Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ النوع الحادي عشر : المعضل بشرط أن لا يكون المعنعِن مدلِّساً، وبشرط إمكان لقاءِ بعضِهِم بعضاً، وفي اشتراط ثبوتِ اللقاء، وطولِ الصحبة، ومعرفتهِ بالرواية عنه: خلافٌ، منهم : من لم يشترط شيئاً من ذلك، . [ش] وادّعى أبو عمرٍو الداني إجماع أهل النقل عليه(١)، وكاد ابن عبد البر(٢) يدعي إجماع أئمة الحديث علیه. قال العراقي (٣): بل صرح بادعائهِ في مقدمة ((التمهيد)) (بشرط أن لا يكون المعنعِن) بكسر العين (مدلِّساً، وبشرط إمكان لقاءٍ بعضِهم بعضاً) أي: لقاء المعنعِن مَن روى عنه بلفظ ((عن))، فحينئذ يُحكم بالاتصال إلا إن تبيَّن خلافُ ذلك. (وفي اشتراط ثبوتِ اللقاء)، وعدمِ الاكتفاء بإمكانه، (وطولِ الصحبة) وعدمِ الاكتفاء بثبوت اللقاء، (ومعرفته بالرواية عنه) وعدم الاكتفاء بالصحبة: (خلافٌ، منهم من لم يشترط شيئاً من ذلك) واكتفى بإمكان اللقاء، وعُبِّر عنه بالمعاصرة(٤). [ب] - (١) في جزئه ((بيان المسند والمرسل والمنقطع)) ص ٤٨ - ٤٩، قال الحافظ في ((النكت)) ٢: ٥٨٣: ((أخذه الداني من كلام الحاكم)) في ((معرفة علوم الحديث)) أول النوع الحادي عشر ص١٨٨. (٢) في ((التمهيد)) ١ : ١٢ = ص ٦٥ من طبعة شيخنا. (٣) في ((التقييد)) ١: ٤١٦، و((شرح الألفية)) ص٧٤. (٤) عَبَّر عنه بالمعاصرة غيرُ الإمام مسلم، ولم يزيدوا شرط ((إمكان اللقاء))، وفيه تسامح كبير، وقد حصل هذا مِن عددٍ مِن الأئمة، ومنهم الشارح في نقله الآتي = ٢٠٢ النوع الحادي عشر : المعضل وهو مذهب مسلم بن الحجاج، وادّعى الإجماع فيه. [ش] (وهو مذهب مسلم بن الحجاج، وادّعى الإجماع فيه) في خطبة ((صحيحه)) (١)، وقال: إن اشتراط ثبوت اللقاء قول مختَرَع لم يُسبق قائلُه إليه، وإن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار قديماً وحديثاً: أنه يكفي أن يثبت كونُهما في عصر واحد، وإن لم يأتِ في خبر قطَّ أنهما اجتمعا أو تشافها(٢). (ت) - بعد سطر، ومذهب مسلم قائم على اشتراط توفر الأمرين: المعاصرة مع إمكان اللقاء، ولو صحت المعاصرة ولم يكن اللقاء ممكناً: لكان الإسناد منقطعاً عند الإمام مسلم، وینظر كلامه آخر ص٢٩ - ٣٠ من مقدمة «صحیحه)). (١) ((صحيح)) مسلم ١: ٢٨ آخر الصفحة وما بعدها. (٢) هكذا حكى الشارح بهذا الإجمال مذهب الإمام مسلم في هذه المسألة الشائكة، ولا بدّ من تحرير مذهبه مع تحرير مذهب محاوره، ومقارنته بمذهب أئمة السلف. فأقول: حكى مسلم مذهب محاوره في مقدمة ((صحيحه)) ص٣٠ فقال على لسانه: ((إني وجدت رواة الأخبار قديماً وحديثاً يروي أحدهم عن الآخر الحديث ولمّا يعاينْه، ولا سمع منه شيئاً قط، فلما رأيتهم استجازوا رواية الحديث بينهم على الإرسال ... احتجتُ إلى البحث عن سماع راوي كل خبر عن راويه، فإذا وقفتُ على سماعه لشيء منه، ثبت بذلك عندي سماعه لجميع ما يرويه عنه، وإذا لم أعرف ذلك منه - أي: لم يثبت عندي سماع بينهما - حكمت على الخبر بأنه موقوف، ولم يكن عندي موضع حجة، لإمكان الإرسال بینھما». وهذه الصورة ينقصها شرط أساسي يوضحها، وذلك بنقل الإمام مسلم مذهب أئمة السلف، قال ص٣٢: ((ما علمنا أحداً من أئمة السلف ممن يستعمل الأخبار، = ٢٠٣ النوع الحادي عشر : المعضل (ت) ويتفقّد صحة الأسانيد وسَقَمها، مثل: أيوب السختياني، وابن عون، ومالك، وشعبة، والقطان، وابن مهدي، ومن بعدهم، فتشوا عن موضع السماع في الأسانيد، كما ادعاه الذي وصفنا قوله، وإنما كان تفقَّدُ من تفقدَ منهم سماع رواة الأحاديث ممن روى عنهم إذا كان الراوي ممن عُرف بالتدليس في الحديث وشُهِر به، فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته، ويتفقدون ذلك منه، كي تنزاح عنهم علة التدليس)). فعرف بهذا أن الشرط الأساسي المتمم للمذهب المنكر الذي ردّه مسلم هو أن صاحبه یتطلب ثبوت السماع بین کل راويين، سواء أكان الراوي مدلّساً أم لا، وهذا مخالف لما كان عليه أئمة السلف، فإنهم ما كانوا يتطلبون ذلك إلا من المدلس المعروف بالتدلیس، بل ما کانوا یتعنّتون بطلب السماع ممن کان قلیل التدلیس، كما في جواب ابن المديني ليعقوب بن شيبة، في ((التمهيد)) ١: ١٨ = ٧٦، و((الكفاية)) ص٣٦٢. فيكون مذهب محاور الإمام مسلم مذهباً أراد معالجة التفريط بإفراط، لاحظ: رواية الآخرين عن غيرهم دون سابقةِ معاينةٍ ولا سماع، فأراد معالجة ذلك بتشديد: هو اشتراط السماع بين كل راويين، لتقوم الحجة عنده بخبرهما، ولو لم يكن عُرف عنهما شيء من التدليس. وأراد الإمام مسلم رحمه الله وجزاه الله خيراً إحياء مذهب الأئمة السابقين، وذكر منهم نجومهم ومركز الثقل منهم، وأنهم ما كانوا يتفقدون السماع في الرواية إلا من مدلس مشهور به. فإذن: ذاك المذهب مذهبٌ مخالفٌ لسَيْر الأئمة، ومن كان ذلك حالَه فحقيق بالإمام مسلم أن يصفهم بأنهم منتحلو علم الحديث، وأنهم، وأنهم. وبهذا التحرير السَّهل البسيط ندرك تماماً أنه من المستحيل أن يريد مسلم بقوله هذا: البخاري وابن المديني ونحوهما من أركان هذا العلم والدين وأقطابه. وندرك أن مسلماً - وغيره - يريدون مذهباً متوسطاً بين من أفرط فروى عن غير = ٢٠٤ النوع الحادي عشر : المعضل [ب] سماع ولا معاينة، وبين من شدَّد، فبحث عن قرينة صريحة في اللقاء والسماع، فكان من جراء ذلك البحثِ ظهورُ مذهبين (أو قرينتين): قرينةٍ على إمكان اللقاء (متوسطة)، وقرينة على إمكان اللقاء (واضحة). فالقرينة الأولى: المعاصرة بين الراويين مع إمكان اللقاء والسماع بينهما، وشرحها مسلم بقوله: ص٢٩ - ٣٠: ((كل رجل ثقة، روى عن مثله حديثاً وجائزٌ ممكنٌ لقاؤه والسماع منه، لكونهما جميعاً كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قطّ أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام، فالرواية ثابتة، والحجة بها لازمة، إلا أن يكون هناك دلالة بيّنة أن هذا الراوي لم يلقّ من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئاً، فأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسّرنا، فالرواية على السماع أبداً، حتى تكون الدلالة التي بینّا)». وأرجو التأمل في الدلالتين عند مسلم: دلالة عدم السماع تكون (بيّنة)، أما دلالة السماع فيكتفي بها ولو كانت (مبهمة)، ولهذا قلت عنها: قرينة متوسطة. أما المذهب الثاني (القرينة الواضحة): فهو مذهب الأئمة الآخرين: ابن المديني، وأحمد، والبخاري، وأبي زرعة، وأبي حاتم، ممن نُسِب إليهم اشتراطُ اللقاء والسماع، لا إمكانُهما. ونسبتي إليهم القولَ بالقرينة للدلالة على اللقاء أمر غريب جداً أمام ما تواتر عنهم من أقوال العلماء السابقين، وذلك لِمَا نُقل عنهم من أقوال كثيرة لإثبات الاتصال: سمع فلان فلاناً، وللحكم بالانقطاع: لم يسمع فلان فلاناً، فارتبطت هذه الأقوال بالقول الذي ردّه مسلم، لكن الواقع - إن شاء الله - أن هذه الأقوال صدرت عن أصحابها الأئمة على معنى أن سماع زيد من عمرو حديثَ كذا، قرينةٌ على الاتصال بينهما في الأحاديث الأخرى التي رَوَياها دون سماع بينهما، ولا يلزم إن صح سماع زيد لهذا الحديث من عمرو أن يكون قد سمع منه كل ما يرويه عنه، وهذا هو تفسير قولهم - مثلاً -: يشترط البخاري ثبوت اللقاء بين الراويين ولو مرة واحدة، = ٢٠٥ النوع الحادي عشر : المعضل فهذه المرة الواحدة لا لثبوت اللقاء بينهما في كل حديث، بل لثبوت قرينة إمكانية اللقاء، وهؤلاء الأئمة: البخاري وابن المديني وأحمد والرازيان أجلّ من أن يتعنّتوا فيطلبوا السماع في كل رواته، وأجل من أن يعتبروا هذه المرة الواحدة، دليلاً على وقوع السماع في كل رواية، بل ما هي إلا قرينة على ثبوت إمكانية اللقاء. والذي حملني على هذا التفسير أقوالٌ أخرى لهؤلاء الأئمة دلت صراحة على حکمهم بالقرائن، ومن ذلك: ١ - الإمام الشافعي رحمه الله، وهو يشترط ثبوت اللقاء في ((الرسالة)) (١٠٠١، ١٠٢٨ - ١٠٣٢)، ونسبه إليه البلقيني في ((محاسن الاصطلاح)) ص٢٢٤، وتبعه الشارح بعد قليل ص٢١٠، وانظره. فقد روى في ((الأم)) ٢: ٩ عن مالك ١: ٢٥٩ (١٧): عن حميد بن قيس، عن طاوس: أن معاذ بن جبل أخذ من ثلاثين بقرةً تبيعاً، ومن أربعين بقرة مسنّة، وعلّق عليه بقوله: ((طاوس عالم بأمر معاذ، وإن كان لم يلقه، على كثرة من لقي ممن أدرك معاذاً من أهل اليمن، فيما علمته)). وكانت وفاة معاذ رضي الله عنه سنة ١٨ في طاعون عَمَواس، ووفاة طاوس سنة ١٠٦، عن بضع وسبعين سنة. ٢ - الإمام علي ابن المديني: قال في ((العلل)) (٩٨) في رواية: زياد بن علاقة، عن سعد بن أبي وقاص: ((زياد لقي سعداً عندي، وكان كبيراً، قد لقي المغيرة بن شعبة، وجرير بن عبد الله))، فانظر قوله ((عندي))، وانظر حكمه بالقرينة. ثم قال (١٠١) عن عطاء بن يزيد السُّلَمي لقي فلاناً وفلاناً: ((ولا ننكر أن يكون سمع من أبي أسيد)). ونقل عنه ابن عساكر في ((تاريخه)) ٢٤: ١٢٩ في ترجمة صفوان ابن المعطّل رضي الله عنه قوله: ((أبو بكر بن عبد الرحمن أحد العشرة، أحد الفقهاء، وهو قديم، لقي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولا أنكر أن يكون سمع من صفوان بن المعطَّل)). وأنّبِّه هنا تنبيهاً عاماً يتصل بهذين المثالين وغيرهما مما يأتي: إنني أستدل بقول = ٢٠٦ النوع الحادي عشر : المعضل (ت) هذا الإمام ((عندي)) على أنه يستأنس بالقرائن، فقد ينكشف الآن، أو في المستقبل عن سند فيه سماعٌ بين زياد وسعد، أو بين فلان وآخر، من رجال الأمثلة التالية، فهذا لا ينقض عليَّ حكمي واستشهادي بالمثال، لأنني أستدلّ بلفظة معيَّنة محدَّدة من إمام معيَّن أنسب إليه عملَه بالقرينة. ٣ - أحمد بن حنبل: ففي ((العلل)) لابنه عبد الله (٥٢٦٣) سئل: ((هل سمع عمرو بن دينار من سليمان اليشكري؟ فقال: قُتل سليمان في فتنة ابن الزبير، وعمرو رجل قديم، قد حدث عنه شعبة، عن عمرو، عن سليمان، وأُراه قد سمع منه)). فهاهنا عمل بقرينتين: عمرو رجل قديم، ورواية شعبة، وهو لا يحمل عن شيوخه إلا صحیح حدیثهم. وفي ((شرح العلل)) لابن رجب ١: ٣١٠ أن الإمام أحمد سئل: ((سعيد بن المسيب عن عمر حجة؟ قال: هو عندنا حجة، قد رأى عُمر وَسمع منه، وإذا لم يُقبل سعيد عن عمر فمن يقبل؟!)). قال ابن رجب: ((مراده أنه سمع منه شيئاً يسيراً، ولم يُرد أنه سمع منه كل ما روى عنه، فإنه كثير الرواية عن عمر، ولم يسمع ذلك كله منه قطعاً)). وينظر كلام العلائي في ((جامع التحصيل)) ص٤٧. أما ما جاء في ((شرح العلل)) أيضاً ١: ٣٦١ أنه قيل لأحمد: إبراهيم بن محمد بن طلحة، عن عمر بن الخطاب مرسل؟ قال: نعم، ولكن إبراهيم كبير، يريد: كبير القدر لا كبير السنّ، لأنه وُلد عقب يوم الجمل سنة ٣٦، بعد استشهاد عمر رضي الله عنه بثلاث عشرة سنة !: فهذا لا شاهد فيه لما نحن بسبيله، إنما فيه شاهد علميٌ آخر، هو قبول خبرٍ كبيرٍ القدر والفضل، ولو لم يَستوفِ خبره شروطَ القبول، وإلا فما معنى هذا الاستدراك: ولكن إبراهيم كبير؟ !. وقد نقل الحاكم في ((المستدرك)) (١٣٧٧) عن الإمام شعبة قوله: ((اكتبوا عن الأشراف فإنهم لا يكذبون)». ٤ - الإمام البخاري: روى الترمذي في ((سننه)) (١٤٨٠)، و((العلل الكبير)) ٢: = ٢٠٧ النوع الحادي عشر : المعضل (ت) . ٦٣٢ من طريق عطاء بن يسار، عن أبي واقد الليثي مرفوعاً: ((ما قُطع من البهيمة وهي حيّة فهي ميتة))، وقال عنه في ((السنن)): حديث حسن غريب، وقال في ((العلل)): سألت محمداً - الإمام البخاري - عن هذا فقلت له: أَترى هذا الحديث محفوظاً؟ قال: نعم، قلت له: عطاء بن يسار أدرك أبا واقد؟ فقال: ينبغي أن يكون أدركه، عطاء قدیم)). وقال في ((التاريخ الكبير)) ٤ (١٧٦١) في ترجمة سليمان بن بريدة بن الحصيب: ((لم يذكر سليمان سماعاً من أبيه))، مع أنه أدرك من حياة أبيه خمسين سنة، وروى الترمذي في ((السنن)) (١٥٢) من طريق سليمان، عن أبيه حديثاً في مواقيت الصلاة، وفي آخره قوله صلى الله عليه وسلم: ((مواقيت الصلاة كما بين هذين))، وقال: حسن غريب صحيح، وقال في ((العلل الكبير)) ١: ٢٠٢ قال محمد - هو البخاري -: ((هو حديث حسن))، وهذا عمل بالقرينة القاطعة، وإن لم يُرْوَ في حديثٍ ما رواه سليمان عن أبيه، وفيه تصريح بالسماع منه، فحسّه في ((العلل)) بناء على القرينة، وحكم في ((التاريخ)) بما تقتضيه الأسانيد التي أمامه: سليمان لم يصرح في واحد منها بالسماع من أبیه. وذكر في ((التاريخ الأوسط)) ٢: ٨٨٨ (٦٥٦) أن أبا الوليد عبد الله بن الحارث الأنصاري ((روى عن عائشة وأبي هريرة، ولا ينكر أن يكون سمع منهما))، وهذا عمل بالقرينة. وقال الحافظ في ((هدي الساري)) ص٣٦٧ تحت الحديث (٥٧): ((الظاهر أن البخاري أخرجه على الاحتمال، لقرينةِ معرفةٍ عامٍ بن سعد بحديث أبيه)). ثم قال ص٣٦٩ تحت الحديث (٦٢) وفيه: عن نافع، أن عمر فرض للمهاجرين: ((قدّمنا مراراً أن البخاري يعتمد مثل ذلك إذا ترجح بالقرائن أن الراوي أخذه عن الشيخ المذکور في السیاق». ٥ - الإمام أبو حاتم الرازي: فقد نقل عنه ابنه في ((العلل)) (١٦٠٧) ((يشبه أن = ٢٠٨ النوع الحادي عشر : المعضل [ب] يكون زيد بن أبي أنيسة سمع من عبيد بن فيروز، لأنه من أهل بلده))، فكلاهما جزري، فانظر القرينة. ونحو هذا قوله في سماع أبي إدريس الخولاني من عوف بن مالك والمغيرة، فإنه من قدماء تابعي أهل الشام. وهناك جمهرة كبيرة جداً من الأئمة يعملون بالقرائن ويصححون بها، يمكنني أن أجعلهم ثلاث زُمر: الأولى: جاءت أقوالهم في كتبهم في أحاديث معيّنة، صححوها بناء على قرائن، منهم: النسائي، والطحاوي، والدارقطني، وابن حزم، والبيهقي، وابن عبد البر، تجد أقوالهم في البحث المفرد في هذه المسألة ضمن ((مجموع رسائل في علم الحديث دراية» إن شاء الله تعالى. الثانية: اشتهر بين العلماء مسلك لتصحيح الحديث والاحتجاج به، هو تلقي العلماء له بالقبول، ولو لم يكن معه إسناد صحيح، وجعلوا التلقي قرينة مصححة له، تقوم مقام الإسناد الصحيح، وممن نُقلت عنهم أقوال في هذا الصدد: الأئمة: مالك، والشافعي، والترمذي، وابن عبد البر، وابن فورك، وأبو إسحاق الإسفراييني، وابن القيم، وابن حجر، وابن الهمام، والسخاوي، وتجد أقوالهم في خاتمة تحقيق شيخنا رحمه الله لـ ((الأجوبة الفاضلة)) ص٢٢٨ - ٢٣٨. ويزاد عليهم: ابن جرير الطبري رحمهم الله جميعاً، وأقوالهم في المبحث المفرد ضمن ((المجموع)) السابق ذكره إن شاء الله. الثالثة: جمهرة كبيرة أكبر من سابقتها، وهي الطائفة التي صححت روايات ثلاثة رجال بقرينة تناسب كل واحد منهم، وهم: سعيد بن المسيب، عن عمر بن الخطاب. وأبو عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه. وعمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. ويجد القارئ الكريم الأقوال في اعتماد رواياتهم ضمن ((المجموع)) أيضاً، إن شاء الله. وبهذا، فقد وضح أن الأمر كما قلت: جمهرة كبيرة جداً من العلماء يصححون = ٢٠٩ النوع الحادي عشر : المعضل [ش] قال ابن الصلاح(١): وفيما قاله مسلم نظر، قال: ولا أرى هذا الحكمَ يستمرّ بعد المتقدمين(٢) فيما وُجد من المصنِّفين في تصانيفهم، مما ذكروه عن مشايخهم، قائلین فیه: ذکر فلان، أو قال فلان، أي: فليس له حکم الاتصال ما لم یکن له من شیخه إجازة. (ت) الأحاديث بالقرائن، ولكل مقام قرينته المناسبة، وأن العمل بالقرائن عماد الحكم بالاتصال، إلى جانب العماد الأول: التصحيح بالرواية لقاءً وسماعاً، والله أعلم. (١) صفحة ٦٠، وبيَّن الحافظ وجهة هذا النظر فقال - كما في ((النكت الوفية)) ١: ٤١٦ -: ((لأنهم كثيراً ما يرسلون عمن عاصروه، ولم يلقوه)). قلت: وفي هذا التعليل نظر طويل، فإن هذا الإرسال لا يقول به أحد ممن شرط الصحيح، وقد تقدم ص١٣٢ نقل حكاية مسلم عن محاوره - وإقراره له على هذا القول -: ((والمرسل من الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة))، فكيف ينسب إلى مسلم أنه يذهب هذا المذهب ويناضل عنه كل هذه المناضلة، ويُسنِّه رأي مخالفیه، ویحکم علیه أنه ليس بحجة، ثم هو نفسه يؤكد على ضرورة قيام الدلالة على إمكانية اللقاء بين الراويين، فكيف يقول هنا بما يقتضي قبول المعاصرة مع عدم اللقاء؟ !. (٢) قال الحافظ في ((النكت)) ٢: ٥٨٦ - وتبعه تلميذه السخاوي في ((فتح المغيث)) ١: ٣٠١ -: ((وأما المتأخرون، وهم مَن بعد الخمس مئة، فاصطلحوا عليها للإجازة))، فأفاد أن المتقدمين في كلام ابن الصلاح هم من قبل الخمس مئة، أما الذهبي فقال في آخر مقدمة كتابه («الميزان)): ((الحدّ الفاصل بين المتقدم والمتأخر رأس سنة ثلاث مئة))، ولا تعارض، فكلام الذهبي فيما يتعلق بالرواة، وذاك في غيرهم. ٢١٠ النوع الحادي عشر : المعضل ومنهم: من شرط اللقاء وحدَه، وهو قول البخاريِّ، وابنِ المَديني والمحققين. [ش] (ومنهم من شرط اللقاء وحدَه، وهو قول البخاريِّ، وابنِ المَديني والمحققين) من أئمة هذا العلم(١). قيل: إلا أن البخاريَّ لا يشترط ذلك في أصل الصحة بل التزمه في ((جامعه))، وابنَ المَديني يشترطه فيها(٢). ونصّ على ذلك الشافعي في ((الرسالة))(٣). [ب] (١) تقدم قريباً ص ٢٠٢ تحقيق أن مسلماً ما أراد البخاري ولا ابن المديني ومَن ذُكر معهما، وأزيد هنا - تمشّاً مع ما شاع واشتهر -: أن الإمام النووي ذكر هذه الأقوال في مقدمة شرحه على ((صحيح)) مسلم ١: ٣٢ وقال عن هذا القول: ((هو الصحيح))، فأفاد أن مقابله: مذهب مسلم ضعيف، وذكره أيضاً في مقدمة شرحه على ((صحيح)) البخاري ١: ٢٥٣ وقال: ((هو الأصح))، فأفاد أن مقابله: مذهب مسلم صحيح، وأن مذهب البخاري وابن المديني أصح منه، وكذلك قال الذهبي في ((السير)) ١٢: ٥٧٣ عن مذهب البخاري وشيخه: ((هو الأصوب والأقوى))، فأفاد أن مذهب مسلم صواب وقويّ. (٢) هذا القيل قاله ابن كثير في ((مختصره)) ص٥٢، وكأن البلقيني أخذه منه في (المحاسن) ص٢٢٤، وهو غریب. (٣) تنظر الفقْرة (١٠٢٨ - ١٠٣٢)، واسم الإشارة في قول الشارح ((على ذلك)): يعود على اشتراط اللقاء، والشارح معتمد - والله أعلم - على البلقيني في ((المحاسن))، وقد صدَّر كلامه بقوله: ((دلَّ كلام الشافعي على مقتضى مذهب ابن المديني، والتزام البخاري))، ثم نقل كلام الشافعي بطوله، الذي أشرت إليه، وأتبعه = ٢١١ النوع الحادي عشر : المعضل ومنهم : من شرط طول الصحبة، ومنهم : من شرط معرفته بالرواية عنه، [ش] (ومنهم من شرط طول الصحبة) بينهما ولم يكتف بثبوت اللقاء، وهو أبو المظفر السمعاني (١). (ومنهم من شرط معرفته بالرواية عنه) وهو أبو عمرو الداني(٢). واشترط أبو الحسن القابسي أنْ يدركه إدراكاً بيِّناً، حكاه ابن الصلاح(٣). [ب] - بكلام الخطيب في ((الكفاية)) ص٢٩١، وأوله قوله: ((قلت: وأهل العلم بالحديث مجمعون على أن قول المحدث: فلان عن فلان .. )). والخطيب نَقَل أولاً ص ٢٩٠ قول ((بعض المتأخرين من الفقهاء)) الذي حكاه الرامهرمزي في ((المحدث الفاصل)) (٥٣٩)، وفهم منه الخطيب أن هذا (البعض) يشترط لحجية الحديث التصريحَ بالسماع ونحوِه في كل رواية بين كل راويين، فلهذا أعقبه بهذا الإجماع ص٢٩١. (١) للإمام السمعاني مقولتان في كتابه ((قواطع الأدلة))، أولاهما: فيها هذا المعنى، جاءت منه في ٢: ٥٩٤، وثانيتهما: تفيد أن العنعنة إذا جاءت من غير مدلِّس حملت على الاتصال، جاء ذلك منه في ٢: ٥٣٤، لكن لم يتعرض في المقولة الأولى إلى اشتراط كون المعنعِن غيرَ مدلِّس، فكأن اشتراطه طول الصحبة ليتمشى مع من يقبل عنعنة المدلِّس إذا كان معروفاً بالرواية عن المدلَّس المعنعَن عنه، والله أعلم. (٢) ينظر لفظه ص ٥١ من جزئه ((بيان المسند والمرسل والمنقطع))، وكأن الداني المتوفى سنة ٤٤٤ يلخص كلام القابسي - التالي - المتوفى سنة ٤٠٣. (٣) صفحة ٦١، ولفظ القابسي في أول كتابه ((الملخَّص)) ص٤٤ - ٤٥، وهو رواية ابن القاسم لـ«الموطأ))، قال رحمه الله: ((والبيِّن الاتصال ما قال فيه ناقلوه: حدثنا أو أخبرنا .. ، وكذلك ما قالوا فيه: عن، عن، فهو أيضاً من المتصل إذا عُرف أن = ٢١٢ النوع الحادي عشر : المعضل [ش] قال العراقي(١): وهذا داخل فيما تقدم من الشروط، فلذلك أسقطه المصنف. قال شيخ الإسلام(٢): مَنْ حكم بالانقطاع مطلقاً شدَّدَ، ويليهِ: من شرط [ب] - ناقله أدرك المنقول عنه إدراكاً بيِّناً، ولم يكن ممن عُرف بالتدليس)) ثم أفاد أن ((قال)) و((فعل)) مثل ((عن)) في الاتصال. ثم قال: ((فأما من لا يُعرف أنه أدرك من يحدث عنه، فذاك لا يحتمل اتصاله، كقول عبد الله الصُنابحي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إذا توضأ العبد المؤمن)) .. فلم يَعرف حُذّاق المحدثين لعبد الله هذا صحبة)). فقوله ((أما من لا يعرف أنه أدرك من يحدِّث عنه)): يفيد أن الإدراك هنا اللقاء والسماع، كالصنابحيّ فإنه لا يُعرف أنه أدرك النبي صلى الله عليه وسلم، أي: لا يُعرف أنه لقيه أو سمع منه، أما الإدراك الزمني: فنعم، وحينئذ فقوله السابق عن العنعنة: إنه ((من المتصل إذا عُرف أن ناقله أدرك المنقول عنه إدراكاً بيّناً)): يستفاد مِن هذا التعبيرِ: استعمالِ المصدر ((إدراكاً)) ومِن وصفه له بقوله ((بيِّنا)): أمرٌ آخر فوق الإدراك الزمني الذي يعبِّرون عنه بـ((المعاصرة))، وهو - هنا -: إمكان اللقاء إمكاناً واضحاً، والله أعلم، وهذا هو مذهب مسلم، کما صرّح به في ((النكت الوفية)) ١ : ٤١٦. (١) في ((شرح ألفيته)) ص٧٤. (٢) من ((النكت الوفية)) ١: ٤٠٩. وقوله: ((ويليه: من شرط ... )): أي: دونه في التشدد. وقوله: ((من اكتفى بالمعاصرة سهَّل)): يشير إلى مذهب مسلم، لكن يرد عليه أن مسلماً لا يكتفي بالمعاصرة، بل لا بدّ عنده من زيادة: إمكان اللقاء بينهما، كما تقدم التنبيه إليه ص ٢٠٢ عن بعضهم، ومنهم: الحافظ ابن حجر، فإنه يطلق في حكاية مذهب مسلم الاكتفاء بالمعاصرة فقط، وهذا قصور ومخالف مخالفة = ٢١٣ النوع الحادي عشر : المعضل [ش] طول الصحبة، ومَن اكتفى بالمعاصرة سهَّل، والوسط الذي ليس بعده إلا التعنُّت مذهبُ البخاري ومن وافقهُ، وما أورده مسلم عليهم، من لزوم ردّ المعنعَن دائماً، لاحتمال عدم السماع: ليس بوارد (١)، لأن المسألة مفروضة في غیر المدلِّس، ومن عنعن ما لم يسمعه فهو مدلس. قال(٢): وقد وجدت في بعض الأخبار ورود ((عن)) فيما لا يُمكن سماعه من الشيخ وإن كان الراوي سمع منه الكثير، كما رواه أبو إسحاق السَِّيعي (٣)، [ب] صريحة لكلام مسلم نفسه. (١) تقدم ص ٢٠٢ أن مسلماً ما أراد شيخه البخاري ومن وافقه. (٢) من ((النكت الوفية)) أيضاً: ١: ٤١٧. (٣) هنا كلام غير واضح في نسخة ز، لأنه على حاشية الصفحة الداخلية. ولم يصرِّح الشارح رحمه الله باسم من خرَّج هذا الأثر، لأن البقاعيَّ نفسه رحمه الله ترك بياضاً محلَّه، انظر التعليق على ((النكت الوفية))، وهذا الصنيع من الشارح يؤيد أن البياض من أصل التأليف، وانظر ((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر نفسه ٢: ٥٨٦ - ٥٨٧ فإنه ذكر هذا الخبر - وغيره - باختصار يسير، وعزاه إلى ((تاريخ ابن أبي خيثمة))، والذي في القسمين المطبوعين منه أصل الخبر، لا محل الشاهد: ينظر السِّفْر الثاني: ٩٥٢:٢ - ٩٥٣. ثم طبع منه (قطعة من الكوفيين) وفيه (٦٥): ((عن أبي بكر ابن عياش، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص - واسمه: عوف بن مالك -: أن خوارج خرجوا، فخرج إليهم فقتلوه. يعني: أبا الأحوص))، لا ذكر فيه لعبد الله بن خباب. ورواه ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٣٩٠٤٨، ٣٩٠٥١، ٣٩٠٧٨)، وليس فيها = ٢١٤ النوع الحادي عشر : المعضل وكَثُر في هذه الأعصار استعمالُ ((عن)) في الإجازة، فإذا قال أحدهم: قرأت على فلان عن فلان : فمراده أنه رواه عنه بالإجازة. الثاني: إذا قال: حدثنا الزهري: أن ابن المسيَّب حدَّثه بكذا، أو قال : قال ابن المسيب كذا، أو فعل كذا، أو. [ش] عن عبد الله بن خبّاب بن الأَرَتّ: أنه خرج عليه الحَرُوریة فقتلوه حتی جری دمه في النهر، فهذا لا يمكن أن يكون أبو إسحاق سمعه من ابن خباب، كما هو ظاهر العبارة، لأنه هو المقتول. قلت: السماع إنما يكون معتبراً في القول، وأما الفعل فالمعتبر فيه المشاهدة، وهذا واضح. (وكَثُر في هذه الأعصار استعمالُ ((عن)) في الإجازة، فإذا قال أحدهم) مثلاً: (قرأت على فلان عن فلان: فمراده أنه رواه عنه بالإجازة) وذلك لا يُخرجه عن الاتصال. (الثاني: إذا قال) الراوي - كمالك مثلاً -: (حدثنا الزهري : أن ابن المسيَّب حدَّثه بكذا(١)، أو قال) الزهري: (قال ابن المسيب كذا، أو فعل كذا، أو) قال: [ب] كلُّها محلُّ الشاهد أيضاً. (١) [تنبيه: يسمى الإسناد الذي فيه ((أن فلاناً قال)): المؤنَّن، بثلاث نونات، وقد يقال: المؤنأن، بنونين بينهما همزة، وأنّ: بفتح الهمزة، وقد تكون مكسورة. غزي - ٤٦ /أ -. وعبارة المتبولي في ديباجة ((شرح الجامع)): المؤنَّن مأخوذ إما من أَنَّتْتُه أي : تَرَضَّيْتُه، أو من: أنّ، إذا تأوَّه، فكأن المحدث أعياه وشقَّ عليه ذكر السماع ونحوه، = ٢١٥ النوع الحادي عشر : المعضل كان ابن المسيَّب يفعل، وشِبْهَ ذلك، فقال أحمد بن حنبل وجماعة : لا تَلتحق ((أنَّ) وشِبْهُها بـ: عن، بل يكون منقطعاً حتى يَيِين السماع، وقال الجمهور: ((أنَّ) كـ ((عن))، ومُطْلَقه محمول على السماع بالشرط المتقدم. [ش] (كان ابن المسيَّب يفعل، وشِبْهَ ذلك، فقال أحمد بن حنبل وجماعة) منهم - فيما حكاه ابن عبد البر(١) - البَرْدِيجيُّ (٢): (لا تَلتحق (أنَّ) وشِبْهُها بـ: عن) في الاتصال (بل يكون منقطعاً حتى يَّبِين السماع) في ذلك الخبرِ بعينه من جهةٍ أخرى. (وقال الجمهور) فيما حكاه عنهم ابن عبد البر، منهم مالك: ((أنَّ) كـ ((عن))) في الاتصال، (ومُطْلَقه محمول على السماع بالشرط المتقدم) من اللقاء والبراءة من التدليس. قال ابن عبد البر: ولا اعتبار بالحروف والألفاظ، وإنما هو باللقاء والمجالسة والسماع والمشاهدة. قال: ولا معنى لاشتراط تبيَّن السماع، لإجماعهم على أن الإسناد المتصل بالصحابي سواء أتى فيه بـ((عن))، أو بـ ((أنّ))، أو بـ((قال))، أو بـ((سمعت)) فكلُّه متصل. [ب] فأتى بأنَّ، أو من: أَنَيْتُ، أي: أخّرت المجيء وأبطأت، أو: من أَنَيْتُ، وَأَيتُ، واستأنيت، أي : انتظرت وتربَّصْت. انتهى.]. يريد بقوله: ديباجة ((شرح الجامع))، أي: مقدمته المسهَبة التي كتبها لشرح ((الجامع الصغير)) للشارح السيوطي رحمهما الله تعالى، وقد تقدم هذا ٢: ٥٦٠. (١) في ((التمهيد)) ٢٦:١، وهكذا النقول الثلاثة التالية. (٢) تقدم التعريف به ٢: ٢٥٨. ٢١٦ النوع الحادي عشر : المعضل [ش] قال العراقي(١): ولقائل أن يفرِّق بأن للصحابي مزيةً حيثُ يُعمَل بإرساله، بخلاف غيره. قال ابن الصلاح(٢): ووجدت مثلَ ما حُكي عن البَرْديجي للحافظ يعقوبَ ابنِ شيبة في («مسنده))(٣)، فإنه ذكر ما رواه أبو الزبير، عن محمد ابن الحنفية، (ت) (١) ينظر؟ فإن صح فلعله قال هذا في شرحه الكبير على ((ألفيته))، لكن ليست هناك قرينة تدل على أنه وصل إلى هذا المبحث في ذاك الشرح الكبير. (٢) صفحة ٥٨. (٣) ولفظ ابن الصلاح ص ٥٨ لما ذكر هذا الخبر قال: ((للحافظ الفحل، في مسنده الفحل)). ومما قاله الذهبي في ((السير)) ١٢: ٤٧٦ وما بعدها، عن يعقوب بن شيبة وكتابه هذا: ((الحافظ الكبير العلامة الثقة صاحب ((المسند)) الكبير، العديم النظير، المعلَّل، الذي تمَّ من مسانيده نحوٌ من ثلاثين مجلداً، ولو كَمُل لجاء في مئة مجلد، يخرِّج العالي والنازل، ويذكر أولاً سيرة الصحابي مستوفاةً، ثم يذكر ما رواه، ويوضح علل الأحاديث، ويتكلم على الرجال، ويجرح ويعدِّل، بكلام مفيد عذب شافٍ، بحيث إن الناظر في ((مسنده)) لا يَمَلَّ منه، وكان في منزله أربعون لِحافاً أعدَّها لمن كان عنده من الوراقين الذين يبيِّضون له ((المسند))، ولزمه على ما خرَّج منه عشرة آلاف دينار !! وقد شوهد مسند أبي هريرة منه في مئتي جزء حديثي، أي: في نحو ٨٠٠٠ صفحة، ومسند عليّ في خمسة أسفار. ثم قال الذهبي: وقع لي جزء واحد من مسند عمار. قلت: وطبع منه قطعة يسيرة من مسند عمر بن الخطاب، ثم طُبع ((ملخصٌ من مسند عمر)) للطبراني الكاملي المتوفى سنة ٨٣٥. ٢١٧ النوع الحادي عشر : المعضل [ش] عن عمار قال: أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلِّي، فسلَّمت عليه فردً عليَّ السلام، وجعله مسنداً موصولاً، وذكر رواية قيس بن سعد لذلك، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن الحنفية: أن عماراً مرَّ بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي، فجعله مرسلاً من حيثُ كونُه قال: إن عماراً فَعَل، ولم يقل: عن (١) عمار. انتھی" .( [ب] - (١) سيأتي كلام الشارح، ومَن قبله، رحمهم الله تعالى عن هذا الحديث من حيثُ التسويةُ بين ((عن)) و((أن))، أو التفرقةُ بينهما، ولم يسلِّموا لابن الصلاح ما نسبه إلى مالك وأحمد رحمهما الله تعالى من عدم التسوية بينهما، كما لم يسلموا له القول باتفاق يعقوب بن شيبة مع البرديجي في التفرقة بينهما، ينظر في هذا: كتاب الزركشي ٢: ٥٧٦ (١٥٢)، والعراقي في ((التقييد)) ١: ٤٢٢، و((شرح ألفيته)) ص٧٥، وابن حجر ٢: ٥٩٢، و((النكت الوفية)) ١: ٤٢٠، و((فتح المغيث)) ١: ٢٩٥ - ٢٩٦. وبقي تخريج الحديث، للتحقق من اسم الراوي له عن عمار، فأقول: سُمي راوي الحديث عن عمار على ثلاثة وجوه، أولها: ابن الحنفية، عن عمار، ومثله: محمد ابن الحنفية، ومحمد بن علي ابن الحنفية، ومحمد بن علي بن أبي طالب، ثانيها : محمد بن علي بن الحسين، وهو محمد الباقر ابن علي زين العابدين ابن الحسين السبط رضي الله عنهم، ثالثها : محمد بن علي، وهو محتمِل لكليهما. وقد رواه على الوجه الأول: ابن أبي شيبة في ((المصنَّف)) (٤٨٥٨)، وأحمد ٤: ٢٦٣، والبزار (١٤١٥)، وأبو يعلى (١٦٤٣)، وابن قانع في ((معجم الصحابة)) ٢: ٢٤٩. ورواه على الوجه الثاني: عبد الرزاق (٣٥٨٧) قال: ((عن ابن جريج، قال: أخبرني محمد بن علي بن الحسين: أن النبي صلى الله عليه وسلم سلّم عليه عمار .. ، = ٢١٨ النوع الحادي عشر : المعضل [ش] قال العراقي(١): ولم يقع على مقصود يعقوب، وبيان ذلك: أن ما فعله يعقوب هو صوابٌ من العمل، وهو الذي عليه عمل الناس، وهو لم يجعله مرسلاً من حيثُ لفظُ ((أن))، بل مِن حيثُ إنهُ لم يُسندْ حكاية القصة إلى عمار، وإلا فلو قال: أن عماراً قال: مررتُ: لَمَا جعله مرسلاً، فلما أتى بلفظ: أن عماراً مرَّ، كان محمدٌ هو الحاكيَ لقصةٍ لم يُدركها، لأنه لم يدرك مرورَ عمارٍ بالنبي صلى الله عليه وسلم، فكان نقله لذلك مرسلاً. قال ابن جريج: أخبر به عطاء، عن محمد بن علي، فلقيت محمد بن علي فسألته فحدّني به)). ورواه البخاري في ((تاريخه الكبير)) ١ (٥٦٤) من طريق عبد الرزاق قال: ((أخبرني ابن جريج، عن عطاء، عن محمد بن علي بن حسين، فلقيت أنا محمد بن علي فأخبرني أن النبي صلى الله عليه وسلم سلَّم عليه عمار فردًّ. وقال بعضهم: محمد ابن علي، عن عمار، وتوهم بعضهم أنه محمد ابن الحنفية، والأول أصح)). ورواه على الوجه الثالث - على الإيهام - : النسائي (٥٤١)، وأبو يعلى (١٦٣٤)، والبزار (١٤١٦)، وابن قانع ٢: ٢٤٩. وعلى كل: فقد كشف الإمام البخاري رحمه الله عن علَّته، وهي توهُّم من سمع في الإسناد محمدَ بنَ عليّ، فظنه ابنَ الحنفية، مع أنه محمد الباقر. (١) في ((شرح ألفيته)) ص٧٥، وفي ((التقييد)) ١: ٤٢٢، وهو في كتاب الزركشي أيضاً ٢: ٥٧٦ (١٥٢). وقوله ((لم يقع)) يريد ابن الصلاح، وأصل الفكرة والتنبيه للخطيب في ((الكفاية)) ص٤٠٨. ٢١٩ النوع الحادي عشر : المعضل [ش] قال(١): والقاعدة أن الراوي إذا روى حديثاً فيه قصة أو واقعة، فإنْ كان أدرك ما رواه بأنْ حكى قصة وقعتْ بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين بعض الصحابة، والراوي لذلك صحابيٌّ أدرك تلك الواقعةَ: فهي محكوم لها بالاتصال، وإنْ لم يُعلَم أنه شاهدها. وإن لم يدرك تلك الواقعة: فهو مرسَلُ صحابي. وإن كان الراوي تابعيّاً فهو منقطع. وإن روى التابعيُّ عن الصحابي قصةً أدرك وقوعها فمتصل، وكذا إن لم يدرك وقوعها ولكن أسندها له، وإلا فمنقطعة(٢). قال: وقد حكى اتفاقَ أهل التمييز من أهل الحديث على ذلك ابنُ المَوّاق. قال: وما حكاه ابن الصلاح قبلُ عن أحمدَ بن حنبل من أن ((عن)) و(أن)) ليسا سواءً منزَّلٌ أيضاً على هذه القاعدة، فإن الخطيب رواه في ((الكفاية)) بسنده(٣) إلى أبي داود، قال: سمعت أحمد قيل له: إن رجلاً قال: عروة أن (١) العراقي أيضاً في كتابيه السابقين، وهكذا في النقلين اللاحقين. (٢) في نقل الشارح اختصار، ولفظ العراقي في ((شرح الألفية)) ص٧٦، والزركشي ٢: ٥٧٧ (١٥٢): ((وإن روى التابعي عن الصحابي قصة أدرك وقوعها كان متصلاً، وإن لم يدرك وقوعها وأسندها إلى الصحابي كانت متصلة، وإن لم يدركها ولا أسند حكايتها إلى الصحابي فهي منقطعة، كرواية ابن الحنفية الثانية عن عمار)). (٣) هذا لفظ العراقي في كتابيه: ((شرح الألفية)) ص٧٦، و((التقييد)) ١: ٤٢٣، وهو غير دقيق، فلفظ الخطيب في ((الكفاية)) ص ٤٠٧: ((حُدِّت عن عبد العزيز بن = ٢٢٠ النوع الحادي عشر : المعضل [ش] عائشة قالت: يا رسول الله، و:عن عروة، عن عائشة: سواءً؟ قال: كيف هذا سواء؟ ليس هذا بسواء. فإنما فرَّق أحمدُ بين اللفظين لأن عروة في اللفظ الأول لم يسند ذلك إلى عائشة ولا أدرك القصة، فكانت مرسَلة، وأما اللفظ الثاني فأسند ذلك إليها بالعنعنة فکانت متصلة. انتھی. تنبيه : كثُر استعمال ((أن)) أيضاً في هذه الأعصار في الإجازة، وهذا وما تقدم في ((عن))(١): في المشارقة، أما المغاربة فيستعملونهما في السماع والإجازة معاً. وهذان الفرعان حقُّهما أن يُقرَدا بنوع يسمَّى (المعنعن) كما صنع ابن جماعة وغيره(٢). (ت) جعفر .. ))، ثم ذكر ص٤٠٨ ما نقله الشارح، فهي رواية معلَّقة لا مسندة، وكما أنه لا يقال عن حديثٍ علَّقه البخاري - مثلاً - في ((صحيحه)): رواه البخاري، بل يقال: ذكره البخاري، أو علَّقه البخاري، فكذلك نقول هنا: علَّق الخطيب، أو ذَكَر، والله أعلم. (١) صفحة ٢١٤. (٢) ابن جماعة في ((المنهل الرويّ)) ص٤٨، وعصريُّه الطيبي في ((الخلاصة)) ص٤٧، وسبقهما ابن دقيق العيد في ((الاقتراح)) ص ٢١٥ النوع السادس عشر، وجعله الشارح النوع السابع والستين. وهنا كُتب على حاشية ك: ((الحمد لله. ثم بلغ قراءة عليّ. کتبه مؤلفه لطف الله به. آمين)).