموعظة كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخوّلنا بالموعظة، مخافةَ السآمة علينا (١). وروى البخاري(٢) عن عكرمة، عن ابن عباس قال: حدِّثِ الناسَ كلَّ جمعة مرةً، فإن أبيتَ فمرتين، فإن أكْثُرتَ فثلاثَ مرار، ولا تُمِلّ الناسَ هذا القرآنَ، ولا [أُلْفينّك] تأتي القومَ وهم في حديثٍ [من حديثهم، فتقصُّ عليهم]، فتقطعُ عليهم حديثَهم، ولكنْ أنصت، فإذا أمروك فحدّثهم، وهم يشتهونه. ولم أظفر لأحدٍ بتعيين يوم الإملاء، ولا وقته (٣)، إلا أن غالب الحفاظ: كابن عساكر، وابن السمعاني، والخطيب كانوا يُمْلون يوم الجمعة بعد صلاتها، فتبعتُهم في ذلك(٤). [ب] - (١) ((المعنى: كان يراعي الأوقات في تذكيرنا، ولا يفعل ذلك كلَّ يوم لئلا نَمَلَّ))، قاله في ((الفتح)) ١ : ١٦٢ (٦٨). (٢) (٦٣٣٧)، وما بين المعقوفين زيادة منه. (٣) بل انظر ((الجامع)) للخطيب (١١٨٣) فما بعده. (٤) وجاء في ترجمة الإمام ابن الإمام: عبد الواحد بن عبد الكريم بن هوازن القشيري (٤١٨ - ٤٩٤) رحمه الله تعالى، من ((المنتخب من السياق)) ص ٣٣٩: ((عقد لنفسه مجلس الإملاء عشيّات الجُمَع في المدرسة النظامية))، فلعله كان بعد عصر يوم الجمعة، إذِ العَشِيّ: ما بين زوال الشمس ظهراً إلى غروبها. ٥٣٦ النوع السابع والعشرون : معرفة آداب المحدث [ش] وقد ظَفِرت بحديث يدلّ على استحبابه بعد عصر يوم الجمعة، وهو ما أخرجه البيهقي في ((الشعب)) عن أنس مرفوعاً (١): ((من صلى العصر ثم جلس يُملي خيراً حتى يُمسي، كان أفضلَ ممن أعتق ثمانيةً من ولد إسماعيل)). (١) هذه الفِقْرة كلها زيادة على نسخة ك. ثم، إن هذا إبعاد في العزو، فالحديث بهذا اللفظ عند أحمد ٢٦٢:٣، وهو في ((الشُّعَب)) (٥٥٩) بمثل إسناد أحمد، من طريق المعلَّى بن زياد، عن أنس، والمعلَّى لم يلق أنسًا، ورواه أبو يعلى (٤١٢٦) من طريق المعلَّى، عن يزيد الرقاشي، عن أنس، فعُرِفت الواسطة، ويزيد ضعيف جداً. هذا، وليس في الحديث تحديد يوم الجمعة، إنما يُستأنس به على تحديد الوقت (بعد العصر)، ولهذا الوقت مزيد اختصاص من يوم الجمعة، ومن عادتهم رحمهم الله أن يستأنسوا بمثل هذا. ٥٣٧ النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث النّوع الثّامِنُ والعشرون: مَعْرفة آداب طالب الحَديث قد تقدم منه جُمَل مفرقة، ويجب عليه تصحيحُ النية، والإخلاص لله تعالی في طلبه، والحذرُ من التوصل به إلى أغراض الدنيا، [ش] (النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث) (قد تقدم منه جُمَل مفرقة). (ويجب عليه تصحيحُ النية، والإخلاص لله تعالى في طلبه، والحذرُ من التوصل به إلى أغراض(١) الدنيا) فقد روى أبو داود وابن ماجه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من تعلَّم علماً مما يُبتغَى به وجه الله تعالى، لا يتعلَّمه إلا ليصيبَ به عرضاً من الدنيا، لم يجدْ عَرْف الجنة يوم القيامة))(٢). [ب] - (١) [جمع غرَض، بمعجمتين، بينهما راء مهملة مفتوحة. كما رأيته في كتاب ابن الصلاح، بخط الحافظ الدمياطي، وهو المقصد، كما في ((المصباح)) - غ ر ض-، ويحتمل أن يكون أعراض الدنيا هنا: بمهملتين، جمع عَرَض بفتحتين، وهو المتاع - ((المصباح)) ع رض -، ليكون موافقاً للفظ الحديث الذي أورده الشارح.]. (٢) أبو داود (٣٦٥٦)، وابن ماجه (٢٥٢)، وأحمد ٣٣٨:٢، وابن حبان (٧٨)، والحاكم (٢٨٨) وصححه على شرطهما، وذكر له شواهد، وصححها أيضًا. وقوله صلى الله عليه وسلم: ((مما يُبتغى به ... )): كتب عليه العلامة ابن العجمي ما نصه : [اختلف في طلب الحديث، والتحديث به، هل هو من العبادات؟ فقال قوم: = ٥٣٨ النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث [ش] وقال حماد بن سلمة: من طلب الحديث لغير الله مُكر به(١). [ب] هو بمنزلة درس القرآن، وقال قوم: بمثابة الصلاة، وقد أجمعوا على أنه أفضل من صلاة النافلة، ومن صوم التطوع، ومما وقع فيه السؤال أنه: هل يتعلق بقراءة متون الحديث ثواب خاص، كما يتعلق بالقرآن؟ وهل يثاب على مجرَّد سماعها مَن كان عارفاً بها، كما يثاب المستمع للقرآن على مجرد الاستماع؟ . [أفتى بعضهم بحصول الثواب، ونازع فيه آخرون، واستندوا إلى أن المسألة منقولة في ((شرح لُمَع)) الشيخ أبي إسحاق الشيرازي - ٢: ٦٤٦ -، فقال: إن قراءة متون الأحاديث لا يتعلق بها ثواب خاص، واستدل على ذلك بجواز قراءتها وروايتها بالمعنى بشرطه، وهو استدلال ظاهر، لأنه لو تعلق بنفس ألفاظه ثواب خاص لما جاز تغييرُ ألفاظه وروايتُها بالمعنى، لأن ما يتعلق به حكم شرعي لا يجوز تغييره، بخلاف القرآن فإنه معجز في نفسه. [وإذا كانت قراءة الحديث المجردة لا ثواب فيها: لم يكن في استماعه المجرد عن المعاني السابقة من بابِ أولى، وهذا كله للثواب المخصوص من حيثُ خصوصُ اللفظ، أما باعتبار أداء السنة ونشرها، وتنزّل الرحمة عند ذكرها، والقيام بتبليغها المأمور به: فلا شك في حصول الثواب على اللفظ من هذه الحيثية الخارجة عن نفس اللفظ، لأنه وسيلة إلى هذه المقاصد. انتهى من ((حاشية الزركشي)) - ((النكت)) ٣ : ١٢٦٣ (٤٤٦) - باختصار.]. وقوله: ((عَرَضًا من الدنيا ... )) علق عليه بقوله: [هو بفتح العين، وفتح الراء، المهملتين: متاع الدنيا وحُطامها، قال الطيبي - ٣٨٣:١ -: في هذا الحصر: أن من تعلم لرضا الله تعالى، مع إصابة العَرَض الدنيوي، لا يدخل تحت هذا الوعيد .. إلخ. فليراجع .]. (١) ((الجامع)) للخطيب (٢٠)، و((الجامع)) لابن عبد البر (١١٥٣). ٥٣٩ النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث [ش] وقال سفيان الثوري: ما أعلم عملاً هو أفضلَ من طلب الحديث، لمن أراد الله(١). قال ابن الصلاح(٢): ومن أقرب الوجوه في إصلاح النية فيه: ما روِّينا عن [س) (١) رواه الخطيب في ((شرف أصحاب الحديث)) ص ٨١، والبيهقي في ((المدخل)) (١٥٤٩). (٢) ((المقدمة)) ص ٢٢٢. وأبو عمرو ابن نجيد (٢٧٢ - ٣٦٥) رحمه الله، ترجمه في ((السير)) ١٦٤:١٦، وأبو جعفر ابن حمدان (٢٤٠ - ٣١١) رحمه الله، ترجمه في (السير)) ٢٩٩:١٤ أيضًا، وترجم الذهبي في ((السير)) ١٤: ٦٢ لأبي عثمان الحيري (٢٣٠ - ٢٩٨) رحمه الله، وذكر فيها: أن أبا عثمان هو السائل لابن حمدان، فأجابه بهذا. والذي يستفاد من ((السير)): أن ابن نجيد يروي عن الحيري، وأن الحيري يروي عن ابن حمدان، فإما أن السؤال تکرر من كلّ من ابن نجيد والحیري لابن حمدان، وإما أن سند الرواية: ابن نجيد، عن الحيري، عن ابن حمدان، فيكون قد سقط من كلام الذهبي، أو من مصدره الذي ينقل عنه ذِكرُ الحيري، والله أعلم. ثم إن كلمة ((تَرَوْن)) اشتهر أنها تنقل على الوجهين: تُرَون، من الظن والاجتهاد، أو: تَرْوون، من الرواية والنقل. والظاهر - والله أعلم - أن القائل الأول لهذه الكلمة هو الإمام سفيان الثوري، علَّقها عليه ابن عبد البر في ((جامعه)) (٢١٩٥)، ثم حكاها سفيان بن عيينة بلفظ: كان يقال: تنزل الرحمة عند ذكر الصالحين. وقد نقلها أبو داود، في آخر ((مسائله الفقهية)) ص ٢٨٣ بهذا اللفظ: ((سمعت أحمد قال: سمعت ابن عيينة يقول: كان يقال ... ))، ثم صارت تنسب الكلمة إلى ابن = ٥٤٠ النوع الثامن والعشرون : معرفة آداب طالب الحديث ولْيَسأل الله تعالى التوفيق والتسديد والتيسير، ولْيستعمل الأخلاق الجميلة والآداب، ثم لْيُفرغ جُهده في تحصيله، ويغتنمْ إمكانه. [ش] أبي عمرو ابن نُجيد أنه: سأل أبا جعفر ابن حمدان، وكانا عبدين صالحين، فقال له: بأيِّ نيةٍ أكتب الحديث؟ فقال: ألستم تَرَوْن أن عند ذِكْر الصالحين تنزل الرحمة؟ قال: نعم، قال: فرسول الله صلى الله عليه وسلم رأس الصالحين. (ولُيُسأل الله تعالى التوفيق والتسديد) لذلك (والتيسير) والإعانة عليه، (ولْيستعمل الأخلاق الجميلة والآداب) المرضية، فقد قال أبو عاصم النبيل: من طلب هذا الحديث فقد طلب أعلى أمور الدين، فيجب أن يكون خير الناس(١). (ثم لْيُفرغ جُهده في تحصيله ويغتنمْ إمكانه)، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً (٢): ((احرص على ما ينفعك، واستعِن بالله، ولا تعجز)). وقال يحيى بن أبي كثير: لا يُنَال العلم براحة الجسم(٣). [ت] عيينة، جاء ذلك في آخر مقدمة ابن الجوزي لكتابه ((صفة الصفوة)) ٤٠٥:١، وغيره، وينظر: ((المقاصد الحسنة)) (٧٢٠) وما شابهه. (١) ((الجامع)) للخطيب (٦)، ولفظه عند ابن الصلاح ص ٢٢٢ كلفظ الشارح هنا، لكن عند الخطيب: طلب أعلى أمور الدنيا. (٢) ٤: ٢٠٥٢ (٣٤). (٣) رواه مسلم ٤٢٨:١ (١٧٥). وانظر ما كتبته عن هذه المقولة في ((معالم إرشادية لصناعة طالب العلم)) ص ١٠٣ فما بعدها.