Indexed OCR Text

Pages 1-20

تَرِيبَ الرَاوِي
فِي شَرَحْ تَقْرِيْبِ التَّوَاوِيْ
لِلْإِمَامِ ايَحَافِظِ جَالِ الدِّينِ السُّيُوطيّ
٨٤٩ هـ - ٩١١ هـ
رحِمَهُ اللَّه تَعَالى
///٤
وَمَعَهُ
خَاشِية
العَلَّامَةِ أَحْمَدَ يَنْ أَعْمَدَابْنِ العَجَمِيّ
١٠١٤ هـ - ١٠٨٦ هـ
مَقَّقَ نُصُوصَهُمَا وَقَوَّمَهَا وَقَّرَ مِمَّاتِهَا
محمّد عوامة
المُجَّدُ الرَّابِعُ
دَارُ الدُخ
دَارُالمُشَارِ

7
0

تَدْتُ الرَّوي
فِي شَرَحْ تَقْرِيبِ التَّوَاويّ
٤

الطّبْعَة الأولى
١٤٣٧ هـ - ٢٠١٦م
حِقُوُق الطّبْعْ مَحَفُوظَة لِلُمِقِّق
دَارُ المُنَفَّارِ لِلنشِ وَالتَّوَيُّ
جدة - هاتف رئيسي 6326666 - فاكس 6320392
الإدارة 6300655 - المكتبة 6322471
ص. ب 22943 - جدة 21416
www.alminhaj.com
E-mail: info@alminhaj.com
دَارْ السر للنّشرِ
المدينة المنَوَة - المَمْلِكَة العربيّة السعوديَّة
الموقع الإلكتروني :www.dar-alyusr.com للمراسلة على البريد الإلكتروني : info@dar-alyusr.com

٥
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
النّوع الثّالثُ والعشرون: صِفة مَن تقبل روَايَتُهُ ومَا يتعلق بِيهِ
وفيه مسائل :
أحدها : أجمع الجماهيرُ من أئمة الحديث والفقه أنه يُشترط فيه : أن
يكون عدلاً ضابطًا، بأنْ.
[ش]
(النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته)
ومن تردُّ (وما يتعلق به) من الجرح والتعديل
(وفيه مسائل : )
(أحدها : أجمع الجماهير من أئمة الحديث والفقه) على (أنه يشترط فيه)
أي: مَن يُحتج بروايته (أن يكون عدلاً ضابطًا) لما يرويه، وفسَّر العدلَ(١): (بأنْ
[س).
(١) خلاصة ما في المتن من أوصاف (العدل): أنه المسلم البالغ العاقل السالم
من ارتكاب مفسّق، أو عملٍ خارم لمروءته، وبما أن خوارم المروءة تختلف كثيراً من
زمان إلى آخر، ومن مكان إلى آخر، ومن شخص إلى آخر، فإن من العلماء من لا
يذكرها، ويبقى العدل: هو المسلم البالغ العاقل الذي لم يرتكب مفسِّقاً، ويفسِّرون
الفسق: بارتكاب كبيرة متفق عليها، أو بإصرار على صغيرة.
وهذا لا يختلف عما جاء عن الصدر الأول من السلف، فقد روى البخاري
(٢٦٤١) عن عمر رضي الله عنه قوله: ((إن الوحي قد انقطع، وإنما آخُذُكم الآن بما
ظهر من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيراً أَمِنّاه وقرَّبناه، .. ، ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمن
منه ولم نصدقه)).
=

٦
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ب]
ونقل الحافظ في ((شرحه)) ٥: ٢٥٢ عن المهلَّب بن أبي صُفرة - وليس في شرحه
المطبوع - قوله: ((يؤخذ منه: أن العدل من لم توجد منه الريبة، وهو قول أحمد
وإسحاق))، وانظر آخر هذه الحاشية.
وبوّب ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) بقوله: ما العدل في المسلمين، وروى تحته
خمس كلمات (٢٢١٦٣ - ٢٢١٦٧) بهذا الترتيب: عن النخعي، والشعبي، والحسن،
وعمر بن الخطاب، وشُريح، رضي الله عنهم، ويهمني منها كلمة النخعي وعمر،
فإنهما عامتان، والثلاث الباقيات ظاهرة في الشهادة والخصومات.
أما النخعي فقال: ((العدل في المسلمين من لم يُطعن عليه في بطن ولا فرج))،
ورواها عبد الرزاق أيضاً (١٥٣٨١).
وأما عمر رضي الله عنه: فقد سأل رجلاً عن آخر؟ فقال: لا نعلم إلا خيراً، فقال
له عمر: حسْبُك.
وهاتان الكلمتان - هما والله أعلم - أساس قول ابن حبان: العدل من لم يُجرح.
ولأهمية (معرفة من هو العدل) فسأقف قليلاً قدر ما يناسب المقام.
عقد الخطيب في (الكفاية)) بابين ص٧٨ - ٨٤: باب الكلام في العدالة
وأحكامها، وباب الردّ على من زعم أن العدالة هي إظهار الإسلام وعدم الفسق
الظاهر. وروى تحت الباب الأول قول سيدنا عمر المتقدم، وقول النخعي، وغيرهما،
وذكر لفظاً آخر لكلمة النخعي هو: كان يقال: العدل بين المسلمين من لم يظهر منه
ريبة، فرفع القول بقوله ((كان يقال)) إلى طبقة كبار التابعين، وقد يدخل معهم بعض
الصحابة.
وصدّر الباب الثاني بقوله: لا سبيل إلى معرفة العدل ((إلا باختبار الأحوال، وتتبّع
الأفعال التي يحصل معها العلم من ناحية غلبة الظن بالعدالة))، وذكر المذهب الآخر،
قال: ((زعم أهل العراق أن العدالة هي: إظهار الإسلام، وسلامة المسلم من فسق
=

٧
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ب]
ظاهر، فمن كانت هذه حالَه وجب أن يكون عدلاً))، ثم حكى بعض أدلتهم،
وضعّفها.
ويحسن أولاً أن أذكر مذهب (أهل العراق) - الحنفية - بتمامه، ثم أرجع إلى
تضعيفه أدلتهم، فأقول:
قال الإمام البزدوي - وهو من متقدِّميهم ومعتَمَديهم - ص ٣٨٣: ((أما العدالة:
فإن تفسيرها الاستقامة، وهي نوعان: قاصر وكامل، أما القاصر: فما ثبت منه بظاهر
الإسلام واعتدال العقل، والكامل يتفاوت، فاعتُبر فيه رجحان جهة الدين والعقل،
فمن ارتكب كبيرة أو أصرّ على صغيرة سقطت عدالته واتّهم بالكذب، أما من عمل
صغيرة من غير إصرار فهو عدل كامل العدالة، وإذا أُطلقتِ العدالة انصرفت إلى أكمل
الوجهين: القاصرة والكاملة)) انتهى باختصار وتوضيح.
وقال شارحه العلاء البخاري عن صاحب العدالة القاصرة ٢: ٣٩٩: ((بهذه
العدالة لا يصير الخبر حجة، وبشرط كمال العدالة يترجح الصدق في خبره)). ثم قال
في الصفحة التالية: ((ولاشتراطِ العدالة: لم يُجعل خبر الفاسق والمستور حجة، لفوات
أصل العدالة في حق الفاسق، وفوات كمالها في حق المستور، وهو الذي لم تُعرف
عدالته ولا فسقه)).
ثم فصّل البزدوي وشارحه البخاري القول في المستور ٣: ٢٠، فقال وهو
يتحدث عن الانقطاع في الحديث عند الحنفية: إنه انقطاع ظاهري وباطني،
والباطني يكون في معنى الحديث، ويكون بقصور في الناقل، وله صور أربعة:
خبر المستور، والفاسق، والصبيّ ونحوه، والمبتدع. فالمستور - وهو الذي لم
تعرف عدالته ولا فسقه -: نَقَل البزدوي ص٤٠٢ في قبول روايته خلافاً، فعن
الإمام محمد عن أبي حنيفة: أنه مثل الفاسق. وفي رواية الحسن بن زياد، عن أبي
حنيفة: أنه مثل العدل، وقال: ((الصحيح ما حكاه محمد أنه كالفاسق: لا يكون
خبره حجة حتى تظهر عدالته، وهذا بلا خلاف في باب الحديث، احتياطاً، إلا في
=

٨
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ب]
الصدر الأول)) أي: في القرون الثلاثة الأولى، كما فسّره شارحه العلاء البخاري،
فإن رواية المستور منهم مقبولة.
وأحال البزدوي هنا إلى ما تقدم منه ص٣٧٥، وهو يتحدث عن نوع من أنواع
المجاهيل: ((لا يجب العمل به، لكن العمل به جائز، لأن العدالة أصل في ذلك
الزمان، ولذلك جوَّز أبو حنيفة رحمه الله القضاء بظاهر العدالة من غير تعديل))،
وعرَّف شارحه ٢: ٣٨٨ العلاء البخاري بصاحب ظاهر العدالة فقال: ((بشهادة
المستور، ولم يجب على القاضي القضاء به)). ومع ما بين هذين النصين من مغايرة بين
الرواية والشهادة، لكنهما ينبِّهان إلى أمر آخر هو التفرقة بين الوجوب والجواز،
فعلماء المذهب ينقلون عن الإمام أبي حنيفة جواز قبول رواية ظاهر العدالة وهو
المستور، لا الوجوب، إنما يجب قبول خبره إذا استكمل العدالة، وذلك بظهور
رجحان جانب تدیّنه وعقله.
وإذا رجعنا إلى كلام الخطيب الذي نقلته أول هذه المقالة نراه يقول: إظهار
الرجل الإسلام، وعدم ظهور مفسِّق منه: يوجب الحكم عليه بالعدالة، والنقل المتقدم
عن مصادر المذهب يقول: بأن هذا مستور يجوز قبول روايته، والحكم بشهادته إذا
كان من القرون الثلاثة الأولى، أما الوجوب فلمن ثبتت عدالته الظاهرة واستقامته
سلوكاً وعقلاً.
أما ما حكاه الخطيب من أدلتهم - وأقف عندها -: فحديث ابن عباس في
الأعرابي الذي جاء وشهد برؤية هلال رمضان عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقبلها
منه عليه الصلاة والسلام. وأن الصحابة كانوا يقبلون الأحاديث والأخبار من بعضهم
اعتماداً على ظاهر الإسلام.
وناقش الخطيب الدليل الأول بقوله: ((يقال لهم: ١ - إن كونه أعرابياً لا يمنع مِنْ
كونه عدلاً. ٢ - ولا مِنْ تقدُّم معرفة النبي صلى الله عليه وسلم بعدالته. ٣ - أو إخبار
قومٍ له بذلك من حاله. ٤ - ولعله أن يكون نزل الوحي في ذلك الوقت بتصديقه)).
=

٩
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ت)
وأقول: هذه أربعة احتمالات، وهي لا تعدو كونها احتمالات.
وثمة احتمال آخر هو الذي بنى عليه (أهل العراق) قولهم: وهو أن النبي
صلی الله عليه وسلم اكتفى منه بظاهر اعترافه أمامه بالشهادتين.
وأنا أسأل: أيّ احتمال من هذه الاحتمالات هو أقرب؟ إن قرينة واقع الحال
واضحة في أنه صلى الله عليه وسلم حكم وقضى بشهادة الأعرابي بناء على ظاهر
إسلامه، قال له: ((أتشهد أن لا إله إلا الله؟)) قال: نعم، قال: ((أتشهد أن محمداً
رسول الله؟)) قال: نعم، فقال: ((يا بلال أذِّن في الناس فليصوموا غداً))، ومع هذا
الظاهر المستفاد من واقع القصة، أين يكون كل احتمال من الاحتمالات
الأربعة؟! حتى لو قلنا بها مجتمعةً، فإنها أضعف من هذا الظاهر المؤيَّد بواقع
الحال.
ثم قال: ((وبالجملة: فما نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم اقتصر في قبول خبره
علی ظاهر إسلامه فحسب)).
وأقول: إن كان يريد بقوله ((فما نعلم)): أي: فما نجزم، وما عندنا علم يقيني:
فنعم، ولكنا نقول: لمَ يطالب غيره بعلم اليقين هنا مع هذا الاحتمال، أما تلك
الاحتمالات فقبلها، وهي أضعف من ريشة في مهبّ الريح، ولم يطالبْ نفسه بعلم
اليقين في واحد منها؟ !.
أما الدليل الثاني من واقع الصحابة فيما بينهم في قبول أخبار بعضهم بعضاً: فقال
في ردّه: ((لا نعلم الصحابة قبلوا خبر أحدٍ إلا بعد اختبار حاله، والعلم بسداده
واستقامة مذاهبه، وصلاح طرائقه، يدل على صحة هذا أن عمر بن الخطاب ردّ خبر
فاطمة بنت قيس في إسقاط نفقتها))، ثم أسند إلى عمر قوله: ((ما كنا لندع كتاب ربنا
وسنة نبينا لقول امرأة لا ندري أحفظت أم لا؟)).
وغريب منه هذا النفيُ العام، والإثباتُ العام على الصحابة رضي الله عنهم: أنهم
ما قبلوا خبر أحد إلا بعد كذا وكذا وكذا؟! وغريب أيضاً احتجاجه بخبر عمر وقولِه
=

١٠
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ب]
لفاطمة بنت قيس؟ فإنه واضح قاطع في أنه يشكك في ضبطها وحفظها للموقف: لا
ندري أحفظت أم لا، والذي دعاه إلى الشك في حديثها مخالفته ((لكتاب ربنا، وسنة
نبينا))، ولم يختبر حالها، ولا أراد العلم بسدادها، واستقامة مذاهبها، وصلاح
طرائقها؟ !.
ثم قال: واشتهر الحديث عن علي بن أبي طالب أنه قال: ما حدَّثني أحد عن
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا استحلفته .. ، إلى آخر كلامه، وغريب من الخطيب
في إمامته أن يستدل بهذا القول، فكأنه فاته نقد البخاري لهذا القول في ((تاريخه
الكبير)) ٢ (١٦٦٣) ترجمة أسماء بن الحكم الفزاري، قال: ((رَوَى أصحاب النبي
صلى الله عليه وسلم بعضهم عن بعض، فلم يحلِّف بعضهم بعضاً).
ثم قال: ((وكذلك غيره من الصحابة، رُوي عنهم أنهم ردّوا أخباراً رويت لهم
ورواتها ظاهرهم الإسلام، فلم يُطْعن عليهم في ذلك الفعل، ولا خُولفوا فيه، فدلّ
على أنه مذهب لجمیعهم)).
وأقول: إن استرسال الخطيب في هذا المعنى يعود عليه وعلى السنة بالنقض
الكبير، ويكفي في ردّه الإشارة إلى ما قدّمه الشارح رحمه الله في أول نوع الحديث
الصحيح ٢: ١٦٩ من الرد على بعض المعتزلة الذين اشترطوا لقبول الخبر تعدد
الراوي، واستدلوا بقصة ذي اليدين، وبتوقّف أبي بكر الصديق في قبول خبر المغيرة
ابن شعبة في ميراث الجدة، وغير ذلك، وهذا ما لا يرضاه الخطيب هناك، أما هنا فما
موقفه؟ !.
ثم استدل على أنه لا يكفي ظاهر الحال بخبرين عن عمر رضي الله عنه مآلهما
إلى: أن رجلاً ادعى معرفة رجل آخر، فسأله عمر هل هو جارك، عاملتَه بالدينار
والدرهم، سافرتَ معه، والرجل يقول: لا، فأسكتَه وما رضي منه هذه المعرفة.
وأقول في الجواب: إنه سبق من الخطيب في الباب الأول الرواية عن عمر - وهي
في ((صحيح)) البخاري كما تقدم - أنه قال: إن الوحي قد انقطع، وإنما آخذكم الآن بما
=

١١
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
(س)
ظهر من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيراً أَمِنّاه وقرّبناه، .. ، ومن أظهر لنا سوءاً لم نأمنه
ولم نصدّقه.
وهذا كلام واضح صريح في تقعيد أساس من عمر رضي الله عنه للتعامل مع
الناس، أما ردّه هنا للرجل وثنائه على غيره: فهذه واقعة حال، كما يقولون، لا
تؤسِّس حكماً ولا قاعدة، فيستغرب منه الاستدلال بواقعة خاصة جزئية، على نقض
كلام عام شامل.
ثم ختم الباب للاستدلال على عدم الرضا بظاهر حال المسلم بالرواية عن أبي
عاصم النبيل: ((ما رأيت الصالح يكذب في شيء أكثر من الحديث))، فكونه صالحاً
يدعو إلى قبول خبره، لكنه قال: يكذب في الحديث !!.
وهذا لون آخر من الغرابة من الخطيب، وهو من هو! فقد اشتهرت هذه الكلمة
عن قرين أبي عاصم، هو الإمام يحيى بن سعيد القطان، رواها عنه مسلم في مقدمة
(صحيحه)) ١: ١٧ - ١٨، وفسّرها مسلم بقوله: ((يقول: يجري الكذب على لسانهم،
ولا يتعمدون الكذب»، وکلمة «یقول)» یعني بها الإمام مسلم: یرید، أي: یرید یحیی
القطان، كذا كذا، وهذا يتفق أيضاً مع ما اشتهر على ألسنة العلماء من أن: كذب،
تأتي في كلام العرب بمعنى: أخطأ، فهذا هو مراد يحيى القطان، وأبي عاصم النبيل،
الخطأ في الضبط، لا يريدون فساد العدالة.
وبعد هذا الاستعراض الطويل أكرر نصحي للأخ القارئ الكريم أن يتأنّ في
بحثه، ولا یتوارد مع کل قول ونقل.
وأقول أيضاً: إذا تبيَّن هذا، فقد تبيّن لنا أيضاً أمر آخر مهم، هو: كيف تحوَّل
مجرى الحكم والمسألة من حيث هي، لمعرفة من هو العدل، وما هي العدالة، وبناء
على هذا التغيّر فإن الحافظ ابن حجر لم يرض بقول أحمد وإسحاق: أن العدل: هو
الذي لم توجد منه الريبة، وهو الذي نقلتُه أول هذه المقالة، بناء على ما أُخذ عن
الخطيب واستقر في كتب علوم الحديث، وينظر كلامه في ((الفتح)) ٥: ٢٥٢ (٢٦٤١).

١٢
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
يكونَ مسلمًا بالغًا عاقلاً،
[ش]
يكونَ مسلمًا (١) بالغًا عاقلاً) فلا يقبل كافرٌ، ومجنونٌ مُطبق، بالإجماع، ومن
(ت) -
(١) [فائدة: قال البرماوي في ((شرح ألفية الأصول)) - ق ٨١/بـ: من اللطائف
في رواية الكافر: ما رواه أحمد في ((مسنده)) - كذا قال، وليس فيه -: عن عروة بن
عمرو الثقفي، سمعت أبا طالب - يعني عمّ النبي صلى الله عليه وسلم - قال: سمعت
الأمين ابن أخي يقول: ((اشكر تُرزق، ولا تَكْفر فتعذَّب)). ورواه الحافظ الصَّرِيفيني
وقال: غريبٌ [عجيب] رواية أبي طالب عن النبي صلى الله عليه وسلم. انتهى.
زركشي - ((البحر المحيط)) ٢٦٩:٤، و((النكت)) ٣: ١٠٤٣ (٢٨١) -. ].
[قال في ((اللسان)) - (٢٩٤٢) -: فيه الإدريسي كذاب لا يعتمد عليه، والخَضِر
ابن أبان ضعفه الحاكم، وتكلم فيه الدارقطني - ((سؤالات الحاكم له)) (٩٨) -.
انتهى .].
قلت: هذا النقل عن ((اللسان)) زيادة من الشيخ ابن العجمي على كلام البرماوي
والزركشي، والزركشيُّ نقل في ((النكت)) إسناد الصَّرِيفيني وليس فيه ذكر للإدريسي،
فما وجه ذكره هنا؟ وجاءت هذه الجملة ((الإدريسي كذاب لا يعتمد عليه)): في
((اللسان)) (٧٩٢٧) في ترجمة منصور بن عبد الله الذهلي الخالدي، لكن في سياقِ
جرحِ الإدريسيِّ لمنصور، ولفظه: قال أبو سعد الإدريسي: كذاب ... ، أي: منصور
الذهلي کذاب لا يعتمد عليه.
والإدريسي هو الإمام الحافظ عبد الرحمن بن محمد الإدريسي المتوفى سنة
٤٠۵ بسمرقند، وكان حافظ وقته فيها رحمه الله.
أما الخضر بن أبان: فنعم، كما قال، وهو مترجم في ((المجروحين)) ١: ٢١٦،
واتهمه.
=

١٣
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ش]
تقطّع جنونه وأثّر في زمن إفاقته، وإنْ لم يؤثِّر: قُبِل، قاله ابن السمعاني(١)، ولا
صبيٌّ على الأصح، وقيل: يقبل المميِّز إنْ لم يجرَّب عليه الكذب(٢).
وجاء في ((تلقيح فهوم أهل الأثر)) ص٧٠٦: حاضر بن أبان، وهو تحريف، والله أعلم،
وذكر ابن الجوزي هناك هذا الحديث وغيره، وانظر ما يأتي ٥: ٢٩٦ آخر النوع ٤٤.
ثم إن عزو الإمام الزركشي - وهو حافظ متقن - الحديث إلى ((مسند)) أحمد
عجيب منه! وتزداد الغرابة عندي: أن عروة بن عمرو الثقفي - وهكذا جاء اسمه في
مخطوطة البرماوي، وكتاب ابن الجوزي، وكتابَيْ الزركشي - لم أجد له ذكرًا في كتب
الرجال الخاصة بـ ((المسند)): ((الإكمال)) و((التذكرة)) كلاهما للحسيني، و((تعجيل
المنفعة)) لابن حجر، ولا في كتب رجال الستة: ((تهذيب الكمال)) وفروعه، ولا في
كتب الرجال العامة: ((التاريخ الكبير)) للبخاري، و((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم،
و ((الثقات)) لابن حبان، ولا في غيرها من كتب الرجال، ولما ترجم المزي في
((التهذيب)) لمحمد بن الحنفية، لم يذكر من شيوخه هذا الرجل، وهذا يزيد بُعْدَ
الحديث عن ((المسند)). والله أعلم.
(١) في ((قواطع الأدلة)) ٢: ٥٣٠.
(٢) حكى السمعاني في ((القواطع)) ٥٢٩:٢ - ٥٣٠ القولين: لا تقبل رواية
الصبي، وتقبل رواية الصبي المميِّز، وقال: الأصح هو الأول، أي: الأصح عدم
القبول، لكن أفاد قوله ((الأصح)) أن قبول رواية المميز قولٌ صحيح.
وانظر تفصيل ذلك في ((البحر المحيط)) ٢٦٧:٤، ومما فيه عن الغزالي: أن
الخلاف في المراهق لا المميِّز، ومعلوم أن المراهق فوق المميّز، وانظر صفحة ١٥٥ :
الفرق الرابع من الفوارق بين الرواية والشهادة.

١٤
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
سليمًا من أسباب الفسق وخَوَارم المروءة،
[ش]
(سليمًا من أسباب الفسق وخَوَارم المُروءة(١))(٢) على ما حُرِّر في باب
الشهادات من كتب الفقه، وتُخالفها في عدم اشتراط الحرية والذكورة(٣).
قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بِنَبأ فتبيَّنوا﴾ [الحجرات:
٦٠]، وقال: ﴿وَأَشْهِدوا ذَوَيْ عدلٍ منكم﴾ [الطلاق: ٢].
وفي الحديث: ((لا تأخذوا العلم إلا ممَّن تقبلون شهادته))، رواه البيهقي في
((المدخل)) من حديث ابن عباس مرفوعًا وموقوفًا(٤).
[ب]
-
(١) [المُروءة: بوزن سهولة، بضم الميم، وبالهمز، وقد تبدل الهمزة واواً
وتدغم، قال في ((المصباح)) - م رء -: المروءة، آداب نفسانية تحمل مراعاتُها الإنسانَ
على الوقوف عند محاسن الأخلاق وجميل العادات، ومَرُؤ الإنسان فهو مريء، مثل
قَرُب فهو قريب، أي: ذو مروءة. قال الجوهري - م ر أ -: وقد تشدَّد فيقال: مُرُوّة.
انتھی .].
(٢) اشتراط السلامة من خوارم المروءة أمر خارج زائد عن اشتراط العدالة، كما
قاله الزركشي ٨٩٤:٣ (٢٣٤)، وقال: ((إن العدالة: اجتناب الكبائر وعدم الإصرار
على الصغائر، وإن خوارم المروءة: التلُّس بما لا يَعتاد به أمثاله)) ثم أطال في بيان
هذا.
(٣) تنظر الفروق بين الرواية والشهادة في صفحة ١٥٥ الآتية.
(٤) (٤٦٨، ٤٦٩). وقد رواه الرامهرمزي في ((المحدث الفاصل)) (٤٣٤)
مرفوعًا، وابن حبان في ((المجروحين)) ٢٥:١، ٢٥٩ ترجمة حفص بن عمر قاضي
حلب، وقال في الموضع الأول: رَفْعه باطل، إنما هو من قول ابن عباس.
ورواه السِّلَفي من وجه آخر في ((شرط القراءة على الشيوخ)) ص ٥٤ - ٥٥، من
=

١٥
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ش]
وَرَوى(١) أيضًا من طريق الشعبي، عن ابن عمر، عن عمر قال: كان يأمرنا
أن لا نأخذَ إلا عن ثقة.
وروى الشافعي وغيره(٢) عن يحيى بن سعيد(٣)، قال: سألت ابنًا لعبد الله
ابن عمر عن مسألة، فلم يَقُلْ فيها شيئًا، فقيل له: إنا لنُعْظِم أن يكون مثلُك ابنَ
[ب]
مراسيل محمد بن كعب القُرَظي، وقال عنه: حديث معلول.
ورواه الخطيب في ((الكفاية)) ص ٩٤ - ٩٦ من عدة طرق مرفوعًا وموقوفًا، ومسندًاً
ومرسلاً، كلها عن ابن عباس، وظاهر كلامه التوقف عن قبوله، حتى لو كان موقوفًا،
لأن العبد العدل تقبل روايته بالإجماع، وظاهر هذا القول أنه لا يؤخذ عنه العلم.
ورواه ابن أبي حاتم في ((الجرح)) ٢٨:٢ مرسلاً، وعنده وعند مَن قبْله: صالح بن
حسان النصري، وهو متروك، لكن رواه ابن أبي حاتم بعد قليل ٣١:٢ من مراسيل
الحسن البصري، وراويه عن الحسن: الحسنُ بن ذكوان، وهو صدوق يخطئء
ويدِّلس، فأمره قريب.
(١) البيهقي في ((المدخل)) (٤٧٠) مسنداً عن الحاكم في كتابه ((مزكّي الأخبار))،
وذكره معلَّقًا في ((المعرفة)) ١: ١٤٠.
(٢) ((ترتيب مسند الشافعي)) ١٨:١ (٢٢)، ومن طريقه الخطيب في ((الكفاية))
ص ٣٣، والبيهقي في ((المعرفة)) ١٤١:١، ورواه مسلم في مقدمة ((صحيحه) ص ١٦.
والمسؤول: هو القاسم بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وأمه: أم عبيد الله
بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق، فأبو بكر جدّه الأعلى لأمه، وعمر جدّه
الأعلى لأبيه، كما قال عياض في ((شرح مسلم)) ١: ١٣٠، وتبعه النووي ٩١:١، فهذا
معنى قول يحيى بن سعيد الأنصاري: ((ابنَ أماميْ هُدى)). وتنظر رواية مسلم.
(٣) أُقحم هنا بعده في و، ج كلمة ((وغيره)).

١٦
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
متيقظًا، حافظًا إنْ حدّث من حفظه،.
[ش]
إماميْ هُدى يُسأل عن أمر ليس عندك فيه علم! فقال: أعظمُ والله من ذلك عند
الله، وعند مَن عرف الله، وعند من عَقَل عن الله: أن أقول ما ليس لي فيه علم،
أو أُخبر عن غير ثقة.
قال الشافعي: وقال سعد بن إبراهيم: لا يحدِّثُ عن النبي صلى الله عليه
وسلم إلا الثقات، أسنده مسلم في مقدمة ((الصحيح))(١).
وأسند عن ابن سيرين(٢): إن هذا العلمَ دِينٌ، فانظُروا عمن تأخذون دينكم.
وروى البيهقي(٣) عن النخعي قال: كانوا إذا أَتَوُا الرجلَ ليأخذوا عنه نَظَروا
إلی سَمْته، وإلی صلاته، وإلی حاله، ثم يأخذون عنه.
وفسَّر الضبطَ بأنْ يكونَ (متيقظًا) غيرَ مغفَّل(٤) (حافظًا إنْ حدّث من حفظه،
[ب] -
(١) ذكره الشافعي معلّقًا في ((ترتيب مسنده)) ١٨:١ (٢٣)، ومن طريقه الخطيب
في ((الكفاية)) ص ٣٢، وأسنده مسلم ١٥:١، وابن أبي حاتم في ((الجرح)) ٣١:٢،
والخطيب أيضًا.
(٢) ابن سيرين: هو محمد، ورواية مسلم له في مقدمة ((صحيحه)) ١٥:١،
والدارمي (٤١٩، ٤٢٤)، وختم به الترمذي كتابه ((الشمائل))، ورواه ابن حبان في
أول كتابه ((المجروحين)) ٢١:١ - ٢٣ عن: ابن عباس، وزيد بن أسلم، وأبي هريرة،
وأنس بن سيرين، والحسن البصري، والضحاك بن مزاحم، وإبراهيم النخعي.
وينظر ((الجامع الصغير)) (٢٥١١) بشرحه ((فيض القدير)).
(٣) في ((المدخل)) أيضاً (٤٨٥)، والأثر في ((سنن)) الدارمي (٤٢٠، ٤٢١)،
وكلمة ((سَمْتْه)): تحرفت في ك إلى: سيمته، وفي مطبوعة الدارمي إلى: سنته، لكنها
جاءت على الصواب في الطبعة المحققة ((فتح المنان)) (٤٤٣، ٤٤٤).
(٤) واليقظة أصل أصيل في طالب العلم: أيّ علم كان.

١٧
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
ضابطًا لکتابه إن حدّث منه، عالمًا بما يُحیل المعنی إنْ روی به.
الثانية : تثبتُ العدالة بتنصيص عالمينٍ عليها، أو بالاستفاضة، فمن
اشتَهَرتْ عدالته بين أهل العلم وشاع الثناءَ عليه بها : كَفَى فيها، كمالك،
والسفيانينِ، والأوزاعي، والشافعي، وأحمدَ، وأشباههم، .
.
[ش]
ضابطًا لكتابه) من التبديل والتغيير(١) (إنْ حدَّث منه)، ويشترط فيه مع ذلك أنْ
یکون (عالما بما يُحیل المعنی إنْ روی به).
(الثانية: تثبت العدالة) للراوي (بتنصيص عالمين عليها) وعبارةُ ابن
الصلاح(٣): معدّلَينٍ، وعَدَل عنه لما سيأتي: أن التعديل إنما يُقْبل من عالم، (أو
بالاستفاضة) والشُّهرة (فمن اشتَهَرت عدالته بين أهل العلم) مِن أهل الحديث أو
غيرِهم (وشاع الثناءَ عليه بها: كفى فيها) أي في عدالته، ولا يحتاج مع ذلك
إلى معدّل ينصُّ عليها (كمالك، والسفيانينِ، والأوزاعي، والشافعي، وأحمدَ)
ابن حنبل (وأشباههم).
قال ابن الصلاح(٣): هذا هو الصحيح في مذهب الشافعي، وعليه الاعتماد
في أصول الفقه، وممن ذكره من أهل الحديث: الخطيب(٤)، ومثّله بمن ذُكر،
[ب] -
(١) حذراً مما حصل لسفيان بن وكيع بن الجراح، فإنه ابتُلي بورّاقه، كما تقدم
قريبًا، ومما حصل لحماد بن سلمة فإنه ابتُلي بربيبه عبد الكريم بن أبي العوجاء، كما
تقدم ٣: ٤٧٩.
(٢) صفحة ٩٥ أول النوع الثالث والعشرين.
(٣) المصدر السابق.
(٤) في ((الكفاية)) ص ٨٦ - ٨٧.

١٨
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
[ش]
وضمّ إليهم: الليث، وشعبة، وابن المبارك، ووكيعًا، وابن معين، وابن
المَديني، ومَن جرى مجراهم في نباهة(١) الذِّكر واستقامة الأمر، فلا يُسأل عن
عدالة هؤلاء، وإنما يُسأل عن عدالة مَن خفيَ أمره (٢)، وقد سئل ابن حنبلٍ عن
إسحاق بن راهُويَهْ؟ فقال: مِثلُ إسحاقَ يسأل عنه؟!(٣).
وسئل ابن معين عن أبي عبيدٍ(٤) فقال: مثلي يُسأل عن أبي عبيد؟! أبو عبيد
يُسأل عن الناس.
وقال القاضي أبو بكر الباقلاني: الشاهد والمخبِر إنما يَحتاجان إلى التزكية
إذا لم يكونا مشهورَيْن بالعدالة والرِّضا، وكان أمرهما مشكلاً ملتبسًا ومجوَّزًا فيه
العدالة وغيرُها.
قال: والدليل على ذلك: أن العلم بظهور سَترهما (٥) واشتهار عدالتهما،
أقوى في النفوس من تعديل واحد واثنين يجوز عليهما الكذب والمحاباة.
[ب] -
(١) [ثبُه: مثلثةً، عن ابن طَريف، نباهةً بالفتح، شَرُف.].
((إكمال الإعلام)) لابن مالك ٢٥:١، وابن طريف تقدمت ترجمته ٢: ١٣٣.
(٢) خفاء الأمر أمر نسبي، يختلف من باحث أستاذ، إلى باحث طالب، وعبارة
ابن الصلاح: ((إنما يُسأل عن عدالة من خفي أمره على الطالبين))، فضاقت دائرة
الاختلاف، ونحوها عبارة الخطيب: ((إنما يسأل عن عدالة من كان في عداد
المجهولين، أو أشكل أمره على الطالبين))، فضاقت دائرة الاختلاف أكثر وأكثر.
(٣) تمام الجواب - كما في ((الكفاية)) -: إسحاق عندنا إمام من أئمة المسلمين.
(٤) النقل من ((الكفاية)) ص٨٧، وكذلك النقل التالي عن الباقلاني، وأبو عبيد:
[هو القاسم بن سلام، بتشديد اللام.].
(٥) في ك: سِيَرِهِمَا، مع الضبط، وهو وجيه، والمراد: معرفة سيرة الراوي والشاهد.

١٩
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
وتوسّعُ ابنُ عبد البر فقال: كلّ حاملٍ علمٍ معروفِ العناية به محمولٌ
أبدًا على العدالة حتى يتبيَّن جرحه،
[ش]
(وتوسّع) الحافظ أبو عمر (ابن عبد البر فقال(١) : كلَّ حاملِ علمٍ معروفٍ
العناية به) فهو عدلٌ (محمول) في أمره (أبدًا على العدالة حتى يتبيَّن جرحه)،
ووافقه على ذلك ابن المَوَّاق مِن المتأخرين(٢)، لقوله صلى الله عليه وسلم:
((يَحمِلُ هذا العلمَ مِن كل خَلَف(٣) عُدولُه، ينفون عنه تحريفَ الغالين(٤)،
وانتحالَ المبطلين، وتأويل الجاهلين))(٥)، رواه من طريق العقيلي من رواية
[ب] -
(١) في مقدمة ((التمهيد)) ٢٨:١ - ٢٩، ص ٨٨ بتحقيق شيخنا رحمه الله.
(٢) في القسم غير المطبوع من كتابه ((بغية النقاد))، وكانت وفاته سنة ٦٤٢ رحمه
الله تعالى.
(٣) [بفتح اللام، ويستعمل بالخير، يقال: فلان خَلَف صدق، وأما في الشر
فيقال: خلْف، بسكونها، قال الخطابي : من روى الحديث بسكون اللام فقد أحال.
زركشي - ((النكت)) ٣ : ٩٠٦ (٢٣٦) -. ].
(٤) الغالي: هو المجاوز الحدِّ السليمِ المشروعِ، وتحريفه: هو تحريفه لمعاني
النصوص، كتحريف المبتدعة لمعاني النصوص عن وجهها الصحيح إلى ما يناسب
بدعتهم، وقد يتجرأ أحدهم على تحريف اللفظ.
وقد أذكرني هذا بما رواه الدارمي (٣٩٧) عن ابن سيرين: أن رجلين من أهل الأهواء
دخلا عليه، فقالا له: نحدثك بحديث؟ قال: لا، قالا: نقرأ عليك آية؟ قال: لا، لَتقومانِ
عني أو لأقومنَّ، فخرجا عنه، فقيل لابن سيرين: وما كان عليك أن يقرآ عليك آية من كتاب
الله تعالى؟ قال: إني خشيت أن يقرآ عليَّ آية، فيحرِّفانها، فيقَرَّ ذلك في قلبي.
(٥) [التحريف: التغيير.].
[قال الطيبي - شرح المشكاة ١: ٤٠١ -: ((يَحمل هذا العلم من كل خَلَف)):
=

٢٠
النوع الثالث والعشرون : صفة من تقبل روايته وما يتعلق به
وقوله هذا : غير مَرضيّ.
[ش]
مُعانِ(١) بن رفاعة السَّلامي، عن إبراهيم بن عبد الرحمن العُذْري مرفوعًا(٢).
(وقوله هذا غير مَرْضيّ)(٣). والحديثُ من الطريق الذي أورده مرسل أو
((مِن)) تحتمل أن تكون تبعيضيةً، مرفوعاً فاعل يَحمِل، ((وعُدولُه)): بدل منه، وأن
تكون بيانيةً على طريقة: لقيني منك الأسد، جرّد من الخَلَف الصالح العدول الثقات،
وهم هم، كقوله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير﴾ - آل عمران: ١٠٤ -،
وعلى التقديرين: فيه تفخيم لأمرهم، وتعظيم لشأنهم. وقوله ((ينفون)): إما حال من
الفاعل، أو استئناف، وهو الأوجه. انتهى. وقد أطال في تقرير ذلك فيراجع.].
وانظر لزامًا ما يأتي قريبًا ٢٨ عن ((فوائد الرحلة)) لابن الصلاح.
[الغالين: من الغلوّ، وهو مجاوزة الحدّ.].
[يقال: انتحل مذهب فلان إذا انتسب إليه، أي: ادّعاءَهم.].
(١) [مُعان: بضم الميم، آخره نون، ورفاعة: براء مكسورة، وفاء، والسَّلامي
بالتخفيف.].
(٢) رواه العقيلي في ترجمة معان ٤: ٢٥٦، ومن طريقه: ابن عبد البر في
((التمهيد)) ٥٨:١ - ٥٩، وانظر تعليق شيخنا عليه وتخريجه هناك ١٣٤ - ١٤٠،
وخلص إلى أنه حديث صالح للاستدلال والاحتجاج به.
(٣) بل سبقه إلى العمل بهذا الحديث: القاضي إسماعيل بن إسحاق، قاضي
المالكية، في قصة رواها الخطيب في ((شرف أصحاب الحديث)) ص ٢٩ - ٣٠، وتبع
ابنَ عبد البر: ابنُ المَوّاق، وابن سيد الناس في ((أجوبته)) ص٢٦٩، ٢٧٣، والمزي،
والذهبي، وابن الجزري، ينظر ((النكت)) للزركشي ٩٠٠:٣ (٢٣٦)، و((فتح المغيث))
١٧٣:٢ - ١٧٤، ولفظ الزركشي في ((البحر المحيط)) ٢٨٨:٤: ((وتبعه عليه جماعة من
المغاربة))، ولم يخصّ ابنَ المواق.
=