Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] ومن شواهد القبول: ما رواه الشافعي(١) عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي مَعْبد، عن ابن عباس قال: كنتُ أعرِف انقضاء صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالتكبير. قال عمرو بن دينار: ثم ذكرته لأبي معبدٍ بعدُ فقال: لم أحدِّتك، قال عمرو: قد حدثْتَنيه، قال الشافعي: كأنه نسِيه بعد ما حدثه إياه. والحديثُ أخرجه الشيخان من حديث ابن عيينة. [ب] هو معلوم من طريقة الجمهور في تقرير أحكامهم الأصولية أولاً، ثم بناء فروعهم عليها. فالناظر في المسألة أصوليًّا - أو حديثيًا - ليناقشها مجردةً مما يترتب عليها، يرى أن ما قرره المحدثون هنا أولى بالقبول، لكنه سيعارَض بالفروع الفقهيةِ المتصلةِ بها، والمخالفةِ لها في الحكم، حينما ينظر نظرة شمولية في أدلتها. وإذا كان إمام الحرمين برهن على قوله بالتعارض في كتابه ((البرهان))، فإن التعارض حاصل أيضًا بين أدلة الفروع الفقهية، المتصلة بهذه المسألة الأصولية، وحينئذٍ نسلك مع أدلتها مسلك الترجيح، للخروج من مأزق التعارض، ولا نقول بالترجيح المطلق لأحد القولين في المسألة الأصولية. والله أعلم. ومن شواهد ذلك: النظر في أدلة الحنفية في المسألة التي سيذكرها الشارح: القضاء باليمين مع الشاهد الواحد، ومن أقدم مصادر أدلتهم ما جاء في رسالة الليث ابن سعد إلى مالك رضي الله عنهما. (١) ((ترتيب مسند الشافعي)) ٩٩:١ (٢٨٧). وهو عند البخاري (٨٤٢)، ومسلم ٤١٠:١ (١٢٠، ١٢١) وفيه حوار ابن دينار لأبي معبد، ورواه البخاري من طريق ابن جريج، عن ابن دينار (٨٤١)، ومسلم (١٢٢). ١٦٢ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به فإن قال : لا أعرفه، أو لا أذكره، أو نحوه، لم يقدح فيه، ومن روى حديثًا ثم نسيه جاز العمل به على الصحيح، وهو قول الجمهور من الطوائف، خلافًا لبعض الحنفية. [ش] (فإن قال) الأصل: (لا أعرفه، أو لا أذكره، أو نحوَه) مما يقتضي جواز نسيانه (لم يقدح فيه) ولا يُردُّ بذلك. (ومن روى حديثًا ثم نسيه جاز العمل به على الصحيح، وهو قول الجمهور من الطوائف) أهلِ الحديث والفقه والكلام(١)، (خلافًا لبعض الحنفية) (٢) في قولهم بإسقاطه بذلك، وبَنَوْا عليه(٣) ردَّ حديثٍ رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه(٤) من رواية ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سُهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد. زاد أبو داود في روايةٍ: أن عبد العزيز الدَّرًاوَرْدي قال: فذكرتُ ذلك لسهيل فقال: أخبرني ربيعة - وهو عندي ثقة - أني حدثته إياه، ولا أحفظه، قال [ب] (١) يريد الأصوليين على طريقة المتكلمين، كإمام الحرمين، الغزالي، والرازي. (٢) نَسَبَه البزدوي وشارحه العلاء البخاري في ((كشف الأسرار)) ٦٢:٣ إلى أبي حنيفة وأبي يوسف، ونَسَب في الصفحة التالية ٦٣ إلى محمد بن الحسن القول بقبوله، وأن ذلك مبنيّ على خلاف بينه وبين أبي يوسف في أمر علميّ يترتب عليه مثل هذا الاختلاف. وهذا يؤيد ما قلته قبل أسطر. (٣) بل الأولى أن يقال: تركَ الحنفيةُ العملَ بهذا الحديث لأحاديث أخرى، لا لقاعدة أصولية قعَّدوها مجردة عن الدليل. (٤) أبو داود (٣٦٠٥) ومعه الزيادة المذكورة، والترمذي (١٣٤٣) وقال: حسن غريب، وابن ماجه (٢٣٦٨) ١٦٣ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] عبد العزيز: وقد كان سهيلٌ أصابته علَّة أذهبتْ بعض عقله ونسي بعض حديثه، فکان سهیل بعدُ یحدِّثه عن ربيعة، عنه، عن أبيه. ورواه أبو داود (١) أيضًا من رواية سليمان بن بلال، عن ربيعة، قال سليمان: فلقيت سهيلاً فسألته عن هذا الحديث؟ فقال: ما أعرفه، فقلت له: إن ربيعة أخبرني به عنك! قال: فإنْ كان ربيعة أخبرك عني فحدِّث به، عن ربيعة، عني. فإن قيل: إن كان الراوي معرَّضًا للسهو والنسيان، فالفرع أيضًا كذلك، فينبغي أن يسقطا. أجيب: أن الراوي ليس بنافٍ وقوعَه، بل غيرُ ذاكرٍ، والفرعُ جازم مثبت، فقدِّم عليه. قال ابن الصلاح(٢): وقد رَوَى كثير من الأكابر أحاديثَ نَسُوها بعد ما حدثوا بها، فكان أحدهم يقول: حدثني فلان، عني، عن فلان، بكذا، وصنَّف في ذلك الخطيب ((أخبار من حدَّث ونسي)) (٣)، [ب] (١) برقم (٣٦٠٦). (٢) آخر المسألة الحادية عشرة ص ١٠٦، وأصله للخطبيب في ((الكفاية)) ص ٣٨١. (٣) أشار إليه في ((الكفاية)) ص ٣٨١، وقد اختصره الشارح في جزء سماه ((تذكرة المُؤْتسي فيمن حدث ونسي))، وطُبع، ذكر فيه سبعة وثلاثين خبرًاً، وما ذكر أنه زاد على ما عند الخطيب شيئًا. = ١٦٤ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] وكذلك الدار قطني(١). من ذلك: ما رواه الخطيب(٢): من طريق حماد بن سلمة، عن عاصم، عن أنس قال: حدثني ابناي، عني، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه كان يكره أن يُجعل فَصُّ الخاتَم مما سواه. وَرَوى(٣) من طريق بشر بن الوليد، حدثنا محمد بن طلحة، حدثني رَوْح: أني حدثته بحديثٍ عن زُبيد، عن مُرَّة، عن عبد الله: أنه قال: إنّ هذا الدينار والأحاديث الأربعة الآتية هي في المختصر بهذه الأرقام: ١٩، ٢٤، ٢٧، ١٦ و ٣٠. أما حديث أبي هريرة في القضاء باليمين مع الشاهد الواحد: فهو في المختصر برقم: ٢٠. (١) وكأن الذي أنار لهما الطريق: الرامَهُرْمُزيُّ في ((المحدث الفاصل)) (٦٤٥ - ٦٤٨). فذكر الحديث الأول والثاني الآتيين، وحديث القضاء باليمين مع الشاهد المتقدم، وحديثًا رابعًا. (٢) هذا الحديث والثلاثة بعده من كتاب الخطيب المشار إليه، وهذا الواحد منها: رواه في ((تاريخه)) ٥٠٤:٢ بالإسناد المذكور، إلا أن الحافظ ابن رجب نقل إسناده من ذاك الكتاب في كتابه ((أحكام الخواتيم)) ص ٥٢، وفيه: حماد، عن علي ابن زيد، وكذلك هو عند الرامهر مزي (٦٤٦). وعلى كل: فهذا الإسناد وذاك تالفان، لكن يشهد للحديث: حديث البخاري (٥٨٧٠) عن أنس أيضًا، قال: كان خاتمه من فضة، وكان فَصّه منه))، وليس في سنده الشاهد الاصطلاحي المراد هنا. (٣) رواه كذلك الرامهرمزي (٦٤٥). ١٦٥ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به ولا يُخالف هذا كراهةَ الشافعي وغيرِه الروايةَ عن الأحياء. [ش] والدرهم أهلكا مَن كان قبلكم، وهما مُهْلِكاكُم. ومن طريق الترمذي صاحب (الجامع)»(١): حدثنا محمد بن حميد، حدثنا جرير قال: حدثنيه عليٌّ بن مجاهد، عني - وهو عندي ثقة - عن ثعلبة، عن الزهري قال: إنما كُره المنديل بعد الوضوء لأن الوضوء یُوزَن. ومن طريق إبراهيم بن بشار(٢)، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثني وكيع: أني حدثته عن عمرو بن دينار، عن عكرمة: ﴿من صَيَاصِيهم﴾ [الأحزاب: ٢٦]. قال: مِن حصونهم. (ولا يُخالف هذا كراهةَ الشافعي وغيرِه) كشعبةً ومعمرٍ(٣) (الروايةَ عن الأحياء) لأنهم إنما كرهوا ذلك لأن الإنسان معرّض للنسيان، فيبادر إلى جحودٍ - (١) ((السنن)) عقب الحديث (٥٤). (٢) رواه بنحوه: يعقوب بن سفيان في ((المعرفة والتاريخ)) ٢: ٦٩٠ عن الحميدي، عن سفيان، وروى يعقوب قبله وبعده أخبارًا أخرى تصلح لهذه المسألة. (٣) أما عن الشافعي: فخبره مشهور، روى قصته مختصرة الخطيب في ((الكفاية)) ص ١٤٠، والبيهقي في ((مناقب الشافعي)) ٣٨:٢، ثم رواها تامة ٢١٦:٢. وأما معمر - وهو ابن راشد -: فنعم، وله قصة في ذلك رواها الخطيب في ((الكفاية)) ص ١٣٩. وأما شعبة: فتحريف، صوابه: الشعبي، وله قصة في ذلك أخرجها الخطيب أيضًا في ((الكفاية)) مع قصة معمر والشافعي. ومصدر الشارح: العراقي في ((التقييد)) ٥٩٨:١، وجاء فيه، وفي ((شرح الألفية)) ص١٦٦ على الصواب: الشعبي، ومعمر. ١٦٦ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به العاشرة: مَن أخذَ على التحديث أجرًا لا تُقبل روايته عند أحمدَ وإسحاقَ وأبي حاتم، وتُقبل عند أبي نُعيم الفضل، وعليّ بن عبد العزيز، وآخرین. [ش] ما رُوي عنه وتكذيبِ الراوي له، وقيل: إنما كُره ذلك لاحتمال أن يتغيّر الراوي عن الثقة والعدالة بطارئ يطرأ عليه يقتضي ردَّ حديثه المتقدِّم. قال العراقي(١): وهذا حَدْس وظنّ غيرُ موافِقٍ لما أراده الشافعي، وقد بيَّن الشافعي مراده بذلك كما رواه البيهقي في ((المدخل)) (٢) بإسناده إليه أنه قال: لا تحدِّث عن حيٍّ، فإن الحيَّ لا يُؤمن عليه النسيان. قاله لابن عبد الحكم حين رَوَى عن الشافعي حكايةً فأنكرها ثم ذكرها. (العاشرة: مَن أخذَ على التحديث أجرًا لا تُقبل روايته عند أحمدَ) بن حنبل (وإسحاقَ) بن راهُوْيَه (وأبي حاتم) الرازي(٣)، (وتُقبل عند أبي نُعيم الفضل) بن دُكَين شيخِ البخاري (وعليّ بن عبد العزيز) البغويِّ (وآخرين) (٤) ترخُّصًا. (١) في ((التقييد والإيضاح)) ٥٩٧:١، وقوله هذا ينطبق على النقل عن الشعبي، فإنه لم يذكر سبب قوله، فهو محتملُ الموافقةِ لما أراده الشافعي، ومحتمل لغيره من الأسباب. أما سبب قول معمر والشافعي فإنه مرويّ مذكور، ومتشابه. (٢) (٨٧٢)، وهو في ((مناقب الشافعي)) له، كما قدمته. (٣) أسند الخطيب في ((الكفاية)) ص ١٥٤ هذا المذهب إلى هؤلاء الأئمة الثلاثة. (٤) أسنده الخطيب إليهم ص ١٥٦، وقول المصنف ((تقبل عند أبي نعيم، وعلي ... )): فيه نظر، فإن الخطيب ذكر عذر علي بن عبد العزيز، ولم يذكر عذر أبي = ١٦٧ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به وأفتى الشيخ أبو إسحاق الشيرازيُّ بجوازها لمَنِ امتنع عليه الكسبُ لعياله بسبب التحدیث. [ش] (وأفتى الشيخ أبو إسحاق الشيرازيُّ) أبا الحسين ابن النَّقُور (بجوازها لـ) أنه مِنْ (مَنِ امتنع عليه الكسب لعياله بسبب التحديث(١))، ويشهدُ له جوازُ أخذِ الوصيِّ الأجرةَ مِن مال اليتيم إذا كان فقيرًا، واشتغل بحفظه، عن الكسب، من غير رجوع عليه، لظاهر القرآن(٢). [ب] نعيم، وعذرُه معروف، ففي ترجمته من ((تهذيب الكمال)) ٢١٨:٢٣ أنه قال: ((تلومونني على الأخذ، وفي بيتي ثلاثةَ عشَر - شخصًا - وما في بيتي رغيف !! )). فهذا لا يدلّ على الترخص، إنما هو الحاجة الماسّة، وحاجة علي بن عبد العزيز مثله، كما في ((السير)) للذهبي ٣٤٩:١٣. وأما مثال الترخُّص: فينبغي أن يذكر هشام بن عمار، لما في ترجمته في التهذیبین: ٢٤٩:٣٠، ١١: ٥٣. (١) أسند إليه هذا ابنُ الصلاح ص ١٠٧ آخر المسألة الثانية عشرة، والمراد من امتناع الكسب عليه: انشغاله بالتحديث وشدّة الازدحام عليه، بحيث لا يبقى معه وقت للتكسب. (٢) يشير إلى قوله تعالى في سورة النساء: ٦: ﴿ومن كان فقيراً فليأكل بالمعروف﴾. [قال الزركشي - ((النكت)) ٣: ١٠٠١ (٢٦٩) -: ما نقله المؤلف عن فتوى الشيخ أبي إسحاق محمول على من لم يتعين عليه وكان ينقطع عن كسبه، وقياس الشاهد أنه لا يجوز له أخذ الأجرة على أداء الشهادة، لأنه فرض علیه : أن یکون هنا مثلَه. انتهى.]. ١٦٨ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] فائدة: هذا أول موضع وقع فيه ذِكْر إسحاق بن رَاهُوْيَهُ(١)، وقد سئل(٢): لمَ قيل له ابن رَاهُوْيَهْ؟ فقال: إن أبي وُلد في الطريق، فقالت المَراوزة: راهويه، يعني أنه ولد في الطريق(٣). وفي ((فوائد رحلة)) ابن رُشَيد(٤): مذهبُ النحاة في هذا وفي نظائره فتحُ (١) بل تقدم ٢: ٢٠٩: إسحاق بن راهويه، وتقدم ذكره ٢: ٦٧ بـ: إسحاق بن إبراهيم، فلا يستدرك به. (٢) ((تاريخ بغداد)) ٧: ٣٦٥ - ٣٦٦. (٣) [عبارة ابن خلكان - ١: ١٠٠ -: رَاهْوَيْهْ: بفتح الراء، وبعد الألف هاء ساكنة، ثم واو مفتوحة، ثم مثناة من تحتها ساكنة، ثم هاء ساكنة، لَقَب أبيه أبي الحسن إبراهيم، لأنه ولد في طريق مكة، والطريق بالفارسية: راه، ووَيْه: معناه : وُجد، فكأنه وُجد في الطريق، وقيل فيه أيضاً : راهُوتَه : بضم الهاء، وسكون الواو، وفتح الياء. انتهى. وقال في ترجمة سِيْبَوَيْه - ٣ : ٤٦٥ -: بكسر السين المهملة، وسكون المثناة من تحتها، وفتح الباء الموحدة، والواو، وسكون الياء الثانية، وبعدها هاء، ولا يقال بالتاء البتةَ، وهو لقب فارسي، معناه بالعربي : رائحة التفاح. هكذا يضبطُ أهل العربية هذا الاسم ونظائره، مثل: نِفْطَوَيْهِ، وعَمْرَوَيْهِ، وغيرِهما، والعجم يقولون : سيبُوْيَه، بضم الموحدة، وسكون الواو، وفتح المثناة من تحتها، لأنهم يكرهون أن يقع في آخر الكلمة: ويه، لأنها للنُّدْبة.]. (٤) وهو في ((إفادة النَّصيح)) له ص ٢٩ - ٣١، مع زيادة. ١٦٩ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] الواو، وما قبلها، وسكون الياء، ثم هاء، والمحدِّثون يَنْحَوْن به نحوَ الفارسية فيقولون: هو بضم ما قبل الواو، وسكونها، وفتح الياء، وإسكان الهاء، فهي هاءٌّ على كل حال، والتاءُ خطأ(١)، قال: وكان الحافظ أبو العلاء العطار(٢) يقول: أهل الحديث لا يحبّون: وبه. انتھی. [ب] (١) أكَّد على هذا: ابن خلكان في الموضع الثاني ٤٦٥:٣، ونقل الحافظ في ((الفتح)) ٣٢٧:٥ (٢٧٣٠) عن ابن الصلاح أن من قال من المحدثين بالتاء المثناة بدل الهاء فقد غلط، ثم ذكر الشطر الأخير من الأبيات التالية فقال: ((قلت: لكن وقع في شعرٍ لابن دُريد ما يدل على تجويز ذلك، وهو قوله: ((إن كان نِفْطويةُ من نسلي)). وقد رأيت ما يؤيد ذلك بخط الإمام رضي الدين الصغاني - المحدث اللغوي -، وذلك في كتابه: ((أسامي شيوخ أبي عبد الله البخاري)) - وهو مصوَّر عن النسخة المحفوظة بخطه رحمه الله - فقد جاء في ص ٢٣ منه ثلاث مرات: بن مَنْدَهَ، هكذا بفتحة على الهاء آخره، فهي متحركة وإن لم ینقطها باثنتين، بدليل ما جاء معه ص ٤٦، السطر السادس: ابن قُدامَهَ الثقفي، ثم في ص ٤٧ السطر السابع: أبو خَيْثَمَهَ، دون نقطتين على آخرهما، ويبقى أن هذا الضبط وجه وقول، إنْ لم نقل بخطئه، أو بضرورته الشعرية: فالأكثر على خلافه. وينظر ما تقدم ٢: ٩٢. (٢) شهرته بأبي العلاء الهَمَذاني أكثر، ونقله عنه الزركشي، عن ابن الصلاح في بعض ((أماليه)) بسنده إلى أبي العلاء، وهو الإمام الحسن بن أحمد بن الحسن (٤٨٨ - ٥٦٩) رحمه الله، وكان إمامًا في القراءات وعلومها، والحديث وعلومه، واللغة وعلومها، وكان يحفظ ((الجمهرة)) لابن دريد، و((الغريبين)) لأبي عبيد الهروي، كما في ((السير)) ٤٠:٢١ فما بعدها. ١٧٠ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] قال شيخ الإسلام: ولهم في ذلك سلف، رُوِّيناه في كتاب ((معاشرة الأهلين)) عن ابن عمر، وَعن إبراهيمَ النخعي: أن (وَيْهَ) اسم شيطان. قلت: وذكر ياقوت في ((معجم الأدباء))(١) نحوَ ما ذكره ابن رُشَيد، وقال: قد صيّره ابن بسّام بسكون الواو وفتح الياء، فقال في نَفْطُوْيَةَ(٢): صلّى عليه الله ذو الفضلِ رأيتُ في النوم أبي آدمًا مَن كان في حَزْن وفي سهل فقال: أَبْلِغْ ولدي كلَّهِمْ إنْ كان نَفطُوْيَةُ مِن نسلي بأنَّ حَوّ أمَّهُمْ طالقٌ وقال المصنف في ((تهذيبه)(٣) في ترجمة أبي عُبيد ابن حَرَّبُوَيْه: هو بفتح الباء الموحدة، والواو، وسكون الياء، ثم هاء، ويقال: بضم الباء، مع إسكان (١) ١ : ١١٤ ناقلاً عن أبي منصور الثعالبي. (٢) [قال ابن خلكان - ١ : ٤٧ -: نَفْطويه: بكسر النون وفتحها، والكسر أفصح، والفاء ساكنة، لقب إبراهيم بن محمد بن عرفة الأزدي النحوي الواسطي، له التصانيف الحسان، لقب بذلك لدمامته، وأُدْمته، تشبيهاً له بالنفط، وهذا اللقب على مثال : سیبویه .]. [عبارة المؤلف في النوع الخامس والأربعين من ((المزهر)) - ٢: ٣٦٥ -: قال ياقوت ــ ((معجم الأدباء)) ١ : ١١٤ -: قد جعله ابن بسام بضم الطاء، وسكون الواو، وفتح الياء، وأَنشد الأبيات.]. (٣) (تهذيب الأسماء واللغات)) ٢٥٨:٢، وينظر أيضًا ((الوافي)) للصفدي ١٣١:٦. ١٧١ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به الحاديةَ عشْرةَ: لا تُقبل رواية مَن عُرف بالتساهل في سماعه أو إسماعه، كمن لا يبالي بالنوم في السماع، أو يحدِّث لا من أصل مصحَّح، أو عُرِف بقبول التلقين في الحديث، [ش] الواو، وفتح الياء، ويجري هذان الوجهان في كل نظائره: كـ: سِيْبُوْيَهْ، وِنَفْطُوْيَهْ، وراهُويه، وعَمْرويه، فالأول: مذهب النحويين وأهلِ الأدب، والثاني: مذهب المحدثین. انتهى. (الحاديةَ عشْرة: لا تُقبل رواية مَن عُرف بالتساهل في سماعه أو إسماعه، كمن لا يبالي بالنوم في السماع) منه، أو عليه(١). (أو يحدِّث لا من أصل مصحَّح) مقابَلٍ على أصله، أو أصل شيخه. (أو عُرِف بقبول التلقين في الحديث)(٢) بأن يُلقَّن الشيءَ فيحدِّثَ بهِ من غير [ب] (١) [قال الزركشي - ((النكت)) ٣: ١٠٠٣ (٢٧٠) -: هذا في النوم، أما النعاس الذي لا يختلَّ معه فهم الكلام : فلا بأس به، لا سيما في الفَطِن، سمعت شيخنا عماد الدين ابن كثير - ((اختصار علوم الحديث)) ص ١١٥ - ١١٦ - يحكي عن شيخه الحافظ أبي الحجاج المِزي: أنه ربما كان ينعُس في مجلس سماعه، فيغلط القارىء أو يَزِلّ، فيتيقظ الشيخ ويردُّ عليه سريعاً، وكان بعضهم إذا كتب طبقة السماع كتب: وفلان وهو ينعُس، وفلان وهو يكتب.]. (٢) التلقين: أن ((يقول الطالب للشيخ: قل حدثنا فلان بكذا، فيحدِّث به من غير أن يكون عارفاً بأنه من حديثه، ولا بعدالة الطالب، فلا يؤمن أن لا يكون ذلك الطالب ضابطًا لذلك القدر، فيدلّ على تساهل الشيخ، فلذلك عابوه على من فعله»، قاله الحافظ في (الفتح)) ١٣٨:٧ (٣٨١٩)، وانظر ((شرح الإلمام)) لابن دقيق العيد ١ :٢٩١. = ١٧٢ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به أو كثرة السهو في روايته إذا لم يحدِّث من أصل، أو كثرةِ الشواذّ والمناكير في حديثه. قال ابن المبارك، وأحمد، والحميدي، وغيرهم : [ش] أن يعلم أنه من حديثه، كما وقع لموسى بن دينار(١) ونحوِهِ. (أو كثرة السهو في روايته إذا لم يحدِّث من أصل) صحيح، بخلاف ما إذا حدَّث منه، فلا عبرة بكثرة سهوه، لأن الاعتماد حينئذ على الأصل لا على حفظه. (أو كثرة الشواذّ والمناكير في حديثه) قال شعبة(٢): لا يَجيئُكَ الحديثُ الشاذُّ إلا من الرجل الشاذ. وقيل له: مَن الذي تُترك الرواية عنه؟ قال: من أكثرَ عن المعروف من الرواية، ما لا يُعرف، وأكثرَ الغلطَ. (قال) عبد الله (ابن المبارك، وأحمد) بن حنبل، (والحميدي(٣) وغيرهم: [ب] وللأخ الدكتور الشيخ محمد عبد الله حَيّاني جزء محرَّر في ((التلقين)) وأحكامه، ومَن قَبِل التلقين. (١) موسى بن دينار المكي، أسند في ((الجرح)) ٨ (٦٣٩) إلى يحيى القطان قوله: ((دخلت على موسى بن دينار أنا وحفص بن غياث، فجعلت لا أُرِيده على شيء إلاّ تلقَّنه))، ثم أسند إلى حفص بن غياث قوله: ((موسى بن دينار يكذب))، وتفصيل ذلك في ((ضعفاء)) العقيلي ٤: ١٥٧ (١٧٢٧). (٢) ((الكفاية)) ص ١٤١، وقوله الذي بعده في ص ١٤٢، ١٤٥. (٣) ((الكفاية)) ص ١٤٣ - ١٤٤. ١٧٣ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به مَن غلِط في حديث فبّيِّن له فأصرَّ على روايته سقطتْ رواياته، وهذا صحيح إنْ ظهر أنه أصرَّ عنادًا أو نحوه. الثانيةَ عشرة: أعرض الناس هذه الأزمان عن اعتبار مجموع الشروط المذكورة، لكون المقصودِ صار إبقاء سلسلةِ الإسناد المختصّ بالأمة، فليُعتبرْ [ش] مَن غلِط في حديث فبُيِّن له) غلطُه (فأصرَّ على روايته) لذلك الحديث ولم يرجعْ (سقطت روایاته) کلّها، ولم يُكتب عنه. قال ابن الصلاح(١): وفي هذا نظر، قال: (وهذا صحيح إنْ ظهر أنه أصرَّ عنادًا أو نحوه)، وكذا قال ابن حبان(٢): قال ابن مهدي لشعبة: مَن الذي تُترك الرواية عنه؟ قال: إذا تَمادى في غلطِ مجمع عليه، ولم يَتَّهم نفسه عند اجتماعهم على خلافه. قال العراقي (٣): وقيّد ذلك بعض المتأخرين بأن يكون المبيِّن عالمًا عند المبَيَّن له، وإلا فلا حَرَج إذًا. (الثانيةَ عشْرة: أعرض الناس) في (هذه الأزمان) المتأخرة (عن اعتبار مجموع) هذه (الشروط المذكورة) في رواة الحديث ومشايخه، لتعذّر الوفاء بها على ما شُرِط، و(لكون المقصود) الآن (صار إبقاءَ سلسلةِ الإسناد المختصّ بالأمة) المحمدية، والمحاذرةَ من انقطاع سلسلتها، (فليُعتبرْ) من [ب] - (١) صفحة ١٠٨. (٢) في ((المجروحين)) ٧٩:١، وفيه وفي و: تمادى، وفي النسخ: تمارى. (٣) في ((التقييد)) ١: ٦٠١، وهذا (البعض) هو مغلطاي في كتابه ٣٤٦:٢ - ٣٤٧. ١٧٤ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به ما يليق بالمقصود، وهو: كون الشيخ مسلمًا بالغًا عاقلاً، غيرَ متظاهرٍ بفسق أو سُخف، وفي ضبطه: بوجود سماعه مُثُبُتًا بخطً غيرٍ متّهم، وبروايته من أصل موافقٍ لأصل شيخه، وقد قال نحوَ ما ذكرناه الحافظ أبو بكر البيهقي. [ش] الشروط (ما يليق بالمقصود) المذكور على تجرُّده، وليُكْتفَ بما يُذكر (وهو : كون الشيخ مسلمًا بالغًا عاقلاً، غيرَ متظاهرٍ بفسق أو سُخف) يُخلَّ بمروءته، لتتحقق عدالته. (و) يُكتفى (في ضبطه: بوجود سماعه مُثُبْتًا بخطً) ثقةٍ (غير متّهم، وبروايته من أصل) صحيح (موافقٍ لأصل شيخه، وقد قال نحوَ ما ذكرناه الحافظ أبو بكر البيهقي). وعبارته (١): توسَّع مَن توسّع في السماع من بعض محدِّي زماننا الذين لا يحفظون حديثهم، ولا يُحسِنون قراءته من كتبهم، ولا يعرفون ما يُقرأ عليهم، بعد أن تكون القراءة عليهم من أصل سماعهم، وذلك لتدوين الأحاديث في الجوامع التي جمعها أئمة الحديث. قال: فمن جاء اليومَ بحديثٍ لا يوجدُ عند جميعهم لا يقبل منه، ومن جاء بحديث معروف عندهم، فالذي يرويهِ لا ينفرد بروايته، والحجةُ قائمةٌ بحديثه برواية غيره، والقصدُ من روايته والسماع منه: أن يصير الحديثُ مسلسَلاً بـ: حدثنا، وأخبرنا، وتبقى هذه الكرامةُ التي خُصَّت بها هذه الأمةُ شرفًا لنبينا صلی الله عليه وسلم. (١) أي: البيهقي في ((مناقب الشافعي)) ٣٢١:٢. ١٧٥ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] وكذا قال السِّلَفي في ((جزء) له في شرط القراءة(١). وقال الذهبي في ((الميزان)) (٢): ليس العمدة في زماننا على الرواة، بل على [ب] - - (١) أي: في ((شرط القراءة على الشيوخ)) ص ٥٣ - ٥٤، وينظر كلامه ص ٥٥ من كتابه الآخر ((الوجيز في ذكر المجاز والمجيز)). (٢) آخر مقدمة ((الميزان)) ص ٤٨. وكلمة ((المقيِّدين)) هكذا جاءت في نسختي د، و، من نسخ ((التدريب))، ونسخة د، م أيضًا من نسخ ((الميزان))، الطبعة التي أعتمدها، طبعة الرسالة العالمية، أي: الكاتبين لطباق السماع، وفي النسخ الأخرى: المفيدين، بالفاء، ومثلها في ((لسان الميزان)) ٢٠٠:١. وقال الذهبي نفسه في ((الموقظة)) ص ٧٨: ((اشتهر عند طوائف من المتأخرين إطلاق اسم (الثقة) على من لم يُجرح: مع ارتفاع الجهالة عنه، وهذا يسمى [عند المتقدمين] مستوراً، ويسمىُ: محله الصدق، ويقال فيه شیخ)). وكنت ظننت أن الذهبي رحمه الله يعني بقوله ((من المتأخرين)) مَن كان قريب عهد منه، حتى رأيته نقل في ((السير)) ٧٠:١٦ في ترجمة ابن خلاد البغدادي، عن الخطيب في ((تاريخه)) ٤٧٠:٦ - وحلّه الذهبي بقوله: الشيخ الصدوق المحدث مسند العراق، وقال الخطيب: كان أحد الشيوخ المعدَّلين عند الحكام، ثم روى الخطيب: أن الدارقطني كان عند ابن خلاد هذا، فسأل الدار قطنيَّ: أيُّما أكبرُ الصاع أو المدُّ؟ فقال الدار قطني : انظروا إلی شیخکم الذي تسمعون منه، وإلى ما سأل !. ثم قال الخطيب: كان ابن خلاد لا يعرف من العلم شيئًا، غير أن سماعه كان صحيحًا، ثم نقل توثيقه عن أبي نعيم وابن أبي الفوارس، وأكّد ابن أبي الفوارس أنه کان لا يعرف الحديث. وكانت وفاته في صفر سنة ٣٥٩. وبعدما نقل الذهبي كل ما تقدم قال: ((قلت: فمن هذا الوقت - بل: قبله - صار = ١٧٦ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] المحدِّثين والمقيِّدين الذين عُرفت عدالتُهم وصدقُهم في ضبط أسماء السامعين. قال: ثم من المعلوم أنهُ لابدَّ من صَوْن الراوي وسَتره. انتهى (١). - الحفاظ يطلقون هذه اللفظة - [ثقة] - على الشيخ الذي سماعه صحيح، بقراءةِ متقنٍ، وإثباتِ عدلٍ، وترخَّصوا في تسميته بـ: الثقة، وإنما الثقة في عرف أئمة النقد كانت تقع على العدل في نفسه، المتقن لما حمله، الضابط لما نقل، وله فهم ومعرفة بالفن، فتوسَّع المتأخرون)). ولهذا البيان الناصع، والتاريخ المهم لهذه المرحلة الانتقالية في مصطلح هذه الكلمة: ارتباطٌ وثيق بمذهب ابن عبد البر الذي تقدم الحديث عنه ص ١٩، وهو يؤكد ما نسبه السخاوي في ((فتح المغيث)) ١٧٤:٢ إلى الذهبي أنه أيَّد مذهب ابن عبد البر. (١) ومع هذه الملاحظات وغيرها مما يأتي: توقَّف الزركشي فقال في ((النكت)) ١٠٠٧:٣ (٢٧٤): ((إن التساهل في هذا يجرُّ إلى التساهل بما دونه))، بل لقد حصل ما هو أشدّ منه، كما قال السخاوي في ((فتح المغيث)) ٢٧٦:٢، ثم قال الزركشي: ((وكيف يجوز خرق إجماع السابقين على أمرٍ بعد استقراره؟ أم كيف يقع إجماع بعد ثبوت الإجماع على خلافه؟!)). ثم نقل إنكار ذلك عن غيره، ثم أتى بطُرْفة تُذكّر بطرفة، لا أحبّ أن أُخْلي المقام من حكايتهما، تبصرة وتذكرة لطلاب الحديث الشريف في زماننا، قال رحمه الله: ((روى أبو محمد - الجُوَيني -، عن أبي بكر الحِيري، عن أبي العباس الأصم، قال - الحِيري -: كان يُقرأ عليه - على الأصم - حديث، فقال: أروي نصفَه، ولا أروي نصفه الآخر، فقيل له في ذلك؟ فقال: قرأت نصفه على الشيخ، ثم نهق حمار، فلا أدري سمعه الشیخ أم لا، فشککت فیه، فتركته)). = ١٧٧ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] وفي هذا المعنى قال ابن مُفَوِّز(١): (س) وأذكرتني هذه الطرفة طرفةً أخرى ذكرها المزي في ((تهذيب الكمال)) ٣٧٣:٢٠ في ترجمة الثقة الثَّبْت علي بن الحسن بن شقيق، قال: ((قال أبو عمار الحسين بن حُرَيث: قلت للشقيقي - هو عليٌّ نفسُه -: سمعتَ من أبي حمزة - السكَّري - كتابَ الصلاة؟ قال: قد سمعتُ، ولكن نَهَق حمار يومًا، فاشتبه عليَّ حديث، فلا أدري أيَّ حدیث هو، فتركت الکتاب کلّه)). والأمثلة كثيرة تَخرج عن كونها أمثلة، إلى حدّ أنها تعبِّر عن واقع علمي أساسي في حياتهم العلمية، تنظر فيما كتبتُه في ((معالم إرشادية لصناعة طالب العلم)) ص ١٨٨ فما بعدها. نعم، لابدّ من اعتبار الواقع والفارق الكبير بين المتقدمين والمتأخرين، لا سيما ما يتعلق بالفهم والعلم، فقد رخَّص النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فقال: ((رُبّ حامل فقه ليس بفقيه)) رواه من حديث زيد بن ثابت: أبو داود (٣٦٥٢)، والترمذي (٢٦٥٦) وقال: حديث حسن، والنسائي (٥٨٤٧)، وابن ماجه (٤١٠٥)، وهو بمجموع طرقه ورواته حدیث متواتر. (١) هذه الجملة والبيت الشعري من الزيادات على نسخة ك. وابن مُفَوِّز هو هنا: أبو بكر محمد بن حيدرة بن مفوِّز بن أحمد المَعَافري الشاطبي (٤٦٣ - ٥٠٥) رحمه الله، يخاطب بهذا البيت ابن حزم، قال المَقّري في ((نفح الطيب)) ٨٤:٢، ٣٧٥: ((له جزء يردّ فيه على أبي محمد ابن حزم، وفيه قال معرِّضًا: يا من تُعاني أمورًا لن تُعانيها خلِّ التعاني وأَعْطِ القوس باريها تروي الأحاديث عن كل مسامحةً وإنما لِمُعانيها مَعانيها وقيل: إنه خاطب بهما بعض أصحاب ابن حزم))، وينظر ((برنامج شيوخ الرُّعَيني)) = ١٧٨ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به الثالثةَ عشرة: في ألفاظ الجرح والتعديل، قد رتّبها ابن أبي حاتم ... [ش] وإنما لمُعانيها مَعانيها تَروي الأحاديثَ عن كلِّ مسامحةً (الثالثةَ عشْرةَ: في ألفاظ الجرح والتعديل(١)، قد رتّبها ابن أبي حاتم) في (س) ص١٢٧ وتصحح بعض الكلمات هناك. وثمَّةَ ابن مفوِّز رجل آخر، هو عمُّ هذا، هو أبو الحسن طاهر بن مفوِّز بن أحمد المعافري الشاطبي، كان له اختصاص بابن عبد البر، ولد سنة ٤٢٩، وتوفي سنة ٤٨٤ رحمه الله. ترجمته في ((السير)) ٨٨:١٩، وترجمة ابن أخيه فيه ٤٢١:١٩. (١) [فائدة: قال الذهبي - ((ذكر من يُعتمد قوله)) ص ١٧٢ - ١٧٣ -: أولُ من زكَّى وجرَّح من التابعين - وإن كان قد وقع ذلك قبلهم -: الشعبي، وابن سيرين، حُفظ عنهما توثيق أناس وتضعيف آخرين، وسببُ قلة ذلك في التابعين، قلةُ متبوعهم من الضعفاء، إذْ أكثر المتبوعين صحابةٌ عدول، وأكثر المتبوعين من غير الصحابة ثقات، ولا يكاد يوجد في القرن الأول الذي انقرض فيه الصحابة وكبار التابعين ضعيف إلا الواحدَ بعد الواحد، كالحارث الأعور، والمختار الكذاب، فلما مضى القرن الأول ودخل الثاني كان في أوائله في أوساط التابعين جماعة من الضعفاء الذين ضُعِّقوا غالباً من قِبَل تحمّلهم وضبطهم للحديث، فتراهم يرفعون الموقوف، ويرسلون كثيراً، ولهم غلط، كأبي هارون العبدي، فلما كان عند آخر عصر التابعين، وهو حدود الخمسين ومئة، تَكلّم في التوثيق والتضعيف جماعة من الأئمة .. إلخ. زركشي - ((النكت)) ٣ : ١٠٢١ (٢٨٠) -. ]. أما في مقدمة ((الميزان)) فذكر الأولية ليحيى بن سعيد القطان، لكنه قال هناك: أول من جُمع كلامه يحيى القطان. وأقول أيضًا: إنه لا بدّ من التنبيه إلى ملاحظة عامة حول المراتب الآتية كلها، ما كان منها للتعديل أو للتجريح، وهي: أن ألفاظَ كل مرتبة هي ألفاظٌ متقاربة في = ١٧٩ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به مدلولها، لا متساوية، فألفاظ التعديل التي في المرتبة الأولى أو الثانية ... - مثلاً - لا يلزم من ذكرها في مرتبة واحدة أن تكون متساوية في الدلالة على التعديل، أو التجريح، بل هي متقاربة، وتَقَارُبها هو الذي سوَّغ للعلماء أن يذكروها مع بعضها في مرتبة واحدة. والمثال على ذلك من ألفاظ أول مرتبة ذكرها الشارح. قال: ((ثقة، أو متقن، أو ثَبْت، أو حجة، أو عدل حافظ، أو عدل ضابط))، في حين أن بين (الثقة) والألفاظ الأخرى فوارقَ واضحة، أو دقيقة، فمن الواضح: الفرق بينها وبين: المتقن، والَّبْت، والحجة، فهذه أعلى من: الثقة، والثقة - كما هو معلوم -: هو العدل الضابط، لكن كون الإمام الجارح والمعدِّل كابن مهدي والقطان، وأحمد وابن معين - مثلاً - لمّا يَعدِل الواحد منهم عن (ثقة) إلى: عدل ضابط، لا بدّ أنه يريد إبراز جانب الضبط عنده أكثر من الواقع العام لمرتبة (الثقة)، وكذلك القول في: العدل الحافظ، وأرى أن (عدل ضابط) فيها مزيدُ إبرازِ جانب الضبط على: عدل حافظ، ولو شيئًا يسيرًا. وأُتبع هذا المثال بمثال آخر، لتوضيح الأمر أكثر وأكثر. سينقل الشارح ص١٩٢ عن العراقي رحمهما الله تعالى جملة من ألفاظ الجرح الخفيف القريب من التعديل: ((١ - فيه لين. ٢ - ليِّن. ٣ - فيه مقال. ٤ - ضُعِّف. ٥ - تَعرِف وتُنكر. ٦ - ليس بذاك. ٧ - ليس بالمتين. ٨ - ليس بحجة. ٩ - ليس بعمدة. ١٠ - ليس بمرضيّ. ١١ - للضعف ما هو. ١٢ - فيه خُلْف. ١٣ - تكلموا فيه. ١٤ - طعنوا فيه. ١٥ - مطعون فيه. ١٦ - سيء الحفظ)). وأرى أن أخفّ هذه الألفاظ أولُها، وأشدَّها آخرها، فهي متقاربة لا متساوية، و: ((فيه لين)) أخف من: ((ليّن))، فهذا اللفظ الثاني فيه إشعار بوصف ثابت مستقرّ في الراوي، بخلاف الأول، والأرقام: ٣، ٤، ١١، ١٢، ١٣، ١٤، ١٥ كلها دالة على أن الرجل متكلم فيه، والإمام القائل بها يريد الإشارة إلى هذا المعنى، لكن إلى أيّ حدّ كان فيه هذا المقال، وهل استقرّ أمر الراوي على الكلام فيه والتضعيف له، قد = ١٨٠ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ب] یقال: لا، ولو کان کذلك لقال: ضعيف، وانتهى. أما: ((ليس بذاك)): فمعناه: ليس بذاك القوي، ليس بذاك الحافظ، وهذا مشعر أنه غير حافظ مستحضر، كما قاله الحافظ في ترجمة أحمد بن بشير الكوفي من ((هدي الساري)». ولو فرضنا أن الرجل العمدة، والحجة، والمتين هو من كان في الدرجة العاشرة، فحينما نرى رجلاً في الدرجة الثامنة نقول عنه: هذا الرجل ليس بحجة، ولا عمدة، ولا متين، ولا يلزم من ذلك وجود أدنى ضعفٍ فيه، وقد قال ابن معين في إحدى الروايات عنه في محمد بن إسحاق: ثقة وليس بحجة. وإن هذه المناقشات - والمماحكات - اللفظية لازمة في أقوال الأئمة المتقدمين، لفهمها بدقة، أما المتأخرون منهم، فهي مناقشات لازمة، لمعنَى آخر، لا لفهمها، وهذا المعنى الآخر لا ينكشف، إلا بإرجاعها إلى مصادرها الأولى، لنرى مستوى (المقال، والخُلف، والكلام، والطعن) فيه، فقد كشفتْ هذه المراجعات عن نتائج توجب البحث والرجوع إلى المصادر الأصلية. فالزيلعي - مثلاً - قال في ((نصب الراية)) ٤١٤:٤ عن يوسف بن السفَر: ((فيه مقال)) مع أنه شديد الضعف، اتفقت كلمة النقاد على ذلك، وقليل من الرواة من اتفق علی تضعيفه بشدة، کما نبّهت إلى هذا في الدراسة التي كتبتها عن ((نصب الراية)) ص ٢٠٤، وذكرت هناك أمثلة أخرى. والذهبي يقول في ((الكاشف)) (٥٠٤١) عن محمد بن عثمان الجُمَحي: ((لُيِّن))، وقال (٥١١٦) عن محمد بن فليح: ((لَيَّنْه ابن معين))، مع أن حالهما أشدّ ضعفًا من التليين بكثير، وانظر أمثلة أخرى عنه في ((دراسات الكاشف)) ص٦٣. ومثل هذا الإجمال في نقل الجرح من المتأخرين، الذي يحتاج إلى تفصيل، حاصلٌ منهم أيضًا في نقل التوثيق، فيقولون: وثَّق فلان فلانًا، وقد يكون وثقه، و كثيرًا ما يكون مشاه بقوله: محله الصدق، لا بأس به، أرجو أنه لا بأس به، شيخ، =