Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
الأول : الصحيح
[ش]
قطُّ: على شرط البخاري، فإن شرط مسلم دونه، فما كان على شرطه: فهو
على شرطهما، لأنه حَوی شرط مسلم وزاد.
قال: ووراء ذلك كلِّه: أن يُروَى إسنادٌ ملفَّق من رجالهما، كسماكٍ، عن
عكرمة، عن ابن عباس، فسماكٌ على شرط مسلم فقط، وعكرمةُ انفرد به
البخاري، والحقُّ أن هذا ليس على شرطِ واحدٍ منهما.
وأدقُّ من هذا: أن يَرويا عن أناس ثقاتٍ ضُعِّفوا في أناس مخصوصين، من
و
غيرِ حديثِ الذين ضُعِّفُوا فيهم، فيجيءَ عنهم حديثٌ من طريق مَن ضُعِّقُوا فيه
برجالٍ كلّهم في الكتابين أو أحدهما، فنِسْبْتُه أنه على شرط مَن خرَّج له(١): غلطٌ.
كأنْ يقال في هُشيم عن الزهري: كلٌّ من هُشَيْم والزهري أخرجا له، فهو
على شرطهما! فيقال: بل ليس على شرطٍ واحدٍ منهما، لأنهما إنما أُخرجا لهُشيم
من غیرٍ حدیثِ الزهري، فإنه ضُعِّف فيه(٢)، لأنه كان رحَل إلیه فأخذ منه عشرین
حديثًا، فلقيه صاحبٌ له وهو راجع فسأله روايتَه(٣)، وكان ثَمَّ ريح شديدةٌ
فذهبت بالأوراق من يد الرجل، فصار هُشيم يحدِّث بما عَلق منها بذهنه (٤)،
[ب] -
(١) في ك مع الضبط: خُرِّج له.
(٢) فى ك: ضعيف فيه.
(٣) في ك: رُؤْيَتَهُ.
(٤) في ((النكت الوفية)) زيادة: ((من حفظه)). وأصل الخبر في ((تاريخ بغداد)) ١٦: ١٣٤.
ويُشبه هشيما في الزهري رجلان: أولهما: سفيانُ بن حسين الواسطي، من رجال
الستة إلا البخاري فتعليقاً، فإنه ثقة إلا في الزهري، قال ابن حبان في ((المجروحين))
١: ٣٥٨: ((إن صحيفة الزهري اختلطت عليه، وكان يأتي بها على التوهم)).
=

٤٨٢
الأول : الصحيح
[ش]
ولم يكن أتقنَ حفظها، فوهِم في أشياءَ منها، ضُعِّف في الزهري بسببها.
وكذا همَّامٌ ضعيفٌ في ابن جريج(١)، مع أن كلاً منهما أخرج له، لكنْ
لم يُخرِجا لهُ عن ابن جريج شيئًا، فعلى من يَعْزو إلى شرطهما أو شرطِ
واحدٍ منهما أن يَسوقَ ذلك السندَ بنسقِ روايةِ مَن نُسِب إلى شرطه(٢)، ولو
(س)
ثانيهما: سليمان بن كثير العبدي، وهو من رجال الكتب الستة، قال ابن حبان في
((المجروحين)) أيضًا ١: ٣٣٤: ((اختلط عليه صحيفته - عن الزهري - فلا يحتج بشيء
یتفرد به عن الثقات» من بين أصحاب الزهري.
وثمة سبب آخر حكاه ابن عدي في ((الكامل)» ٤(٧٦٠)، ٨ (٢٠٥٨) عن ابن
معين في سبب ضعف رواية هشيم وسليمان هذا عن الزهري، هو أنهما سمعا من
الزهري وهما صغيران. والله أعلم.
(١) همام: هو ابن يحيىُ العَوْذي، من رجال الستة، ولم أر في ترجمته شيئًا مما
حكاه الشارح - متابعًا لابن حجر - في ترجمة همّام.
(٢) في ((النكت الوفية)): ((بنسق ما رتَّبه مَن نسبه إلى شرطه)). وزاد آخر كلامه
قولَه: ((ومِن إغفال هذا القيد أُتي الحاكم وغيره ممن خرَّجوا على شرطهما، فهو مَزَلَّةً
عظيمة. والله الموفق)).
وأقول: إن أصل هذه الفائدة الغالية - والله أعلم - من الإمام ابن عبد الهادي،
وإن كان الحافظ ابن حجر غيرَ مدفوع عن إنشاء ما هو أدقُّ منها.
قال ابن عبد الهادي في تمام كلامه الذي تقدم نقل طرف منه صفحة ٤٧٥: (( .. لا
يلزم من كون الراوي محتجًّا به في الصحيح، أنه إذا وجد في أي حديث: كان ذلك
الحديث على شرطه، لما بيَّناه، بل الحاكم كثيرًا ما يجيء إلى حديث لم يخرَّج لغالب
رواته في الصحيح، كحديثٍ رُوي عن عكرمة، عن ابن عباس، فيقول فيه: هذا
=

٤٨٣
الأول : الصحيح
[ب]
حديث على شرط البخاري، يعني لكون البخاري أخرج لعكرمة. وهذا أيضًا تساهل.
((وكثيراً ما يخرج حديثًا بعضُ رجاله للبخاري، وبعضهم لمسلم، فيقول: هذا
على شرط الشيخين. وهذا أيضًا تساهل.
((وربما جاء إلى حديث فيه رجل قد أخرج له صاحبا الصحيح عن شيخ معين،
لضبطه حديثَه وخصوصيته به، ولم يخرجا حديثه عن غيره لضعفه فيه، أو لعدم ضبطه
حديثَه، أو لكونه غير مشهور بالرواية عنه، أو لغير ذلك، فيخرجه هو عن غير ذلك
الشيخ، ثم يقول: هذا على شرط الشيخين، أو البخاري، أو مسلم. وهذا أيضًا
تساهل، لأن صاحبي الصحيح لم يحتجا به إلا في شيخ معين، لا في غيره، فلا يكون
على شرطهما.
((وهذا كما أخرج البخاري ومسلم حديث خالد بن مَخْلَد القَطَواني عن سليمان
ابن بلال وغيره، ولم يخرجا حديثه عن عبد الله بن المثنى، فإن خالداً غير معروف
بالرواية عن ابن المثنى، فإذا قال قائل في حديث يرويه خالد بن مخلد، عن ابن
المثنی: هذا علی شرط البخاري ومسلم، کان متساهلاً)). انتهى كلام ابن عبد الهادي.
وخلاصة هذا التحقيق هي في ملاحظة الحالات الستة التي تقدمت تعليقًا
ص٣٢٩: رويا للرجل ١ - متابعة. ٢ - أو استشهادًاً. ٣ - أو تعليقًا. ٤ - أو مقرونًا
بغيره. ٥ - أو انتقاء من حديثه. ٦ - أو من حديثه عن شيخ معين. لكن اعتباره القول
بأن رواية عكرمة، عن ابن عباس: تساهل: فيه غرابة، فرواية عكرمة عن ابن عباس في
الكتب الستة، احتجاجًا عند البخاري، كما تقدم في كلام ابن دقيق العيد ص ٤٢٢،
ومقرونًا بغيره عند مسلم.
وكل هذه الأمثلة التي جاءت في كلام ابن حجر: سماك، عن عكرمة، وهشيم
عن الزهري، وهمام عن ابن جريج، ثم الأمثلة التي نقلتها تعليقاً: سفيان بن حسين
عن الزهري، وسلیمان العبدي عن الزهري، ثم ما نقلته عن ابن عبد الهادي، کلها إذا
فسَّرنا فيها قول الحاكم: احتج بها الشيخان أو أحدهما، أو: حديث كذا على شرطهما
=

٤٨٤
الأول : الصحيح
[ش]
في موضع من كتابه(١).
وكذا قال ابن الصلاح في ((شرح مسلم)»(٢): مَن حكَم لشخصٍ بمجرَّدِ روايةٍ
مسلم عنه في ((صحيحه)) بأنه من شرط الصحيح: فقد غَفَل وأخطأ، بل ذلك
يتوقَّف على النظر في كيفيةِ روايةٍ مسلم عنه، وعلى أي وجهِ اعتمد عليه(٣).
تتمة :
أَلَّفَ الحازميُّ(٤) كتابًا في ((شروط الأئمة))، ذَكَر فيه شرط الشيخين
وغيرِهما، فقال(٥): مذهبُ من يخرج الصحيح أنْ يعتبرَ حال الراوي العدل في
مشايخه، وفيمن روى عنهم، وهم ثقات أيضًا، وحديثُه عن بعضِهم صحيحٌ
(ت)
أو أحدهما، إذا فسرنا هذا على معنى: روى لهما الشيخان أو أحدهما، أو أخرجا لهما:
فلا اعتراض عليه، وهذا ما قدمته بأمثلته وشواهده ص٣٣١ فما بعدها، فلينظر لزاماً.
(١) على حاشية ك: بلغ.
(٢) ((صيانة صحيح مسلم)) ص٩٩. وتقدم نقل الشيخ ابن العجمي لهذه الفائدة
صفحة ٣٢٨.
(٣) على حاشية ك: ((الحمد لله: ثم بلغ قراءةً عليَّ. كتبه مؤلفه. لطف الله به)).
(٤) كرر الشيخ ابن العجمي ضبط هذه النسبة بما ضبطه فيما سبق قريباً ص ٤٧٠
حرفياً، فحذفته، ونبهت إليه.
(٥) صفحة ١٥٠ فما بعدها، والنصّ أيضاً في ((قوت المغتذي)) ١: ٧، وفيه
كلمات يسيرة اختلفت فيها النسخ، فاعتمدت منها ما وافق المصدر المنقول عنه.
والحازمي عدَّد الطبقاتِ وصفاتِ أهلها، ثم ذكر الأمثلة، أما الشارح فذكر كل طبقة
ومعها من تنطبق عليه الأوصاف، فحصل له خلل، وذلك أنه كرر أمثلةً للطبقة الثانية،
فأصاب في المرة الأولى، ووهم في الثانية، وسأنبه إليه في محله.

٤٨٥
الأول : الصحيح
[ش]
ثابت يلزمُهُ إخراجُه، وعن بعضِهِم مدخولٌ لا يصحُّ إخراجُه إلا في الشواهد
والمتابعات، وهذا بابٌ فيهِ غموضٌ، وطريقُه: معرفةُ طبقات الرواة عن راوي
الأصل، ومراتبٍ مداركهم.
ولنوضِّح ذلك بمثال: وهو أن تَعلَم أن أصحابَ الزهريِّ مثلاً على خمس(١)
طبقاتٍ، ولكل طبقةٍ منها مزيةٌ على التي تليها وتفاوت، فمن كان في الطبقة
الأولى فهي الغاية في الصحة، وهو غاية مقصْد(٢) البخاري، كمالك، وابن
عيينة، ويونسَ وعُقَيل الأَيْلِيْنِ وجماعةٍ.
والثانية: شاركت الأولى في العدالة، غير أن الأولى جَمَعَتْ بين الحفظ
والإتقان، وبين طولِ الملازمةِ للزهري، حتى كان منهم مَن يُزاملُه(٣) في السفر
ويلازمهُ في الحضر، كالليث بن سعد، والأوزاعي، والنعمان بن راشد (٤)،
والثانية(٥): لم تُلازِمِ الزهريَّ إلا مدةً يسيرة، فلم تُمارِسْ حديثه، وكانوا في
الإتقان دون الطبقة الأولى، كجعفر بن بُرْقان، وسفيان بن حسين السُّلَمي،
وزَمْعَة بن صالح المكي(٦)، وهم شرط مسلم.
(١) في ك: على ستّ خطأ.
(٢) ((مقصد)): من ك، وكتاب الحازمي ص١٥١، وفي النسخ: قصد.
(٣) تحرفت في النسخ على وجوه، إلا ح وكتاب الحازمي ص١٥١ فكما أثبتُّه.
(٤) هذه الأمثلة للطبقة الثانية صحيحة.
(٥) من النسخ وكتاب الحازمي، إلا نسخة ب ففيها: ولكن، ونسخة ك ففيها:
والثالثة. وهو خطأ، وهكذا استمر في بقية الطبقات بزيادة واحد في ك، فلذلك بلغ
معه عدد الطبقات ستاً.
(٦) هؤلاء رجال الطبقة الثالثة عند الحازمي، جعلهم الشارح للثانية لما احتاج
=

٤٨٦
الأول : الصحيح
[ش]
والثالثة: جماعة لزموا الزهريَّ مثلَ أهل الطبقة الأولى، غير أنهم لم يَسْلَموا
من غوائل الجرح، فهم بين الردِّ والقبول، كمعاويةَ بن يحيى الصََّفي، وإسحاق
بن يحيى الكلبي، والمثنَّى بن الصبَّاحِ(١)، وهم شرطُ أبي داود، والنسائي.
والرابعة: قوم شاركوا الثالثةَ في الجرح والتعديل، وتفرَّدوا بقلة ممارستهم
الحديث الزهري، لأنهم لم يلازموه كثيرًا، وهم شرطُ الترمذي(٢).
والخامسة: نَفَرٌ من الضعفاء والمجهولين لا يجوزُ لمن يُخْرج الحديثَ على
الأبواب: أن يخرجَ حديثَهم إلا على سبيل الاعتبار والاستشهاد: عند أبي داود
فمن دونه، فأما عند الشيخين فلا(٣).
[ب] -
لذكر أمثلة لها، مع أنه قدَّم ذلك.
(١) هؤلاء رجال الطبقة الرابعة عند الحازمي، أما رجال الثالثة الذين تنطبق عليهم
أو صافها فهم المذكورون قبلُ: جعفر بن بُرقان، وسفيان بن حسين، وزمعة بن صالح.
(٢) والذين تنطبق عليهم صفات هذه الطبقة هم المذكورون قبلُ: معاوية
الصَّدَفي، ومن بعده.
(٣) لم يذكر الشارح أمثلة رجال هذه الطبقة، وقد قال الحازمي: ((نحو: بحر بن
كَنِيزِ السقَّاء، والحكم بن عبد الله الأَيْلِي، وعبد القدوس بن حبيب الدمشقي، ومحمد
ابن سعيد المصلوب، وغيرهم».
وتقدم ص٢٧٥ كلام الحاكم في ((المدخل)) ص٦٤، حول التصنيف على
المسانيد والأبواب، والتعقب عليه من كلام الحافظ في مقدمة ((تعجيل المنفعة)).
وقولهم في كتب التراجم: فلان صنف على الأبواب: يريدون الإشعار بأنه
مشارك في الفقه إلى جانب اشتغاله بالرواية والحديث، فهو يستنبط ويجيد الاستدلال
لما استنبطه، فما كلّ راوٍ متأهِّلٌ لذاك، وقد قال الإمام أحمد رحمه الله: ((ما أقلَّ الفقهَ
=

٤٨٧
الأول : الصحيح
وإذا قالوا: صحيح متفق عليه، أو على صحته : فمرادُهم اتفاقُ الشيخين.
وذكر الشيخ أن ما رَوَياه أو أحدُهما فهو مقطوع
[ش]
(وإذا قالوا: صحيح متفق عليه، أو على صحته: فمرادُهم اتفاقُ
الشيخين) لا اتفاقُ الأمة. قال ابن الصلاح(١): لكنْ يلزمُ من اتفاقهما اتفاقُ الأمة
عليه، لتلقِّيهم له بالقبول.
(وذكر الشيخ) يعني ابنَ الصلاح (٢) (أن ما رَوَيَاه أو أحدُهما فهو مقطوع
[ب] -
في أصحاب الحديث!))، كما تجده ونحوَه في مقدمة شيخنا رحمه الله تعالى، التي
كتبها لـ«التعليق المُمجّد» للکنوي، ص١٤ - ١٥ فما بعد.
(١) صفحة ٢٨. ومن النادر أن يقع في كلام بعضهم: متفق عليه، ولا یرید: رواه
البخاري ومسلم، كما حصل للإمام ابن عساكر في كتابه («تبيين كذب المفتري)»
ص١٤٥، إذ قال عن حديث ((أرأيتم ليلتكم هذه .. )): ((متفق على صحته، رواه مسلم
وعبد بن حُمَيد))، مع أنه قال قبل قليل ص ١٤٣ عن حديث ((خير أمتي قرني)):
حديث متفق على صحته، رواه البخاري ومسلم، أو يقال: مراده في الحديث الأول:
متفق على صحة متنه، أما بهذا السند فرواه مسلم وعبد بن حميد.
وأُعيد التنبيه هنا إلى أن ((متفق عليه)) لا يقال عند المحدثين إلا في حديث رواه
الشيخان عن صحابي واحد، أما إذا اختلف الصحابي فيقال فيه متفق عليه عند
الفقهاء، كما قدَّمته ص٤٠٠ نقلاً عن ابن حجر في ((النكت)) ١: ٢٩٨، ٣٦٤.
(٢) صفحة ٢٨ - ٢٩، ولفظه: ((والعلم اليقيني النظري .. )). وتقييد العلم اليقيني أو
القطعي بقيد (النظري): ضروريّ، لأن هناك فرقاً بين العلم اليقيني مطلقًا، وبين العلم
اليقيني مقيدًا بقيد (النظري)، وذلك أن الجميع يسلُّمون بأن ١+١ =٢، وهذا حال
الحديث المتواتر، وأما نتائج حسابات الشركات والمؤسسات الكبيرة، فإنها تحتاج
من (المحاسب القانوني) مثلاً إلى تأنّ وإعادة نظر فيها وتكرار، ليقدمها نتيجة قطعية.
=

٤٨٨
الأول : الصحيح
[ب]
فالنتيجة الأولى قطعية بالضرورة والبداهة، والثانية قطعية بعد النظر والتأنّي.
وهذا هو الفارق عند ابن الصلاح والقائلين بقوله، بين المتواتر وبين أحاديث
الصحیحین.
ومعلوم ما في هذه المسألة من خلاف كبير، يُذكَر في مطوَّلات كتب علوم
الحديث وكتب أصول الفقه. ويمكن تلخيص الأقوال فيها من منظار أصولي إلى ثلاثة:
١ - أحاديث الآحاد عامة، سواء ما كان منها في الصحيحين أم في غيرهما: تفيد
القطع واليقين - دون تمييز بين الضروري والنظري -، وهو قول ابنٍ حزم، وبعضٍ
أهل الحديث، وهو قول للإمام أحمد، لكن الراجح عنه المعمول به عند علماء مذهبه
هو القول الثالث.
٢ - تفيد مطلقًا غلبة الظن، وهذا مذهب بعض أهل الأصول.
٣ - التمييز بين ما كان منها محتفًّا بقرينة تؤيد ثبوته، وبين ما لم يحتفَّ بقرينة،
فالأول يفيد العلم، والثاني يفيد غلبة الظن، وهو قول جمهور أهل العلم من
المحدثین والأصولیین.
والإمامان ابن الصلاح والنووي رحمهما الله تعالى يقولان بهذا القول الثالث،
لكن نقطة الخلاف بينهما هي فيما يصلح قرينةً علميةً، فابن الصلاح - ومَن يقول بقوله
مِن سابق ولاحق - يرون التلقيَ بالقبول قرينةً لكنها قرينة علمية، حفَّت بالأحاديث
الآحاد الصحيحة، فصارت تفيد العلم النظري، والنوويُّ - ومَن يقول بقوله مِن سابق
ولاحق - يرون التلقي بالقبول قرينةً، لكنها قرينة عملية، فلا حاجة إلى التعرُّف على
صحة الحديث بعد كونه في الصحيحين أو أحدهما، ليعمل به، بعد دراسة أحاديث
الباب وأدلة المسألة عامة، أما إذا صححه الترمذي - مثلاً - فيُحتاج إلى التعرُّف
والتثُّت من صحته، ثم يُعمل به.
وسيأتي ص ٤٩٥ قول النووي: ((وتلقي الأمة بالقبول إنما أفاد وجوب العمل بما
فيهما، من غير توقف على النظر فيه، بخلاف غيرهما، فلا يعمل به حتى يُنظَر فيه،
=

٤٨٩
الأول : الصحيح
[ب]
ويُوجَد فيه شروط الصحيح)). وهذا صريح جدًّا في أن النووي مسلِّم بأن التلقي
بالقبول قرينة، لكنه صرفها إلى غير المنحى الذي وجَّهها إليه ابن الصلاح.
ولا بد من التنبيه إلى أمور، وإن كان بعضُها سيأتي في كلام الشارح وصاحب
المتن ۔ ولا تقل: الماتن -:
١ - ما معنى (التلقي بالقبول)؟.
وجوابه: أن الشيخين رضي الله عنهما ادَّعيا صحة أحاديث كتابيهما - من حيثُ
الجملة، كما سيأتي - وقد وافقناهما على سلامة ادعائهما. أما من حيثُ العمل بهذه
الأحاديث التي سلّمنا بصحتها: فهذا أمر آخر، فللعمل بالحديث مسوّغاته ومعوِّقاته،
حتى إننا في عدم عملنا بهذا الحديث، وتأويلنا له عن الوجه الذي قال به غيرنا:
عاملون بما وافقناهما علیه، لأن تأويل الدلیل لا يعني ردًّ وعدم تصحيحه، كما هو
معلوم، وعدمُ التلقي هنا لا يكون إلا بدعوى ضعف ما صححاه أو أحدهما.
ولا يُعقَل من الإمامين ابن الصلاح والنووي، وكلُّ مَن وافقهما على قوليهما أن
يقولوا: معنى التلقي بالقبول: هو القول بمقتضى ما تدل عليه أحاديث الصحيحين من
أحكام شرعية، إذ يلزم من هذا أن يكون الناس جميعًا في فقههم: على مذهب
البخاري ومسلم، مع أن الإمامين المذكورين ليسا كذلك، وغيرهما ليس كذلك،
وانظر ما سيأتي تعليقاً ص٤٩٤ من كلام أبي إسحاق الإسفرايني، وهو ممن يقول
بقول إمام الحرمين في أصل المسألة.
وإنما كرَّرتُ القول: ابن الصلاح ومن يقول بقوله، والنووي ومن يقول بقوله:
دفعًا لتوهُّم أن كلاَّ منهما هو أولُ من قال بهذا القول، ثم تُوبع، لأن بعض الكتب
المتأخرة في علوم الحديث تركّز على حكاية الخلاف بينهما فقط، مع أن كلاّ منهما
سبق بقوله، وتُوبع علیه.
وقد رأيت القسطلاّني رحمه الله قال في ((لطائف الإشارات لفنون القراءات)) ١:
٧١، وقد أشار إلى قول ابن الصلاح هذا: ((وبَحَثه ابن الصلاح في علوم الحديث،
=

٤٩٠
الأول : الصحيح
(ت)
وظُنَّ أن أحدًا لم يَسبقه إليه، وقد قاله قبله الشيخ أبو إسحاق الشيرازي، ونقله ابن
تيمية عن جماعة .. ))، وذَكَر مَن سيأتي في كلام البُلْقيني، فتعيَّن التنبيه إليه.
ثم رأيت أن أصل كلامه هذا لابن الجزري في ((منجد المقرئين)) ص ٢٠.
وقد أفاد العراقي في ((النكت)) ٢٨٥:١: أن ابن طاهر المقدسي المتوفّى سنة
٥٠٧، وأبا نصر عبد الرحيم بن عبد الخالق بن يوسف اليوسفي المتوفّى سنة ٥٧٤،
كما في ((السِّيرَ)) ٢١: ٤٩: قد سَبَقا ابن الصلاح إلى هذا القول. وسيأتي قريباً ما يتعلق
بابن طاهر ص٥٠١. وزاد ابن حجر في «النكت)) ١: ٣٨٠: الجوزقي والحميدي.
ويُنظر: ما مراد العراقي بسَبْق هذين الرجلين؟ إذ سيأتي بعد أسطر حكاية مثل
قول ابن الصلاح، عن عشرة من أئمة الأصول من مختلف المذاهب، وأنه قول أهل
الحديث قاطبة، وأكثر المتكلمين من الأشاعرة، ومذهب السلف عامة !.
٢ - ومن هم (الأمة) المرادة بقولهم: تلقت الأمة بالقبول كتابي الشيخين؟.
لا ريب أن المراد بالأمة علماؤها، وليس المراد بهم جميعَهم، بل المراد عِلْية
المحدثين والمجتهدين، دون دهماء الرواة، وليس جميع عِلْية المحدثين، بل من
عاصر الشيخين وبلغه خبر الكتابين، فَمَن بعدهم، يُضاف إليهم علماء الأصول
والفقه، مما يتعلق بالمتون النبوية، ومن لم يعمل منهم بمقتضى المتن، فلا بدّ أن
یکون له مسوِّغًا لعدوله عنه.
فخرج بهذا: عوام المسلمين، وعلماء العربية وغيرهم ممن لا صلة له بعلم
الحديث، وعوام الرواة ممن ليس لهم صلة بالدراية والنقد، ومن سَبَق الشيخين زمانًا
من المحدثين، والمجتهدين، ومن عاصرهما ولم يسمع بكتابيهما.
ومن التمحُّلات الباردة السَّمْجة قول الصنعاني في ((توضيح الأفكار)) ١: ٩٤:
(«هذه الدعوى تحتاج إلى استفسار عن طرفيها: هل المراد: كلّ الأمة من خاصة
وعامة، كما هو ظاهر الإطلاق؟ أو المجتهدون من الأمة؟ .. ))، إلى آخر كلامه !! وما
هو إلا ضرب في حديد بارد، استمرارًاً منه لخِطَّته في إضعاف حكاية كل إجماع،
=

٤٩١
الأول : الصحيح
[ب]
ليُضْعِف في نفوس الناس الإجماعَ الذي هو ثالث مصادر التشريع! فكنْ منه - ومن
الشوكاني - علی حَذَر.
٣ - وما هو المتلقَّى بالقبول منهما؟ والجواب: أنه هو ما حكما بصحته، فيخرج
بذلك:
آ - الأحاديث المعلَّقة في كتابيهما، فإنهما التزما صحة المسانيد دون المعلقات.
ب - بعض ما في الشواهد والمتابعات، وقد تقدم أنهما قد يُخرجان عن بعض
مَن لم يسلم مِن غوائل الجرح، إنما روياها لأمور جانبية أخرى.
جـ ــ ما لم يُشِيرا أو أحدُهما إلى علة فيه، وهذا في ((صحيح)) مسلم متكرر، وقد
قال رحمه الله في مقدمة ((صحيحه)) ١: ٨: (( .. وسنزيد إن شاء الله تعالى شرحًا
وإيضاحًا في مواضع من الكتاب، عند ذكر الأخبار المعلَّلة إذا أتينا عليها في الأماكن
التي يليق بها الشرح والإيضاح إن شاء الله تعالى))، وهذا كلام متصل بما قبله، وقد
بينتُ مراده به، مع الأمثلة، في المقدمة التي كتبتها لـ((مصنف)) ابن أبي شيبة ١ : ١٠٢
- ١٢١، وأضفته إلى مقدمة الطبعة الثانية لـ((الكاشف)) للإمام الذهبي ص١٨٨، مع
زيادات أخرى عندي على ما ذكرته هناك.
د - الأحاديث التي أشار إليها ابن الصلاح آخر كلامه بقوله ص٢٩: ((سوى أحرف
يسيرة تكلّم عليها بعض أهل النقد من الحفاظ، كالدارقطني وغيره، وهي معروفة عند
أهل الشأن))، وعددها مئتا حديث، وعشرة أحاديث، وسيأتي كلام الشارح عليها،
ويندرج هنا بعض ما تقدم تحت الفقرة ب، جـ، وإلى هذه المحترزات يشير إمام الحرمين
بقوله الآتي قريباً جداً ص٤٩٣ : .. ما في الصحیحین مما حكما بصحته.
٤ - ما هو مرادهم بقولهم: ما روياه أو أحدهما فهو مقطوع بصحته؟ هل يريدون
الصحة الاصطلاحية التي فوق الحسن؟ أو ما يشملهما؟.
وجوابه: أنهم يريدون الصحة العامة، أو القبول العام، وهو ما يشمل الصحيح
والحسن، فكثيراً ما يعبِّرون بالصحة، ويريدون ما يشملهما، والنصوص على ذلك
=

٤٩٢
الأول : الصحيح
أكثر من أن تذكر، لا سيما أن صورة الأمر هنا: مجيء الحسن بجانب الصحيح، فهو
متابع أو شاهد، وحينئذ يرتقي الحسن إلى الصحيح لغيره، فصار الكل صحيحًا.
وللصنعاني كلام هنا في ((توضيح الأفكار)) ١: ٩٥ لا يستحق النظر فيه، فتنبَّه له.
وبعد هذا أنقل فائدتين كتبهما الشيخ ابن العجمي هنا في حاشيته ولم يربطهما
بجملة معینة، قال:
[فائدة: اختلفوا في الدلائل اللفظية هل تفيد القطع؟ على ثلاثة مذاهب :
أحدها: نعم. والثاني: لا. والثالث: وهو اختيار الفخر الرازي - ((المحصول))
١ : ٥٤٧ - أنها تفيد القطع إن اقترنت به قرائن مشاهدة أو معقولة، كالتواتر، ولا تفيد
اليقين إلا بعد تَيَقُّن أمور عشرة: عصمة رواة ناقليها، وصحة إعرابها، وتصريفها،
وعدم الاشتراكِ، والمجازِ، والتخصيصِ بالأشخاص، والأزمان، وعدم الإضمارِ،
والتقديم والتأخير، وعدم المعارض اللفظي. قيل: ولم يذكر النسخ، لأنه داخل في
التخصيص بالأزمان.
قال القرطبي : وما ذكره صحيح، غير أنه لا يُشترط في حصول اليقين : حضور
هذه الأمور مفصّلة في الذهن، وهذا كما تقول في الخبر المتواتر إذا اجتمعت
شروطه: يفيد العلم، وإن لم يشعر الذهن بتفصيل شروطه حالة حصول العلم به.
قال: وإنما نبهنا على ذلك لئلا يَسمع القاصر كلام الإمام، فيظنَّ أنه لا يحصل العلم
بالدليل اللفظي: حتى تخطر له تلك الأمور بباله ويعدَّها واحدًا واحدًا. إلى آخر ما
أطال به، فليراجَع فإنه مهم.].
[فائدة أخرى: نقل بعضهم عن ابن الشِّحنة في ((شرح المنظومة الفقهية))، أنه
قال: قد أجمعت الأمة على أن إنكار الأحاديث ليس كفرًا. انتهى. والذي في ((بحر))
الزركشي - ٤ :٢٦٦ -: هل يُكْفَر جاحدُ ما ثبت بخبر الواحد؟ إن قلنا: يفيد القطع:
كُفِّر، وإلا فلا. وقد حكى ابن حامد من الحنابلة في تكفيره وجهين. انتهى.].
وينظر مع ((المحصول)) للإمام الفخر الرازي: ((التحصيل)) للأَرْمَوي ١: ٢٥٥،
=

٤٩٣
الأول : الصحيح
بصحته، والعلمُ القطعيُّ حاصلٌ فيه.
[ش]
بصحته، والعلمُ القطعيُّ حاصلٌ فيه). قال: خلافًا لمن نَفَى ذلك، محتجًا بأنه لا
يفيدُ إلا الظنَّ، وإنما تلقَّتْه الأمةُ بالقبول لأنه يجبُ عليهم العملُ بالظنِّ، والظنُّ
قد يخطئء.
قال: وقد كنتُ أَميلُ إلى هذا وأحسَبه قويًّا، ثم بانَ لي أن الذي اخترناه أولاً
هو الصحيح، لأن ظن مَن هو معصومٌ من الخطأ لا يخطئ، والأمةُ في إجماعها
معصومةٌ من الخطأ(١)، ولهذا كان الإجماعُ المبنيُّ على الاجتهاد حجةً مقطوعًا
بها(٢) .
وقد قال إمام الحرمين(٣): لو حَلَف إنسان بطلاق امرأته: أن ما في
الصحيحين مما حكما بصحته، من قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم: لَمَا ألزمتُه
-
[ب]
ومن كتب الحنفية: صدر الشريعة المحبوبي في ((التوضيح)) ١: ١٢٨ تحت عنوان:
((مسألة. قيل: الدليل اللفظي لا يفيد اليقين، لأنه مبني على نقل اللغة .. )).
وابن حامد: هو شيخ الحنابلة ومفتيهم أبو عبد الله الحسن بن حامد البغدادي
الوراق المتوفى سنة ٤٠٣، ترجمه أبو يعلى الفراء ٣٠٩:٣، والخطيب في ((تاريخ
بغداد)» ٢٥٩:٨، والذهبي في ((السير)) ١٧ :٢٠٣.
(١) والأمة معصومة من الخطأ لأنه يُؤدِّي إلى الضلالة، لا كما قال الصنعاني ١ :
٩٥، فأخطأ.
(٢) مع أن الأمر الذي يدخله الاجتهاد يكون ظنيًّا، لكنه صار مقطوعًا به لاقترانه
بالإجماع.
(٣) أسند ابن الصلاح هذا القول إليه في مقدمة شرحه على مسلم ص ٨٥.

٤٩٤
الأول : الصحيح
[ش]
الطلاق، لإجماع علماء المسلمين على صحته(١).
قال(٢): وإن قال قائل: إنه لا يحنثُ ولو لم يُجمعِ المسلمون على
صحتهما، للشك في الحنث، فإنه لو حلف بذلك في حديثٍ ليس هذه صفته:
لم یحنث، وإن کان رواته فُسَاقًا.
فالجواب: أن المضافَ إلى الإجماع هو القطعُ بعدم الحنث ظاهراً وباطنًا،
وأما عند الشك فعدمُ الحِنْث محكومٌ به ظاهراً مع احتمال وجوده باطنًا، حتى
تُستحب الرَّجْعة(٣).
[ب] -
-
(١) قدَّمت قبل قليل ص٤٨٩ الإشارة إلى أن القطع بالصحة والقبول شيء، ولزوم
العمل بالدلالة الفقهية شيء آخر، وقد نقل السبكي في ((الطبقات الوسطى)) عن أبي
إسحاق الإسفرايني - وهو ممن يقول بقطعية أحاديث الشيخين، كما يأتي قريبًا ص ٥٠٠
في كلام ابن تيمية - نقل السبكي عنه قوله: ((الأخبار التي في الصحيحين مقطوع بصحة
أصولها ومتونها، .. ، فمن خالف حكم خبر منها وليس له تأويل سائغ للخبر، نقضنا
حكمه، لأن هذه الأخبار تلقتها الأمة بالقبول))، فانظر قوله: ((ولیس له تأويل سائغ)).
(٢) هو ابن الصلاح في مقدمة شرحه المذكور ص٨٦، وفيه مغايرات طفيفة.
(٣) بيان هذه المسألة من الوجهة الفقهية: أن من حلف بالطلاق على أمر مقطوع
به: فإنه لا يحنث، لا ظاهرًا ولا باطنًا، ومن حلف به على أمر مشكوك فيه: فإنه لا
یحنث ظاهراً فقط، أما باطنًا فمحتمل، وتستحب له مراجعة زوجته.
وقد فسَّر ابن الصلاح مراد إمام الحرمين بـ: ((ما ألزمته الطلاق)): لا ظاهرًا ولا
باطنًا، وهو الظاهر، وفسَّرَه النووي في مقدمة شرح مسلم ١: ٢٠ باحتمال إرادته: لا
يحنث ظاهراً. والله أعلم.

٤٩٥
الأول : الصحيح
وخالفه المحققون والأكثرون، فقالوا : يفيدُ الظنَّ ما لم يَتَواتر.
[ش]
قال المصنف: (وخالفه المحققون والأكثرون، فقالوا: يفيدُ الظنَّ ما لم
يَتَواتر).
قال في ((شرح مسلم)) (١): لأن ذلك شأنُ الآحاد، ولا فرق في ذلك بين
الشيخين وغيرِهما، وتَلَقِي الأمة بالقبول إنما أفاد وجوبَ العمل بما فيهما، من
غير توقُّف على النظر فيه، بخلافِ غيرِهما، فلا يُعمَل به حتى يُنظَر فيه ويُوجَد
فيه شروط الصحيح. ولا يلزمُ من إجماع الأمة على العمل بما فيهما إجماعُهم
على القطع بأنه كلام النبيِّ صلی الله عليه وسلم.
قال: وقد اشتدَّ إنكارُ ابنِ بَرْهانَ(٢) على من قال بما قاله الشيخ، وبالغ في
تغليطه. انتھی.
وكذا عابَ ابنُ عبد السلام على ابن الصلاح هذا القول، وقال: إن بعضَ
المعتزلة يَرَوْنَ: أن الأمة إذا عَمِلت بحديث اقتضى ذلك القطعَ بصحته، قال:
وهو مذهب رديء(٣).
[ب] -
(١) ((شرح مسلم)) للنووي ١: ٢٠ وكذا ما بعده.
(٢) هو الإمام أبو الفتح أحمد بن علي بن بَرْهان البغدادي، أحد أئمة الأصول
من السادة الشافعية، توفي سنة ٥١٨ ولم يُكمل الأربعين من عمره، له في علم
الأصول: ((الأوسط))، و((الوجيز))، وترجمته في ((طبقات)) السبكي ٦: ٣٠، و((السِّير))
١٩ : ٤٥٦.
(٣) هذا النقل من عند البلقيني في ((محاسن الاصطلاح)) ص١٠١،
و((النكت على ابن الصلاح)) للعراقي ٢٨٥:١ - ٢٨٦، وعنه البقاعي في ((النكت
الوفية)) ١ : ١٧٨. لكن عند البُلقيني: (( .. وقال: إن المعتزلة .. ))، فحكاه عن كافة
=

٤٩٦
الأول : الصحيح
[ش]
وقال البُلْقيني(١): ما قاله النوويُّ وابنُ عبد السلام ومن تَبِعهما: ممنوعٌ، فقد
[ب]
المعتزلة لا: عن بعضهم.
وأقول: لا غرابة أن يحصل - اتفاقًا - اتفاقٌ بين قولٍ لأهل السنة وقولٍ للمعتزلة
كلِّهم أو بعضهم، فقد قال السخاوي رحمه الله في «فتح المغيث)) ٢: ١٥٣ : ((إذا تلقّت
الأمةُ الضعيفَ بالقبول يُعمل به على الصحيح، حتى إنه ينزّل منزلة المتواتر في أنه
يَنْسَخ المقطوعَ به)). ولا ينسخ المقطوعَ به إلا مقطوعٌ به، وهو هنا الضعيف الذي تلقته
الأمة بالقبول، فكيف إذا كان أصله صحيحًا، كما هو ظاهر النقل عن بعض المعتزلة
- أو جميعهم -، لا ريب أنه يفيد القطع بصحته، لقرينة التلقي له بالقبول. وانظر كلام
شيخنا عبد الله الصديق الآتي قريبًا ص٤٩٩.
بل لقد عكس المسألة ابن تيمية رحمه الله، فقال في ((مقدمة في أصول التفسير))
ص٦٧: ((جمهور أهل العلم من جميع الطوائف، على أن خبر الواحد إذا تلقَّتْه الأمة
بالقبول: تصديقًا له، أو عملاً به: أنه يوجب العلم، وهذا هو الذي ذكره المصنفون
في أصول الفقه، من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد، إلا فرقةً قليلة من
المتأخرين، اتبعوا في ذلك طائفة من أهل الكلام أنكروا ذلك، ولكن كثيرًا من أهل
الكلام، أو أكثرَهم، يوافقون الفقهاء وأهل الحديث والسلف على ذلك، وهو قول
أكثر الأشعرية، كأبي إسحاق - الإسفرايني - وابن فُورَك. وأما ابن الباقلاني فهو الذي
أنكر ذلك، وانَّبعه مثل أبي المعالي، وأبي حامد، وابن عقيل، وابن الجوزي، وابن
الخطيب، والآمدي، ونحو هؤلاء)». ثم ذكر رحمه الله أن الإجماع على تصديق الخبر:
موجبٌ للقطع به.
ونقل ابن حجر في ((النكت)) ١: ٣٧٤ - ٣٧٥، عن ابن تيمية نفسه نحو هذا
النص، وفيه زيادات ينبغي الرجوع إليها.
(١) في ((محاسن الاصطلاح)) ص ١٧٢.

٤٩٧
الأول : الصحيح
[ش]
نَقَل بعضُ الحفاظ المتأخرين(١) مثلَ قولِ ابن الصلاح، عن جماعة من
(١) هكذا عبَّر البُلْقيني، ونحوه تلميذه الزركشي ٢٩١:٢ (٦٨)، قال: ((ونقله
بعضهم عن السرخسي .. )). ومرادهما ابن تيمية رحمهم الله، في تمام كلامه السابق،
فإنه ذكر الأئمة العشرة المذكورين هنا، سوى ابن طاهر المقدسي، فإنه من كلام
البلقيني وزيادته.
وهذه أسماء الأئمة العشرة حسب ورودها في الشرح، مع تاريخ وَفَياتهم: أبو
إسحاق الإسفرايني: إبراهيم بن محمد، المتوفّى سنة ٤١٨. أبو حامد الإسفَرايني:
أحمد بن محمد، المتوفى سنة ٤٠٦. القاضي أبو الطيب الطبري: طاهر بن عبد الله،
توفي سنة ٤٥٠. أبو إسحاق الشيرازي: إبراهيم بن علي، توفي سنة ٤٧٦. شمس
الأئمة السَّرَخْسي: محمد بن أحمد، كانت وفاته سنة ٤٨٣. القاضي عبد الوهاب بن
علي المالكي، المتوفّى سنة ٤٢٢. والقاضي أبو يعلى الفراء: محمد بن الحسين
الحنبلي، المتوفى سنة ٤٥٨. وأبو الخطاب: محفوظ بن أحمد الكَلْوَذاني، المتوفَّى
سنة ٥١٠. وأبو الحسن: علي بن عبيدالله ابن الزاغُوني، المتوفى سنة ٥٢٧. وأبو بكر:
محمد بن الحسن ابن فُوْرَك، المتوفى سنة ٤٠٦.
أما الأئمة السبعة الذين وصفهم ابن تيمية في صدر كلامه السابق بأنهم فرقة قليلة
من المتأخرين فهم: أبو بكر الباقلاني القاضي المالكي، وكانت وفاته سنة ٤٠٣. وأبو
المعالي إمام الحرمين، المتوفى سنة ٤٧٨. وتلميذه أبو حامد الغزالي، المتوفى سنة
٥٠٥. وأبو الوفاء ابن عقيل الحنبلي، المتوفى سنة ٥٢٠. وتلميذه ابن الجوزي
الحنبلي، وكانت وفاته سنة ٥٩٧. وابن الخطيب هو الإمام فخر الدين الرازي،
المتوفى سنة ٦٠٦. وسيف الدين الآمدي الشافعي، المتوفى سنة ٦٣١.
وإنما ذكرت وَفَيَاتهم - مع شهرة أكثرهم - ليقارن القارئ* بين وَفَيَات الطائفتين،
=

٤٩٨
الأول : الصحيح
[ب]
ويتبيَّن له أنه ليست إحداهما متقدمة، والأخرى متأخرة.
وملاحظة أخرى: إن العلماء اعتمدوا هذا الشطر الثاني من كلام الإمام ابن تيمية
رحمهم الله جميعًا، فقد نقله - مع القبول له - تلميذه ابن كثير ص٣٦ من ((اختصار
علوم الحديث))، والبلقيني - كما ترى -، والسيوطي، وكذا ابن الجزري في ((منجد
المقرئين)) ص٢٠، والقسطلاني في ((لطائف الإشارات لفنون القراءات)) ١: ٧١ -
وكلاهما محدِّث مقرئ - وكلَّهم أعرضوا عن نقل الشطر الأول من كلامه، فلا نقلوه،
ولا اعتمدوه، ولا ردّوه.
ويلاحظ هنا قول الحافظ الآتي بعد قليل جدًّا: إن ما ذكره النووي مسلَّم من جهة
الأكثرين. أي: الأكثرون قالوا بقول النووي، فتعارضت حكاية (الأكثرين)، من ابن
تيمية وابن حجر، مع من هم؟ فلذا أقول: إن المسألة تحتاج إلى نقل كلامهم من
كتبهم، ثم دراسته بدقّة وإمعان، ثم الرجوع إلى كُتُب مَن قبلهم في هذه المسألة،
لتستقرَّ ويُستخلَص منها الحكم. وينظر لزامًا كلام الزركشي ٢٨٧:٢ - ٢٨٨ (٦٨)،
وابن حجر في ((النكت)) ١ : ٣٧٤ فما بعدها.
وإن الرجوع إلى نصوص العلماء من كتبهم أنفسهم أمر ضروري، وسنرى مثالاً
على ضرورة ذلك في الحاشية التالية.
وقبل الفراغ من التعليق على كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، لا بد من التنبيه إلى
أمرٍ ظاهره التناقض بين جزئية وردت في كلامه وكلام ابن الصلاح، وهي أن ابن
الصلاح نقل عن إمام الحرمين قوله: لو حلف إنسان بطلاق امرأته أن ما في
الصحيحين مما حكما بصحته .. ، وعلَّقتُ عليه أن ابن الصلاح أسند في مقدمة ((شرحه
على مسلم)) هذا القول إلى إمام الحرمين، وقد ساق ابن الصلاح هذا القول مساق أن
إمام الحرمين يقول بقطعية ما في الصحيحين.
في حين أن ابن تيمية نسب إلى إمام الحرمين القول بخلاف ذلك.
وقد كتبت في عام ١٣٩٣ إلى شيخنا العلامة الحافظ الأصولي الفقيه الشيخ
=

٤٩٩
الأول : الصحيح
[ب]
عبد الله الصديق الغُمَاري رحمه الله تعالى، أستفسره عن هذا التعارض، فكتب إليَّ في
الجواب ما نصه: ((ليس بين قولَيْ إمام الحرمين تعارض، ولكن ابن تيمية لم يحرِّر
النقل عنه، لاعتماده فيما يكتب أو ينقل على ذاكرته، فمن ثَمَّ جاء التعارض. وبيان
ذلك: أن خبر الآحاد المتلقَّى بالقبول نوعان: نوع حصل الاتفاق على العمل به فقط،
وقد يكون في الأصل ضعيفًا، كحديث معاذ في القضاء بالرأي، أو حسنًا، كحديث:
((لا وصية لوارث))، فهذا النوع يقول عنه إمام الحرمين: لا يفيد العلم، وِفاقًا
الباقلاني، وخلافًا للجمهور، لأن العمل لا يشترط فيه العلم، وفائدة الاتفاق تسويغ
العمل بالضعيف، وبما في صحته خلاف، كحديث البحر: ((هو الطَّهور ماؤه الحِلَّ
میتته)).
(«ونوع حصل الاتفاق على صدقه وصحته، لا على مجرد العمل به، وهو خبر
الصحيحين، وعنه قال إمام الحرمين: لو حلف إنسان بطلاق امرأته .. إلخ، وعلَّل ذلك
بقوله: لإجماع المسلمين على صحة ما فيهما. وهذا قدر زائد على مجرد العمل، كما
هو ظاهر.
((وبهذا التحرير ظهر أن كلام إمام الحرمين سليم، ونظره دقيق، لأن الظن القوي
بصدق خبر الصحيحين موجود، ولما وقع الإجماع عليه أفاد العلم، ولا يخفاك ما
يحتفُّ بخبر الصحيحين من القرائن. وقد ذكر ابن تيمية النوعين في قوله: تصديقًا له،
أو عملاً به، ولم يحرِّر الفرق الذي لحظه إمام الحرمين)). انتهى جواب شيخنا.
وهو جمع جید بدیع، وإن کان في حکمه على حديث معاذ، وحديث («لا وصية
لوارث)): نظر، ففي ((مقالات)) شيخ شيوخنا العلامة الكوثري رحمه الله تعالی ص٦٠،
٦٥ بيانٌ شافٍ لهما. وكأن شيخنا الغُماريَّ بجمعه بين هذين المثالين: متأثِّر بكلامٍ أبي
العباس ابن القاصِّ الطبري من الشافعية، المنقولِ عنه في ((التلخيص الحبير)) ٤:
١٨٣، بل بحكم الشافعي الذي في ((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر ١: ٤٩٥.

٥٠٠
الأول : الصحيح
[ش]
الشافعية، كأبي إسحاق (١) وأبي حامد الإِسْفَرَايَّيْنِ، والقاضي أبي الطيب،
والشيخ أبي إسحاق الشيرازي، وعن السَّرُّخَّسي من الحنفية، والقاضي
عبد الوهَّاب من المالكية، وأبي يعلى، وأبي الخطاب، وابن الزَّاغُوني من
الحنابلة، وابن فُوْرَك (٢)، وأكثرِ أهل الكلام من الأشعرية، وأهلِ الحديث
قاطبةً، ومذهبِ السلف عامةً. بل بالغ ابنُ طاهرِ المقدسيُّ في ((صفة التصوف))،
[ب]
(١) قال الحافظ في ((النكت على ابن الصلاح)) ١: ٣٧٧: ((أصرح من رأيت
كلامه في ذلك، ممن نقل الشيخُ تقي الدين - ابن تيمية - عنه ذلك، فیما نحن
بصدده: الأستاذ أبو إسحاق الإِسْفَرايني، فإنه قال: أهل الصنعة مجمعون على أن
الأخبار التي اشتمل عليها الصحيحان: مقطوع بها عن صاحب الشرع، وإن حصل
الخلاف في بعضها، فذلك خلاف في طرقها ورواتها))، وهذا نقل فيه شيء من
التصرف.
ففي التعليق على ((طبقات الشافعية الكبرى)) للتاج السبكي ٤: ٢٦١، نقلاً عن
(الطبقات الوسطى)) له، أن أبا إسحاق هذا قال في ((كتابه في أصول الفقه)): ((الأخبار
التي في الصحيحين: مقطوع بصحة أصولها ومتونها، ولا يحصل الخلاف فيها بحال،
وإن حصل: فذلك اختلاف في طرقها ورواتها، فمن خالف حكمه خبراً منها، وليس
له تأويل سائغ للخبر: نقضنا حكمه، لأن هذه الأخبار تلقَّتْها الأمة بالقبول. هذا لفظه)».
ثم رأيته في ((النكت)) للزركشي ٢٨٧:٢ (٦٨)، ويصحح عنده: ((في ذلك)) إلى:
فذلك.
(٢) [فُوْرَك: بناء مضمومة، وواو ساكنة، وراء مفتوحة، وكاف عربية. تقدم
بالهامش . - ص ١٥٨ -٠].