Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
الرابع : إن لم يكُن الراوي عالماً بالألفاظ ومقاصدها، خبيراً بما يُحيل
معانيها : لم تَجُز له الرواية
[ش]
صحتها، وإن لم يتذكّر السماع ولا الإجازة، ولم تكُن الطبقة محفوظةً عنده.
انتھی.
وهذا هو الموافق لما هنا، وقد مشى عليه صاحب ((الحاوي الصغير)) (١)
فقال: ويَروي بخطّ المحفوظ وإن لم تكُن الطبقة محفوظةً عنده.
(الرابع (٢): إن لم يكُن الراوي عالماً بالألفاظ) ومدلولاتها (ومقاصدها،
خبيراً بما يُحيل معانيها)، بصيراً بمقادير التفاوت بينها: (لم تَجُزْ له الرواية)(٣)
[ب] -
(١) ((الحاوي الصغير)) للإمام نجم الدين عبد الغفار بن عبد الكريم القَزويني
الشافعي، المتوفى سنة ٦٦٥ رحمه الله تعالى، وهو أحد الكتب المعتبرة في المذهب،
وكأنه لُقُّب بـ: ((الصغير)) تمييزا له عن ((الحاوي الكبير)) للماوردي، على أنه ليس صغيرًاً
أو متنا من متون المذهب، فقد نظمه الإمام ابن الوردي في كتابه المشهور ((البهجة
الوردية))، قال في ((الدرر الكامنة)) ١٩٥:٣: ((أتى بغالب ألفاظه، وأُقسم بالله لم يَنْظم أحد
بعده الفقه إلا وقَصُر دونه!))، وقد زادت عدد أبياته قليلاً على (٥٢٨٠) بيتاً.
قلت: و((البهجة)) طبع وحده، وطبع ((الشرح الكبير)) عليه لشيخ الإسلام زكريا
الأنصاري، ولما طَبعت دار الكتب العلمية - بيروت - ((الحاوي الكبير)) للماوردي سنة
١٤١٤ هـ، ألحقت به نظم ((البهجة)) لابن الوردي، على أنه نظم لـ: ((الحاوي الكبير))
للماوردي، لا لابن الوردي !! ، وما هي بأول طامَّة لهذه الدار.
(٢) هذا الفرع الرابع معقود لبيان حكم الرواية بالمعنى، وقد علّقت عليه هنا بما
لا بدّ منه للقارئ الكريم، ثم أفردته لأهميته مع زيادات عليه، وطبعته مع ((مجموع
رسائل في علم الحديث دراية))، وأسأل الله التوفيق.
(٣) أي: تحرم، ولفظ الحرام أشدّ وقعاً في قلب المسلم من: لا يجوز، وبهذا
=

٤٢٢
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
بالمعنى بلا خلاف، بل يتعيَّن اللفظ الذي سمعه، فإن كان عالماً بذلك:
فقالت طائفة من أصحاب الحديث والفقه والأصول : لا يجوز إلا بلفظه.
[ش]
لِمَا سمعه (بالمعنى بلا خلاف، بل يتعيَّن اللفظ الذي سمعه.
فإن كان عالماً بذلك(١): فقالت طائفة من أصحاب الحديث والفقه
والأصول لا يجوز إلا بلفظه) وإليه ذهب ابن سيرين، وثعلب، وأبو بكر الرازي
من الحنفية، وروي عن ابن عمر (٢).
(ت)
اللفظ صرَّح الغزالي رحمه الله في ((المستصفى)) ١: ١٦٨، قال: ((نقل الحديث بالمعنى
دون اللفظ حرام على الجاهل بمواقع الخطاب ودقائق الألفاظ)».
(١) اسم الإشارة يعود على الشروط الثلاثة السابقة: عالمًا بمدلولات الألفاظ،
وبما يُحيل المعنى عن أصله، وبصيرًا بمقادير التفاوت والفرق بين كل لفظ.
وأصل الكلام لابن الصلاح ص ١٩٠ : الفرع الخامس، وأصله للإمام الشافعي
رحمه الله في ((الرسالة)) (١٠٠١)، قال: ((أن يكون ... عالمًا بما يُحيل معاني الحديث
من اللفظ، وأن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمع، لا يحدث به على
المعنى)).
قال الإمام الرامهرمزي (٦٨١): ((دلّ قول الشافعي على أنه يسوغ للمحدث أن
يأتي بالمعنى دون اللفظ إذا كان عالماً بلغات العرب، ووجوه خطابها، بصيرًا
بالمعاني والفقه، عالمًا بما يُحيل المعنى، وما لا يُحيل)). ثم ذكر الدليل على الجواز:
((أن الله تعالى قد قصّ من أنباء ما قد سبق قصصًا كرّر ذكر بعضها في مواضع بألفاظ
مختلفة، والمعنى واحد ... ))، وذكر أن الحسن البصري رضي الله عنه احتج بهذا.
(٢) أما مذهب ابن سيرين: فرواه عنه الرامهرمزي (٦٩١ - ٦٩٣)، والخطيب في
(الكفاية)) ص ٢٠٦، وأما ثعلب: فينظر، ونسبه إليه البزدوي في ((أصوله)» ص٤٢٥
على سبيل الظن.
=

٤٢٣
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
[ب]
وأما أبو بكر الرازي: فنسب إليه الجواز: الفراء في ((العدّة)) ٣: ٩٦٩، وابن
الهمام في التحرير ٢: ٢٨٥ بشرحه، وليس كذلك، وهذا كلامه في ((الفصول))
٢١١:٣: ((حكينا عن الحسن والشعبي أنهما كانا يحدثان بالمعاني، والأحوطُ عندنا
أداء اللفظ، وسياقه على وجهه، سواء كان اللفظ مما يحتمل التأويل أم لا يحتمله،
إلا أن يكون الراوي مثل الحسن والشعبي في إتقانهما للمعاني والعبارات، وهذا عندنا
إنما كانا يفعلانه في اللفظ الذي يحتمل التأويل، ويكون للمعنى عبارات مختلفة ... )).
ثم قال: ((والدليل على صحة ما ذكرنا من وجوب نقل اللفظ بعينه: قوله صلى
الله عليه وسلم: ((نضّر الله امرءًا سمع مقالتي ... ))، فأمر عليه السلام بنقل اللفظ بعينه،
ليعتبره الفقهاء ويحملوه على الوجوه التي يصح حمله عليها))، ويُنظر لزامًا توضيح
كلامه في ((أصول السرخسي)) ١ :٣٥٥.
فقوله أول كلامه: ((الأحوط عندنا)) يريد به: الاحتياط الواجب، بدليل قوله بعد:
((وجوب نقل اللفظ بعينه)).
وأما تأويله لما حكاه عن الحسن والشعبي: فهذا أمر مفروغ منه، ولا يصح تصور
غيره، وفي تمام كلامه رحمه الله ما يذكرنا بما قدَّمته ص ٤١١، ٤١٣ عند حكاية
مذهب الإمام أبي حنيفة، وما كان يعانيه - هو وأمثاله - من تصرف الرواة في صيغ
الأداء، أو في المتون، وما يترتب على ذلك من خلافات فقهية، فينظر.
وأما ابن عمر رضي الله عنهما: فمذهبه هذا حكاه عنه في ((الكفاية)) ص ١٧١ ،
وهو مستفاد أيضًا من حديثه المشهور في الصحيحين وغيرهما، ومحل الشاهد في
رواية مسلم ٤٥:١ (١٩)، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ((بني الإسلام على
خمس))، وفيه: ((وصيامٍ رمضان، والحجّ))، فأعاد عليه رجل الحديثَ وقال: ((الحجِّ،
وصيامٍ رمضان))، فقال ابن عمر: لا، ((صيام رمضان، والحج))، هكذا سمعته من
رسول الله صلی الله علیه وسلم.
على أن الرامهرمزي قال (٧٠١) بعد ما روى هذا المذهب - التزام الألفاظ - عن
=

٤٢٤
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
[ب]
عمر رضي الله عنه، قال: ((وروي نحوه عن عبد الله بن عَمرو، وزيد بن أرقم))، فإنْ
صح، فهو صحابي آخر يذهب هذا المذهب))، لكن الظاهر - والله أعلم - أنه تحريف
مطبعي، صوابه: ابن عُمر، وقارِن كلامه بما عند الخطيب في ((الكفاية)) ص ١٧١.
ومن الحجة لأصحاب هذا القول: قوله صلى الله عليه وسلم: ((نَضّر الله امرءًاً
سمع مقالتي، فحفظها، فأَدَّاها، فربَّ حاملٍ فقهٍ غير فقيه، وربَّ حامل فقه إلى من
هو أفقه منه)).
قال الحافظ في ((موافقة الخُبْر الخبر)) ٣٦٣:١: ((ذكر أبو القاسم ابن منده في ((تذكرته)):
أنه رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أربعة وعشرون صحابيًا، ثم سرد أسماءهم، وقد
تَّعت طرقه، فوقع لي أكثرها، وزيادةُ ستةٍ، فأقتصر هنا على القويّ منها)). و((التذكرة)): هو
الذي طبع منه قطعة في ثلاث مجلدات باسم ((المستخرج من كتب الناس للتذكرة)).
ثم أملى طرقه رحمه الله عن سبعة، منهم: ابن مسعود، وزيد بن ثابت، ومعاذ بن جبل،
وجبير بن مطعم، وأنس، وأبو قِرْصافة جَنْدَرة بن خَيْشَة رضي الله عنهم، ورواه الرامهرمزي
أول ((المحدث الفاصل)» (٣ - ١١) عن زيد، وأبي سعيد الخدري، وابن مسعود، وابن
عباس، والنعمان بن بشير، ثم احتج به (٦٨٣) دليلاً على وجوب التزام اللفظ.
وعلى كل: فالحديث متواتر، ذكره الشارح الإمام السيوطي في ((قطف الأزهار
المتناثرة)) (٢)، وسمَّى ستة عشر صحابيًا، واعتمد في كلامه الآتي ٥: ٤٨، على كلام
الحافظ الآنف الذكر، فقال: (جاء من رواية نحو ثلاثین صحابيًا».
وقال الإمام الخطيب البغدادي في ((الكفاية)) ص ٢٠٢ كلامًا قويًا حول الاستدلال
بهذا الحديث لهذا المعنى، وفيه طول، ومما فيه: ((على أن رواة هذا الخبر نفسه قد رووه
على المعنى، فقال بعضهم: ((رحم الله))، مكان: ((نضّر الله))، و: ((من سمع)) بدل: ((امرءًا
سمع))، و: (روى مقالتي)) بدل: ((منا حديثًا))، و:((بلَّغه)) مكان: ((أدَّاه))، وروى: ((فرُبَّ
مبلَّغ أفقهُ من مبلِّغ)) مكان: ((فربّ مبلَّغ أوعى من سامع))، و: ((رُبَّ حامل فقهٍ لا فقه له))
مكان: ((ليس بفقيه))، وألفاظ سوى هذه متغايرة، تضمَّنها هذا الخبر، وقد ذكرنا طرقه
=

٤٢٥
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
(س)
على الاستقصاء باختلاف ألفاظها في كتاب أفردناه لها، والظاهر يدل على أن هذا الخبر
نُقل على المعنى، فلذلك اختلفت ألفاظه، وإن كان معناها واحداً».
وذكر ألفاظه ابن قطلوبغا في ((تخريج أصول البزدوي)) وقال ص ٤٢٧: ((انتهى ما
علمت من ألفاظه، وهو حجة على المحتج به)).
وانظر لزامًا ((النكت الوفية)) ٢٠٨:٢ - ٢٠٩، ففيه: (( ... ويصلح أن يُلمَح منه
تجويز الرواية بالمعنى ... حيث لم يُؤت فيه بصيغة الأمر)).
أما حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما في دعاء النوم المروي عند البخاري
في مواضع، أولها (٢٤٧)، ومسلم ٤: ٢٠٨٦ (٥٦): ((اللهم إني أسلمت وجهي
إليك، وفوّضت أمري إليك، وألجأت ظهري إليك، رغبة ورهبة إليك، لا ملجأ ولا
مَنْجا منك إلا إليك، اللهم آمنت بكتابك الذي أنزلت، ونبيّك الذي أرسلتَ، فإنْ مُتَّ
من ليلتك فأنت على الفطرة، واجعلْهنّ آخر ما تتكلّم به)). قال البراء: فردّدْتُها - أي:
فأعدثُها - على النبي صلى الله عليه وسلم، فلما بلغت: ((اللهم آمنت بكتابك الذي
أنزلتَ)) قلت: ورسولِكَ، قال: ((لا، ونبيِّك الذي أرسلت)).
أقول: أما حديث البراء هذا: فالشاهد فيه - عند من يحتج به -: أن النبي صلى الله
عليه وسلم لم يرضَ من البراء قوله: ورسولك الذي أرسلت، لأنه تحصيل حاصل،
ليس فيه معنى جديد، فردّه إلى ما قاله له أولاً: ((ونبيكَ الذي أرسلت))، ففيه معنى
جديد، فلم يأتِ الاستدلال به على محل الشاهد المختلَف فيه، وينظر ((المحدث
الفاصل)) (٦٨٤)، و((الكفاية)) ص ٢٠٣.
ذلك: أن تحرير الخلاف في المسألة أن تكون اللفظة النبوية ذاتَ معنى يُؤْدَّى
بعبارات أو بكلمات متعددة، متقاربة المعنى فيما بينها، كما مثَّل الخطيب لذلك بقوله
في ((الكفاية)) ص ١٩٨: ((يجوز أن يبدل قول: قام، بـ: نهض، و: قال، بـ: تكلم، و:
جلس، بـ: قعد، و:عرف بـ: علم، واستطاع بـ قَدَر، و: أراد بـ: قصد، و: أوجب
بـ: فرض، و: حَظَر بـ: حرَّم)). قال: ((وهذا القول هو الذي نختاره مع شرط آخر،

٤٢٦
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
وجوَّز بعضهم في غير حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يجوِّز
فيه، وقال جمهور السلف والخلف من الطوائف: يجوز بالمعنى في
جميعه إذا قَطَع بأداء المعنى،
[ش]
(وجوَّز بعضهم في غير حديث النبي صلى الله عليه وسلم ولم يجوِّز فيه (١).
وقال(٢) جمهور السلف والخلف من الطوائف) منهم الأئمة الأربعة: (يجوز
بالمعنى في جميعه إذا قَطَع بأداء المعنى)(٣) لأن ذلك هو الذي تشهد به أحوال
(س)
وهو: أن يكون سامع لفظ النبي صلى الله عليه وسلم - يريد الصحابي وغيره من
الرواة - عالمًا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد به ما هو موضوع له))، إلى آخر
كلامه، فيراجع ليتضح شرطه أكثر.
على أن للحافظ كلامًا على حديث البراء من وجه آخر، قال رحمه الله في
((الفتح)) ٣٠٤:٨ (٤٦٤) على أثر ابن مسعود في تغيير بني إسرائيل لقوله تعالى:
﴿وَقُولُواْ حِظَّةٌ﴾ [البقرة: ٥٨]: قال: ((ويُستنبط منه أن الأقوال المنصوصة إذا تُعبِّد
بلفظها، لا يجوز تغييرها، ولو وافق المعنى)) يريد: أن الأذكار المأثورة المتعبَّد بها،
يُلتزم فيها اللفظ النبوي لا غير، ونبّه إلى هذا المعنى الحافظ العراقي ١ : ٧٢٥.
وهو - على وَجَاهته نظراً - لا يُسْعفه واقع الروايات للأذكار المأثورة، ولْيُنْظر
كتاب الدعوات - مثلاً - من كلِّ من الصحيحين: كلِّ واحد على حدَة، وكلاهما
مجتمعَيْنٍ، للوقوف على شواهدِ صحة ما أقول، ففيها عدة أمثلة حصل فيها ما حصل
في حديث: ((نضّر الله امرءا))، فكيف لو قورنت رواياتهما بروايات غيرهما؟ !.
(١) هذه الفقرة زيادة من نسخ المتن، ونسخة ومن نسخ الشرح.
وقد رواه في ((الكفاية)) ص ١٨٨ عن الإمام مالك، وينظر ((إحكام الفصول))
للباجي ص٣٨٤، و((مختصر)) ابن الحاجب ١: ٤٦٥.
(٢) على حاشية ك: بحث رواية الحديث بالمعنى.
(٣) [قوله: يجوز بالمعنى: قال الشهاب العبادي في ((آياته)) - ٣ : ٣٧٧ - عند
=

٤٢٧
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
[ب]
قول ابن السبكي - التالي -: الأكثر على جواز نقل الحديث بالمعنى ما نصه : كلامه
شامل للأحاديث القدسية، والظاهر أن الشمول صحيح إذ لا مانع. انتهى. وبذلك
صرح ابن حجر في ((فتاويه الحديثية)) - ص٢١١ -، قال: لأن جبريل أداه بالمعنى،
ولم تجز القراءة بالمعنى لأن جبريل أداه باللفظ، إلى آخر ما أطال به، مع مراجعة
شرح الحديث ٢٤ من ((الأربعين النووية)).].
وأقول: أما إنه مذهب الجمهور: فنعم، وأما إنه مذهب الأئمة الأربعة المتبوعين:
فهكذا قال الزركشي في ((البحر المحيط)) ٣٥٦:٤، وعددٌ من شراح ((المنهاج))،
كالسبكي في ((الإبهاج)) ٢٠٠١:٥، وكالمحلّي في ((شرح جمع الجوامع)) ١٧١:٢ - مع
البنّاني -، و ٢٠٤:٢ - مع العطار -
وفيه نظر، فقد حكيتُ عن مالك - في الحاشية السابقة - أنه لا يجيز تغيير شيء من
الألفاظ النبوية، ونقلت ذلك عن ((الكفاية)) ص ١٨٨ - ١٨٩، من رواية أربعة من أصحابه
عنه: سعيد بن عُقير، وعبد العزيز بن يحيى المديني، وأشهب، ومعن بن عيسى، وينظر
(إحكام الفصول)) للباجي ص ٣٨٤، و((مختصر)) ابن الحاجب ١: ٤٦٥.
وأما أبو حنيفة: فتقدم ص٤١١ عن ((المدخل)) للحاكم ص ١١٨ بسنده إلى أبي
يوسف، عن أبي حنيفة قوله: ((لا يحل للرجل أن يروي الحديث إلا إذا سمعه من فم
المحدث، فيحفظَه، ثم يحدِّثَ به))، وعن ((الكفاية)) عن ابن معين، عن الإمام أيضاً نحوه.
وقد نَقَل هذا المبحث عن هذا المصدر ــ ((التدريب)) - الزَّبيديُّ في أوائل ((شرح
الإحياء)) ٤٩:١، وفيه نسبته جواز الرواية بالمعنى إلى الأئمة الأربعة، فتعقبه بقوله:
((المشهور عن إمامنا الأعظم أبي حنيفة رحمه الله تعالى، عند الأصحاب: أنه لا يجوز نقل
الحديث إلا باللفظ دون المعنى))، وأسند عن الإمام من طريق الطحاوي نحو ما تقدم
بلفظ: ((لا ينبغي للرجل))، فيفسَّر: ((لا ينبغي)» بـ: ((لا يحلّ) الذي في رواية الحاكم.
لكن يبدو أن مراد الإمام بقوله المذكور: عدمُ نسيان الراوي لما حفظ في فترةِ ما
بين تحمّله إلى زمن أدائه، لا أنه يريد عدم جواز الرواية بالمعنى، والله أعلم، فقد
=

٤٢٨
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
[ش]
الصحابة والسلف، ويدل عليه روايتهم للقصة الواحدة بألفاظ مختلفة.
وقد ورد في المسألة حديث مرفوع رواه ابن منده في ((معرفة
الصحابة))، والطبراني في ((الكبير)) من حديث عبد الله بن سليمان بن أُكَيْمة
الليثي، [عن أبيه] قال: قلت: يا رسول الله، إني أسمع منك الحديث لا
أستطيعُ أن أؤدِّيه كما أسمعُ منك، يزيد حرفاً أو ينقص حرفاً، فقال: ((إذا
لم تُحِلُّوا حراماً، ولم تحرِّموا حلالاً، وأصبتم المعنى: فلا بأسَ))(١) فذُكِر
(ت)
تقدم صفحة ٢٢٥ تعليقاً، و٢٢٧ من الشارح نقلاً عن البيهقي: أن الإمام كان يجيز
الرواية لما تحمّله الراوي بالعرض على الشيخ، دون اشتراط منه أن يكون حافظًا لما
يعرضه، بل الأصل أن يكون غير حافظ لما يقرؤه على الشيخ، وفي صفحة ٢٣١
حكى الشارح عن الإمام أبي حنيفة وابن أبي ذئب أنهما كانا يرجّحان التحمل بالعرض
على التحمل بالسماع.
ثم إن هذا المذهب - جواز الرواية بالمعنى، وعليه جمهور السلف والخلف - له
ستة شروط، ذكرها الزركشي في ((البحر المحيط)) ٤: ٣٥٦ فما بعدها، لا بدّ من
مراعاتها، ويتفق كثيراً مع كلام العلامة البرماوي الذي سينقله العلامة ابن العجمي
قريباً ص ٤٣٧، فينظر.
أما الاتكاء ممن يُحسِن ومن لا يُحسِن، على القول بجواز الرواية بالمعنى، دون
مبالاة ولا مراعاة لشروطها: فلا، ولن.
(١) تنظر رواية ابن منده في ((أسد الغابة)) ٤٤٨:٢، والطبراني في ((الكبير)) ٧
(٦٤٩١)، وهو في ((معرفة الصحابة)) لأبي نعيم ٣ (٣٣٦٦)، و((الكفاية)) للخطيب ص
١٩٩ - ٢٠٠، وما بين المعقوفين زيادة لا بدّ منها من المصادر الأربعة، وفي إسنادهم
جميعًا: الوليد بن سلمة الطبري الأردني، ترجمه في ((اللسان)) (٨٣٥٧)، وفيه اتهامه
=

٤٢٩
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
[ب]
بالكذب عن دُحیم وغيره.
وفي الباب حديث آخر، رواه في ((الكفاية)) ص ٢٠٠ عن ابن مسعود، مرفوعًا
أيضًا، وفي إسناده عبد العزيز بن عبد الرحمن البالسي، ذكر في ((الجرح)) ٥(١٨٠٦)
عن أبيه قوله له: ((اضرب على أحاديثه، هي كذب، أو قال: موضوعة)).
ثم روى الخطيب حديثًا آخر عن رجل من الصحابة، وفيه: قالوا: يا رسول الله،
سمعناك تقول: ((من تقوَّل عليَّ ما لم أقل، فليتبوَّاً بين عينَيْ جهنم مقعدًا))، ونحن لا
نحفظ الحديث كما سمعناه، نقدم حرفًا ونؤخر حرفًا، ونزيد حرفًا وننقص حرفًا!
قال: ((ليس ذلك أردتُ، إنما قلت: من تقوَّل عليَّ ما لم أقل، يريد عيبي وشَيْن
الإسلام))، أو: ((شيني وعيب الإسلام)).
رواه من طريق: علي بن مسلم الطوسي، عن محمد بن يزيد الواسطي، عن
أصبغ بن زيد، عن خالد بن كثير، عن خالد بن دُرَيك، عن رجل من أصحاب النبي
صلى الله عليه وسلم، وهذا إسناد رجاله رجال الحديث الحسن، وفوق الحسن، لكن
فيه انقطاع، فخالد بن دريك الذي يروي عنه خالد بن كثير هو الشامي العسقلاني
الذي ترجمه البخاري ٣ (٤٩٩)، وابن أبي حاتم ٣ (١٤٧٣)، وابن حبان في ((الثقات))
٦: ٢٥٥، ولم يذكروا رواية له عن صحابي، إنما ذكروا أنه يروي عن ابن محيريز
المتوفى سنة ٩٩، فهو - كما رتّبه ابن حبان - من طبقة أتباع التابعين.
ومن عادة الأئمة رضي الله عنهم أن يضعفوا الحديث بالانقطاع، لكن مع سلامة
المتن من النكارة، أما هذا: فلا، لذا حكم عليه الجَورقاني في كتابه ((الأباطيل)) ١ : ٩٦
بالبطلان.
ورواه ابن جرير في تفسير الآية (١٢) من سورة الفرقان، وابن أبي حاتم أيضًا،
لكن ليس عندهما محل الشاهد الذي نقلته عن الخطيب.
وإسناد ابن أبي حاتم: حدثنا إدريس بن حاتم الواسطي، عن محمد بن الحسن
الواسطي، عن أصبغ، به. وإدريس: صدوق ثقة، قاله ابن أبي حاتم ٢ (٩٥٨)،
=

٤٣٠
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
ومحمد بن الحسن: ثقة.
أما ابن جرير: فرواه عن محمود بن خِداش، وهو صدوق ثقة، عن محمد بن
يزيد الواسطي، وهو ثقة ثبت، عن أصبغ، عن خالد بن كثير، عن فُدَيك، عن رجل
من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولم أر ما يؤيد هذا، وأخشى أن يكون فيه
عندهما سَقَط وتحريف، صوابه: خالد بن كثير، عن خالد بن دُرَيك، كما هو في
إسناد الخطيب المتقدم، وعلى كل: فالانقطاع باقٍ، والله أعلم.
والمهم: أن ابن أبي حاتم والطبري لم يذكرا الزيادة التي هي محل الشاهد، وكأن
ذلك لشيء عندهما فيها، كما سيأتي بيانه بالأمثلة ص ٤٥٣، فإني متوجِّس منها، لأنها
ترشّح لصحة قول من يقول: يجوز الوضع والكذب على النبي صلى الله عليه وسلم،
علی أن لايكون في سياق إيذائه واتهامه صلی الله عليه وسلم - وحاشاه - بأنه شاعر أو
مجنون، أو إذا كان الحدیث المكذوب في غیر الحلال والحرام، فيجوز حينئذ.
ولما حكى الحاكم في ((المدخل إلى الصحيح)) ١: ١٢٧ هذا التوهم عن بعض من
وضع الحديث حِسْبة، ذكر هذا الحديث نفسه بتمامه، لكن من حديث أبي أمامة
رضي الله عنه، وفي إسناده محمد بن الفضل بن عطية، وقال الحاكم: ((حديث باطل،
وابن عطية ساقط)). بل هو ممن رماه عدد من الأئمة بالكذب.
وخلاصة هذا: أنه ليس فيما يروى في الباب مرفوعًا مما يصلح الاحتجاج به لهذا
المعنى، ولكن هذا لا يعني أنه ليس لمن يقول: بجواز الرواية بالمعنى - وهم
الجمهور - دليل يحتج به، بل لهم أدلة ستأتي في كلام الشارح رحمه الله، وهناك
غيرها عند غيره، وخاصة عند الأصوليين.
وأخيرًا أقول: إن زيادة ((فُذكِر ذلك للحسن فقال: لولا هذا ما حدثْنا)»: لعلها في
رواية ابن منده، فإن العراقي ذكرها في ((شرح الألفية)) ص ٢٦١، وكذا الزركشي
١٢٠٣:٣ - ١٢٠٤ (٤٠١)، واقتصرا على عزو الخبر إلى ابن منده، فكأنها عنده،
نعم، المذهب مذهبه، كما سيأتي.

٤٣١
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
[ش]
ذلك للحسن فقال: لولا هذا ما حدثْنا.
واستدل الشافعي(١) لذلك بحديث: ((أنزل القرآن على سبعة أحرف،
فاقرؤوا ما تيسر منه))، قال: ((فإذا كان الله لرأفته بخلقه، أنزل كتابه على سبعة
أحرف، علماً منه بأن الحفظ قد يَزِلّ لِيُحِلَّ لهم قراءتَه، وإن اختلف اللفظ فيه،
ما لم يكُن في اختلافهم إحالةُ معنى: كان ما سوى كتاب الله أولى أن يجوز فيه
اختلاف اللفظ، ما لم يُحِلْ معناه)).
وروى البيهقي (٢) عن مكحول قال: دخلت أنا وأبو الأزهر على واثلة بن
[ب]
(١) في ((الرسالة)) (٧٥٣). والحديث معروف مشهور بالتواتر، وسبقه إلى هذا
الاستدلال الإمام يحيى القطان، حكاه عنه الخطيب في ((الكفاية)) ص ٢١٠، والقطان
من طبقة شيوخ الشافعي، لكن لم أر نصًا بروايته عنه، ولفظه: ((ليس في يد الناس
أشرفُ ولا أجلَّ من كتاب الله، وقد رُخِّص فيه على سبعة أحرف)).
وكأنهما رضي الله عنهما يريدان الاستدلالَ بهذا الحديث على مشروعية مطلق
التوسعة على الناقلين، لا صحةَ الاستدلال به على مشروعية الرواية بالمعنى من كل
وجه، وإلا فالنظر وارد على الاستدلال به لهذا الغرض، ذلك أن القارئ على أيّ
وجه من الوجوه العشرة فهو قارئٌ بما هو منقول بالتواتر، مستندٌ إلى ركن ركين
شديد، أما الراوي بالمعنى فهو مستند إلى ما علق بذهنه، وما ذهب إليه فهمه، من
النص النبوي الأصلي، فافترقا فرقاناً مبيناً.
(٢) في ((المدخل)) (٥٠٦).
والحديث رواه مختصرًا مقتصراً على الجملة الأخيرة منه: البخاري في ((التاريخ
=

٤٣٢
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
[ش]
الأسقع فقلنا له: يا أبا الأسقع حدِّنا بحديث سمعتَه من رسول الله صلى الله
عليه وسلم ليس فيه وهُم ولا تَزَيُّد ولا نسيان، فقال: هل قرأ أحدٌ منكم من
القرآن شيئاً؟ فقلنا: نعم، وما نحن له بحافظين جداً، إنا لنزيد الواو والألف
[ب] -
الكبير)) ٦(٣١٦١) في ترجمة العلاء بن الحارث، والترمذي في ((العلل))، آخر
(السنن)) ٢٣٩:٦، والرامهرمزي (٦٨٥، ٧١٢)، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم))
(٤٥٨)، والخطيب في ((الكفاية)) ص ٢٠٤.
ورواه مطولاً: الطبراني في ((الكبير)) ٢٢ (١٢٨، ١٥٨)، والحاكم في
((المستدرك)) (٦٤٢١) وسكت عنه هو والذهبي، وابن عبد البر في ((الجامع)) (٤٧١)،
والخطيب في ((الجامع)) أيضًا (١٠٩٨)، و((الكفاية)) ص ٢٠٤ من طريق الطبراني
- الثاني - وغيره.
ولفظ الشارح يتفق مع لفظ الطبراني - الثاني - والخطيب في ((الجامع)).
ورواه مرفوعًا ابن عساكر ٣٦٣:٦٢ من طريق أبي نعيم النخعي، عن العلاء بن
كثير، عن مكحول، عن واثلة، وفي أبي نعيم شيء من التعديل، لكن فيه جرح
شديد، وقال البخاري في ((تاريخه الكبير)) ٦(٣١٦١)، وقد أشار إلى هذا الحديث
مرفوعًا: ((لا يصح، لأن العلاء بن كثير منكر الحديث))، ثم أفرد العلاء بالترجمة
(٣١٨٢)، وكرر قوله: منكر الحديث، ومعلوم مشهور رتبة هذه الكلمة الجارحة عند
الإمام البخاري.
وقولهم: ((إنا لنزيد الواو والألف، ونَنْقُص)): يريدون أنهم يغلطون في حال
قراءتهم للقرآن الكريم من حفظهم، وهذا ما يحصل لأيّ قارئ، فيصحِّح ويرجع، لا
أنهم يتصرفون في النَّص القرآني كما يشاؤون !!.

٤٣٣
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
[ش]
ونَنْقص، قال: فهذا القرآن مكتوبٌ بين أظهركم لا تألونه حفظاً(١)، وأنتم
تزعمون أنكم تزيدون وتنقصون، فكيف بأحاديثَ سمعناها من رسول الله صلى
الله عليه وسلم، عسى أن لا نكون سمعناها منه إلا مرةً واحدة، حسبُكم إذا
حدثناكم بالحديث على المعنى.
وأسند أيضاً في ((المدخل))(٢) عن جابر بن عبد الله قال: قال حذيفة: إنا قوم
عربٌ نردِّد الأحاديث، فنقدِّم ونؤخِر.
وأسند أيضاً عن شعيب بن الحَبْحاب قال: دخلت أنا وغيلانُ على الحسن
فقلنا له: يا أبا سعيد، الرجلُ يحدث بالحديث فيزيدُ فيه أو ينقُص منه، قال:
إنما الكذب على من تعمد ذلك(٣).
[ب]
(١) [أَلاَ في الأمر يأُلُو، كغَزَا يغزو، أي: قصّر، فأصله أن يتعدى بحرف الجر،
واختُلف في نصب ما بعده في مثل هذا التركيب، فقيل : مفعول ثانٍ، والأول هو
الضمير، وإنما تعدّى لاثنين للتضمين، والمعنى: لا يُمْعِنونه حفظاً، وقيل : منصوب
على إسقاط حرف الجر، أي: في الحفظ، وهذا غير منقاس، بخلاف التضمين، فإنه
منقاس، وإن كان فيه خلاف واهٍ، وقيل: منصوب على التمييز المحوَّل عن المفعول،
على حدّ: ﴿واشتعل الرأس شيباً﴾ [مريم: ٤٠].].
(٢) هذا الخبر والأخبار الستة التالية من ((المدخل)) (٥٠٧، ٥١٠، ٥١١،
٥١٤، ٥١٦، ٥١٧، ٥٢١)، ولفظ خبر حذيفة فيه: نردّد، لكنه في ((فتح المغيث))
١٢١:٣ بلفظ: ((نورد الأحاديث))، لا: ((نردد))، وكأنه أولى.
(٣) وهو فيه ((الكفاية)) ص ٢٠٨، و((غيلان)): هو ابن جرير المِعْولي الأزدي
البصري، وله خبر عن الحسن نحو هذا في ((طبقات)) ابن سعد ١٥٩:٩، وتحرف في
=

٤٣٤
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
[ش]
وأسند أيضاً عن جرير بن حازم قال: سمعت الحسن يحدث بأحاديثَ،
الأصلُ واحدٌ والكلام مختلف(١).
وأسند عن ابن عون قال: كان الحسن، وإبراهيم، والشعبي يأتون بالحديث
على المعاني، وكان القاسم بن محمد، وابن سيرين، ورجاء بن حَيْوة يعيدون
الحدیث علی حروفه(٢).
وأسند عن أبي أُويس قال: سألنا الزهريَّ عن التقديم والتأخير في الحديث؟
فقال: إن هذا يجوز في القرآن، فكيف به في الحديث؟ إذا أصبتَ معنى
الحديث فلم تُحلَّ به حراماً ولم تحرِّم به حلالاً؟! فلا بأس [بذلك إذا أصبتَ
معناه](٣).
نسخ التدريب إلى: عبدان.
(١) وهو في ((الكفاية)) ص ٢٠٧ أيضاً.
(٢) وهو أيضاً في ((العلل الصغير)) للترمذي ٦: ٢٣٩، و((الكفاية)) ص٢٠٦.
وقوله ((يعيدون)): هكذا في نسخ التدريب، و((علل)) الترمذي، وفي ((المدخل)):
یقیّدون، ولکلّ وجه صحیح.
(٣) ما بين المعقوفين من ((المدخل)) وهو في ((الجامع)) للخطيب (١١٠٣)
مختصراً بلفظ: إذا أصبتَ المعنى فلا بأس.
وقوله عن التقديم والتأخير يجوز في القرآن: محمول على ما إذا كان ضمن دائرة
القراءات المتواترة، كقوله تعالى في آية آل عمران - ١٩٥: ﴿قَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُوا مِن
دِيَرِهِمْ وَأُوذُواْ فِى سَبِيلٍ وَقَتَلُواْ وَقُتِلُواْ﴾، فقد قرأ حمزة والكسائي وخلف: ﴿وقُتلوا

٤٣٥
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
[ش]
وأسند عن سفيان قال: كان عمرو بن دينار يحدث بالحديث على المعنى،
وكان إبراهيم بن ميسرة لا يحدِّث إلا على ما سمع(١).
وأسند عن وكيع قال: إن لم يكن المعنى واسعاً فقد هلك الناس(٢).
قال شيخ الإسلام(٣): ومن أقوى حججهم: الإجماع على جواز شرح
-
[ب]
وقاتلوا﴾، بالتقديم والتأخير، ومثله قوله تعالى في سورة التوبة الآية ١١١:
﴿يُقَئِلُونَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْنَلُونَ﴾، قرأ حمزة والكسائي وخلف - أيضًا -:
فَيُقْتَلون ويَقْتُّلون.
ويرشِّح لصحة هذا التأويل ما تقدم قريباً ص ٤٣١ تعليقًا عن يحيى القطان، أما
إذا لم يكن التقديم والتأخير معتمدًا على قراءة متواترة، فلا يجوز ذلك بحالٍ ما.
وينظر التعليق على ((فتح المغيث)) ١٢٧:٣.
على أن أبا أويس السائل للزهري، هو عبد الله بن عبد الله بن أويس الأصبحي،
صهر الإمام مالك على أخته، حاله في الرواية ليس كما قال الحافظ في ((التقريب))
(٣٤١٢): صدوق يخطئ، بل هو إلى الضعف أقرب، ولئن سُلُّم هذا، فإن
الدارقطني خصّ رواية أبي أويس عن الزهري بالغمز فقال: في بعض حديثه عن
الزهري شيء. ونكارة المتن - إن لم تُحمل على ما قدمته - فهي كافية في ردّه وإيطاله.
(١) سفيان: هو ابن عيينة، والخبر رواه أيضاً الخطيب في ((الكفاية)) ص٢٠٦
هكذا، ثم رواه ص٢٠٧ بزيادة ابن أبي نجيح مع عمرو بن دينار، وابن طاوس مع ابن
ميسرة.
(٢) وهو في ((العلل الصغير)) للترمذي آخر ((السنن)) ٦: ٢٤٠.
(٣) في ((شرح النخبة)) ص ٩٤، وأصله للخطيب في ((الكفاية)) ص ٢٠٧.
=

٤٣٦
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
[ش]
الشريعة للعجم بلسانها للعارف به، فإذا جاز الإبدال بلغة أخرى، فجوازه باللغة
العربية أولى(١).
[س)
ومن حُجج الأصوليين: قول السرخسي في ((أصوله)) ٣٥٥:١: (قال جمهور
العلماء: يجوز النقل بالمعنى بعد حُسن الضبط، وحجتنا في ذلك: ما اشتهر من قول
الصحابة: ((أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكذا، ونهانا عن كذا))، ولا يمتنع
أحد من قبول ذلك إلا من هو متعنّت. وروينا عن ابن مسعود رضي الله عنه: أنه كان
إذا روى حديثًا قال: نحو هذا، أو قريبًا منه، أو كلامًا من معناه، وكان أنس رضي الله
عنه إذا روى حديثًا قال في آخره: أو كما قال رسول الله عليه السلام، فدلّ أن النقل
بالمعنی کان مشهورًا فیھم ... )».
(١) ولا بدّ من مراعاة الشروط الثلاثة التي تقدمت ص٤٢١، وهناك كلام أبي
بكر الرازي، والخطيب، وإلا فقد رجع الأمر إلى عدم الجواز.
وكتب الشيخ ابن العجمي رحمه الله مقابل هذا القول ما نصه:
[من هنا يؤخذ ما نصّ عليه ابن خلدون المالكي من أن تدوين الكتب كان في
الصدر الأول قبل فساد العربية، فالتبديل على تقدير ثبوته إنما كان ممن يسوغ
الاحتجاج بکلامه. انتهى.
[وقال البدر الدماميني في ((شرح التسهيل)) ما نصُّه: على أن اليقين ليس بمطلوب
في هذا الباب، وإنما المطلوب غلبة الظن، الذي هو مناط الأحكام الشرعية، وكذا ما
يتوقف عليه من نقل مفردات الألفاظ، وقوانين الإعراب، فالظنُّ في ذلك كله كافٍ،
ولا يخفى أنه يغلب على الظن أن ذلك المنقول المحتجَّ به لم يبدَّل، لأن الأصل عدم
التبديل لاسيما والتشديدُ في الضبط والتحري في نقل الأحاديث شائعٌ بين النقلة
والمحدثين، ومن يقول منهم بجواز النقل بالمعنى، إنما هو عنده بمعنى التجويز
العقلي، الذي لا ينافي وقوع نقيضه، فلذلك تراهم يتحرَّون في الضبط ويتشددون، مع
=

٤٣٧
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
وقيل(١): إنما يجوز ذلك للصحابة دون غيرهم، وبه جزم ابن العربي في
[ش]
[ب] -
قولهم بجواز النقل بالمعنى، فيغلب على الظن من هذا كله أنها لم تبدَّل، ويكون
احتمال التبديل فيها مرجوحاً فيُلْغَى، ولا يقدح في صحة الاستدلال بها.
[ثم إن محل الخلاف في جواز النقل بالمعنى إنما هو فيما لم يُدوّن ولا كُتُب،
وأما ما دُوِّن وكتب، وحصل في بطون الكتب، فلا يجوز تبديل ألفاظه من غير
خلاف، كما نص عليه ابن الصلاح - ص١٩١ -، وتدوينُ الأحاديث والأخبار - بل
وكثير من الروايات - وقع في الصدر الأول، أي كما نص عليه ابن خلدون قبل فساد
اللغة العربية، حيث كان كلام أولئك المبدِّلين - علی تقدیر تبدیلھم - يسوغ الاحتجاج
به، وغايته يومئذ تبديل لفظ يصح الاحتجاج به، فلا فرق بين الجميع في صحة
الاستدلال، ثم دُوّن ذلك المبدَل ـ على تقدير التبديل -، ومنع من تغييره ونقله
بالمعنى، كما قال ابن الصلاح، فبقي حجةً في بابه، ولا يضرُّ توهم ذلك السابق في
شيء من استدلالهم المتأخر، والله أعلم بالصواب. انتهى.
[ثم رأيت الشاطبي قال: إن الحديث في النقل ينقسم إلى قسمين، أحدهما: ما
عُرف أن المعتنَى به فيه نقلُ معانيه لا نقل ألفاظه، فهذا لم يقع به استشهادٌ من أهل
اللسان، والثاني: ما عُرف أن المعتنَي فيه نقل ألفاظه لمقصودٍ خاص بها، فهذا يصح
الاستشهاد به في أحكام اللسان العربي، كالأحاديث المنقولة في الاستدلال على
فصاحة رسول الله صلی الله علیه وسلم، ککتابه إلى هَمْدان، وإلی وائل بن حُجْر.
[قال: وابن مالك لم يفصِّل هذا التفصيل الضروري الذي لا بدَّ منه، فبنى
الأحكام على الحديث مطلقاً، ولا أعرف له فيه من النحاة سَلَفاً .. إلخ. وفي ((شرح
ألفية)) البِرماوي زيادة عما هنا، فليراجع . - ١: ٩٤/ب - ٩٦/أ -. ].
(١) [ذكر البرماوي في ((شرح ألفيته)) - ١: ٩٤/ب -: أن في المسألة مذاهب،
=

٤٣٨
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
[ب]
أحدها: جواز الرواية بالمعنى مطلقاً، وهو قول الأئمة الأربعة، وأكثرِ السلف
وجمهورِ الفقهاء والمحدثين بشروط، أحدها: أن يكون الراوي عارفاً بدلالات
الألفاظ، واختلاف مواقعها، كالشافعي، فغيرُ العارف تَمتنع روايته بالمعنى بالإجماع.
٢ - وأن لا يكون متعبَّداً بلفظه كالقرآن قطعاً، وكالتشهد والأذكار والدعوات الواردة،
فلا يجوز نقل ألفاظه بالمعنى اتفاقاً. ٣- وألا يكون من باب المتشابه، ليقع الإيمان
بلفظه من غير تأويل، أو بتأويل، على المذهبين، فروايته بالمعنى تؤدي إلى الخلل
على الرأيين. ٤- وألا يكون من جوامع الكلم، كـ((الخراج بالضمان))، و((البينة على
المدعي))، و((لا ضرر ولا ضِرار))، و((لا ينتطح فيها عنزان)) - [لا يصح]-، و((حَمِي
الوطيس))، وغير ذلك مما لا ينحصر، ونقل بعض الحنفية فيه خلافاً. ٥- وأن لا يكون
من مصنفات الناس، فإن كان منها فلا يجوز قطعاً. قاله ابن الصلاح - ص١٩١ -.
[ومما استدل به على جواز الرواية بالمعنى: ما روي عن تصريح غير واحد من
الصحابة به، ويدل عليه روايتهم للحديث الواحد، في الواقعة الواحدة، بألفاظ
مختلفة، وما رواه ابن منده: من حديث عبد الله بن سليمان بن أُكيمة الليثي قال :
قلت: يا رسول الله، إني أسمع منك حديثاً لا أستطيع أن أُؤديه كما أسمع منك،
فيزيد حرفاً أو ينقص حرفاً، فقال: ((إذا لم تُحِلُّوا حراماً ولا تحرموا حلالاً فلا بأس))،
فذكر ذلك للحسن فقال: لولا هذا ما حدثنا. أخرجه الطبراني في أكبر معاجمه - ٧
(٦٤٩١) وفي إسناد الحديث متّهم -.
[ومما استدل به بعض المعاصرين: ما في الصحيحين - البخاري (٨٣)، ومسلم
٢ : ٩٤٨ (٣٢٧) - وغيرهما: من حديث سؤاله يوم النحر، في حجة الوداع عمن
حلق قبل أن يذبح؟ فقال له: ((اذبح ولا حرج))، وقال آخر: إنه نحر قبل أن يرمي؟
فقال: ((ارم ولا حرج))، ثم قال الراوي - وهو ابن عمر -: فما سئل عن شيء قُدِّم ولا
أُخر إلا قال: ((افعل ولا حرج))، فإن هذا الحديث يدل على أنه لم يقل: افعل، بل
قال: ((اذبح وارمٍ))، وغير ذلك، فعبّر عن الكل بـ ((افعل)) الذي هو بمعناه.
=

٤٣٩
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
[ب]
[المذهب الثاني: المنع مطلقاً، نقله إمام الحرمين - ((البرهان)) (٦٠٠) - وابن
القشيري عن معظم المحدثين، وبعض الأصوليين، ونقله القاضي عن كثير من السلف
وأهل التحري في الحديث، وقال: إنه مذهب مالك، لكن ابن الحاجب قال -
((مختصره)) مع الشروح الخمسة ٢: ٤٧٠ -: وعن مالك: أنه كان يشدد في الباء
والتاء، أي: في مثل: بالله وتالله - [((الكفاية)) للخطيب ص ١٧٨] -.
[وقال غير ابن الحاجب: إنه [أي: مالكًا] - كان يقول: لا يُنقل حديث
رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمعنى، بخلاف حديث الناس، فهذا مذهب ثالث في
التفصيل . - [((الكفاية)) ص ١٨٨] -.
[المذهب الرابع: التفصيل بين ما يوجب العلم من ألفاظ الحديث، فالمعوَّل فيه
على المعنى، ولا يجب مراعاة اللفظ، وأما الذي يجب العمل به فمنه ما لا يجوز
الإخلال بلفظه، كقوله عليه السلام: ((تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم))، و((خمسُ
يقتلنَ في الحلّ والحرم)).
[ الخامس : التفصيل بين ما يُقطع بأنه معناه أو يظن، فإن قُطع بأنه معناه جاز، أو
ظُن لم يجز.
[السادس: يجوز إن نسي اللفظ، فإن كان يحفظ اللفظ لم يجز أن يؤديه بغيره.
- [الماوردي ١٦: ٩٧] ..
[لكن قال الماوردي - ٩٧:١٦ -: محل الخلاف في الصحابة، أما غير
الصحابي فلا يجوز له قطعاً، فيكون ذلك مذهباً سابعاً.
[الثامن : يجوز إبدال اللفظ بالمرادف دون غيره.
[التاسع: أن يورده على وجه الاحتجاج والفتيا فيجوز، أو التبليغ فلا يجوز،
لظاهر حديث البراء : ((وآمنت برسولك الذي أرسلت)).
[العاشر: التفصيل بين الأحاديث الطوال فيجوز، دون القصار. انتهى باختصار،
وفيه زيادات على ما ذكره الشارح.].

٤٤٠
النوع السادس والعشرون : صفة رواية الحديث
[ش]
أحكام القرآن (١)، قال: ((لأنا لو جوَّزناه لكل أحد لما كنّا على ثقة من الأخذ
بالحديث، والصحابةُ اجتمع فيهم أمران: الفصاحة والبلاغة جِبِلّة، ومشاهدة
أقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله، فأفادتْهم المشاهدة عقْلَ المعنى
جملةً، واستيفاء المقصود کله)).
وقيل: يُمنع ذلك في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويجوز في
غيره، حكاه ابن الصلاح (٢)، ورواه البيهقي في ((المدخل)) عن مالك(٣).
ورَوَى عنه أيضاً: أنه كان يتحفّظ من الباء والياء والتاء، في حديث
رسول الله صلی الله علیه وسلم(٤).
وروى(٥) عن الخليل بن أحمد أنه قال ذلك أيضاً، واستدل له بقوله: ((ربَّ
مبلّغ أوعى من سامع))، فإذا رواه بالمعنى فقد أزال عن موضعه معرفة ما فيه.
[ب] -
(١) ٣٥:١ عند الآية ٥٩ من سورة البقرة: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلًا ... ﴾، وإليه
يميل عياض في ((الإلماع)) ص ١٨٠، وقال: ((أما مَن بعدهم فالمحافظة أولى على
الألفاظ المبلَّغة إليهم ... )). وهذا النقل عن ابن العربي من زيادات النسخ على ك.
(٢) في ((المقدمة)) ص ١٩١.
(٣) (٥٢٦)، وهو في ((الكفاية)) ص ١٨٨ - ١٨٩ من عدة وجوه عنه، ومثله في
((الإلماع)) ص ١٧٩ .
(٤) (٥٢٨)، وهو في ((الكفاية)) أيضًا من ١٧٨ - ١٧٩.
(٥) (٥٢٥)، وهو في ((الكفاية)).