Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] قال الصيرفيّ: وكذا إذا قالوا: فلان كذاب، لا بدَّ من بيانه، لأن الكذب يَحتمل الغلط، كقوله: كذب أبو محمد(١). (ت) نادر، فلا ينبغي أن يجعل قانونًا تبنى عليه الأحكام، وتُقعَّد عليه المبادىء. هذا إن سُلِّم. وأما خبر مسلم بن إبراهيم - وأظنه الفراهيدي، وهو الخبر الرابع عشر عند الخطيب -: (( .. سألت مسلم بن إبراهيم عن حديثٍ لصالح المُرّي؟ فقال: ما يُصنع بصالح؟ ذكروه يومًا عند حماد بن سلمة فامتخط حمادّ))، وعلّق عليه الخطيب بقوله: ((امتخاط حماد عند ذكره لا يوجب ردَّ خبره)). والجواب: قال مسلم في مقدمة ((صحيحه)) ص ٢٣: ((حدثنا الحلواني قال: سمعت عفان قال: حدثت حماد بن سلمة عن صالح المُرّي بحديث عن ثابت فقال: كذب، وحدثت همَّامًا عن صالح المري بحديث فقال: كذب)). وكذب هنا بمعنى أخطأ خطأ فاحشًا. فحماد بن سلمة - وهو من خاصة أصحاب ثابت البناني، كما هو مشهور - ينظر إلى صالح المرّي بهذا المنظارِ، منظارٍ إنسان خبير تمام الخبرة بأحاديث ثابت، فجاء صالح المري عن ثابت بما لا يعرفه حماد، فخطأه. فامتخاطه عند ذكره - في خبر الخطيب - مقصود، لا يقال فيه: لا يوجب ردَّ خبره، واستشهادُ الخطيب بهذا الخبر على ما يريده: في غير محله، والله أعلم. (١) حكاه الزركشي في ((البحر المحيط)) ٢٩٦:٤، عن الصيرفي وغيره. وجملة ((كذب أبو محمد)): قالها عبادة بن الصامت رضي الله عنهما لأبي محمد حين قال: الوتر واجب، يريد: أخطأ أبو محمد. والحديث في ((سنن)) أبي داود (٤٢٨، ١٤١٥) من وجهين مختلفين إلى عبادة، و((مصنف)) ابن أبي شيبة (٦٩٢٣)، و((مسند)) أحمد ٣١٧:٥، وعلَّقتُ على ((سنن)) = ٤٢ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به وأما كُتُب الجرح والتعديل التي لا يُذكر فيها سبب الجرح ففائدتُها التوقفُ فيمن جرحوه، فإنْ بحثنا عن حاله، وانزاحتْ عنه الريبة، وحصلتِ الثقة به : قَبِلنا حديثه، كجماعةٍ في الصحيحين بهذه المثابة. [ش] ولما صحّح ابن الصلاح هذا القولَ أورد على نفسه سؤالاً فقال(١): ولقائل أن يقول: إنما يَعتمِد الناس في جرح الرواة وردِّ حديثهم على الكتب التي صنفها أئمة الحديث في الجرح والتعديل، وقلّما يتعرّضون فيها لبيان السبب، بل يقتصرون على مجرَّد قولهم: فلان ضعيف، وفلان ليس بشيء، ونحوَ ذلك، أو: هذا حديث ضعيف، أو حديث غير ثابت، ونحوَ ذلك، واشتراطُ بيانٍ السبب يُفضي إلى تعطيل ذلك، وسدٍّ باب الجرح في الأغلب الأكثر. ثم أجاب عن ذلك بما ذكره المصنف في قوله: (وأما كُتُب الجرح والتعديل التي لا يُذكر فيها سبب الجرح) فإنا وإنْ لم نعتمدها في إثبات الجرح والحكم به (ففائدتُها التوقفُ فيمن جرحوه) عن قبول حديثه، لِمَا أوقع ذلك عندنا من الرِّيبة القوية فيهم (فإنْ بحثنا عن حاله، وانزاحتْ عنه الريبة، وحصلتِ الثقة به: قَبِلنا حديثه، كجماعةٍ في الصحيحين بهذه المثابة)(٢) كما [ب] - أبي داود ما خلاصته: أن ((كذب)) تأتي بمعنى أخطأ، لكن لا يستعملها العرب إلا في مقام الزجر الشديد عن هذا الخطأ، فينظر هناك. وأبو محمد: هو مسعود بن أوس بن زيد، من الأنصار، سكن دارَيَا، المُلْحَقَة الآن بدمشق، وشهد فتح مصر، وتوفي في خلافة عمر، رضي الله عنهما، له ترجمة في كتب معرفة الصحابة، وعند ابن عساكر ١٨٤:٦٧، والمزي في ((التهذيب)) ٢٥٩:٣٤. (١) صفحة ٩٨. (٢) قوله ((كجماعة في الصحيحين)): لفظ ابن الصلاح ص ٩٨: كالذين احتج = ٤٣ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] تقدمت الإشارة إليه(١). بهم صاحبا الصحيح، ومثله في ((الإرشاد)) للنووي ص ١١١، وهو التعبير الصحيح، فاحتجاج صاحبي الصحيح بالرجل توثيق ضمني له منهما، وأما مطلق الرواية: فلا يعتبر توثيقًا مطلقًا منهما، فقد يرويان لرجل: متابعة، أو استشهادًا، أو مقرونًا بغيره، أو مِن روايته عن شيخ معين، أو انتقاءً لبعض أحاديثه. وقد قال ابن الصلاح في مقدمة ((شرحه)) على صحيح مسلم ص ٩٩ بعد كلام: ((وفيما ذكرته دليل على أن من حكَم لشخص بمجرد رواية مسلم عنه في ((صحيحه)) بأنه من شرط الصحيح عند مسلم: فقد غَفَل وأخطأ، بل ذلك يتوقف على النظر في أنه کیف روی عنه، وعلی أيّ وجه روی عنه))، ولا ريب أن ذلك يقال فيمن روى لهم البخاري في صحيحه، كما تقدم هذا ٢: ٣٣٠ فما بعدها. ويُستغرب من السخاوي إذْ أخذ في ((شرح الغاية)) لابن الجزري ١٩٦:١ عبارة النووي هذه التي في ((التقريب))، واعتمدها، مع ما بينهما من فرق !. (١) هذا الإيراد وجوابه: ذكرهما ابن الصلاح آخر المسألة الثالثة من مسائل: مَن تقبل روايته ومن تردّ، فأوهم هذا الإيرادُ غيرَ المتأمل أن ابن الصلاح يقيم اعتراضًا بين رواةٍ نُقل فيهم جرحٌ مبهم غيرُ مقبول، وتعديلٌ مقبول: مفسَّر أو مبهم. في حين أن مراده رحمه الله الرواة الذين لم ينقل فيهم إلا جرح مبهم فقط، دون أي تعديل، فيرى أن الجرح المبهم أورث في نفس الباحث ريبة في هؤلاء الرواة، جعلته يتوقف عن قبول مروياتهم، حتى تنزاح عنهم هذه الريبة، بتعديل مقبول، ولو کان مبهما، كما لو رأينا أن الشیخین أو أحدهما احتج بحديث لأحدهم، فإنا حنیئذٍ نحتج بسائر رواياته. وهاهنا ملاحظتان: أولاهما على الجواب، وثانيتهما على الإيراد. = ٤٤ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ب] أما الأولى: فإن عدد الرواة المجروحين جرحًا مبهماً دون أي تعديل فيهم، أكثر بكثير من الرواة المحتج بهم في الصحيحين أو أحدهما، دون نقل تعديل فيهم، وسأنقل قريباً صفحة ٧٧ كلام الذهبي في مالك بن الخير الزَّبادي، وتعليق ابن حجر عليه، في عدد رواة الشيخين المشار إلى وصفهم. وهذه الكثرة تزداد إذا اعتبرنا الجهالة جرحًا، وعَمَدنا إلى من وصفهم أبو حاتم بذلك، أو بَيَّضَ لهم ابنه في كتابه ((الجرح والتعديل))، وأدخلناهم في التعداد. ويزداد العدد كثرة إذا مشينا على المشهور: عدم اعتماد توثيق ابن حبان. وهكذا، فإن عدد من تنزاح عنهم الريبة يكون قليلاً جدًّا، ولا تنحلّ المشكلة، وسوف نبقى أمام عدد كثير من الرواة، ومع كل واحد منهم عدد من الأحاديث محكوم عليها بالتوقف !! فعدد الأحاديث المتوقف فيها كبير. أما الملاحظة الثانية: فهي ملاحظة لفظية، قال الإمام ابن الصلاح في صدر هذه المسألة ما لفظه ومختصره: (( التعديل مقبول من غير ذكر سببه، وأما الجرح فإنه لا يقبل إلا مفسَّرًا))، وكلمة ((لا يقبل)) تساوي تمامًا هنا كلمة: مردود، وعلى هذا: فابن الصلاح يقول: الجرح المبهم مردود، ومعلوم أن كل مردود له نتيجة مسلَّمة: أنه لا أثر له، مع أن خلاصة جواب ابن الصلاح: أن الجرح المبهم ذو أثر، وهو أن الرجل ومروياته متوقّف فيها حتى تنزاح عنه الريبة، بأن نقف على تعديل له ولو تعديلاً مبهما، نحو احتجاج الشيخين أو أحدهما برواية له في كتابيهما. فالظاهر أن نحمل قوله: الجرح لا يقبل إلا مفسَّرًا، على معنى: لا يثبت على الراوي إلا مفسّراً، ولا نقول: إنه مردود. ودقة الإمام ابن الصلاح رحمه الله في عباراته - في كتابه كله - هي التي دعَتْني إلى هذه المناقشة اللفظية، في هذه المناسبة، وقد تقدم ٢: ٤٤١ عند كلامه على معلقات البخاري نموذج من دقائق عباراته، نبّهت إليها هناك، فلتنظر. وأخلص من هذا إلى نتيجة أخرى في أصل المسألة، هي: أن الراجح قبول = ٤٥ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] ومقابلُ الصحيح أقوال: أحدها: قبول الجرح غيرَ مفسَّر، ولا يقبل التعديل إلا بذكر سببه، لأن أسباب العدالة يكثُر التصنُّع فيها، فيبني المعدِّل على الظاهر، نقله إمام الحرمين، والغزالي، والرازي في ((المحصول)) (١). الثاني: لا يقبلان إلا مفسَّرِينٍ، حكاه الخطيب والأصوليون(٢)، لأنه كما قد [ب] - الجرح والتعديل كيفما كانا، مبهمين أو مفسّرين، إذا صدرا من إمام عارف بأسبابهما، وهو القول الذي حكاه الخطيب عن الباقلاني، وحكاه الباقلاني عن جمهور أهل العلم، وهو القول الثالث الآتي في الصفحة التالية. وقد خلص إلى هذه النتيجة من طريق آخر، وبعبارة أخرى، ثلاثة من الأئمة: ابن كثير في ((اختصار علوم الحديث)) ص ٩٥، والزركشي ٩٢٦:٣ (٢٤١)، والبلقيني ص ٢٩٢ رحمهم الله تعالى، وفي عباراتهم تشابه كبير، فمن السابق؟ أو مَن مصدرهم؟. وأنقل عبارة ابن كثير، قال بعدما لخص كلام ابن الصلاح: ((قلت: أما كلام هؤلاء المنتصبين لهذا الشأن، فينبغي أن يؤخذ مسلَّمًا، من غير ذكر أسباب، وذلك للعلم بمعرفتهم، واطلاعهم، واضطلاعهم، في هذا الشأن، واتصافهم بالإنصاف والديانة والخبرة والنصح، ... ، فالمحدث الماهر لا يتخالجه في مثل هذا وقفة في موافقتهم ... )). (١) إمام الحرمين في ((البرهان)) (٥٦٠)، والغزالي في ((المستصفى)) ١٦٢:١، والرازي في ((المحصول)) ٤٠٩:٤. (٢) لم أقف على هذا في كلام الخطيب في ((الكفاية)) صريحًا، وينظر عن الأصوليين: ((البحر المحيط)) ٢٩٤:٤، وغيره. ٤٦ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] يَجرح الجارح بما لا يَقدح، كذلك يوثَّق المعدِّل بما لا يقتضي العدالة، كما رَوَى يعقوبُ الفَسَوي في ((تاريخه)) (١) قال: سمعت إنسانًا يقول لأحمدَ بن يونس: عبد الله العمري ضعيف؟ قال: إنما يضعفه رافضي مبغض لآبائه، لو رأيتَ لحيته وهيئته لعرفتَ أنه ثقة! فاستدل على ثقته بما ليس بحجة، لأن حسنَ الهيئة يشترك فيه العدلُ وغیره. الثالث: لا يجب ذكر السبب في واحدٍ منهما، إذا كان الجارح والمعدِّل عالمَيْن بِأسباب الجرح والتعديل، والخلافِ في ذلك، بصيرًا مرضيًّا في اعتقاده وأفعاله، وهذا اختيار القاضي أبي بكر ونَقَله عن الجمهور(٢)، واختاره إمام الحرمين، والغزالي، والرازي، والخطيب، وصححه الحافظ أبو الفضل العراقي، والبُلقيني في ((محاسن الاصطلاح)) (٣). (ت) - (١) ((المعرفة والتاريخ)) ٦٦٥:٢، ومن طريقه: الخطيب في ((الكفاية)) ص ٩٩. وأحمد بن يونس: غالب الظن أنه المترجم في ((السير)) ١٢: ٥٩٥: أبو العباس أحمد ابن بونس بن المسيب الضبي الكوفي المتوفى سنة ٢٦٨، وكانت وفاة يعقوب بن سفیان سنة ٢٧٧. (٢) أبو بكر: هو الباقلاني، وكلامه في ((الكفاية)) ص ١٠٧ - ١٠٨، وانظر لزامًا ما يأتي صفحة ١٥٦ : الخامس عشر، من الفوارق بين الشهادة والرواية. (٣) ((البرهان)) (٥٦١)، و((المستصفى)) ١٦٣:١، و((المحصول)) ٤: ٤١٠، و((الكفاية)) ص٩٩، ١٠٧، و((التقييد والإيضاح)) ١: ٥٦٠، و((محاسن الاصطلاح)) ص ٢٩٢. ٤٧ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] واختار شيخ الإسلام تفصيلاً حسنًا (١)، فإنْ كان مَن جُرح مجمَلاً قد وثقه أحد من أئمة هذا الشأن: لم يقبل الجرح فيه مِن أحدٍ، كائنًا مَن كان إلا مفسَّرًا، لأنه قد ثبتت لهُ رتبة الثقة فلا يُزحزَح عنها إلا بأمر جليّ، فإن أئمة هذا الشأن لا يوثقون إلا مَن اعتبروا حاله في دينه، ثم في حديثه، وتفقدوه كما ينبغي، وهم أيقظُ الناس، فلا يُنقض حكم أحدِهم إلا بأمر صريح. وإنْ خلا عن التعديل قُبُل الجرح فيه غيرَ مفسَّر إذا صدر من عارف، لأنه إذا لم يعدَّل فهو في حيِّز المجهول، وإعمالُ قول المجرِّح فيه: أولى من إهماله. وقال الذهبي(٢) - وهو من أهل الاستقراء التامّ في نقد الرجال -: لم يَجتمعِ اثنان من علماء هذا الشأن قطُّ على توثيق ضعيف، ولا على تضعيف ثقة. انتهى. ولهذا كان مذهب النسائي: أن لا يُترك حديث الرجل حتى يُجمعوا على تر که(٣). [ب] - (١) كلامه الآتي من ((النكت الوفية)) ٦١٠:١، ونحوه في ((شرح النخبة)) ص ١٣٧. واشتهر هذا القول عن الحافظ ابن حجر، لكن أصله لابن القطان في ((بيان الوهم)) ١٩٨:٥، ٢٦:٤ - ٢٧، ونقله عنه الزركشي في ((البحر)) ٢٩٦:٤. (٢) في (الموقظة)) ص ٨٤، لكن النقل عنه هنا بواسطة الحافظ في ((شرح النخبة)) ص ١٣٦، وانظر توضيح شيخنا لكلمة الذهبي في التعليق على ((الرفع والتكميل)) ص ٢٨٦ - ٢٩١. (٣) تقدم ٣: ٤٤. ومن المهم التنبيه إليه هنا: ما قاله الحافظ في (النكت على ابن الصلاح)) ١: ٨٤٢: ((إن النسائي أراد بذلك إجماعًا خاصًا، وذلك أن كل طبقة من نقاد الرجال = ٤٨ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به الخامسة : الصحيح: أن الجرح والتعديل يثبتان بواحد، وقيل: لا بدّ من اثنین. [ش] (الخامسة: الصحيح: أن الجرح والتعديل يثبتان بواحد) لأن العدد لم يُشترط في قبول الخبر، فلم يُشترط في جرح راويه وتعديله، ولأن التزكية بمنزلة الحكم، وهو أيضًا لا يشترط فيه العدد. (وقيل : لا بدّ من اثنين) كما في الشهادة، وقد تقدم الفرق(١). قال شيخ الإسلام(٢): ولو قيل: يفضَّل بين ما إذا كانت التزكية مستندة من المزكِّي إلى اجتهاده، أو إلى النقل عن غيره: لكان مثَّجهًا، لأنه إن كان الأول: فلا يشترط العدد أصلاً، لأنه بمنزلة الحاكم، وإن كان الثاني: فيجري فيه الخلاف، ويتبين أيضًا: أنه لا يشترط العدد، لأن أصل النقل لا يشترط فيه، فکذا ما تفرع عنه. انتھی. وليس لهذا التفصيل الذي ذكره فائدةٌ إلا نفيَ الخلاف في القسم الأول. لا تخلو من متشدد ومتوسط، فمن الأُولى: شعبة وسفيان الثوري، وشعبة أشدّ منه، ومن الثانية: يحيى القطان وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى أشد من عبد الرحمن، ومن الثالثة: يحيى بن معين وأحمد، ويحيى أشد من أحمد، ومن الرابعة: أبو حاتم والبخاري، وأبو حاتم أشد من البخاري)). ثم قال الحافظ: ((فظهر أن الذي يتبادر إلى الذهن من أن مذهب النسائي في الرجال متسع، لیس کذلك)). (١) بل سيأتي، وهو الفرق الرابع عشر من الفروق بين الشهادة والرواية، وسيأتي صفحة ١٥٦. (٢) في ((شرح النخبة)) ص ١٣٥ - ١٣٦. ٤٩ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به وإذا اجتمع فيه جرح وتعديل : فالجرح مقدَّم. [ش] وشمِل ((الواحدُ)): العبدَ والمرأةَ، وسيذكره المصنف من زوائده(١). (وإذا اجتمع فيه) أي: في (٢) الراوي (جرح) مفسَّر (وتعديل: ١ - فالجرح مقدَّم)(٣) (١) صفحة ١٠٧. (٢) ((في)) زيادة من النسخة الأزهرية فقط. (٣) [قال الزركشي - ((النكت)) ٣: ٩٣٣ (٢٤٣) -: هذا إذا تعارض من قائلَيْن، فأما إذا تعارضا من قائل واحد فلم أر من تعرَّض له، وهذا يتفق ليحيى بن معين، وغيره، يُروى عنه تضعيفُ الرجل مرة، وتوثيقُه أخرى، وكذا ابن حبان يذكره في (الثقات)) مرة، ويدخله في ((الضعفاء) أخرى، قال الإسماعيلي في ((المدخل)): وليس ذلك بتناقض ولا إحالة، ولكنه صدر عن حالين مختلفين، عرض أحدهما في وقت، والآخر في غيره. قلت: والظاهر في هذه الحالة: إنْ ثَبَت تأخّر أحد القولين عن الآخر، فهو المعمول به، وإلا وجب التوقف. انتهى باختصار.]. وأقول: إن هذا القول والأقوال الثلاثة التالية: هي - فيما يبدو لي، والله أعلم - أحكام إجمالية، حتى عند أصحابها، وعند المعتمدين لها ممن جاء بعدهم، فلا أُبعد أن ترى عند التطبيق العملي ممن يقول بتقديم الجرح، من يلجأ إلى القول الثاني: تقديم التعديل، فهو عند الحكم النظري يقول: الجرح مقدم، وفي كثير من أحكامه تراه معتمداً مطبقًا له، لكنه قد يعدل عنه في بعض الأحيان لقرائن أخرى تقوم عنده، تصرفه عما قرَّره. ومن هذه الصوارف: ما يقول العلماء في بعض مناسباتهم: إن مذاهب النقاد - أي: علماء الجرح والتعديل - مختلفة، فينبغي التعامل مع أقوالهم بحذر وتفهُم لها. ومنها: أن للجرح والتعديل دخائل ودَغَلاً، يجب على المشتغل به أن يتعرف عليها ببحث دقيق، وتعمق شديد، وأن يكون على استحضار تام لها عند اللزوم، لغربلة ما أمامه من هذه الأقوال، ويخرج منها بنتيجة سليمة إن شاء الله. = ٥٠ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] ولو زاد عددُ المعدِّل، هذا هو الأصح عند الفقهاء والأصوليين، ونقله الخطيب عن جمهور العلماء(١)، لأن مع الجارح زيادةَ علمٍ لم يطلع عليها المعدّلُ، ولأنه مصدِّق للمعدِّل فيما أخبر به عن ظاهر حاله، إلا أنه يخبر عن أمرٍ باطنٍ خَفِي عنه. وقيّد الفقهاء ذلك بما إذا لم يقل المعدِّل: عرفتُ السبب الذي ذكره الجارح، ولكنه تاب وحسُنتْ حاله، فإنه حينئذ يقدّم المعدِّل. قال البلقيني(٢): ويأتي ذلك أيضًا هنا إلا في الكذب [على رسول الله صلى الله عليه وسلم]، كما سيأتي(٣). ولا يقف الأمر عند الجارح والمعدِّل، بل يتعداه إلى ناقلي هذه الأقوال، فإن نقولهم مرآة صادقة عن مشاربهم. (١) تمام رأي الخطيب في المسألة: إذا تساوى عدد الجارحين والمعدِّلين: فقد اتفق أهل العلم على تقديم الجرح، أما إذا كان عدد الجارحين أقلّ من عدد المعدِّلين: فالجمهور على تقديم الجرح أيضًا، ينظر ((الكفاية)) ص ١٠٥، ١٠٧، وسيأتي هذا قريباً ص ٥٥، عن العراقي. وحكى الإجماعَ أيضًا في حال التساوي: الباقلاني، وسيأتي كلامه تعليقاً ص ٥٤ بواسطة المازري. (٢) هكذا في النسخ جميعها: قال البلقيني، وله وجه، وأوجهُ منه أن يقال: قاله البلقيني، فإن قول الشارح قبل سطرين: ((وقيَّد الفقهاء ذلك ... )): هو من البُلقيني ص ٢٩٤، وإنما قلت عن الذي أثبتُّه: ((له وجه))، لأن الكلام الذي بعده مأخوذ من البلقيني أيضًا، والله أعلم، وما بين المعقوفين منه أيضاً ومن نسخة و فقط. ومع ذلك فينظر كلام الزركشي في المسألة ٩٣١:٣ (٢٤٣) من ((النكت)). (٣) ص ١٤٤ فما بعدها. والمعنى: أن من جُرح بالكذب فإنه داخل تحت قيد = ٥١ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] وقيده ابن دقيق العيد (١) بأنْ يُبنى على أمر مجزوم به، لا بطريق اجتهادي، كما اصطلح عليه أهل الحديث في الاعتماد في الجرح على اعتبارٍ حديث الراوي بحديث غيره، والنظرٍ إلى كثرة الموافقة والمخالفة. ورُدَّ: بأن أهل الحديث لم يعتمدوا ذلك في معرفة العدالة والجرح، بل في معرفة الضبط والتغفُّل (٢). واستُثْني أيضًا (٣): ما إذا عيَّن سببًا فنفاه المعدِّل بطريق معتبر، بأنْ قال: قَتَل - [ب] الفقهاء: الجرح مقدم على التعديل، لأن عند الجارح زيادة علم، إلا إذا دلّ الموقف على أن زيادة العلم عند المعدِّل، كأن يقول المعدِّل للجارح: أنا أعلم أن في الراوي الذي تجرحه ما تقوله فيه، لكنه تاب منه، فإن التقديم حينئذ لقول المعدِّل، لكن لما كان بين المحدثين خلاف في قبول رواية التائب من الكذب، استثنى ذلك وأحال على ما يأتي: الموضع المذكور. (١) نقله عنه الزركشي في ((البحر المحيط)) ٢٩٧:٤، وفسَّر قولَه ((مجزوم به)): ((أي: بكونه جارحًا)). يريد: أن يكون الجرح بسبب يصلح للجرح والطعن جزمًا، لا اجتهاديًا ظنيًا، كما يقع من بعضهم، فيجرح بقرائن ظنية غير جازمة، مثالها: كما اصطلح عليه أهل الحديث ... ، إلى آخر كلام الشارح، ونقله. وأُريد من هذا البيان: أن ابن دقيق العيد يريد توضيح الأمر الاجتهادي في باب العدالة، كما هو صريح كلامه عند الزركشي، بنظير له في باب الضبط، وهو غير غافل عن الفرق بين البابين، فالردُّ الذي سيحكيه الشارح في غير محلِّه. (٢) في أ، هـ، ط: النقل. (٣) هذا الاستثناء من الزركشي في ((البحر)) ٢٩٨:٤، و((النكت)) ٩٣١:٣ (٢٤٣). والواقع أن هذا الاستثناء ما هو إلا تطبيق للقيد الذي تقدم نقله عن الفقهاء. ٥٢ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] غلامًا ظلمًا يوم كذا، فقال المعدِّل: رأيته حيًّا بعد ذلك، أو كان القاتل في ذلك الوقت عندي، فإنهما يتعارضان(١). وتقييدُ الجرح بكونه مفسَّرًا: جارٍ على ما صححه المصنف وغيره، كما صرح به ابن دقيق العيد وغيره(٢). - (١) تمام كلام الزركشي في ((النكت)) ٩٣١:٣ (٢٤٣): [يتعارضان فيتساقطان، ويبقى أصل العدالة ثابتًا، ويَحتمِل أن يقال بتقديم قول المعدِّل، لأن السبب الذي استند إليه الجارح قد تبيَّن بطلانه، فكأنه لم يكن، وبقي التعديل مستقلاً، والحكم واحد، غير أن هذا الاحتمال يكون ثبوت عدالته بالأصالة فقط . [وذكر ابن الرفعة - ((كفاية النبيه)) ١٨: ٢٢٠ - مسألةً أخرى: وهي ما إذا شهدا بجرحه ببلد، ثم انتقل إلى غيره فعدّله آخران فيها، هنا يقدَّم التعديل، كذا أطلقه [أطلقوه]، وينبغي تقييده بما إذا كان بين انتقاله من الأول إلى الثاني مدةُ الاستبراء، وإلا فلا يقدَّم. انتهى.]. أما السخاوي فقال ١٩٠:٢: ((يُصار إلى الترجيح، ولذا قال ابن الحاجب: أما عند إثبات معيَّن، ونفیه بالیقین: فالترجيح)). والمعنى: إثبات الجرح بسبب معيَّن، ثم نفيه بجواب يقيني - كالمثالين اللذين ذكرهما الشارح - فيطلب ترجيح الجرح أو التعديل بأمر خارجي. وكلامُ ابن الحاجب: في ((مختصره)) ١: ٥٨٣، ٥٨٥، و٤٥٢:٢ مع شرح العضد وحواشیه. (٢) صرّح به ابنُ دقيق العيد في صدر كلامه المنقولِ بعضُهُ قبل أسطر، ونحوه = ٥٣ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به وقيل : إن زاد المعدِّلون قُدِّم التعديل. [ش] ٢ - (وقيل: إن زاد المعدِّلون) في العدد على المجرِّحين (قُدِّم التعديل) لأن كثرتهم تُقوّي حالهم وتُوجب العمل بخبرهم، وقلةُ المجرِّحين تُضعِف خبرهم. قال الخطيب(١): وهذا خطأ وبعدٌ ممن توهَّمه، لأن المعدِّلين وإنْ كثُروا لم يُخِبروا عن عدمٍ ما أخبر به الجارحون، ولو أَخبروا بذلك لكانت شهادةً باطلة على نفي. ٣ - وقيل: يُرجَّح بالأحفظ، حكاه البُلقيني في ((محاسن الاصطلاح))(٢). [ب] - في ((الاقتراح)) ص ٢٩٦، وانظر ما نقلته قريباً ص٥١ عن الزركشي ٩٣٢:٣ (٢٤٣) عن المزي وغيره. (١) في ((الكفاية)) ص ١٠٧، والشارح ينقل بواسطة العراقي في ((شرح ألفيته)) ص١٥٢، لا مباشرة من ((الكفاية))، بدليل أن كلمة ((خطأ)) ليست من كلام الخطيب، بل لفظه: ((وهذا بُعْدٌ ممن توهَّمه)). (٢) صفحة ٢٩٤، وكذا حكاه الزركشي في ((النكت)) ٩٣١:٣ (٢٤٣). قلت: وقد نبَّه هنا مغلطاي إلى أمر مهم جدًّا في العلوم كلها، وفي هذا العلم خاصة، وهو توارد اللاحق مع السابق على جرح راوٍ أو تعديله، فقال رحمه الله ٣٢٣:٢: ((إنْ نظرنا في المجرِّحين أو المعدلين - مثلاً - وإلى كثرتهم، فيشترط أن يكون كل واحد منهم مستقلاً بما يقوله، غير آخذ لذلك عن غيره، كقول يحيى بن سعيد في ابن إسحاق: إنه كذاب، فقيل له: من أين لك هذا؟ قال: قال لي مالك: أشهد أنه كذاب، فقيل لمالك: من أين لك هذا؟ قال: أخبرني هشام بن عروة أنه كذاب، لأنه حدّث عن فاطمة بنت المنذر زوجي، فإذا انتفى ما قلناه، حينئذٍ ينظر إلى القلة والكثرة، وإلا فلا)). = ٥٤ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] ٤ - وقيل: يتعارضان فلا يرجَّح أحدهما إلا بمرجِّح، حكاه ابن الحاجب(١) [ب] - وهذا تنبيه في غاية الأهمية، وانظر ما كتبته في مقدمة ((مصنف)) ابن أبي شيبة ص٦٢، أو في ((دراسات الكاشف للذهبي)) ص ١٤٦: التحذير من التوارد على الجرح أو التعديل. كما نَّه مغلطاي - أولاً - إلى تقديم قول المعاصر في معاصره، على قول غير المعاصر، إذا تساويا في النقد والعلم. وأزيد أيضًا: إذا تساويا في السلامة من داء المعاصرة !. (١) إن كان مراده: ابن الحاجب في ((مختصر المنتهى)): فلم أره فيه ٥٨٣:٢، ٥٨٥، وإن كان مراده الأصل وهو ((المنتهى)): فينظر، ولفظه: ((مسألة. الجرح مقدَّم، وقيل: الترجيح)). وابن شعبان: هو محمد بن القاسم، من ذرية عمار بن ياسر رضي الله عنهما، وكان شيخ المالكية في عصره، تنظر ترجمته ومصادرها في ((السير)) ٧٨:١٦ مع التعلیق. أما تحرير الحكاية عن ابن شعبان: فهو أن يقال: هناك ثلاث صور في تعارض الجرح والتعديل: أن يتساوى عدد الجارحين والمعدلين، أو أن يزيد عدد المعدلين، أو أن يزيد عدد الجارحين، فإن تساوى عددهم - وهي الصورة المقصودة هنا -: فقد حكى الباقلاني الإجماع على تقديم الجرح، نقل ذلك عنه المازري في ((إيضاح المحصول)) ص ٤٧٩، قال: ((فأما إذا تساوى عدد المجرِّحين والمعدِّلين .. فإن القاضي ابن الطيب - الباقلاني - حكى الإجماع على قبول التجريح وتقدمته ها هنا على التعديل، وما أرى الإجماع يثبت له، لأن ابن شعبان من أصحابنا - المتوفى ٣٥٥ - ذَكَر في كتابه المترجم بـ ((الزاهي)) في ذلك قولين، أحدهما: أن شهادة = ٥٥ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به وإذا قال : حدثني الثقة، أو نحوَه لم يُكْتُفَ به. [ش] وغيره عن ابن شعبان من المالكية. قال العراقي(١): وكلام الخطيب يقتضي نفي هذا القول، فإنه قال: اتفق أهل العلم على أن من جرحه الواحد والاثنان، وعدَّله مثلُ عددٍ من جرحه فإن الجرح به أولى، ففي هذه الصورة حكاية الإجماع على تقديم الجرح، خلافَ ما حكاه ابن الحاجب. (وإذا قال: حدثني الثقة، أو نحوَه) من غير أن يسميه (لم يُكْتُفَ به) في [ب] المعدلين أولى، والثاني: أن المجرِّحين أولى .. ، وإن كان المجرِّحون هم الأكثر فلا شك في تقدمة شهادتهم)). وقد ذكر هذا عن ابن شعبان: التاج السبكي في ((رفع الحاجب)) ٣٩٦:٢، والزركشي في ((البحر)) ٢٩٨:٤. والخلاصة: أن حكاية قول ابن شعبان هنا في صورةِ زيادة عددِ المعدلين على عدد الجارحين: في غير محلها من وجهين، أولهما: أنه حكى الخلاف في صورة تساوي العددین. ثانيهما: أنه لا تعارض ولا ترجيح إلا بمرجِّح. ولابدّ من التنبيه أخيراً - لتبرئة ساحة العراقي - إلى أن العراقي قال آخر كلامه: حكاه ابن الحاجب، فزاد الشارح من عنده ((عن ابن شعبان من المالكية)). (١) في ((شرح الألفية)) ص١٥٢، والخطيب ص ١٠٥، وأقول: نعم، كلام الخطيب يفيد هذا، لكن: المثبت مقدَّم على النافي. وتقدم في الصفحة السابقة تحرير قوله الذي نقله عنه ابن الحاجب، وأنه لا علاقة له بهذا الوجه. ٥٦ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به على الصحيح، وقيل: يُكتفى، فإن كان القائل عالمًا كَفَى في حق موافِقِه في المذهب عند بعض المحققين. [ش] التعديل (على الصحيح) حتى يسمِّيه(١)، لأنه وإن كان ثقةً عنده فربما لو سمّاه لكان ممن جرحه غيرُهُ بجرحٍ قادح، بل إضرابُه عن تسميته رِيبةٌ تُوقع ترددًا في القلب، بل زاد الخطيب(٢): أنه لو صرح بأن كل شيوخه ثقاتٌ، ثم روى عمن لم يُسمِّه: لم يُعمَل بتزكيته، لجواز أن يُعرف - إذا ذكره - بغير العدالة. (وقيل: يُكتفى) بذلك مطلقًا، كما لو عيَّنه، لأنه مأمون في الحالتين معًا. (فإن كان القائل عالمًا) أي: مجتهداً، كمالك والشافعي - وكثيرًا ما يفعلان ذلك - (كَفَى في حق موافِقِه في المذهب) لا غيرِه (عند بعض المحققين). قال ابن الصباغ (٣): لأنه لا يورِد ذلك احتجاجًا بالخبر على غيره، بل يَذكر لأصحابه قيام الحجة عنده على الحكم، وقد عَرَف هو من رَوَى عنه ذلك، [س) (١) ينظر ما هو الفرق الجوهري بين هذه المسألة، وما وقع لهم فيها من أخذ وردّ، وبين ما سيأتي قريباً ص ٦٠ تحت الفائدة الأولى؟ وما هي إلا أحكام من أتباعٍ مذهبه وأصوله، ولا مانع من ذلك، لكن ينبغي القول أيضًا: إنه لا مانع أن يكون هناك أحكام أخرى لعلماء آخرين من أتباع الأئمة الآخرين، حينئذٍ: فالنتيجة المهمة أننا لا ننزل هذه الأحكام المذهبية الخاصة في الأصول، على أحكام المذاهب الأخرى في الفروع، قبولاً وردًّا، ولنستريح كثيرًا من هذا الشَّتات العلمي العريض !. (٢) في ((الكفاية)) ص ٩٢، والكلام للعراقي في ((شرح الألفية)) ص ١٥٣. (٣) النقل عنه بواسطة العراقي في ((شرح الألفية)) ص١٥٤. ٥٧ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] واختاره إمام الحرمين(١)، ورجحه الرافعي في ((شرح المسند))(٢)، وفَرَضه في صدور ذلك من أهل التعديل. وقيل(٣): لا يكفي أيضًا حتى يقول: كلّ من أروي لكم عنه ولم أسمُّه فهو عدل. - (١) الذي في ((البرهان)) ٤٠١:١ (٥٦٣) رواية العدل عمن لم يُذكر بجرح ولا تعديل، قال فيها: ((الرأي فيه عندي التفصيل)): إن كان معروفًا بالرواية عن الثقات فقط: فهي تعديل، وإن كان يروي عن الثقات وغيرهم: فلا، وهذه مسألة أخرى غير التي نحن فيها، وكأن الشارح متابع لما في ((البحر المحيط)) ٢٩٢:٤. (٢) أي: ((شرح مسند الشافعي)) للرافعي، وتنظر التعليقة الخامسة في ١ :٧٧ منه، فلعله تكلم بشيء هناك. (٣) حكاه الخطيب في ((الكفاية)) ص ٩٢، لكن أتبعه بحكمه وبقوله: ((غير أنا لا نعمل علی تزکیته)). ونقل الشيخ ابن العجمي عن: [الزركشي - ((النكت)) ٣: ٩٤٧ (٢٤٧) -: حكى مغلطاي - ((الإكمال)) ١: ٣٢، ٤ : ٣٧٥ - عن ((تاريخ قرطبة)): أن بَقيّ بن مَخْلد قال: كل من رويت عنه فهو ثقة.]. وتوارد مَن بعد مغلطاي على هذا القول، وينبغي أن يلاحظ القيد الذي في الموضع الثاني عند مغلطاي: ثقة عنده، لا مطلقاً. و((تاريخ قرطبة)): من نوادر مصادر مغلطاي رحمه الله تعالى. وسمى مؤلفه آخر ترجمة آدم بن أبي إياس: أبا عبد الملك بن أحمد بن محمد بن عبد البر، فلتنظر ترجمته؟. ٥٨ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] قال الخطيب(١): وقد يوجد في بعض مَن أبهموه الضعفاء، لخفاء حاله، و كرواية مالك عن عبد الكريم بن أبي المُخارِق(٢). [ب] (١) أصل الكلام للعراقي في ((شرح الألفية)) ص١٥٣، وهو ينقل كلامًا للخطيب في ((الكفاية)) ص ٩٢: أن منهم من كان يلتزم الرواية عن الثقات، وقال: ((كان ممن سلك هذه الطريقة عبد الرحمن بن مهدي))، قال العراقي: ((زاد البيهقيُّ مع ابن مهدي: مالك بن أنس، ويحيى بن سعيد القطان، قال: وقد يوجد ... )) فقائل (قال) هو البيهقي، لكن ظنه الشارحُ الخطيبَ، فنسب الكلام إليه، والصواب أنه البيهقي، وهو في ((المدخل)) (٥٦٤). وأقول أيضاً: بعد ما حكى الخطيب عن ابن مهدي هذه الطريقة: أسند إلى الأثرم، عن الإمام أحمد قوله: ((إذا روى عبد الرحمن - ابن مهدي - عن رجل فروايته حجة. قال أبو عبد الله - الإمام أحمد -: كان عبد الرحمن أولاً يتسهّل في الرواية عن غیر واحد، ثم تشدّد بعدُ، کان یروي عن جابر، يعني الجعفيَّ، ثم تركه)). وقد ذكر السخاوي هذا في ((فتح المغيث)) ٢: ١٩٣، وصدَّره بقوله: ((رُوِي أن ابن مهدي))، وكأن ذلك لِما في الخبر من نكارة، فعبد الرحمن توفي سنة ١٩٨ عن ٧٥ سنة، أي: ولد سنة ١٢٣، وكانت وفاة الجعفي سنة ١٢٧، أو ١٢٨، أو ١٣٢، فلم يدرك ابنُ مهدي الروايةَ عن جابر هذا. والله أعلم. نعم، لو قيل في ابن مهدي أنه كان يتشدد ثم تسهّل لكان قريبًا، بناءً على ما رواه الخطيب ص ١٠٩ - ١١٠، عن أبي بكر بن أبي الأسود، عن خاله ابن مهدي: أنه ترك الرواية أولاً عن الحسن بن أبي جعفر، وعباد بن صهيب، ثم صار يروي عن الحسن بن أبي جعفر، إلى آخر الخبر. والله أعلم. (٢) قال ابن عبد البر آخر مقدمة ((التمهيد)) ٦٠:١ = ص ١٤٣ بتحقيق شيخنا: = ٥٩ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ب] ((روى مالك عن عبد الكريم، وهو مجتَمَع على ضعفه وتركه، لأنه لم يعرفه إذْ لم يكن من أهل بلده، وكان حسنَ السمت والصلاة، فغرَّه ذلك منه، ولم يُدخِل في كتابه عنه حکمًا، أفرده به)). لكن لم يكن ذلك عن قصد من عبد الكريم، وغشِّ منه لمالك، كما في قصة بلال بن أبي بردة مع عمر بن عبد العزيز. انظرها في ((تهذيب الكمال)) ٢٧١:٤. ثم أكّد في ((التمهيد)) ٦٥:٢٠ ما قاله في أوله، فقال: ((لم يُخرج مالك عن عبد الكريم حكمًا في ((موطئه))،، إنما ذكر فيه ترغيبًا وفضلاً))، ثم ذكر الحديث ٦٧:٢٠، وقدَّم عليه قوله: ((أما الأحاديث التي ذَكَر عنه مالك فصحاح مشهورة جاءت من طرق ثابتة)). ثم ذكر الحديث من ((الموطأ)) ١٥٨:١ (٤٦): ((مالك، عن عبد الكريم بن أبي المُخارق البصري: أنه قال: من كلام النبوة: إذا لم تستح فافعل ما شئت، ووضعُ اليد إحداهما على الأخرى في الصلاة، وتعجيل الفطر، والاستيناء بالسَّحور))، أي: تأخير السحور. وفيه موضع آخر، فيه حكاية قضاء ابن عباس لصلاة الوتر بعد صلاة الفجر ١٢٦:١ (٢٣). فإن قيل: في هذا الكلام أحكام وتشريع، فكيف يقول الإمام ابن عبد البر: لم يُدخل مالك في ((الموطأ)) أحكامًا عن عبد الكريم، إنما روى عنه ترغيبًا وفضلاً؟ !. فالجواب: أن هذه الأحكام هي من المندوبات، وفي دخولها تحت (الأحكام التكليفية) اختلاف، كما حكاه شيخنا العلامة عبد الله الصديق في (الحاوي)) ص١١٧، وقال: ((إن التكليف إلزامُ ما فيه كلفة، ولا إلزام في المندوب والمكروه، وهذا ما صححه ابن الحاجب والعَضُد وابن السبكي ومحققو الحنفية، وعليه درج المتأخرون))، فکن منه علی ذُئر. ٦٠ النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به [ش] فائدتان: الأولى: لو قال نحو الشافعي(١): أخبرني من لا أتهم: فهو كقوله: أخبرني الثقة، وقال الذهبي(٢): ليس بتوثيق، لأنه نفيٌ للتُّهَمة، وليس فيه تعرض لإتقانه ولا لأنه حجة. قال ابن السبكي(٣): وهذا صحيح، غيرَ أن هذا إذا وقع من الشافعي على مسألة دينية فهي والتوثيقُ سواءً في أصل الحجة، وإِن كان مدلول اللفظ لا يزيد [ب] (١) تعبيره هذا يُشير بأن غير الشافعي يستعمل هذه الصيغة، وهو كذلك، فقد رأيت يحيى بن أبي كثير (ت ١٣٤) رحمه الله - وهو أحد الثقات الأثبات - استعملها، ينظر ((مصنف)) ابن أبي شيبة (١٨٥٠٤)، وسيأتي قريباً ص٦٨ من كلام ابن حجر أن الشافعي لم يدرك الأخذ عن أحد ممن أدرك یحیی هذا. (٢) نقله عنه تلميذه التاج السبكي في ((جمع الجوامع)) ١٧٧:٢ بشرح المحلِّي مع حاشية العطار، وأفاد الزركشي في ((تشنيف المسامع)) ٩٩٩:٢ أن التاج السبكي نقله عن خطّ الذهبي، أقصد: أنه ليس في كتاب من كتبه ليُعزى إليه. وعادة الشافعي أن يعبِّر بهذا عن إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، أحد المتروكين المتّهمين، ينظر ((تعجيل المنفعة)) (١٥٦٨)، ومع تصريح الشافعي بتوثيقه فإنه يعترف عليه بالحُمْق، وبالتدليس، وبمذهب القدرية، أسند ذلك عن الشافعي: البيهقيُّ في ((المناقب)) ٥٣٢:١ - ٥٣٣. (٣) يستفاد من حاشية العطار آخر الصفحة ١٧٧:٢، أنه قال ذلك في ((منع الموانع))، وتنظر مطبوعته !.