Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
النوع التاسع : المرسل
وقال مالك وأبو حنيفة في طائفةٍ : صحیح، .
[ش]
(وقال مالك) في المشهور عنه(١) (وأبو حنيفة في طائفةٍ)، منهم أحمدُ في
المشهور عنه (٢): (صحيح(٣)).
[ب] -
(١) بل ينبغي أن يقال: في الصحيح عنه، وقد ذكرتُ في الحاشية السابقة أن
حکایة الوجه الآخر عنه غير صحيحة.
(٢) نعم، هو المشهور عنه وهو الراجح.
(٣) أي: هو حجة. وينبغي تحرير حكاية المذاهب في الحديث المرسل بدقّةً،
دون عموميات، مع التنبيه إلى بعض مصطلحاتهم في هذه الأقوال.
وهي من حيث الجملة ثلاثة مذاهب: أولها: مذهب جمهور المحدثين. ثانيها:
مذهب جمهور الفقهاء. ثالثها: مذهب الإمام الشافعي الذي توسط بين الفريقين.
١- فمذهب جمهور المحدثين: حكاه عنهم الترمذي في كتابه ((العلل الصغير))
آخر ((سننه)) ٢٤٧:٦: ((الحديث إذا كان مرسلاً، فإنه لا يصح عند أكثر أهل الحديث،
قد ضعَّفه غير واحد منهم))، ثم قال آخر ص ٢٤٨: ((وقد احتج بعض أهل العلم
بالمرسل أيضاً)). يريد بـ: ((بعض أهل العلم)) هنا: بعض أهل الحديث، مقابلَ ما حكاه
أولاً عن ((أكثر أهل الحديث))، بل عبَّر الباجي في ((إحكام الفصول)) ص ٣٤٩ عن
مذهب هذا البعض بأنه مذهب ((سائر أصحاب الحديث من المتقدمین)).
وقول الترمذي عن المرسل: ((لا يصح عند أكثر أهل الحديث)): أي: هو
ضعيف، فلا يكون حجةً موجبة للعمل، على المعنى الذي شرحته قبل صفحة.
أما الإمام مسلم فقدَّمتُ في التعليق قبل صفحة كلمته المشهورة على لسان
محاوره، وفيها نسبة عدم حجية المرسل عند أهل العلم: المرسل بمعنى كل ما لم
يتصل، وأهل العلم دون استثناء، ففيه شيء من التجوّز.
والمراد بالمحدثين: أئمتُهم، لا دهماء الرواة. والمراد بأئمتهم: الجامعون منهم
=

١٤٢
النوع التاسع : المرسل
[ب]
بين الرواية والدراية ومعرفة العلل، وهذا الصنف منهم لا ريب أن لهم اليد الواسعة
في فقه الحديث، لكن الغالب عليهم الحديث دون الفقه، ويسمَّون أحياناً بـ: فقهاء
أهل الحديث.
٢- أما مذهب جمهور الفقهاء، والمراد بهم الأئمة الجامعون بين الحديث
والفقه، وغلب عليهم الفقه: فقد قال أبو داود في رسالته إلى أهل مكة في ((وصف
سننه)) ص ٣٢: ((وأما المراسيل: فقد كان يحتج بها العلماء - وفي نسخة: أكثر
العلماء - فيما مضى، مثل: سفيان الثوري، ومالك بن أنس، والأوزاعي، حتى جاء
الشافعي، وتكلم فيها، وتابعه على ذلك أحمد بن حنبل، وغيره)»، ثم أعقبه بتلخيص
رأيه في المرسل فقال: ((فإذا لم يكن مسندٌ ضدَّ المراسيل، ولم يوجد المسند،
فالمرسل يحتج به، وليس هو مثل المتصل في القوة)). ومن هذا المنطلق والنظر إلى
المرسل عمل رحمه الله كتابه ((المراسيل)).
ويلاحظ قوله: ((المرسل يحتج به)) أي: يجب العمل به، لا: أنه يجوز العمل
به، بل يجب، وهذا يتفق مع شيخه الإمام أحمد فيه، فقد بوَّب أبو يعلى الفراء -
وهو من متقدميهم زمناً ورتبة - في كتابه («العُدَّة)) ٣: ٩٠٦ بقوله: ((مسألة: الخبر
المرسل حجة، ويجب العمل به)). ثم قال ص ٩٠٨: ((وفيه رواية أخرى: ليس
بحجة إلا مرسل الصحابة))، ونقل كالدليل على أنه ليس بحجة: سؤالاً للإمام
أحمد وجوابه، وقال: ((هذا يدل من قوله على أنه ليس بحجة))، فالقول بعدم
حجية المرسل عند الإمام أحمد مستنبط من هذا الجواب، لكن نقل السؤالَ
والجوابَ المجدُ ابنُ تيمية (الجدّ) في ((المسوَّدة)) ص ٢٥٠ عن القاضي أبي يعلى،
وقلب - بمهارة فقهية - الاستدلال بهذا الجواب، فجعله دليلاً على حجية المرسل
عند أحمد، فينظر کلامهما.
ومما يدل على أن أبا يعلى لا يرى عدم حجية المرسل قولاً وجيهاً في المذهب،
قولُه بعد صفحاتٍ ٩١٧:٣: ((فصل. إذا ثبت أن المرسل حجة، فلا فرق بين مرسل
=

١٤٣
النوع التاسع : المرسل
عصرنا، ومن تقدم، هذا ظاهر كلام أحمد في رواية الميموني)). وهو ظاهر كلام
الكَلْوَذاني في «التمهيد» ١٤٣:٣، ولا يُلتفت إلى ما جاء في التعليق عليه ١٣١:٣.
ونَقَل في ((المسوّدة)) ص٢٥١ كلاماً لأبي الوفاء ابن عقيل، يتفق مع كلام القاضي
أبي يعلى، في أن أحمد يحتج بالمرسل.
وابن الجوزي يكرر قوله في ((التحقيق))، منها: ١: ١٨٢، ١٨٨: المراسيل عندنا
حجة.
نعم، نقل في ((المسوّدة)) بعد ذلك ردًّ ابن تيمية تقي الدين (الحفيد) على ابن
عقيل، لكن من المعلوم أن أبا يعلى وتلميذيه: الكلوذاني وابن عقيل، ألصق بالالتزام
بمذهب أحمد وبمعرفته، وواضح من ردّ ابن تیمیة علیه أنه اجتهاد منه.
هذا ما يتعلق بتحرير مذهب أحمد : وهو احتجاجه بالمرسل.
أما الإمام مالك: فقد قال الحاكم في ((المدخل إلى الإكليل)) ص ١٠٩ :
((المراسيل واهية عند جماعة أهل الحديث من فقهاء الحجاز، غيرُ محتج بها، وهو
قول سعيد بن المسيب، والزهري، ومالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، فمن
بعدهم من فقهاء المدينة)).
وهذا القول فيه غرابة من وجوه:
أولها: وصفه المراسيل بالوَهَاء، وصفٌ مبالغ فيه، فالمعهود في استعمال هذه
الكلمة، فیما هو شديد الضعف، والمراسیل ليست كذلك.
ثانيها : حكاية ذلك - بإطلاق - عن سعيد بن المسيب، فإنه أكثر المرسلين من
أهل المدينة، كما سينقله الشارح قريباً ص١٦١ عن الحاكم نفسه في ((معرفة علوم
الحدیث)» ص ١٦٨.
ثالثها : نسبته هذا المذهب إلى الأوزاعي، مع أن أبا داود - كما تقدم قريباً -
نسب إلى الأوزاعي احتجاجه بالمراسيل.
رابعها : نسبته هذا المذهب إلى مالك، وقد نسب أبو داود إلى مالك - والثوري
=

١٤٤
النوع التاسع : المرسل
(ت)
والأوزاعي - احتجاجهم بالمراسيل، وهو المعروف عنه في كتب مذهبه، وكتب علوم
الحديث، مما حَمَل ابن دحية المالكي أن يقول عن الحاكم في كتابه «التنوير في مولد
السراج المنير والبشير النذير)) كما سماه مؤلفه في مقدمته، قال ق٤٠٢/ب: ((یجب
على طلبة الحديث أن يتحفّظوا من قول الحاكم أبي عبد الله، فإنه كثير الغلط، بيِّن
السَّقَط، وقد قال على مالك وأهل المدينة في ((المدخل)) ما لا علم له به))، والإمام
الحاكم ليس كذلك، لكن قصدي من هذا النقل استدراك حكايته هذا القولَ عن مالك
وأهل المدينة.
وقد نقل هذا القول لابن دحية: الزيلعي في ((نصب الراية)) ١ : ٣٤٢ ضمن الكلام
الطويل الذي نقله عن ابن عبد الهادي، في مسألة الجهر بالبسملة، ونقله أيضاً
الزركشي في النكت)) ٢: ٢٢٦ (٥١)، وسميا الكتاب: ((العَلَم المشهور في الأيام
والشهور))، أما هو فسمّاه في مقدمته كما نقلتُ.
وقال الخطيب في ((الكفاية)) ٣٨٤: ((قال بعضهم: إنه مقبول ويجب العمل به،
وهذا قول مالك وأهل المدينة، وأبي حنيفة وأهل العراق، وغيرهم)).
وقال عصريّه إمام الحرمين في ((التلخيص)) ٤١٦:٢: ((ذهب جمهور الفقهاء إلى
وجوب العمل به، منهم: مالك وأهل المدينة، وأبو حنيفة وأهل العراق)).
وفي مقدمة ((التمهيد)) لابن عبد البر٣:١ - ٥ = ٤١ ما خلاصته: أن مذهب مالك
إيجاب العمل بالمرسل والمسند على السواء، ما لم يخالفه عمل أهل المدينة.
وعلى هذا: فالذي ينبغي الجزم به في حكاية المذاهب في الاحتجاج بالمرسل أن
يقال: مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد الاحتجاج بالمراسيل، ولا يحسُن أن يقال: في
المشهور عنهما، ولو قيل: في الصحيح عنهما، لكان أولى، والله أعلم.
٣- أما الإمام الشافعي: فهذه خلاصة كلامه في ((الرسالة)): الفقرات (١٢٦٤ -
١٢٧٥)، قال رحمه الله: مَن شاهد الصحابةَ من التابعين فروى حديثاً عن النبي
صلی الله عليه وسلم، اعتُبر عليه بأمور:
=

١٤٥
النوع التاسع : المرسل
[ت)
١- هل شاركه في روايته حفاظ مأمونون فرووه مسنداً. ٢- أو هل رُوي مرسلاً من
غير طريق المرسِل الأول. ٣- أو أفتى به بعض الصحابة. ٤- أو أفتى به عامة أهل
العلم. ٥- وينبغي أن يكون الراوي المرسِل ممن يروي عن الثقات لا المجاهيل
والضعفاء. ٦ - ولا يخالف الثقات في روايتهم.
قال رحمه الله في آخره: ((كانت في هذه - الاعتبارات الستة - دلائل على صحة
مَخرج حديثه، ومتى خالف ما وصفتُ، أضرَّ بحديثه، حتى لا يَسَعَ أحداً منهم قبول
مرسَله، وإذا وجدت الدلائل - الستة - بصحة حديثه بما وصفت، أحببنا أن نقبل
مرسَله، ولا نستطيع أن نزعم أن الحجة تثبت به ثبوتها بالمتصل))، لاحتمالات أربعة
ذكرها، تجعله يُنزل الحديث المرسل عن المسند، ولو اعتضد بواحد من هذه
العواضد.
ثم قال (١٢٧٧): ((فأما من بعد كبار التابعين، فلا أعلم منهم واحداً يُقبل
مرسله، لأمور ... ))، وذكرها.
والمهم من هذه الفقرة الأخيرة أنها أفادت أن كلامه السابق إنما هو في مراسيل
كبار التابعين، بدليل قوله هذا: ((فأما من بعد كبار التابعين ... )).
ولكن: هل يحتج الشافعي بمرسل كبار التابعين حتى مع هذه المؤيدات؟ جوابه
صريح في هذا، هو قوله: ((أحببنا أن نقبل مرسله))، ووقف عند هذا الظاهر الباقلاني
كما سيأتي صفحة ١٥٨، وسيأتي هناك اختلاف علماء مذهبه في تفسير قوله ((أحببنا):
هل هو: استحباب، أو اختيار؟.
فقول النووي رحمه الله في ((المجموع)) ٦١:١ أعلى الصفحة: ((قال الشافعي
رحمه الله: ((أحتج بمرسل كبار التابعين)): في محل النظر، وعبارة العلائي في
((جامع التحصيل)) ص ٤٤ - ٤٥ بينَ بينَ: بين عبارةِ الشافعي، وعبارةِ النووي،
قال: ((إن المرسل الذي حصلت فيه هذه الشواهد أو بعضها: يسوغ الاحتجاج به،
ولكنه لا يلزم لزوم الحجة بالمتصل، لأنه دونه، للجهات - أي: للأسباب - التي
=

١٤٦
النوع التاسع : المرسل
[ش]
قال المصنف في ((شرح المهذب)) (١): وقيَّد ابن عبد البر وغيره ذلك بما إذا
لم يكن مرسِله ممن لا يحترِز ويرسلُ عن غير الثقات، فإنْ كان: فلا خلاف في
ردّه.
[ب] -
أشار إليها الإمام الشافعي)).
فقول العلائي: «یسوغ الاحتجاج به»: هو دون جزم النووي بالاحتجاج به بقليل،
وفوق قول الشافعي: ((أحببنا أن نقبله)). والله أعلم.
وأمر مهم آخر ينبغي التنبيه إليه: وهو أن مذهب الشافعي قبول مراسيل كبار
التابعين فقط مع أحد هذه المؤيدات، لا أنه يقبل أيَّ مرسل كان إذا اعتضد، خلاف
ما يُتَوَهَّم من كلام بعض المتأخرين.
وكلمة أخيرة أقولها في هذه المناسبة: قال ابن رجب رحمه الله في ((شرح العلل))
٢٩٧:١: ((واعلم أنه لا تنافي بين كلام الحفاظ وكلام الفقهاء في هذا الباب، فإن
الحفاظ إنما يريدون صحة الحديث المعيّن إذا كان مرسلاً، وهو ليس بصحيح على
طريقتهم، لانقطاعه وعدم اتصاله إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأما الفقهاء
فمرادهم صحة ذلك المعنى الذي دلّ عليه الحديث، فإذا عَضَد ذلك المرسَلَ قرائنُ
تدل على أن له أصلاً، قويَ الظنّ بصحة ما دل عليه، فَاحْتُجَّ به مع ما احتفَّ به من
القرائن، وهذا هو التحقيق في الاحتجاج بالمرسل عند الأئمة: ((الشافعي وأحمد .. )).
وما هذا إلا تحرير وتحقيق لمذهب الشافعي فقط، أما أحمد ومن قَبِل المرسل
من الأئمة الآخرين، فإنما قبلوه لذاته، لا لمؤيدات خارجية أخرى، أحببت نقله لأنّبِّه
إلى ما فيه، والله أعلم.
(١) ((المجموع)) ١: ٦٠، و((التمهيد)) ١٧٤:٢١ - ١٧٥.

١٤٧
النوع التاسع : المرسل
[ش]
وقال غيره: محل قبوله عند الحنفية ما إذا كان مرسله من أهل القرون
الثلاثة الفاضلة، فإنْ كان من غيرها فلا، لحديثِ: ((ثم يَفْشُو الكذبُ)) صححه
النسائي(١).
وقال ابن جرير: أجمع التابعون بأسْرهم على قبول المرسَل ولم يأتِ عنهم
إنكاره، ولا عن أحد من الأئمة بعدهم إلى رأس المئتين، قال ابن عبد البر: كأنه
يعني أن الشافعي أولُ من ردَّه(٢).
[ب] -
(١) أما الحديث: فقد رواه أحمد ١: ١٨، والترمذي (٢١٦٥) وقال: حسن
صحيح غريب، والنسائي (٩٢١٩ - ٩٢٢٥)، وفي بعض ألفاظه: ((ثم يظهر الكذب))،
وهو لفظ الإمام الشافعي في ((الرسالة)) (١٣١٥). وقول الشارح رحمه الله: صححه
النسائي: سبق ذهن - والله أعلم - من الترمذي إلى النسائي، مع ما في نسبة التصحيح
إلى الترمذي من تجوُّز، شرحته فيما سبق صفحة ٣٣.
وأما حكاية المذهب: فيستفاد من كلام البزدوي وشارحه العلاء البخاري ٣: ٧
أن هذا مذهب عيسى بن أبان، لكن قوله ((فلا)): يفهم منه ردّ حديث من كان بعد
القرون الثلاثة الفاضلة، في حين أن الشارح فسّره بالتوقف حتى تُعرض هذه المرويات
المرسلة على أهل العلم فينظرَ قولُهم فيها، وأفاد الشارح أن مذهب أبي الحسن
الکرخي من أئمة الحنفية قبول إرسال کل عدل.
ومرادهم بالقرون الثلاثة: الطبقات الثلاثة، وهي طبقة الصحابة، وتنتهي سنة
١١٠، ولا علاقة لها هنا بهذه المسألة، وطبقة التابعين، وتنتهى سنة ١٨٠، وطبقة
تابعي التابعين، وتنتهي سنة ٢٢٠.
(٢) ((التمهيد)): ١: ٤ = ٤٧، وتنظر ((رسالة أبي داود في وصف سننه)) ص٣٢.
=

١٤٨
النوع التاسع : المرسل
وبالغ بعضهم(١) فقوَّاه على المسنَد، وقال: من أسند فقد أحالك، ومن
[ش]
[ب] -
وأوَّلِيَّة الشافعي محمولةٌ على أنه أول من باحَثَ وناقش، وقعَّد، وقرَّر، وعمَّم ردَّه،
لا أوّل مَن ردّ مرسلاً من المراسيل على مرسِله، فذاك الردُّ من أولئك الأئمة
المذكورين في «فتح المغيث)) ٢٥٣:١، مواقف فرديّة، أما الشافعي فأصّل وعمَّم، فلا
يُنقض كلام ابن جرير بمواقف فردية لابن عباس وابن المسیب وابن سيرين والزهري،
مثلاً. والله أعلم.
(١) قال ابن عبد البر في مقدمة ((التمهيد)) ١: ٣ = ٤٦: ((قالت طائفة من
أصحابنا: مراسيل الثقات أولى من المسنَدات، ... ))، ونقله الرازي الجصاص في
((أصوله)) ٣: ١٤٦ عن كتاب لعيسى بن أبان له في ((المجمل والمفسَّر))، أما اختياره هو
رحمه الله، فالتسوية بين المرسَل والمسنَد، كما هو ظاهر كلامه ١٤٥:٣ فما بعدها،
وخاصة ص ١٥٠، لا كما سيأتي بعد أسطر في نقل السخاوي عنه: تقديم المسند.
و کتب العلامة ابن العجمي رحمه الله:
[قوله: وبالغ بعضهم إلخ: عبارة السخاوي - ((فتح المغيث)) ١ : ٢٤٦ -
٢٤٨ -: اختلفوا أهو - أي: المرسل - أعلى من المسند، أو دونه، أو مثلُه؟ وتظهر
فائدة الخلاف عند التعارض، والذي ذهب إليه أحمد، وأكثر المالكية، والمحققون
من الحنفية، كالطحاوي، وأبي بكر الرازي: تقديمُ المسند. قال ابن عبد البر
- ((التمهيد)» ١ : ٥ = ٤٨ -: وشبَّهوا ذلك بالشهود، يكون بعضهم أفضل حالاً من
بعض، وأقعدَ، وأتمَّ معرفة، وإن كان الكل عدولاً، جائزي الشهادة. انتهى.
والقائلون بأنه أعلى وأرجح من المسند وجّهوه بأن من أسند فقد أحالك على
إسنادِهِ، والنظرِ في أحوال رواته والبحثِ عنهم، ومن أرسل مع علمه ودينه وإمامته
وثقته، فقد قطع لك بصحته، وكفاك النظرَ فيه، ومحلُّ الخلاف: فيما قُبِل إذا لم
ينضم إلى الإرسال ضعف في بعض رواته، وإلا فهو حينئذ أسوأ حالاً من مسندٍ
=

١٤٩
النوع التاسع : المرسل
فإنْ صح مَخرج المرسَل بمجيئه من وجه آخرَ مسنداً، أو مرسَلاً أرسله مَن
أخذ عن غیر رجال الأول : كان صحيحاً،
[ش]
أرسل فقد تكفل لك.
(فإنْ صح مَخرج المرسَل بمجيئه) أو نحوِهِ (من وجه آخرَ مسنداً، أو مرسَلاً
أرسله مَن أخذ) العلمَ (عن غير رجال) المرسَل (الأول: كان صحيحاً) هكذا
نصّ عليه الشافعي في ((الرسالة))، مقيِّداً له: ١ - بمرسَل كبار التابعين. ٢ - ومَن
إذا سمّى مَن أرسل عنه سمّى ثقة. ٣ - وإذا شاركه الحفاظ المأمونون لم
يخالفوه. ٤ - وزاد في الاعتضاد أن يوافق قولَ صحابي. ٥ - أو يفتيَ أكثرُ
العلماء بمقتضاه، فإن فُقْد شرط مما ذُكر لم يُقبل مرسَله، وإن وجدتْ قُبِل(١)
[ب] -
ضعيفٍ جزماً.
ولهذا قيل: إنهم اتفقوا على اشتراط ثقة المرسِل، وكونه لا يرسل إلا عن
الثقات. قاله ابن عبد البر - ((التمهيد)) ١: ٦ -، وكذا أبو الوليد الباجي من المالكية
- إحكام الفصول)) ص٣٤٩ -، وأبو بكر الرازي من الحنفية - ((الفصول)) ٣: ١٤٥ -،
وعبارة الثاني - الباجي -: لا خلاف أنه لا يجوز العمل بالمرسل إذا كان مرسِله غيرَ
متحرز، بل يرسل عن غير الثقات أيضاً، وأما الأول فقال - ((التمهيد)) ٢١ : ١٧٥ -:
لم يزل الأئمة يحتجون بالمرسل إذا تقارب عصر المرسِل والمرسَل عنه، ولم يُعرف
المرسِل بالرواية عن الضعفاء، وممن اعتبر ذلك من مخالفيهم: الشافعي، فجعله
شرطاً في المرسل المعتضِد، ولكن قد توقف شيخنا - ((النكت على ابن الصلاح)) ٢ :
٥٥٣ - في صحة نقل الاتفاق من الطرفين قبولاً ورداً، قال: لكن ذلك منهما عن
جمهورهم مشهور. انتهى. انتهى من ((شرح الألفية)).].
(١) وأكرّر نقل ما قدمته عنه رحمه الله، في تحرير مذهبه، وهو قوله آخِر
=

١٥٠
النوع التاسع : المرسل
ويتبينُ بذلك صحةُ المرسَل، وأنهما صحيحان، لو عارضهما صحيحٌ مِن
طريقٍ، رجَّحناهما عليه إذا تعذَّر الجمع.
[ش]
(ويتبينُ بذلك صحة المرسَل، وأنهما) أي: المرسَل وما عضده (صحيحان، لو
عارضهما صحيحٌ مِن طريق) واحدة (رجَّحناهما عليه) بتعدُّد الطرق (إذا تعذَّر
الجمع) بينهما.
فوائد :
الأولى: اشتهر عن الشافعي أنه لا يَحتج بالمرسل، إلا مراسيلَ سعيد بن
المسيب(١).
قال المصنف في ((شرح المهذب))، وفي ((الإرشاد))(٢): والإطلاق في النفي
والإثبات غلط، بل هو يَحتجُّ بالمرسل بالشروط المذكورة، ولا يحتج بمراسيل
سعید إلا بها أيضاً.
[ب] -
المؤيدات في ((الرسالة)) (الفقرة ١٢٧٤، ١٢٧٥): ((إذا وُجدت الدلائل بصحة حديثه
بما وصفتُ أحببنا أن نقبل مرسله، ولا نستطيع أن نزعم أن الحجة تثبت به ثبوتها
بالمتصل».
(١) وعلى هذا مشى العلائي في ((جامع التحصيل)) ص٤٦، فإنه أشار إلى كلام
الخطيب والبيهقي واختيار النووي له، ثم قال: ((وفي كل ذلك نظر)). ثم عمَّم دعوى
قبول الشافعي مراسیل کلٌّ من کان کسعيد بن المسيب، وعُرف من عادته أنه لا يرسل
إلا عن ثقة. وقال ص٤٨: ((لا شك أن القول بقَصْر هذا الحكم على ابن المسيب
ظاهریة محضة لا وجه له)).
(٢) ((شرح المهذَّب)) ١: ٦١، و((إرشاد طلاب الحقائق)) ص٨٢، وباختصار.

١٥١
النوع التاسع : المرسل
[ش]
قال: وأصل ذلك أن الشافعي قال في ((مختصر المزني))(١): أخبرنا مالك،
[ب] -
(١) ((مختصر المزني)) ص٧٨ من الطبعة الملحقة بآخر المجلد الثامن من كتاب
((الأم))، وهو في ((الأم)) أيضاً ٣: ٨١ عن مالك، به. وهو في ((الموطأ)) ٢: ٦٥٥
(٦٤)، وزيد بن أسلم: ثقة فقيه، ومن طريقه أبو داود في ((المراسيل)) (١٧٨)،
والدار قطني ٣: ٧١ (٢٦٦). وله طريق آخر مرسل عن سعيد بن المسيب من وجه آخر
عند أبي داود في ((المراسيل)) (١٧٧).
ورواه الشافعي في ((الأم)) أيضاً ٣: ٨١ عن مسلم بن خالد الزَّنْجي، عن ابن
جريج، عن القاسم بن أبي بَزَّة المكي، عن رجل من أهل المدينة ذُكر له بخير،
بنحوه، والزَّنجي ضعيف لكثرة أوهامه، وتدليس ابن جريج - على قلَّته وإمامته - شرٌّ
التدلیس، وقد عنعن.
ورواه الشافعي كذلك ٣: ٨١ من فتيا سيدنا الصديق رضي الله عنه، لكن شيخه
فيه: إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي، وهو متروك.
وقد علَّق ابن عبد البر في ((التمهيد)) ٤: ٣٢٢ على رواية مالك الأولى بقوله: ((لا
أعلم هذا الحديث يتصل من وجه ثابت من الوجوه عن النبي صلى الله عليه وسلم،
وأحسن أسانيده مرسل سعيد هذا)).
لكن رواه الحاكم (٢٢٥١) من طريق قتادة، عن الحسن، عن سمرة، به، وقال:
((صحيح الإسناد، رواته عن آخرهم أئمة حفاظ ثقات، ولم يخرجاه، وقد احتج
البخاري بالحسن عن سمرة))، ووافقه الذهبي.
ورواه البيهقي ٥: ٢٩٦ من وجه آخر إلى الحسن وقال: «هذا إسناد صحيح،
ومَن أثبت سماعَ الحسن البصري من سمرة عدّه موصولاً، ومن لم يثبته فهو مرسل
جيد يُضم إلى مرسل سعيد بن المسيب والقاسم بن أبي بَزَّة، وقول أبي بكر الصديق)).
=

١٥٢
النوع التاسع : المرسل
[ش]
عن زيد بن أسلم، عن سعيد بن المسيب، أن رسول الله صلی الله علیه وسلم نھی
عن بيع اللحم بالحيوان، وعن ابن عباس: أن جَزوراً نُحرت على عهد أبي بكر
فجاء رجل بعَناق(١) فقال: أعطوني بهذه العناق، فقال أبو بكر: لا يصلح هذا.
قال الشافعي: وكان القاسم بن محمد، وسعيد بن المسيب، وعروة بن
الزبير، وأبو بكر بن عبد الرحمن يحرمون بيع اللحم بالحيوان، قال: وبهذا
نأخذ، ولا نعلم أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم خالف أبا
بکر الصدیق، وإرسالُ ابنِ المسیب عندنا حسن انتھی.
فاختلف أصحابنا في معنى قوله: وإرسال ابن المسيب عندنا حسن، على
وجهين، حكاهما (٢) الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في ((اللَّمَع))، والخطيب
(س) .
وروي مسنداً عن صحابيين آخرين: ابن عمر، وسهل بن سعد الساعدي،
فحديث ابن عمر: رواه البزار (١٢٦٦) من زوائده، من طريق ثابت بن زهير البصري،
عن نافع، به، وثابت: ضعيف جداً، لا: ضعيف فقط.
وحديث سهل الساعدي: رواه الدارقطني ٣: ٧٠ (٢٦٥)، وابن عبد البر في
((التمهيد)» ٤: ٣٢٢، من طريق زيد بن مروان، عن مالك، عن ابن شهاب، عن
سهل، به. وأعلاّه بزيد، وقد كذَّبه ابن معين وغيره. فالعمدة على مرسل سعيد، ثم
على رواية الحسن، عن سمرة.
(١) هي الأنثى من ولد المعز ((السخلة)) التي لم تُتمّ سنةً.
(٢) ((حكاهما)): من و، وفي غيرها: حكاه !.

١٥٣
النوع التاسع : المرسل
[ش]
البغدادي(١) وغيرهما.
أحدهما: معناه أنه حجة عنده، بخلاف غيرها من المراسيل، قالوا: لأنها
فُتشت فوجدت مسندة.
والثاني: أنها ليست بحجة عنده، بل هي كغيرها، قالوا: وإنما رجَّح
الشافعي بمرسله، والترجيحُ بالمرسل جائز(٢).
قال الخطيب(٣): وهو الصواب، والأول ليس بشيء، لأن في مراسيله ما لم
یوجد مسنداً بحال من وجه یصح.
وكذا قال البيهقي(٤)، قال: وزيادة ابن المسيب في هذا على غيره أنه أصح
التابعين إرسالاً فيما زعم الحفاظ.
[ب] -
(١) ((شرح اللمع)) ٢: ٦٢٢، و((الكفاية)) ص ٤٠٤ - ٤٠٥، و((آداب الفقيه
والمتفقه)) (٥٩٢).
(٢) ومن المتقدمين القائلين بهذا القول في تفسير كلمة الإمام الشافعي: ابنُ أبي
حاتم المتوفى سنة ٣٢٧، فإنه نقل في ((آداب الشافعي ومناقبه)) ص٢٣٢،
و((المراسيل)) (١٣) قول الشافعي: ((ليس المنقطع بشيء، ما عدا منقطع سعيد بن
المسيَّب))، وعلّق عليه في ((المراسيل)) بقوله: ((يعني ما عدا منقطع سعيد بن المسيب
أن يُعتبر به))، فهو للاعتبار به والترجيح، لا للاحتجاج به.
(٣) ((آداب الفقيه)) (٥٩٢)
(٤) في ((مناقب الشافعي)) ٢: ٣٢.

١٥٤
النوع التاسع : المرسل
[ش]
قال المصنف(١): فهذان إمامان حافظان فقيهان شافعيان، متضلِّعان من
الحديث والفقه والأصول، والخبرة التامة بنصوص الشافعي ومعاني كلامه.
قال: وأما قول القفال: مرسل ابن المسيب حجة عندنا، فهو محمول على
التفصيل المتقدم.
قال: ولا يصح تعلَّق مَن قال إنه حجة بقوله: إرساله حسن، لأن الشافعي
لم يعتمد عليه وحده، بل لِمَا انضم إليه من قولِ أبي بكر ومَن حضره من
الصحابة، وقولِ أئمة التابعين الأربعة الذين ذكرهم، وهم أربعة من فقهاء
المدينة السبعة، وقد نقل ابن الصباغ وغيره هذا الحكم عن تَمَام السبعة(٢)، وهو
مذهب مالك وغيره، فهذا عاضد ثانٍ للمرسل. انتهى.
وقال البُلقيني(٣): ذكر الماوردي في ((الحاوي)) أن الشافعي اختلف قوله في
مراسيل سعيد، فكان في القديم يحتج بها بانفرادها، لأنه لا يرسِل حديثاً إلا
[ب] -
(١) ((المجموع)) ١: ٦٢، وكذا النقلان بعده.
(٢) تنظر أسماؤهم فيما يأتي ٥: ٢٥٥، من النوع الأربعين.
(٣) في ((محاسن الاصطلاح)) ص٢٠٧، وكلام الماوردي بطوله في ((الحاوي
الکبیر)) ١٥٨:٥.
[في ((البحر)) للزركشي - ٤: ٤٢٤ -: وزعم الماوردي - ((الحاوي)) ٥: ١٥٨-
في باب بيع اللحم بالحيوان : أنه - يعني : الشافعي - يقول به - أي: بالمرسل - إذا لم
يجد في الباب سواه، وهو غريب، ويعضده عمل الشافعي بأقلّ ما قيل، إذا لم يجد
دليلاً، لكن يلزمه طردُ ذلك في كل حديث ضعيف، وهو بعيد. انتهى.].

١٥٥
النوع التاسع : المرسل
[ش]
يُوجد مسنداً، ولأنه لا يَروي إلا ما سمعه من جماعة أو من أكابر الصحابة، أو
عضده قولهم، أو رآه منتشراً عند الكافة، أو وافقه فعل أهل العصر، وأيضاً فإن
مراسيله سُبرت، فكانت مأخوذة عن أبي هريرة، لما بينهما من الوُصلة
والصَّهارة، فصار إرساله كإسناده عنه، ومذهب الشافعي في الجديد أنه
کغيره(١).
ثم هذا الحديث الذي أورده الشافعي من مراسيل سعيد يصلُح مثالاً لأقسام
المرسل المقبول : - فإنه عضده قول صحابي . - وأفتى أكثر أهل العلم بمقتضاه . -
وله شاهد مرسَل آخرُ أرسله مَن أخذَ العلم عن غير رجال الأول. ـ وشاهدٌ آخر
مسند.
[ب] -
(١) استدرك البلقيني على الماوردي دعواه على الشافعي أنه في مذهبه الجديد
يرى مراسيل سعيد بن المسيب كمراسيل غيره، واستدل البلقيني على أن مراسيل
سعيد حجة عند الشافعي في الجديد، بكلامه الذي قاله في ((الأم)) ٣: ١٨٨ - وهو من
المذهب الجديد، على المشهور، كما قال البلقيني -، قال الشافعي حاكياً على لسان
مُحاوِره اعتراضَه: ((قيل له - للشافعي -: كيف قبلتم عن ابن المسيب منقطعاً، ولم
تقبلوه عن غيره؟ قلنا: لانحفظ أن ابن المسيب روى منقطعاً إلا وجدنا ما يدل على
تسديده، ولا أَثَره عن أحد فيما عرفنا عنه إلا عن ثقة معروف، فمن كان بمثل حاله
قبلنا منقطعه)). وينظر ((البحر المحيط)) للزركشي ٤: آخر ص٤١٩، وقد أسهب
رحمه الله في تحرير مذهب الشافعي في قبول المرسل عامة، ومراسيل سعيد بن
المسیب خاصة من ٤١٣:٤ - ٤٢٤.

١٥٦
النوع التاسع : المرسل
[ش]
فروى البيهقي في ((المدخل)) (١) من طريق الشافعي عن مسلم بن خالد، عن
ابن جريج، عن القاسم بن أبي بَزَّة قال: قدمت المدينة فوجدت جَزوراً قد
جُزرت فجزِّئَتْ أربعة أجزاء، كل جزء منها بعَنَاق، فأردتُ أن أبتاع منها جزءاً،
فقال لي رجل من أهل المدينة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن يباع
حيٌّ بميت، فسألت عن ذلك الرجلِ فأُخبرتُ عنه خيراً.
قال البيهقي: فهذا حديث أرسله سعيد بن المسيب، ورواه القاسم بن أبي
بَزَّة، عن رجل من أهل المدينة، مرسلاً، والظاهر أنه غير سعيد، فإنه أشهرُ من
أن لا يعرفه القاسم بن أبي بَزَّة المکيُّ حتی یَسأل عنه.
قال(٢): وقد رَوَيناه من حديث الحسن، عن سمرة بن جندُّب، عن النبي
صلى الله عليه وسلم، إلا أن الحفاظ اختلفوا في سماع الحسن من سمرة في
غيرِ حديثِ العقيقة، فمنهم من أثبته، فيكون مثالاً للفصل الأول - يعني ما له
شاهد مسند -، ومنهم من لم يثبته، فيكون أيضاً مرسلاً انضمّ إلى مرسل سعيد.
انتھی.
الثانية :
صوَّر الرازي(٣) وغيره من أهل الأصول المسند العاضد بأن لا يكون
(ت)
(١) هذا والنقلان بعده في ((المدخل)) (٨٠٧، ٨٠٩)، وتقدَّم التخريج مطولاً ٢:
١٥١، وإنما نقل الشارح هذا عن ((المدخل)) للبيهقي لينقل كلامه عليه.
(٢) هو البيهقي أيضاً (٨١٠)، وتقدم تخريج حديث سمرة ٢: ١٥١ أيضاً.
(٣) في ((المحصول)) ٤: ٤٦٢.

١٥٧
النوع التاسع : المرسل
[ش]
منتهضَ الإسناد، ليكون الاحتجاج بالمجموع، وإلا فالاحتجاج حينئذ بالمسند
فقط، وليس بمخصوص بذلك، كما تقدم الإشارة إليه في كلام المصنف (١).
الثالثة :
زاد الأصوليون في الاعتضاد: أن يوافقه قياس، أو انتشار من غير إنكار، أو
عملُ أهل العصر به. وتقدم في كلام الماوردي(٣) ذِكْر الصورتين الأخيرتين،
والظاهر أنهما داخلان في قول الشافعي: وأفتى أكثر أهل العلم بمقتضاه.
الرابعة :
قال القاضي أبو بكر(٣): لا أقبل المرسل، ولا في الأماكن التي قَبِلها
الشافعي، حسماً للباب، بل ولا مرسل الصحابي إذا احتُمل سماعه من تابعي،
قال: والشافعي لا يوجب الاحتجاج به في هذه الأماكن بل يستحبه، كما قال:
أستحب قبوله، ولا أستطيع أن أقول: الحجة تثبت به ثبوتها(٤) بالمتصل(٥).
[ب] -
(١) ص ١٤٩، وقوله: ((ليس بمخصوص بذلك)): فيه ردّ لقول الرازي ومن معه.
(٢) تقدم قريباً جداً صفحة ١٥٤ الذي نقله البلقيني.
(٣) هو الإمام الباقلاني من أئمة المالكية، وحكى هذا القولَ عن الإمام أبي
إسحاق الإسفرايني النوويُّ في مقدمة ((المجموع)) ١: ٦٢، ومقدمة ((شرح مسلم)) ١ :
٣٠، ثم صرّح في ((شرح مسلم)) ٢: ١٩٧ بانفراد أبي إسحاق بهذا القول عن كافة
العلماء، لكنه قال في مقدمة ((المجموع)) بعدما حكى قول الإسفرايني: ((وحكى
الخطيب البغدادي وآخرون هذا المذهب عن بعض العلماء ولم ينسبوه))، وينظر
للفائدة العامة ((النكت)) لابن حجر ٢: ٥٤٦ - ٥٤٧، ٥٧١.
(٤) (ثبوتها)): في أ، ب، ج، ك: ثبوته.
(٥) نعم هكذا قال رحمه الله في ((الرسالة)) الفقرة (١٢٧٤)، فقول النووي في
=

١٥٨
النوع التاسع : المرسل
[ش]
وقال غيره: فائدة ذلك أنه لو عارضه متصلٌ قدِّم عليه، ولو كان حجةً
مطلقاً تعارضا، لكن قال البيهقي(١): مراد الشافعي بقوله ((أستحب)): أختار،
وكذا قال المصنف في ((شرح المهذب)).
الخامسة :
إنْ لم يكن في الباب دليل سوى المرسل فثلاثة أقوال للشافعي: ثالثها
- وهو الأظهر - يجبُ الانكفاف لأجله(٢).
(ت)
-
مقدمة ((المجموع)) ١: ٦١ أعلى الصفحة: ((قال الشافعي رحمه الله: وأحتج بمرسل
كبار التابعين .. )): في محل النظر، فإن أصحابه اختلفوا في تفسير ((أحببنا)) كما ترى،
هل هو استحباب أو اختيار، فكيف بالاحتجاج؟ !.
ونحو هذا قول العلائي في ((جامع التحصيل)) ص٤٤ - ٤٥ وهو يستنبط معاني
كلام الشافعي المتقدم: ((الأمر السابع: إن المرسل الذي حصلت فيه هذه الشواهدُ أو
بعضُها يسوغ الاحتجاج به))، ومثله في كلام ابن رجب ١: ٣٠٤ من ((شرح العلل))،
ومن الأصوليين: الفخر الرازي في ((المحصول)) ٤: ٤٦٣، وهذا خلاف ظاهر لفظ
الشافعي المتقدم في قوله: ((أحببنا)).
لكن فسَّر التاج السبكي هذا الاستحباب بما يتقارب مع كلام العلائي، فانظر
((رفع الحاجب)) له ٢: ٤٧٥، وفيه فهم الباقلاني لقول الشافعي.
(١) في ((المدخل)) (٨٠٢)، و((المجموع)) ١: ٦١ - ٦٢.
(٢) الذي في ((جمع الجوامع)) بشرح المحلِّي وحاشية البَنّاني ٢: ١٧٠ = ٢:
٢٠٤ بحاشية العطار = ٣: ١٧٣ بحاشية زكريا الأنصاري: ((فإنّ تجرّد المرسل عن
=

١٥٩
النوع التاسع : المرسل
[ش]
السادسة :
تلخَّص في الاحتجاج بالمرسل عَشَرة أقوال(١): ١ - حجة مطلقاً. ٢ - لا
يحتج به مطلقاً. ٣ - يحتج به إن أرسله أهل القرون الثلاثة. ٤ - يحتج به إن لم
یَرْوِ إلا عن عدل. ٥ - يحتج به إن أرسله سعيد فقط. ٦ - يحتج به إن اعتضد.
العاضد، ولا دليل في الباب سواه، ومدلوله المنع من شيء: فالأظهر الانكفاف عن
ذلك الشيء لأجله، احتياطاً، وقيل: لا يجب الانكفاف، لأنه ليس بحجة حينئذ)).
وقال البنَّني والعطار: الأظهر الانكفاف وجوباً، كما قال الشارح السيوطي هنا. فهذان
قولان: يجب الانكفاف، ولا يجب. وعلى الأولوية وعدم الوجوب اقتصر الشهاب
الكوراني في ((الدرر اللوامع على شرح جمع الجوامع)) ٣: ١٢٠.
والقول الثالث الذي أشار إليه الشارح: التوقف، كما يستفاد من كلام البنّاني
فانظره وانظر ما تقدم عنده هناك ٢: ١٥٠.
وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في ((فتح الباقي)) ص ١٤٧ تعليقاً على قول
التاج السبكي: الظاهر وجوب الانكفاف احتياطاً: ((وفي كلام الإمام ما يؤيده))، كأنه
يريد قول الإمام الشافعي: ((لا نستطيع أن نزعم أن الحجة تثبت به ثبوتها بالمتصل))،
أي: إن الحجة تثبت بمرسل كبار التابعين إذا استوفى الشروط السابقة، لكنها دون
الحجة التي تثبت بالمتصل، فالخلاصة: حجة دون حجة، وهذا الكلام والتفسير
يرجح تفسير كلمته الأخرى السابقة قبل كلمتين: ((أحببنا)) بالاستحباب الفقهي، لا
بالميل ولا بالاختيار. والله أعلم.
(١) هذا تلخيص ما عند العلائي في ((جامع التحصيل)) ص٤٨ مع اختلاف في
بعضها، وجعلها الحافظ في ((النكت)) ٥٤٦:٢ - ٥٥٢ ثلاثة عشر قولاً.
وكتب الشيخ ابن العجمي رحمه الله: [بل ستة عشر مذهباً، ذكرها الزركشي في
((البحر)).]. والصواب أنه ذكر ثمانية عشر مذهباً، وسردها من ٤: ٤٠٩ - ٤١١.

١٦٠
النوع التاسع : المرسل
[ش]
٧ - يحتج به إن لم يكن في الباب سواه. ٨ - هو أقوى من المسند. ٩ -
يحتج به ندباً لا وجوباً. ١٠ - يحتج به إن أرسله صحابي.
السابعة :
تقدم(١) في قول ابن جرير: إن التابعين أجمعوا على قبول المرسل، وإن
الشافعي أولُ مَن أباه، وقد تنبّه البيهقي لذلك فقال في ((المدخل)) (٢): باب ما
يُستدلَّ به على ضعف المراسيل بعد تغيُّر الناس وظهور الكذب والبدع، وأورد
فيه ما أخرجه مسلم(٣) عن ابن سيرين قال: لقد أتى على الناس زمان وما يُسأل
(ت)
(١) صفحة ١٤٧، وانظر ما علقته عليه.
(٢) (٨٢٩).
(٣) في مقدمة ((صحيحه)) ١: ١٥. والمراد بالفتنة فيما رواه أحمد عن جابر بن
نوح الحِمّاني، عن الأعمش، عن إبراهيم النخعي أنه قال: ((إنما سئل عن الإسناد أيام
المختار))، رواه عبد الله ابنه في ((العلل)) (٥٦٧٣).
والمختار: هو ابن أبي عبيد الثقفي، وأطال الذهبي ترجمته في ((السير)) ٣: ٥٣٨
(٨٣٧٨)، وكانت فتنته سنة ٦٦ إلى مقتله سنة ٦٧.
وقال القرطبي في ((المفهم)) ١: ١٢٣: المراد ((بالفتنة - والله أعلم - فتنة قتل
عثمان، وفتنة خروج الخوارج على عليّ ومعاوية))، وينظر كلامه باستيفاء، وحينئذ
صار الكذب فاشياً، كما جاء في التعليق على ((أصول)) السرخسي ١: ٣٦١.
قلت: على أن الاستدلال بهذا الخبر غير واضح على المدَّعى، فهو صريح
باحتراز أهل ذاك الزمان عن الأخذ عن المبتدعة الضالة، أما الأخذ عن أهل السنة
وعدم سؤالهم عن أسانيدهم: فلا.