Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
النوع الثامن عشر : المعلل
[ش]
وقال ابن عبد البر(١): اختُلِف في ألفاظ هذا الحديث اختلافاً كثيراً متدافعاً
مضطرباً، منهم من يقول: صليت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي
بكر، وعمر. ومنهم: من يذكر عثمان. ومنهم: من يقتصر على أبي بكر وعثمان.
ومنهم: من لا يذكر: فكانوا لا يقرؤون: بسم الله الرحمن الرحيم. ومنهم
من قال: فكانوا لا يجهرون بـ: بسم الله الرحمن الرحيم. ومنهم من قال: فكانوا
يجهرون بـ: بسم الله الرحمن الرحيم. ومنهم من قال: فكانوا يفتتحون القراءة بـ:
﴿الحمدُ لله رب العالمين﴾. ومنهم: من قال: فكانوا يقرؤون: بسم الله الرحمن
الرحيم. قال: وهذا اضطراب لا تقوم معه حجة لأحد(٢).
ومما يدل على أن أنساً لم يُرد نفي البسملة، وأن الذي زاد ذلك في آخر
الحديث، رَوَى بالمعنى فأخطأ: ما صحّ عنه أن أبا مَسْلمة سأله: أكان رسول الله
صلى الله عليه وسلم يستفتح بـ: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ أو ب: ﴿بسم الله
الرحمن الرحيم﴾؟ فقال: إنك لَتَسألُني عن شيء ما أحفظه، وما سألني عنه أحد
[ب]
كما سيأتي في الفرع الأول من النوع (٢٦)، وينظر ((الكفاية)) للخطيب ص ٢٢٨،
٢٥٨.
(١) ((التمهيد)) ٢٣٠:٢، و((الاستذكار)) ١٦٦:٤.
(٢) قال الحافظ في ((النكت)) ٧٥٢:٢، («هذا ليس بجيد، لأن الاضطراب شرطه
تساوي وجوهه، ولا يتهيأ الجمع بين مختلفها، أما مع إمكان الجمع فلا يستلزم
اضطراباً، وهذا هنا موجود، لأن الجمع بين الروايات الثابتة منه ممكن))، نعم،
والإمكان يختلف من عالم لآخر.

٣٦٢
النوع الثامن عشر : المعلل
[ش]
قبلك، أخرجه أحمد، وابن خزيمة، بسند على شرط الشيخين(١).
[ب] -
(١) أحمد ١٦٦:٣، ١٩٠. وابن خزيمة (١٠١٠) لكنه روى الطرف المتعلّق منه
بالمسح على النعلين فقط، ويحتمل احتمالاً كبيراً أنه روى الحديث بتمامه في كتابه
الخاص بالبسملة، الذي أشار إليه في ((صحيحه)) (٤٩٤)، ونقل عنه أبو شامة في
((كتاب البسملة)) ص ٣٨٥، وانظر ما يأتي بعد أسطر.
وأذكِّر هنا: بأن صحة السند لا تستلزم - دائماً - صحة المتن.
وبناء على هذا أقول: إن هذه المقولة عن أنس رضي الله عنه مستغربة مستنكرة،
إذا كان هو الخادمَ الملازمَ لرسول الله صلى الله عليه وسلم عشرَ سنوات، ثم يقول:
هذا شيء ما أحفظه !! ، ولم تكن صحبته صحبة أيام أو أسابيع، أو أشهر، يضاف إلى
هذا معارضته لرواية البخاري (٧٤٣) الآتية.
ومن نوادر نقول ومصادر مغلطاي في هذا البحث، ما نقله في ((إصلاح كتاب ابن
الصلاح)) ٢٧٥:٢، و((الإكمال)) ٢٢٣:٧، و((شرح سنن ابن ماجه)) ١٣٩:٥ عن
((تصحيح التعليل)) لابن طاهر أن حوار أبي مسلمة مع أنس جاء فيه سؤالان: عمّا كان
يفتتح به صلى الله عليه وسلم الصلاة، وعن صلاته في نعليه، وأن الصحيح من رواية
الأكثرين عن أبي مسلمة هو السؤال الثاني، أما الأول، افتتاح الصلاة بالقراءة: فزيادة
منكرة موضوعة، وهذا يفسِّر سبب اقتصار ابن خزيمة على رواية هذا الطرف في
«صحیحه)).
وانظر أيضاً: ((التعليق المغني على سنن الدارقطني)) للعظيم آبادي (١٢٠٨).
ولا بد من التنبيه إلى أمر آخر جانبي في البحث، هو أن كلام ابن طاهر حول
العباس بن يزيد البحراني راوي الزيادة عن غسان بن مضر، وفيه كلام، لخَّصه الحافظ
في ((التقريب)) (٣١٩٤) بقوله: صدوق يخطئ، لا كما في ((التعليق المغني)) أنه حول
=

٣٦٣
النوع الثامن عشر : المعلل
[ش]
وما قيل: مِن أن مَن حفظ عنه حجةٌ على من سأله في حال نسيانه(١): فقد
أجاب أبو شامة(٢) بأنهما مسألتان، فسؤال أبي مَسْلمة عن البسملة وتركها،
[ب]
غسان بن مضر، فتنبّه.
(١) هذا قول ابن عبد البر في ((الإنصاف)) ص٢٣١.
(٢) في كتابه ((كتاب البسملة)) ص ٣٩٢، لكنه ناقل له عن الخطيب في كتابه
الخاص في ((الجهر بالبسملة))، وهو في ((مختصره)) للذهبي (٦٥).
لكن لا بدّ من لفت النظر إلى جواب أنس رضي الله عنه لأبي مسلمة، لينظر: هل
هذا التمييز بين الجوابين صحيح مقبول، أوْ لا؟ فالخطيب - وموافقوه - مسلِّمون
برواية أنس التي في البخاري (٧٤٣): كانوا يفتتحون الصلاة بـ: ﴿الحمد لله رب
العالمين﴾، فكيف نقبل هنا جوابه لأبي مسلمة: لا أحفظه، إذ كان من الممكن لأنس
أن یقول له: کان صلی الله علیه وسلم يستفتح بالحمد، ما دام للاستفتاح بالحمد ذکر
في نص السؤال، وهذا أمر يُدرَك بلفت النظر، ولا يحتاج إلى دراية، ولا تأمل. وينظر
لزاماً كلام البقاعي في ((النكت الوفية)) ١: ٥١٦.
ومما ينبغي ذكره - ليُجْتنب ـ: أن الخطيب قال بعد نحو صفحة: ((وأما رواية
سعيد بن بشير، عن قتادة: أنهم كانوا لا يجهرون ويخفون البسملة: فلا تقوم به حجة،
لضعف سعيد بن بشير عند العلماء، واطّراحهم لحديثه)) ثم نقل تضعيفه عن ابن
المديني وابن معين بلفظ: ضعيف، فقط.
ثم قال في الصفحة التالية: ((أما رواية تُمامة، فقد سبق أنه روى عن أنس رضي
الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر بالبسملة)). قال الخطيب: ((وأما حديث
ثُمامة، عن أنس رضي الله عنه، ففي إسناده مقال، لأن عائذ بن شريح، والعلاء بن
حصين ضعيفان، وقد روى المقدَّمون من أصحاب أنس رضي الله عنه، عنه، خلافه
=

٣٦٤
النوع الثامن عشر : المعلل
[ش]
وسؤالُ قتادة عن الاستفتاح بأيّ سورة.
وقد ورد من طريق آخر عنه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُسرّ بـ:
(بسم الله الرحمن الرحيم﴾، أخرجه الطبرانيّ: من طريق معتمر بن سليمان،
عن أبيه، عن الحسن، عنه، وابنُ خزيمة: من طريق سويد بن عبد العزيز، عن
عمرانَ القصير، عن الحسن، عنه(١).
[س)
في اللفظ.
((قلت: وداود بن المحبَّر - وإن كان ضعيفاً - فإنما عارضنا بما رواه روايةً
ضعيفةً، فقابلنا الشيء بمثله، فلا يُنكر علينا تخريج حديثه. والله أعلم)).
وظاهر هذا السياق أن قائل: ((قلت: وداود ... )) هو الخطيب، والله أعلم.
والذي أريد التنبيه إليه هو: حكاية الخطيب عن العلماء اطّراحهم لحديث سعيد
ابن بشير، ولا أريد أن أقابل مبالغته بمبالغة، فأنقل كلمات التعديل فيه، فقط، بل
أحيل إلى ترجمته في ((تهذيب التهذيب))، وأنقل خلاصة ابن حجر لها في ((التقريب))
(٢٢٧٦): (ضعيف))، أما اطراحهم له: فلا.
ثم تراه يكتفي بقوله عن داود بن المحبَّر: كان ضعيفاً، بل إنه يسوق روايته مساق
رواية (المقدَّمين) من أصحاب أنس !! ومعاذ الله أن يقبل هذا الكلام! فإنه متروك
متهم !.
وهذا الكلام من الخطيب يكفي ليذكرنا بما تقدم ص٣٥١ - ٣٥٢، عن ابن
الجوزي في ((التحقيق)) ٣٥٧:١، بشأن الدار قطني والخطيب، وكتابيهما في البسملة،
فانظره، لتَجتنبَ، لا لتنتقدَ.
(١) الطبراني في ((الكبير)) ١ (٧٣٩)، وابن خزيمة (٤٩٨).

٣٦٥
النوع الثامن عشر : المعلل
[ش]
وورد من طريق أخرى عن المعتمر بن سليمان، عن أبيه، عن أنس قال:
کان رسول الله صلی الله علیه وسلم یجهر بـ: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، رواه
الدار قطني، والخطيب، وأخرجه الحاكم من جهة أخرى عن المعتمر(١).
وقد ورد ثبوت قراءتها في الصلاة عن النبي صلى الله عليه وسلم من
حديث أبي هريرة: من طرق عند الحاكم، وابن خزيمة، والنسائي،
والدار قطني، والبيهقي، والخطيب(٢).
وابنِ عباس: عند الترمذي، والحاكم، والبيهقي(٣).
وعثمانَ، وعليّ، وعمارِ بن ياسر، وجابرِ بن عبد الله، والنعمان بن بشير،
[ب] -
(١) الدار قطني (١١٧٩، ١١٨٠)، والخطيب في ((الجهر بالبسملة)) - ((مختصره)
للذهبي (٥٨) -، والحاكم (٨٥٤)، وقال: رواته ثقات، لكن تعقّبه ابن عبد الهادي
في جزء ((الجهر بالبسملة))، كما نقله عنه الزيلعي ٣٥١:١، والعيني في ((عمدة
القاري)) ٢٦:٥ بالرواية السابقة التي تقدم تخريجها عن الطبراني وابن خزيمة.
(٢) حديث أبي هريرة: رواه الحاكم (٨٤٩) وصححه على شرطهما،
و(٨٥٠) شاهد، وابن خزيمة (٤٩٩) تحت باب: الجهر بها والمخافتة من
الاختلاف المباح، والنسائي في الصغرى (٩٠٤)، والدارقطني (١١٦٨ - ١١٧٤)،
والبيهقي ٤٦:٢، والخطيب في جزء ((الجهر بالبسملة))، وهو في أول ((مختصره))
المطبوع للذهبي.
(٣) حديث ابن عباس: رواه الترمذي (٢٤٥) وقال: ليس إسناده بذاك، والحاكم
(٧٥٠) وصححه، ثم (٨٤٤ - ٨٤٦) وليس صريحاً في المراد، والبيهقي ٤٧:٢.

٣٦٦
النوع الثامن عشر : المعلل
[ش]
وابن عمر، والحكم بن عُمير، وعائشة: وأحاديثُهم عند الدار قطني(١).
وسمرةَ بنِ جندُب، وأبيٍّ: وحديثهما عند البيهقي(٣).
وبُريدةَ، ومجالدِ بن ثور، ويُسْرِ - أو بِشْرِ - بن معاوية، وحسين بن عُرْفُطة:
وأحاديثُهم عند الخطيب(٣).
(١) حديث عثمان: لم أجده عند الدارقطني كما قال الشارح هنا، وفي ((قطف
الأزهار المتناثرة)) ص٩٣، نعم، أشار إليه الحاكم في ((المستدرك)) (٨٥٥)، وعزاه إلى
جزء الخطيب: النوويُّ في ((المجموع)) ٣٤١:٣، ولم يذكره الذهبي في ((مختصره)).
ورواه الدارقطني عن عليّ (١١٥٨)، وعمار (١١٥٨، ١١٥٩)، وجابر
(١١٧٩)، والنعمان بن بشير (١١٨١)، وابن عمر (١١٦٤ - ١١٦٧)، والحكم بن
عمير (١١٨٥)، وعائشة (١١٨٦) رضي الله عنهم.
(٢) حديث سمرة وأُبيّ: عند الدارقطني (١١٨٢)، وفيه محل الشاهد، أما رواية
البيهقي ١٩٦:٢ - على تعددها - فليس فيها المطلوب، كروايات أبي داود (٧٧٣ -
٧٧٦) فما بعدها، ليس فيها المطلوب أيضاً، ورواية البيهقي من طريقه.
(٣) ليس في ((مختصره)) للذهبي شيء سوى قوله برقم (٣٦): ((روي الجهر
بأسانيد منكرة عن النعمان بن بشير، وبريدة، وسمرة، وغيرهم، ذكرها الخطيب لا
تُسمن ولا تغني من جوع، لا يثبت بتلك الطرق عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء».
وحدیث مجالد وبسر: رواه أبو نعيم في ((المعرفة)) (٦٢٧٥)، وفيه مجاهیل، كما
في ترجمة بشر من ((الإصابة))، و((عمدة القاري)) ٢٨:٥.
نعم، حديث بريدة عند الدارقطني (١١٨٣ - ١١٨٤)، وحديث الحسين بن
عُرْفُطة: رواه أيضاً أبو موسى المديني في ((المستفاد بالنظر والكتابة في معرفة
=

٣٦٧
النوع الثامن عشر : المعلل
[ش]
وأمّ سلمة: عند الحاكم(١)، وجماعةٍ من المهاجرين والأنصار: عند
الشافعي(٢).
[ب] -
الصحابة)) كما في ((عمدة القاري)) ٢٨:٥.
والظاهر أن بحث العيني بتمامه مستفاد من كتاب الحافظ ابن عبد الهادي في
((الجهر بالبسملة)).
(١) ((المستدرك)) (٨٤٨)، وابن خزيمة أيضاً (٤٩٣)، والدارقطني (١١٧٥)،
وعندهم في إسناده عمر بن هارون البلخي، قال الحاكم عنه: أصل في السنة، وإنما
أخرجته شاهداً، وأورد هذا الحديث ابن خزيمة له على سبيل الاستدلال به، وبه
تَجَوَّه النووي فقال في ((المجموع)) ٣٤٦:٣: ((في عمر كلام لبعض الحفاظ، إلا أن
حديثه - هذا - أخرجه ابن خزيمة في صحيحه)).
قلت: وهذا غريب منهم، فعمر بن هارون: متروك متهم !! ، ولا يقبل النووي منا
لو تجوَّهنا عليه بتحسين الترمذي (٢٤٤) لحديث عبد الله بن مغفِّل في إنكاره على ابنه
الجهر بالبسملة، كما تراه في ((المجموع)) ٣٥٥:٣، ((والخلاصة)) (١١٣٩) مع تحسين
الترمذي له، وتقويته - أيضاً - بعمل أكثر أهل العلم به من الصحابة والتابعين! وابن
عبد الله بن مغفَّل الذي جهر بالبسملة فأنكر عليه أبوه، لم يُسم في رواية الترمذي،
وسُمي في رواية أحمد ٨٥:٤: يزيد، وكذلك أشار المزي في ((التحفة)) (٩٦٦٧) إلى
أنه سمي في رواية أبي حنيفة: يزيد، جاء ذلك في رواية الحارثي (٧٠٧ - ٧٢٣)،
وابن خسرو (٥٤٠ - ٥٤٤، ٥٥١ - ٥٥٣)، وأبي نعيم (١٨٣) ثلاثتهم في مسانيد أبي
حنيفة.
(٢) في («ترتيب مسنده)) (٢٢٤، ٢٢٥)، عن إبراهيم بن محمد الأسلمي،
ويحيى بن سُليم الطائفي، كلاهما عن عبد الله بن عثمان بن خُثَيم، عن إسماعيل بن
=

٣٦٨
النوع الثامن عشر : المعلل
[ش]
فقد بلغ ذلك مبلغ التواتر(١)، وقد بينّا طرق هذه الأحاديث كلها في كتاب
[ب] -
عبيد بن رفاعة، عن أبيه، أن معاوية، وفي الطريق الثاني: عن أبيه، عن معاوية، وهو
في ((المستدرك)) (٨٥١) من طريق آخر إلى الشافعي، عن ابن أبي رَوّاد، عن ابن
جريج، عن ابن خُثَيم، أن أبا بكر بن حفص بن عمر، أن أنساً، وحكى القصة بنحو
رواية الأسلمي والطائفي، وصححه على شرط مسلم، وانظر ((مجموع فتاوى)) ابن
تيمية ٤٣٠:٢٢.
(١) يريد: الجهر بالبسملة متواتر، لا قرآنية البسملة متواترة، فبحث ابن العجمي
الآتي نقله في غير محلّه.
[قوله: فقد بلغ ذلك مبلغ التواتر: قال أبو عبد الله الأُبيّ - ((شرح مسلم)
٢ :٢٧٣ -: المطلوبُ فيما يثبت قرآناً القطعُ، وأحاديث الباب آحاد فلا يُتمسَّك بها
في ذلك، والأَوْلى ترك الكلام في المسألة لأنه كما يقال: إن كان الحقُّ الثبوتَ:
فالنافي أسقط آية، وإن كان النفيَ : فالمثبِت زاد آية، والزيادة والنقص في كتاب الله
كفر، لكن قال ابن الحاجب : وقوة الشبهة من الجانبين منعت من التكفير، وقد جعل
الإمام فخر الدين - في ((تفسيره) ١ : ٢٠٠ - ٢٠١ - المخلص من ذلك: أن المسألة
اجتهادية: للمخطئء فيها أجر، وللمصيب أجران، وحاصل الاختلاف أنها ظنية
واجتهادية، والتحقيق أن يكون الخلاف فيها على حدّ الاختلاف في وجوه القراءات،
لا على حدّ الخلاف في الأحكام الشرعية، وقد نصوا على أن القراءات السبع يُكْفَر من
جحدها، أو بعضَها، ولو من وجوه قراءاتها، وكل وجه من وجوه القراءات المختلف
فيها كالبسملة نص يقيني مقطوع به، وليس المتأخر ناسخاً للمتقدم، ودليلُ كلِّ حقّ
دالٌّ على صحة مدلوله، ووجه كون البسملة من الفاتحة أنها نزلت مرتين، مرةً بها،
ومرة بدونها، وقراءة الشافعي هي قراءة ابن كثير الموافقة لقراءة عاصم والكسائي
المتواترة، وثبوتُها في المصاحف العثمانية بعلم الوحي، مع الإجماع على أنه لم يكتب
=

٣٦٩
النوع الثامن عشر : المعلل
[ش]
(الأزهار المتناثرة في الأخبار المتواترة))(١).
وتبين بما ذكرناه أن لحديث مسلم السابق تسعَ علل(٢): ١ - المخالفة من
[ب] -
فيها إلا القرآن. انتهى ملخصاً .].
(١) ((قطف الأزهار المتناثرة)) ص٩٣ (٣٦) كما هنا، أما بيان الطرق فمحلّه في
أصله - غير المطبوع -: ((الفوائد المتكاثرة)).
قلت: وهاهنا أمران، أولهما: أن هذا العدد، مع هذه الأسانيد التالف أكثرُها،
لا يكفي للحكم بالتواتر، مع تسليمنا بأنه لا يشترط في المتواتر الصحة في كل إسنادٍ
إسنادٍ. ثانيهما: أن هذه الأحاديث هي: إما صحيحة غير صريحة في المطلوب، أو
صريحة غير صحيحة، كما قال ابن القيم فى ((زاد المعاد)) ٢٠٧:١، وكما يستفاد من
كلام ابن عبد الهادي في جزئه، وهو غير مطبوع، ومن كلامه الطويل في ((التنقيح)) ٢:
١٦٢ - ١٩٩، وخاصة ١٩١، ١٩٩، ومِن كلام الآخذِ عنه، وهو: الزيلعيُّ في ((نصب
الراية)) ٣٥٥:١، ٣٥٩، وهو بتمامه من ٣٣٥ - ٣٦١، والعيني في ((العمدة)) ٢٩:٥،
وأوله: ٥: ١٩، والزَّبيدي في ((شرح الإحياء)) ١٩٥:٣، وأوله: ٣: ١٨٣، ثم أفرده
الزَّبيدي في كتاب ((الردّ على من أَبَىُ الحقَّ، وادّعى أن الجهر من سنة سيد الخلق
صلی الله عليه وسلم))، وهو مطبوع.
وممن أسهب في المسألة: الحافظ ابن رجب الحنبلي في ((فتح الباري)) ٦: ٣٨٨ -
٤٢٨، ومغلطاي في ((شرح سنن ابن ماجه))، شَرَح أحاديث ابن ماجه الأربعة التي فيها
عدم البسملة من ١٣٥:٥ - ١٤٧، ثم زاد عليها أربعة أخرى في صفحة واحدة: ١٤٨،
ثم ذكر ما يعارضها: الجهر بها، عن سبعة عشر صحابياً، من ص ١٤٩ - ١٦٦،
وتكلم عليها، وفي الصفحتين الأخيرتين نقل أقوال بعض السلف في المسألة، وليس
في كلامهما ما يدل على وقوفهما على كلام ابن عبد الهادي. والله أعلم.
(٢) ما منها إلا علَّة عليلة، وأقواها خامسها: جهالة الكاتب، وقد قدّمتُ
=

٣٧٠
النوع الثامن عشر : المعلل
وقد تطلق العلّة على غير مقتضاها الذي قدمناه: ككذب الراوي
وغفلته، وسوء حفظه، ونحوها من أسباب ضعف الحديث.
[ش]
الحفاظ والأكثرين، ٢ - والانقطاع، ٣ - وتدليس التسوية من الوليد،
٤ - والكتابة، ٥ - وجهالة الكاتب، ٦ - والاضطراب في لفظه، ٧ - والإدراج،
٨ - وثبوت ما يخالفه عن صحابيه، ٩ - ومخالفته لما رواه عددُ التواتر.
قال الحافظ أبو الفضل العراقي(١): وقول ابن الجوزي (٢): إن الأئمة اتفقوا
على صحته: فيه نظر، فهذا الشافعي، والدارقطني، والبيهقي، وابن عبد البر لا
يقولون بصحته، أفلا يقدح کلام هؤلاء في الاتفاق الذي نقله؟ !.
(وقد تطلق العلَّة على غير مقتضاها الذي قدمناه) من الأسباب القادحة (ككذب
الراوي) وفسقه (وغفلته، وسوء حفظه، ونحوها من أسباب ضعف الحديث(٣))
الجواب عنها في صفحة ٣٥٨ - ٣٥٩.
(١) في ((التقييد)) ٥١٤:١، و((شرح الألفية)) ص١٠٦.
(٢) في ((التحقيق)) ٣٥٤:١، ولفظه: ((إن التعرض بالطعن لحديث أنس لا وجه
له، لاتفاق الأئمة على صحته، ومعارضتُه بما لا يقارب سنده في الصحة: قبيحٌ بمن
يدعي علم النقل)). وهذا صريح في أنه يريد الاتفاق على صحة حديث أنس حديثياً،
أما المعارضون فعارضوا متنه، بمتون أحاديث أخرى أسانيدُها دون أسانيد حديث
أنس، فاختلف الاعتباران: المدَّعَى: الاتفاق حديثياً، والاعتراض: متنياً فقهياً، بما هو
دون الأول في القوة الإسنادية.
(٣) أي: فهذه علل وقوادح جليّة، ليست خفية، كما هو الشرط في العلة: أن
تكون خفية.

٣٧١
النوع الثامن عشر : المعلل
وسمى الترمذيُّ النسخ علةً، وأطلق بعضهم العلة على مخالفةٍ لا
تقدح، كإرسالِ ما وصله الثقة الضابط، حتى قال: مِن الصحيح صحيحٌ
معلّل، کما قيل : منه صحیح شاذ.
[ش]
وذلك موجود في كتب العلل (وسمى الترمذي النسخ علة)(١).
قال العراقي(٢): فإن أراد أنه علة في العمل بالحديث: فصحيح، أو في
صحته فلا، لأَن في الصحيح أحاديثَ كثيرةً منسوخة.
(وأطلق بعضهم العلة على مخالفةٍ لا تقدح) في صحة الحديث (کإرسالِ ما
وصله الثقة الضابط، حتى قال: مِن الصحيح صحيحٌ معلِّل، كما قيل: منه
صحیح شاذ).
وقائل ذلك أبو يعلى الخليلي في ((الإرشاد))(٣)، ومثّل الصحيحَ المعلِّ
-
[ب] -
(١) ختم الإمام الترمذي ((سننه)) بـ ((كتاب العلل))، وافتتح كلامه فيه بقوله:
((جميع ما في هذا الكتاب من الحديث فهو معمول به، وقد أخذ به بعض أهل
العلم، ما خلا حديثين: جمع بين الظهر والعصر بالمدينة ... ، وحديث: ((إذا
شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه))، وقد بيّنا علة الحديثين جميعاً
في الكتاب))، وعلَّق بنحو هذا وزيادة على الحديث (١٤٤٤).
والحديث الأول رواه في ((سننه)) (١٨٧)، وأعلّه بعدم العمل به، والثاني رواه
(١٤٤٤)، وعلق عليه بكلام طويل، قال فيه: ((إنما كان هذا في أول الأمر، ثم نسخ
بعدُ))، وينظر ما يأتي ٥: ٩٣، كما ينظر للحديث الأول ((المسائل السبعة)) المفردة.
(٢) في ((شرح الألفية)) ص١٠٨.
(٣) ١: ١٦٠ _ ١٦٥.

٣٧٢
النوع الثامن عشر : المعلل
[ش]
بحديث مالك: ((للمملوك طعامُه))(١) السابقِ في نوع المعضل، فإنه أورده في
((الموطأ)) معضلاً، ورواه عنه إبراهيم بن طَهْمان، والنعمان بن عبد السلام
موصولاً. قال: فقد صار الحدیث بتبیین الإسناد صحيحاً يعتمد عليه.
قيل(٢): وذلك عكس المعلَّل، فإنه: ما ظاهره السلامة فاطّلع فيه بعد
الفحص على قادح، وهذا كان ظاهره الإعلال بالإعضال، فلما فُتِّش تبيّن
وصله.
فائدة :
قال البلقيني(٣): أجلَّ كتاب صنّف في العلل: كتاب ابن المديني، وابن أبي
حاتم، والخلال، وأجمعها كتاب الدار قطني.
قلت: وقد صنف شيخ الإسلام فيه ((الزَّهْر المطلول في الخبر المعلول)).
وقد قَسَم الحاكم في ((علوم الحديث)) (٤) أجناسَ العلل إلى عَشَرة، ونحن
نلخّصها هنا بأمثلتها:
[ب] -
(١) في ((الموطأ)) ٩٨٠:٢ (٤٠) معضلاً، كما قال، ووصله الخليلي من طريق
ابن طهمان، والنعمان بن عبد السلام، وينظر ما تقدم في نوع الحديث المعضل ص
٥٦٥.
(٢) قائله البقاعي في ((النكت الوفية)) ٥٢٣:١.
(٣) في ((محاسن الاصطلاح)) ص ٢٦٨.
(٤) صفحة ٣٦١ - ٣٧٤ بتصرف شدید.
٠

٣٧٣
النوع الثامن عشر : المعلل
[ش]
أحدها: أن يكون السند ظاهره الصحة، وفيه مَن لا يُعرف بالسماع ممن
روى عنه، كحديث موسى بن عقبة (١)، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن
أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من جلس مجلساً فكثُر فيه
لَغَطه فقال قبل أن يقوم: سبحانك اللهم وبحمدك(٢)، لا إله إلا أنت، أستغفرك
وأتوب إليك، غُفر له ما كان في مجلسه ذلك)).
فَرَوى(٣) أن مسلماً جاء إلى البخاري وسأله عنه فقال: هذا حديث
[ب] -
(١) رواه الترمذي (٣٤٣٣) وقال: ((حسن غريب صحيح لا نعرفه من حديث
سهيل إلا من هذا الوجه))، والنسائي (١٠٢٣٠)، وهو في ((المسند)) ٤٩٤:٢.
(٢) [قال ابن هشام - في ((المغني)) ص ١٤٠ -: اختلف في ((سبحانك اللهم
وبحمدك))، فقيل: جملة واحدة، على أن الواو زائدة، وقيل: جملتان، على أنها
عاطفة، ومتعلَّق الباء محذوف، أي: وبحمدك سبَّحتُك، وقال الخطابي - ((شأن
الدعاء)) ص١٤٤ -: المعنى: وبمعونتك التي هي نعمةٌ تُوجب عليّ حمدَك سبَّحتُك،
لا بحولي وقوتي. يريد أنه مما أقيم من المسبَّب ـ أي الحمد - مُقام السبب، أي
المعونة. انتھی.
وقال الكرماني - ٥١:٥ - وغيره ما حاصله: إن الواو إما للحال، ولا يلزم فيه
تقدير ((قد)) لتقدم مضمر له عليه، أو لعطف الجملة، سواء قلنا إضافة الحمد إلى
الفاعل، والمرادُ لازِمُهُ مجازاً، وهو ما يوجب الحمد من التوفيق والهداية، أو إلى
المفعول، ومعناه سبَّحت ملتبساً بحمدي لك، والباء: إما للمصاحبة، أو للملابسة.
انتھی .].
(٣) أي: الحاكم في ((المعرفة)) ص ٣٦٢ - ٣٦٤.

٣٧٤
النوع الثامن عشر : المعلل
[ش]
ملیح(١)، إلا أنه معلول، أخبرنا به موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا
سهيل، عن عون بن عبد الله، قولَه(٢)، وهذا أولى، لأنه لا يُذكر لموسى بن
عقبة سماع من سهیل.
الثاني: أن يكون الحديث مرسلاً من وجه رواه الثقات الحفاظ، ويُسنَد من
وجه ظاهره الصحة، كحديثٍ قَبيصةً بن عقبة (٣)، عن سفيان، عن خالد الحَذّاء
وعاصم، عن أبي قلابة، عن أنس مرفوعاً: ((أرحم أمتي أبو بكر، وأشدُّهم في
دين الله عمر))، الحديثَ.
قال: فلو صح إسناده لأُخْرج في الصحيح (٤)، إنما رَوَى خالد الحذّاء، عن
(١) [كأنه وصفه بالملاحة لمعناه. غزي - ورقة ٦٠/ب -. ].
بل: کأنه أراد ظاهر الإسناد، ثم خَدَشه بأنه معلول.
(٢) [أي: من قول عون، ليس بمرفوع.].
فيكون الإمام البخاري قد أعلّ الرواية المرفوعة، بالرواية الموقوفة، لأنه لا
يعرف سماع بين موسى بن عقبة وسهيل، أما وهيب عن سهيل فمعروف، وبيان ذلك
بإسهاب مطوّل في «النکت علی ابن الصلاح)) لابن حجر رحمه الله، ٧١٥:٢ - ٧٤٥،
وخلاصتها في الأسطر الأخيرة هناك، وتفصيلها في الحديث عن بيان مذهب البخاري
ومسلم في مسألة اللقاء بين الراوي وشيخه ضمن ((مجموع رسائل في علم الحديث
دراية)) إن شاء الله.
(٣) رواه الترمذي (٣٧٩١) وقال: حسن صحيح، والنسائي (٨٢٤٢، ٨٢٧٧)،
وابن ماجه (١٥٤، ١٥٥).
(٤) قلت: هذا غير لازم، كما هو معلوم.

٣٧٥
النوع الثامن عشر : المعلل
[ش]
أبي قلابة، مرسلاً(١).
الثالث: أن يكون الحديث محفوظاً عن صحابي، ويُروى عن غيره،
لاختلافِ بلادِ رواته، کروایة المدنیین عن الکوفیین، کحديث موسى بن عقبة،
عن أبي إسحاق، عن أبي بُردة، عن أبيه مرفوعاً: ((إني لأستغفرُ الله وأتوب إليه
في اليوم مئةَ مرةٍ))(٢).
قال: هذا إسناد لا ينظر فيه حديثيٌّ(٣) إلا ظن أنه من شرط الصحيح،
-
[ب] -
-
(١) ذكر الدارقطني في ((العلل)) ١٢ (٢٦٧٦) الاختلاف في أسانيده، وقال في
آخره: ((أصحها: عن شعبة، عن خالد، عن أبي قلابة، عن أنس))، وقال قبلُ: ((روی
شعبة من هذا الحديث كلمة، وهي فضيلة أبي عيبدة بن الجراح خاصة، عن خالد،
عن أبي قلابة، عن أنس)). ورواية شعبة هذه عند البخاري (٤٣٨٢، ٧٢٥٥)، وهي
عند مسلم أيضاً ١٨٨١:٤ (٥٣) من رواية ابن علية، عن خالد، عن أبي قلابة، عن
أنس مرفوعاً، مقتصراً على فضيلة أبي عبيدة.
أما رواية خالد، عن أبي قلابة المرسلة، المشار إليها في كلام الشارح، وهي في
أول كلام الدارقطني على الحديث: فكأن المراد بها الرواية المطوّلة، التي فيها مناقب
السبعة: أبي بكر، وعمر، وعثمان، ومعاذ، وأبيّ، وزيد، وأبي عبيدة، رضي الله
عنهم جميعاً.
(٢) هو في ((سنن)) النسائي (١٠٢٧٤)، وموسى بن عقبة: مدني، وأبو إسحاق:
هو السَّبيعي، کوفي.
(٣) [قوله حديثيّ: نسبة إلى علم الحديث على غير قياس، والقياس حَدَثي،
بفتحتين، وكأنهم عدلوا عن ذلك للفرق بين المنسوب للحديث، وبين المنسوب إلى
=

٣٧٦
النوع الثامن عشر : المعلل
[ش]
والمدنيون إذا رووا عن الكوفيين زَلِقوا(١)، وإنما الحديثُ محفوظ من رواية أبي
بردة، عن الأغرِّ المزني(٢).
الرابع: أن يكون محفوظاً عن صحابي، فيُروى عن تابعي، يقع الوهم
بالتصريح بما يقتضي صحته(٣)، بل ولا یکون معروفاً من جهته، كحدیث زهير
ابن محمد، عن عثمان بن سليمان(٤)، عن أبيه: أنه سمع النبي صلى الله عليه
وسلم يقرأ في المغرب بـ: الطور.
قال: أخرج العسكري(٥) وغيره هذا الحديث في الوحدان، وهو معلول،
[ب] -
حَدَث قلعةٍ بين مَلَطية وسُمَيْساط، كما فرقوا بين ((مديني)) بسكون التحتية، نسبة إلى
مدينة مَرُو وغيرها، وبين مَدَني، بفتحتين، إلى المدينة المنورة، وهو القياس.].
(١) [زَلِقت القدم زَلَقاً من باب تعب: لم تثبت في مكانها، ويعدَّى بالألف
والتشديد. (مصباح)) . - ز ل ق -. ].
(٢) كما رواه مسلم ٢٠٧٥:٤ (٤١)، والنسائي (١٠٢٧٦).
(٣) من النسخ إلا و، ففيها: صحبته.
(٤) وهكذا في كلام الحاكم ص ٣٦٧، ويستفاد من كلام الحاكم أنه هكذا جاء
في أصل الرواية عن العسكري: عثمان بن سليمان، وانظر ما يأتي بعد سطر.
(٥) سُمي في بعض نسخ ((المعرفة)) علي بن سعيد العسكري، وهو مترجم في
((السير)) ٤٦٣:١٤، وقوله ((في الوحدان)): لا يريد به اسم كتاب، بل يريد: أن
العسكري وغيره اعتبروا هذا الإسناد - وهو رواية عثمان عن أبيه - من قَبيل: من لم
يرو عنه إلا واحد، وهو النوع المعروف بـ: الوحدان، أو كما سماه ابن الصلاح: من
=

٣٧٧
النوع الثامن عشر : المعلل
[ش]
أبو عثمان (١) لم يسمع من النبي صلى الله عليه وسلم ولا رآه، وعثمانُ إنما رواه
عن نافع بن جبير بن مطعم، عن أبيه، وإنما هو عثمان بن أبي سليمان(٢).
الخامس: أن یکون رُوي بالعنعنة، وسقط منه رجل دلَّ علیه طريق أخرى
محفوظةٌ، كحديثٍ يونسَ، عن ابن شهاب، عن علي بن الحسين، عن رجال
من الأنصار: أنهم كانوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاتَ ليلةٍ، فرميَ
بنجم فاستنار. الحديثَ.
قال: وعلَّته: أن يونس - مع جلالته - قصَّر به، وإنما هو: عن ابن عباس،
حدثني رجال، هكذا رواه ابن عيينة، وشعيب، وصالح، والأوزاعي،
وغيرهم، عن الزهري(٣).
لم يرو عنه إلا راو واحد، وهو النوع السابع والأربعون الآتي إن شاء الله ٥: ٣٢٠.
(١) يريد: والد عثمان، الذي صواب اسمه: أبو سليمان، وهو أبو سليمان ابن
جبير بن مطعم، فالصحبة لأبيه، ظنه أبو القاسم البغوي في ((معرفة الصحابة)) صحابياً
- ولا شيء في طبعتيه -، وليس كذلك، لذا ترجمه الحافظ في ((الإصابة)) في الكنىُ:
القسم الرابع، وتعقب البغويَّ، وكأنه حصل الوهم كذلك للعسكري، والله أعلم.
هذا، والحديث في ((علل)) الدارقطني ١٣ (٣٣٢٢)، فينظر.
(٢) بإثبات أداة الكنية (أبي)، لا: عثمان بن سليمان، والحديث محفوظ معروف
بطرق متعددة إلى الزهري، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه جبير، هكذا عند
البخاري في مواضع، أولها (٧٦٥)، ومسلم ٣٣٨:١ (١٧٤).
(٣) هاهنا أمران، أولهما: جَعْل الحاكم التبعة على يونس بن يزيد، وأنه هو
الذي قصّر في ذكر ابن عباس، في حين أن مسلماً روى الحديث ٤: ١٧٥٠ - ١٧٥١
=

٣٧٨
النوع الثامن عشر : المعلل
[ش]
السادس: أن يُختلف على رجل بالإسناد وغيره، ويكون المحفوظ عنه ما
قابل الإسناد، كحديثِ عليٍّ بن الحسين بن واقد، عن أبيه، عن عبد الله بن
بريدة، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب قال: قلت يا رسول الله: ((مالك أفصَحَنَا))
الحديث(١)
[ب] -
(١٢٤، وما بعده) من طرق متعددة، منها: ابن وهب، عن يونس، قال مسلم: ((كلهم
عن الزهري غير أن يونس قال: عن عبد الله بن عباس: أخبرني رجال من أصحاب
رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار))، فيونس صرح بالواسطة، فينبغي حمل
التبعة على من دونه، غيرِ ابن وهب، والله أعلم.
ثانيهما: ذكر الشارح - عن الحاكم - أربعة رووا هذه الزيادة: ابن عيينة، ومن
بعده، وهذا صحيح، لكن جاء في كلام الحاكم هناك ذكر يونس معهم أيضاً، وهو
صحيح كما نقلته من رواية مسلم، لكنه لا يتفق مع كلامه قبل سطر أن يونس قصَّر
فلم يذكر الواسطة، فالظاهر أن ذكر يونس مع هؤلاء الأربعة وَهَم من النساخ، على
كثرة نسخ ((المعرفة)) التي حُقّق عنها الكتاب، لا سيما إذا أضيف إليها النسخ التي
حُقق عنها الكتاب في طبعته القديمة، لكن إنْ صح الأمر الأول الذي ذكرته، وهو
عدم تحميل يونس تبعةَ الوهم، وأن الوهم من غيره، فيكون ذكر يونس هنا مع الأئمة:
ابن عيينة وغيره: صحيحاً، لا وهماً، وهذا هو الظاهر، والله أعلم.
(١) رواه بهذا الإسناد ابنُ الغِطْريف في ((جزئه)) ص ٩٤ (٥١)، ومن طريقه: ابن
عساكر في ((تاريخه)) ٣:٤، ونقل كلام الحاكم هذا في إعلاله، وفي مطبوعة ابن
عساكر تحريفات، كما أن في التعليق على ((المعرفة)) وهماً، فشيخ ابن الغِطْريف هو
أحمد بن محمد بن شيبة، هكذا في مطبوعتي ((تاريخ)) ابن عساكر ٣:٤ = ٥٠:٢ من
طبعة دمشق، وجعله في التعليق على ((المعرفة)): أبو بكر بن أبي شيبة، وتاريخ ابن
=

٣٧٩
النوع الثامن عشر : المعلل
[ش]
قال: وعلَّته ما أَسند عن علي بن خَشْرم: حدثنا علي بن الحسين بن واقد:
بلغني أن عمر، فذكره.
السابع: الاختلاف على رجل في تسمية شيخه أو تجهيله، كحديثٍ
الزهري(١)، عن سفيان الثوري، عن حجاج بن فُرافِصة، عن يحيى بن أبي
كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة مرفوعاً: ((المؤمن غِرُّ كريم، والفاجر خَبّ
لئيم)»(٢).
(ت) -
الغطريف ما بين (بضع وثمانين ومئتين - ٣٧٧)، فكيف يروي عن ابن أبي شيبة
وتاريخه ما بين (١٥٣ - ٢٣٥) !.
(١) ((أو تجهيلَه)): يريد: أو إبهامَه. ولفظ الحاكم ص ٣٧٠: ((حدثنا أبو شهاب،
عن الثوري))، فكأن في نسخة الشارح رحمه الله من ((المعرفة)) تحريفاً إلى: حدثنا ابن
شهاب، عن الثوري، فاختصره إلى: حدثنا الزهري، عن الثوري، ولا يخفى أن
الثوري هو الذي يصلح للرواية عن الزهري من حيثُ الطبقة الزمنية، لا الزهري يروي
عن الثوري، لكن قد يكون الشارح سوَّغ لهذا في ذهنه: أنه من رواية الأكابر عن
الأصاغر - طبقةً -، مع أن المزي لم يذكر رواية بين هذين الإمامين.
وعلی کل: فصواب الرواية: حدثنا أبو شهاب، وهو الحنّاط، واسمه عبد ربه بن
نافع الكناني، المتوفى بعد سنة ١٧٠، وهو معروف بين الرواة عن الإمام الزهري.
وسبق إلى هذا التنبيه الأستاذ الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في ((الباعث الحثيث))
ص٦٩ - ٧٠.
(٢) الحديث رواه أبو داود (٤٧٥٧)، والترمذي (١٩٦٤) وقال: غريب، يشير
إلى ضعفه، وأحمد ٣٩٤:٢، والحاكم (١٢٨ - ١٣٢)، وأبو يعلى (٦٠٠٧)،
وغيرهم.
=

٣٨٠
النوع الثامن عشر : المعلل
[ش]
قال: وعلّته ما أسند عن محمد بن كثير، حدثنا سفيان، عن حجاج، عن
رجل، عن أبي سلمة، فذكره.
الثامن: أن يكون الراوي عن شخص أدركه وسمع منه، لكنه لم يسمع منه
أحاديثَ معينة، فإذا رواها عنه بلا واسطة فعلَّتها أنه لم يسمعها منه، كحديث(١)
يحيى بن أبي كثير، عن أنس: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أفطر عند
أهل بيتٍ قال: ((أفطر عندكم الصائمون)) الحديثَ.
قال: فيحيى رأى أنساً، وظهر من غير وجه أنه لم يسمع منه هذا الحديث،
ثم أسند عن يحيى قال: حدِّئْت عن أنس، فذكره(٢).
والحديث أحد الأحاديث التي ذكرها البغوي في ((مصابيح السنة))، وأنه قيل
بوضعها، ودافع عنها الحافظ العلائي في ((النقد الصحيح))، والحافظ ابن حجر في
جزء أُلحق في آخر ((مشكاة المصابيح))، أما الحافظ فدفع عنه الوضع فقط ١٧٨٦:٣ ،
وأما العلائي فقال ص ٦٣: ((لا ينزل عن درجة الحسن)).
والمعنى: الغِرّ: الذي لا يبحث عن الشر ولا يفطن له، ليس جهلاً، ولكنه كرم
نفس وحسن خُلُق.
والخَب - بكسر الخاء وفتحها -: هو الخدّاع الذي يسعى بالفساد بين الناس. كما
في ((النهاية)).
(١) رواه هكذا: ابن أبي شيبة (٩٨٣٨)، وهناك تخريجه عن أحمد ١١٨:٣،
٢٠١، والنسائي (٦٩٠١، ١٠١٢٨، ١٠١٢٩) ونبه إلى انقطاعه.
(٢) رواه هكذا: النسائي (٦٩٠٢، ١٠١٣٠)، والواسطة بينهما هو: عَمرو بن
زُبَيْب، أو ابن زُنَيْب، كما أفاده البيهقي ٢٣٩:٤.