Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
الأول : الصحيح
[ش]
وقال العلائي(١): روى ((الموطأ)) عن مالك جماعاتٌ كثيرة، وبين رواياتِهم
اختلافٌ من تقديم وتأخير، وزيادة ونقص، ومن أكبرِها وأكثرِها زياداتٍ روایةً
أبي مُصْعَب، قال ابن حزم: في ((موطأ)) أبي مُصْعَب هذا زيادة على سائرٍ
الموطآت نحوُ مئة حدیث.
وأما ابن حزم فإنه قال(٢): أَولَى الكتب: الصحيحان، ثم صحيح سعيد ابن
[ب] -
(١) ((بغية الملتمس)) ص٨٩. وينظر لزامًا ص٤١ - ٤٢ من تحقيق مقدمة ((الموطأ))
رواية أبي مصعب الزهري، لبيان الزيادات بينه وبين ((الموطأ)) رواية يحيى الليثي.
(٢) نقل كلامه هذا الذهبي أيضًا في ((سير أعلام النبلاء)) في ترجمة ابن حزم ١٨ :
٢٠٢، وقال الذهبي أول النص: ((ورأيته قد ذكر قول من يقول: أجلَّ المصنفات
الموطأ، فقال: بل أولى الكتب بالتعظيم: صحيحا البخاري ومسلم .. )). ونقلُ الشارح
أتم وأوفى بكثير، إذ ينتهي نقل الذهبي عند ذكر ابن حزم لفقه أبي عبيد وأبي ثور.
وتقدم قريباً ص ٣٩٧ كلمات تتعلَّق بكتاب ابن السكن.
وأما كتاب ابن الجارود: فهو ((في التحقيق مستخرج على صحيح ابن خزيمة
باختصار)) كما قاله الحافظ في مقدمة («إتحاف المهرة)) ١ : ١٥٩، وقال الذهبي في
((السير)) ١٤: ٢٣٩ في طالعة ترجمة ابن الجارود: ((لا ينزل فيه عن رتبة الحسن أبدًا،
إلا في النادر، في أحاديث يَختلف فيها اجتهاد النقاد)).
وقال السيد الكتاني في ((الرسالة المستطرفة)) ص٢٥: ((وتُتُبِّعَتْ فلم ينفرد عن
الشیخین منها إلا بیسیر)».
ثم قال عن كتاب قاسم بن أصبغ: إنه ((على نحو كتاب المنتقى لابن الجارود ..
وأن ابن حزم قال: هو خيرٌ انتقاءً منه)).
ومما يلزم التنبيه إليه: أن ابن حزم قدَّم كتاب ابن السكن ومن بعده: لأنهم وَسَموا
=

٤٠٢
الأول : الصحيح
[ش]
السَّكَن، و((المنتقى)) لابن الجارود، والمنتقى لقاسم بن أَصْبَغ.
ثم بعد هذه الكتب كتابُ أبي داود، وكتاب النسائي(١)، ومصنَّف قاسم
ابن أَصْبَغ، ومصنَّف الطحاوي، ومسانيد: أحمدَ، والبزار، وابني أبي شيبة:
أبي بكرٍ وعثمان، وابنِ راهُويَه، والطيالسي، والحسن بن سفيان،
والمُسْنَدي(٢)، وابن سِنْجِر(٣)، ويعقوب بن شيبة، وعلي ابن المديني، وابن
[ب] -
كتبهم بالصحة، أما كتب السنن المشهورة: فليست كذلك، وجَعْلُ العلماء لها مع
الصحيحين أصولَ السنة في قولهم: الكتب الستة الأصول: لأنها جمعت أدلة أحكام
الفقه الإسلامي، لا لصحتها، فمعلوم ما فيها من ضعاف.
وقد فات ابنَ حزم أن يذكر كتاب ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم.
(١) قال الذهبي في ((السير)) ٢٠٢:١٨ أيضًا: ((قلت: ما ذَكَر ((سنن)) ابن ماجه،
ولا ((جامع)) أبي عيسى، فإنه ما رآهما، ولا أُدخِلا إلى الأندلس إلا بعد موته))، لكن
انظر كلام الحافظ في ترجمة الترمذي من ((تهذيب التهذيب)) ٩: ٣٨٨، فكأنه يعرِّض
بهذا الكلام للذهبي، قال: ((ولا يقولن قائل: لعله ما عرف الترمذي ولا اطلع على
حفظه، ولا على تصانيفه .. )) إلى آخر كلامه.
(٢) المسنَدي: هو الإمام أبو جعفر عبد الله بن محمد الجُعْفي البخاري، من
شيوخ الإمام البخاري، لقُّب بالمسنَدي لشدة اعتنائه بالأحاديث المسندة، توفي سنة
٢٢٩، يراجع ((تهذيب الكمال)) ومصادر تعليقه.
(٣) ابن سِنْجِر: هو أبو عبد الله محمد بن سنجر الجرجاني الحافظ الثقة، توفي
في صعيد مصر سنة ٢٥٨، كما في ((العبر)) ١: ٣٧١ - وعنه ابن العماد في ((الشذرات))
٢٥٩:٣ - و ((التبيان)) لابن ناصر الدين ١: ٤٣٠.

٤٠٣
الأول : الصحيح
أبي
[ش]
غَرَزَةَ(١)، وما جَرَى مَجْراها التي أُفرِدتْ لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم صِرْفًا.
ثم بعدها الكتب التي فيها كلامُهُ وكلامُ غيره.
ثم ما كان فيه الصحيحُ فهو أجلَّ(٢)، مثل: مصنف عبد الرزاق، ومصنف
ابن أبي شيبة، ومصنف بَقيِّ بنِ مَخْلَدٍ، وكتاب محمد بن نصر المروزي (٣)،
وكتاب ابن المنذر.
ثم مصنَّف حماد بن سَلَمة، ومصنَّف سعيد بن منصور، ومصنف وكيع،
ومصنف الفِرْيابي، وموطأ مالك، وموطأ ابن أبي ذئب، وموطأ ابن وهب،
ومسائل ابن حنبل، وفقه أبي عبيد، وفقه أبي ثور (٤).
[ب]
(١) هو الإمام الحافظ الصدوق أحمد بن حازم بن أبي غَرَزَة الغفاري الكوفي، توفي
آخر سنة ٢٧٦، له مسند كبير، ترجمته في ((السير)» ١٣: ٢٣٩، وتنظر مصادر تعليقه،
وتحرف هذا الاسم في النسخ إلى: عروبة، ونحوه، وصوابه ما أثبته من حاشية و.
(٢) هذه الجملة ((ثم .. أجلَّ)) على أهميتها ليست في نقل الذهبي، وفي موقعها
خلل، وهي أولى أن تكون بعد قوله ((صرفًا))، والتمثيل الذي في قوله: ((مثل: مصنف
عبد الرزاق .. )): مرتبط بقوله: ((ثم بعدها الكتب التي فيها كلامه وكلام غيره)).
(٣) لم أقف على كتاب معيَّن لابن نصر يصلح أن يراد هنا في هذا السياق.
أما ابن المنذر: فالظاهر أن ابن حزم يريد كتابه «المبسوط في معرفة السنن
والإجماع والاختلاف))، الذي اختصره في ((الأوسط)). ثم اختصر ((الأوسط)) في
((الإشراف)).
(٤) هنا ينتهي نقل الذهبي عن ابن حزم، وما بعده فليس عند الذهبي، وعلَّق
=

٤٠٤
الأول : الصحيح
[ش]
وما كان من هذا النمَط مشهورًا، كحديث: شعبة، وسفيان، والليث،
والأوزاعي، والحميدي، وابن مهدي، ومسدّد، وما جَرَى مَجْراها.
فهذه طبقة ((موطأ)) مالك، بعضُها أجمعُ للصحيح منه، وبعضُها مثلُه،
وبعضها دونه.
ولقد أحصيتُ ما في حديث شعبة من الصحيح فوجدتُه ثمان مئة حديث
ونيفًا مسنَدةً، ومرسلاً يزيد على المئتين، وأحصيتُ ما في ((موطأ)) مالك، وما
في حديث سفيان بن عيينة، فوجدت في كلِّ واحدٍ منهما من المسند خمس مئة
ونيفًا مسنداً، وثلاث مئة مرسلاً ونيفًا، وفيه نيف وسبعون حديثاً قد تَرَك مالكٌ
نفسُهُ العملَ بها(١)، وفيه أحاديثُ ضعيفةٌ وهَّاها جمهور العلماء. انتهى ملخصًا
(ت)
عليه تعليقًا مهمًا فقال: ((قلت: ما أنصف ابن حزم، بل رتبة ((الموطأ) أن يُذكَر تِلْو
الصحيحين، مع ((سنن)) أبي داود والنسائي، ولكنه تأدب وقدَّم المسندات النبوية
الصِّرْف، وإن لـ ((الموطأ)) لَوَفْعًا في النفوس، ومهابة في القلوب لا يوازنها شيء)).
(١) قال الإمام ابن فرحون المالكي رحمه الله تعالى في كتابه العظيم النفع ((تبصرة
الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام)) ١: ٥٠: ((إن (المشهور) هو مذهب
((المدوَّنَة)»، وقد يعضد القولَ الآخر حديثٌ صحيح، وربما رواه مالك ولا يقول به،
لمعارضٍ قام عند الإمام لا يتحقَّقَه هذا المقلِّد، ولا يظهر له وجه العدول عنه .. وقد صنف
الإمام ابن حزم كتابًا اعترض فيه على الإمام مالك رضي الله تعالى عنه في الأحاديث التي
رواها ولم يعمل بها، وسرد الأحاديث، وشَنَّع عليه في ذلك، ووقفت على الجواب عن
ذلك للقاضي أبي إسحاق بن عبد الرفيع التونسي، فلا يلزم من عدم اطلاعهم على المعارض
انتفاؤه)»، وانظره، فإن في كلامه الذي طويته فوائدَ لا تهمُّ ما نحن فيه هنا.
لكن لا بدّ من إزالة اشتباه. إن روايةَ الإمام حديثًا صحيحًا، وتركَه العملَ به:
=

٤٠٥
الأول : الصحيح
الثالثة : الکتبُ المخرَّجة على الصحیحین .
[ش]
من كتابه ((مراتب الديانة))(١).
(الثالثة) من مسائل الصحيح: (الكتب المخرَّجة على الصحيحين)
كـ((المستخرج))(٢) :.
[ب]
موقف ذو حدَّين، يحتمل مؤاخذةَ الإمام على تركه العمل به، ويحتمل الدفاعَ عن
الإمام لتركه العمل به، فنظر ابن حزم إلى الاحتمال الأول، وكان حقًّا عليه أن ينظر
إلى الاحتمال الثاني.
ففي ((ترتيب المدارك)) ١: ٤٤: ((قال مالك: رأيت محمد بن أبي بكر بن عمرو
ابن حزم، وكان قاضيًا، وكان أخوه عبد الله كثيرَ الحديث رجلَ صدق، فسمعت
عبد الله إذا قضى محمد بالقضية قد جاء فيها الحديث مخالفًا للقضاء يعاتبه ويقول له:
ألم يأتِ في هذا حديثُ كذا؟ فيقول: بلى، فيقول أخوه: فما لكَ لا تقضي به؟ فيقول:
فأين الناسُ عنه؟ يعني: ما أجمع عليه من العلماء بالمدينة. يريد: أن العمل بها أقوى
من الحديث، وقال ابن المعذَّل: سمعت إنسانًا سأل ابنَ الماجشون: لم رويتم
الحديث ثم تركتموه؟ قال: لِيُعْلَم أنّا على علم تركناه)).
(١) على حاشية ك: بلغ.
(٢) [قال الشارح في ((شرح ألفيته)) - ٩١٦:٣ -: ((فوائد: الرابعة: لهم:
المُسْتَخرج، والمُخَرَّج، والمَخْرَج، والتخريج. وأصل الاستخراج في اللغة:
الاستنباط، والمستخرَج اسم مفعول منه، سُمِّي به هذا النوع من التأليف لأنه استنباطُ
طرقٍ أحادیثِ الكتاب المستخرج عليه.
[وقد يطلق عليه المُخَرَّج - بالتشديد - كما وقع في عبارة ابن الصلاح.
[وأما المَخْرَج - بسكون الخاء وتخفيف الراء -: فأصله في اللغة مكان الخروج،
أُطلق على الموضع الذي يَرِدُ منه الحديث. قال ابن العربي: مخرج الحديث: الرواة
=

٤٠٦
الأول : الصحيح
الذين رَوَوَه وجاء عنهم، فإذا جاء - مثلاً - من رواية راوٍ قد اشتهر بروايةِ حديثٍ أهلِ
بلده، كقتادة في البصريين، وأبي إسحاق السَّبيعي في الكوفيين، وعطاء في المكيين،
وأمثالهم : كان مخرجه معروفًا، وإذا جاء عن غيره: كان مخرجه شاذًّا.
[وأما التخريج: فمصدر: خرَّج فلانًا في الأدب فتخرَّج، أُطلِقٍ في الاصطلاح
على معنيين: أحدهما: إيراد الحديث بإسناده في كتاب أو إملاء، ومنه قولهم :
خرَّجه البخاري ومسلم، وهذه العبارة تقع للمغاربة كثيرًا، وأكثر ما يقول غيرهم :
أخرج، بالهمزة. والثاني: عزو الأحاديث إلى من أخرجها من الأئمة، ومنه: الكتب
المؤلفة في تخريج أحاديث ((الإحياء))، والرافعي، وغير ذلك، تُسَمَّى تخاريج، وكأنه
من باب مجاز الملابسة، أو على حذف مضاف، أي: بيان التخاريج.].
وقوله رحمه الله: إن كلمة (خرَّج) يستعملها المغاربة: فائدة جديدة. وقوله ((أکثر ما
يقول غيرهم: أخرج)): هذا واضح معلوم، ومن غير (الأكثر): الحافظ ابن رجب: فإنه
يعبِّر في كتبه كلها باطُراد: خرَّج، وتَرِد كثيرًا في كلام شيخه ابن القيم، ومن قبله: شيخه
ابن تيمية، ويُكثر من استعمالها أيضًا: ابن ناصر الدين الدمشقي، رحمهم الله تعالى.
والنقل عن ابن العربي: من ((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر ١: ٤٠٥.
وتعريف الشارح للاستخراج بالاستنباط، وللتخريج في اللغة بـ:خرَّج فلانًا ..:
هذا هو لفظ ((القاموس المحيط)). وأما عبارة ابن الصلاح التي استعمل فيها (المخرَّج)
بدل (المستخرج): فهي قوله أول الفائدة الخامسة من فوائد الحديث الصحيح:
((الكتب المخرَّجة على كتاب البخاري أو كتاب مسلم .. )). وقد تابعه عليها الإمام
النوويُّ ۔ کما تراه أمامك ۔ وغیرُه.
والمعنى الثاني للتخريج - عزو الأحاديث إلى من أخرجها من الأئمة -: يلاحظ
فيه الاقتصار على العزو فقط، دون أيّ عمل آخر، فمن قال في تخريجه لأحاديثِ
کتاب ما: حدیث کذا: رواه فلان، وسکت، فقد خرَّج الحدیث.
وهل يلزمُ - أيضًا - الكلامُ على الحديث تصحيحًا وتضعيفًا؟ إن تمثيل الشارح في
=

٤٠٧
الأول : الصحيح
تمام كلامه بالكتب المؤلفة في تخريج أحاديث ((الإحياء))، والرافعي: يشعر بذلك،
وكذلك قوله رحمه الله في مقدمة كتابه ((الجامع الصغير)): ((وبالغت في تحرير
التخريج»: فإنه مشعر بذلك، لأن مما عمله فيه: حكمه على أحاديثه بالصحة والحسن
والضعف، وإن كان لا يُعتمد على المطبوع منها في جميع طبعات ((الجامع الصغير)).
وقال المناوي في شرح هذه الجملة منه ١: ٢٠ - ٢١ أي: ((اجتهدت في تهذيب
عزو الأحاديث إلى مخرجيها من أئمة الحديث، من الجوامع والسنن والمسانيد، فلا
أعزو إلى شيء منها إلا بعد التفتيش عن حاله وحال مخرجه، ولا أكتفي بعزوه إلى من
ليس من أهله، وإنْ جَلَّ، كعظماء المفسِّرِين، وكأكابر الفقهاء، فإن الصدر الأول من
أتباع المجتهدين لم يعتنوا بضبط التخريج وتمييز الصحيح من غيره .. ))، فأفاد أن
الحكم بالصحة والضعف من جملة التخريج.
ثم نَقَل ١: ٤١ آخر شرح الحديث الثالث، عن الإمام العلائي قوله: ((على مَن
ذكر حديثًا اشتمل سندُه على من فيه ضعف أن يوضح حاله، خروجًا عن عهدته
وبراءته من ضعفه».
وقال السخاوي في ((فتح المغيث)) ٣: ٣٣٠: ((والتخريج: إخراجُ المحدث
الأحاديث من بطون الأجزاء والمشيخات والكتب ونحوها، وسياقُها من مرويات
نفسه، أو بعض شيوخه، أو أقرانه أو نحو ذلك، والكلامُ عليها، وعزوُها لمن رواها
من أصحاب الكتب والدواوين، مع بيان البدل والموافقة ونحوهما. وقد يُتَوسَّع في
إطلاقه على مجرد الإخراج والعزو)).
فقوله ((والكلامُ عليها)): يشير إشارة إلى الكلام على الحديث صحة وضعفًا، لكن
ليس على سبيل اللزوم، بدليل قوله أخيراً: ((وقد يتوسَّع في إطلاقه على مجرَّد
الإخراج والعزو)).
وقال الشهاب الخفاجي في ((نسيم الرياض)) ١: ٣٥٥: ((التخريج عند المحدثين
أن يجد حديثًا في كتاب فينقلَه مسنداً، مبيّنا حالَه في الصحة وضدها، أو غيرَ مسند)).
=

٤٠٨
الأول : الصحيح
[ش]
للإسماعيلي(١)،
وسيعرِّف الشيخُ ابنُ العجمي التخريج بنحو تعريف الخفاجي، ويشاركه في جعل
الحكم على الحديث جزءًا من التخريج، فانظره.
لكن يبقى ما حكاه السخاوي من ((التوسع في إطلاقه على مجرد الإخراج
والعزو))، ويؤيده ما نقله الشارح في ((البحر الذي زخر)) ٣: ٩٣٧ عن الزركشي:
((وغاية المخرِّج: أن ينقل الحديث من أصل موثوق بصحته، وینسبه إلى من رواه»،
وسيأتي هذا النص في نقل الشارح ص٥١٨ في مبحث دعوى ابن خير الإجماع، وفيه
جملة زائدة مهمة، لكنها ليست في ((البحر)) عن الزركشي.
(١) [هو الإمام أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس بن مِرْداس
الإسماعيلي، أحد الأئمة، وكبير الفقهاء [الشافعية] بنواحي جرجان، وشيخ المحدثين
والفقهاء، وأجلّهم في الرئاسة والمروءة والسخاء، صنف ((الصحيح))، و((مسند عمر))،
و((المعجم))، وتوفي سنة ٣٧١. ابن ناصر الدين - ((التبيان)) ٢: ١٢٥ -. ].
وقد رَفَع ابن ناصر الدين نسبه إلى العباس فقط، فزاد الشيخ ابن العجمي: ((بن
مرداس))، وهي ثابتة عند الإمام السمعاني في ((الأنساب)) ١: ١٥٢، لكن السمعاني
رحمه الله زاد ونَّه لئلا يحصُل اشتباه، فقال: ((وليس بالسُّلَمي))، أي: ليس هذا الجدُّ
بالعباس بن مرداس السلمي الصحابي المشهور رضي الله عنه، ولولا هذا التنبيه
الجزمتُ بسقوط أكثرَ من رجل من عمود نسبه، ولحصل استغراب أيضًا: لمَ آثَروا
النسبةَ إلى جدِّ الأدنى: إسماعيل، دون النسبة إلى جد أبيه العباس، فإنه صحابي !.
والمترجَم من فقهاء السادة الشافعية، لذا ترجمه التاج السبكي في ((طبقاته)) أول
المجلد الثالث، وابن قاضي شهبة ١: ١٣٩ (٩٣) وغيرهما. وأحفل ترجمة له هي عند
تلميذه حمزة السَّهمي في ((تاریخ جرجان)) ص٦٩ - ٧٧.
ويريدون من كتابه ((الصحيح)) مستخرجه على صحيح البخاري، المشار إليه هنا،
=

٤٠٩
الأول : الصحيح
[ش]
وللبَرْقاني(١)، ولأبي أحمد الغِطْريفي، ولأبي عبد الله ابن أبي ذُهْل، ولأبي بكر
[ب] -
وفي مقدمة (معجم شيوخ الإسماعيلي)) ١: ١٦٨ - ١٧٨ دراسة عنه.
وأما ((مسند عمر)): فقد قال فيه الذهبي في ترجمة الإسماعيلي من («تذكرة
الحفاظ)» ٣: ٩٤٨: ((مسند عمر رضي الله عنه هذَّبه في مجلدين، طالعته وعلّقت منه،
وابتهرت بحفظ هذا الإمام، وجزمت بأن المتأخرين على إياس من أن يلحقوا
المتقدمين في الحفظ والمعرفة)).
وأما ((معجم شيوخه)): فقد ترجم فيه ٤٠٠ شيخ وعشرة شيوخ، لا ((لنحو ثلاث
مئة شيخ))، كما في ((السِّير)) ١٦: ٢٩٣.
(١) [هو الحافظ الفقيه أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب أبو بكر الخوارزمي
البَرْقاني الشافعي، روى عنه الصُّوري والبيهقي وأبو إسحاق الشيرازي، صنف ((مسندًا))
ضمَّنه ما اشتمل عليه ((صحيح)) البخاري، ومات ببغداد سنة ٤٢٥.].
والباء من نسبته مفتوحة، وحكى ياقوت ١: ٣٨٧ عن بعضهم كسرها، وقال
السخاوي ١: ٦٩ بتثليثها.
و((المستخرج)) المذكور في كلام الشارح، و((المسند)) المذكور في كلام ابن
العجمي: كتاب واحد، لا كتابان، وقد صرّح الخطيب في ((تاريخه)) ٦: ٢٦، والذهبي
في ((السير)) ١٧: ٤٦٥، و((تاريخ الإسلام)) ٩: ٤٠٣، وابن ناصر الدين في ((التبيان))
٢: ١٧١، والسخاوي ١: ٦٩، صرحوا بأن ((مستخرجه)) - أو ((مسنده)) - على
الصحيحين، لا على البخاري فقط، كما هو في كلام الشارح، وتعليق ابن العجمي.
ومما يفيد التنبيه إليه - وإنْ بَعُدت المناسبة -: أنه يروي عن الدارقطني رجلان: أبو
بكر البَرْقاني هذا، وأبو منصور التَّوْقاني، واسمه محمد بن محمد بن أحمد، وكانت وفاته
سنة ٤٤٨، ولا تعرف لأبي بكر البرقاني رواية لـ((سنن)) الدارقطني، إنما الرواية لأبي
منصور النَّوْقاني، كما في ((المشتبه)) للذهبي ٢: ٦٥٠، و((السير)) له ١٨: ٦، و((تبصير
=

٤١٠
الأول : الصحيح
[ش]
ابن مَرْدُويه: على البخاري.
ولأبي عَوَانة الإِسْفَرايني(١)، ولأبي جعفر ابن حمدان، ولأبي بكر محمد
ابن رجاء النيسابوريَّيْن، ولأبي بكر الجَوْزَقي(٢)، ولأبي حامد الشاركي، ولأبي
[ب] -
المنتبه)) ١: ١٤٣، و((المجمع المؤسّس)) ٢: ٤٤٥، و((المعجم المفهرس)) ص ٤٧: ثلاثتها
لابن حجر، و «توضیح المشتبه» لابن ناصر الدین ١: ٤٥٩.
وقد حَصَل اشتباه وتحريف على شمس الحق العظيم آبادي في مقدمة تعليقاته على
((سنن)) الدار قطني ١: ١٠ - من طبعة السيد اليماني، وحُذفت من طبعة مؤسسة الرسالة -،
فجعل راوية ((السنن)) أبا بكر البرقاني، وأكَّد ذلك للقارئ بأنْ ترجمه، وضبطه، ووصف
روايته بالاختلاف مع الروايات الأخرى، مما لا يَدَع مجالاً للقارئ أن يشك بأنه غيره!
والصواب أنه أبو منصور النوقاني - بفتح النون، ويجوز ضمها - لا غير.
(١) [أبو عَوَانة: بفتح العين المهملة، وبعد الألف نون، يعقوب بن إسحاق،
الإمام الحافظ.].
والواو مخففة. وكانت وفاته سنة ٣١٦، وتقدم ص ١٥٧ أن في ضبط نسبته
وجوهًا عديدة.
(٢) [الجَوْزَقي: بفتح الجيم، وسكون الواو، وفتح الزاي، ثم قاف، نسبة إلى
موضعين : الأول: جَوْزَق نيسابور، منها : أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد بن
زكريا النيسابوري، صاحب كتاب ((المتفق))، مات ٣٨٨. والثاني: جَوْزَق هَرَاة،
منها: أبو الفضل إسحاق بن أحمد الهروي الحافظ، مات سنة ٣٥٨.].
هذا نقلٌ وتلخيصٌ من ((اللباب)) لابن الأثير ١: ٣٠٩، ومن أصله ((الأنساب)) ٢:
١١٩، نقلاً عن ((تاريخ نيسابور)) للحاكم، لكن التاريخ الأول الذي أثبتُّه لوفاة أبي بكر
سنة ٣٨٨ هو الصواب، كما في المصدرين المذكورين وغيرهما، وتحرف في قلم ابن
=

٤١١
الأول : الصحيح
العجمي إلى: ٢٨٣.
ولأبي بكر الجوزقي كتابان: ((المتفق)) مشهور، و((المتفق الكبير)) في ثلاث مئة
جزء. هكذا قال الذهبي في ((تاريخ الإسلام)) ٨: ٦٤٠، ونحوه في ((السير)) ١٦: ٤٩٤،
و((طبقات الشافعية)) للسبكي ٣: ١٨٥، ولفظه في ((تذكرة الحفاظ)) ٣: ١٠١٤: ((له
كتاب ((المتفق والمفترق))، وله كتاب ((المتفق الكبير))، يكون في ثلاث مئة جزء)).
وعبارة (المتفق والمفترق) لا تنصرف عند أهل هذا العلم إلا إلى النوع المعروف
في علوم الحديث، وهو النوع الرابع والخمسون عند ابن الصلاح، ومن معه، وبهذا
جزم السيد الكتاني في ((الرسالة المستطرفة)) ص١١٥. والله أعلم.
ووصفوا ((المتفق الكبير)) بأنه أبسط من هذا، وهذا الوصف يعني أنهما في
موضوع واحد، وعلى هذا: فالمتفق الكبير كتاب أعجوبة غاية! إذ هو في ثلاث مئة
جزء، وقدَّر الذهبي في ((السير)) ٢٠: ٥٥٨ الجزء بعشرين ورقة، فيكون الكتاب في
/ ٦٠٠٠/ ورقة = / ١٢٠٠٠/ صفحة !!.
لكن يعكر على هذا كلام الحافظ في ((النكت على ابن الصلاح)) ١: ٢٩٧ أن
((الجوزقي ذكر في كتابه المسمى بـ ((المتفق)) أنه استخرج على جميع ما في الصحيحين
حديثًا حديثًا، فكان مجموع ذلك: خمسة وعشرين ألف طريق وأربع مئة وثمانين
طريقًا)). وهذا يعني أن (المتفق) في ما يسمونه: الأحاديث المتفق على روايتها بين
الشيخين، ثم زاد الحافظ هذا المعنى تأكيدًا في ١: ٣٦٤ بقوله رحمه الله: المتفق عليه
هو ما اتفقا على تخريجه من حديث صحابي واحد، وهذه طريقة المحدثين، فإذا
اختلف الصحابي فالظاهر أنهم لا يعدّونه متفقًا عليه، إلا أن الجوزقي أطلق المتفق
عليه على عدد من أحاديث كتابه ((كتاب المتفق)) مع اختلاف الصحابي، وهذا يتمشى
على طريقة الفقهاء.
وخلاصة ذلك: أنهما كتابان في موضوع واحد، والأقرب أن يقال: هما في
المتون لا في الرواة، ولعل الكتاب الذي طبع باسم «الصحيح من الأخبار المجتمع
=

٤١٢
الأول : الصحيح
[ش]
الوليد حسان بن محمد القرشي، ولأبي عمران موسى بن العباس الجُوَيْني،
ولأبي النضر الطّوسي، ولأبي سعيد بن أبي عثمان الحِيري: على مسلم.
ولأبي نُعيم الأَصْبَهاني(١)، وأبي عبد الله ابن الأَخْرم، وأبي ذر الهرَوي،
وأبي محمد الخلاَّل، وأبي علي الماسَرْجِسي، وأبي مسعود سليمان بن إبراهيم
الأَصْبَهاني، وأبي بكر اليَزْدي (٢): على كلّ منهما.
[ب] -
على صحته البخاري ومسلم)) هو ((المتفق)) المختصر.
كما أن قول الحافظ ((استخرج على جميع ما في الصحيحين)) أقرب إلى الاعتماد
من قول الذهبي ومن تبعه: صنف المستخرج على صحيح مسلم. والله أعلم.
(١) [أبو نعيم الأَصْبَهاني الحافظ أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن
موسى بن مِهْران، توفي سنة ٤٣٠.].
هو صاحب ((حلية الأولياء))، و((تاريخ أصبهان)) وغيرهما كثير، عُمِّر أربعًا
وتسعين سنة. والأكثر على فتح همزة أصبهان، وضبطها بعضهم بالكسر، والباء
مفتوحة على الوجهين، كما في ((معجم البلدان)) ١: ٢٠٦، وغيره. ويقال فيها:
أصفهان، ففي ((لَقْط الدرر)) ص٢٣: ((بكسر الهمزة، وبفاء مفتوحة ومكسورة، في لغة
أهل المشرق، وبالباء الموحدة مكسورة ومفتوحة، عند أهل المغرب)). وانظر
((القاموس المحيط))، مادة: (أص ص) صفحة ٧٨٩، وشرحه، والباء الفارسية تشبه
الفاء في النطق، كما هو - أيضًا - في نسبة: البُوشَنْجي، والفُوشَنْجي.
(٢) هو الإمام أحمد بن علي بن محمد ابن مَنْجُوْيَهْ الأصبهاني، المتوفَّى أول
سنة ٤٢٨، وهو صاحب ((رجال صحيح مسلم)) المطبوع في مجلدين. وتحرَّفت نسبة
اليزدي في ((الرسالة المستطرفة)) ص ٣٠ إلى: البردي.
ثم، إن المستخرجات على الصحيحين تزيد على ما ذكره الشارح، فتنظر في

٤١٣
الأول : الصحيح
[ش]
ولأبي بكر ابن عَبدان الشيرازي عليهما في مؤلّف واحد.
وموضوع المُسْتَخْرَج - كما قال العراقي(١) -: أن يأتيَ المصنفُ إلى الكتاب
فيخرجَ أحاديثَه بأسانيدَ لنفسه، من غيرِ طريقِ صاحبِ الكتاب، فيجتمعَ معه في
شیخه أو من فوقه.
قال شيخ الإسلام(٣): وشَرطُه أن لا يَصِلَ إلى شيخٍ أبعدَ حتى يَفْقِدَ سنداً
يُوصِله إلى الأقرب، إلا لعذرٍ: من علوٍّ، أو زيادةٍ مهمة.
قال: ولذلك يقولُ أبو عَوَانة في ((مستخرَجه)) على مسلم بعد أن يسوقَ
طُرُقَ مسلمٍ كلَّها: من هنا لمخرجه، ثم يسوقُ أسانيدَ يجتمع فيها مع مسلم فيمن
فوق ذلك، وربما قال: من هنا لم يخرجاه.
قال: ولا يُظَنُّ أنه يعني البخاريَّ ومسلمًا، فإني استقريتُ صنيعَه في ذلك
فوجدتُه إنما يعني مسلمًا وأبا الفضل أحمدَ بنَ سلمة، فإنه كان قرينَ مسلم،
((الرسالة المستطرفة))، مع أنه لم يَستوفِ ولا حاول.
ومن المستخرجات: مستخرج أبي سعد علي بن موسى بن محمد السكري
النيسابوري، المولود سنة ٤٠٩، والمتوفى سنة ٤٦٥ رحمه الله، ترجم له ابن النجار في
((ذيل تاريخ بغداد)) ٤: ٢١٩ - ٢٢٢، وقال آخر ترجمته: ((خرج على الصحيحين كتابًا)).
(١) في ((شرح ألفيته)) ص١٨.
(٢) ((النكت الوفية)) ١٤٥:١، ثم قال ١: ١٤٩: ((وربما لم يقع له - أي
للمستخرج - بعض الأحاديث إلا بنزول، فيرويه كذلك))، وانظر ١: ١٧٢ من مقدمة
((معجم شيوخ الإسماعيلي)) للدكتور زياد منصور، بل تنظر هناك دراسة للمستخرج
كاملة، ففيها أمثلة على هذه الصور وغيرها.

٤١٤
الأول : الصحيح
لم يُلْتُزَم فيها موافقتُهما في الألفاظ، فحصلَ فيها تفاوتٌ في اللفظ
والمعنى، وكذا ما رواه البيهقي، والبغوي، وشِبهُهُما، قائلينَ: رواه
البخاري أو مسلم: وقَعَ في بعضه
[ش]
وصنَّف مثلَ مسلم.
وربما أسقط المستخرِج أحاديثَ لم يجدْ له بها سندًا يَرْتَضيه، وربما ذَكَرها
من طريقِ صاحبِ الكتاب.
ثم إن المستخرَجات المذكورة (لم يُلْتَزَم فيها موافقتُهما) أي: الصحيحين
(في الألفاظ)، لأنهم إنما يَروون بالألفاظ التي وَقَعَت لهم عن شيوخهم،
(فحصلَ فيها تفاوتٌ) قليلٌ (في اللفظ، و) في (المعنى) أقلّ.
(وكذا ما رواه البيهقي) في ((السنن))، و((المعرفة)) وغيرهما، (والبغوي) في
(شرح السنة))(١)، (وشِبهُهُما، قائلينَ: رواه البخاري أو مسلم: وَقَعَ في بعضه)
(ب)
(١) كثيرًا ما يروي البيهقيُّ والبغويُّ - وغيرُهما ممن قبلهما وممن بعدهما -
أحاديث بأسانيدهم من طريق البخاري أو مسلم، أو أبو داود عن شيخه الإمام أحمد،
وهكذا، فالمتون التي يذكرونها هي المتون حسب الروايات المسموعة لهم، وقد تتفق
مع المطبوع المتداول، وقد تختلف قليلاً في الغالب، وقد تختلف اختلافًا مَرَدُّه إلى
اختلاف الطبعات.
ولكنهم كثيراً ما يروون حديثًا بإسنادهم الخاص، ويقولون في آخره: رواه
البخاري أو مسلم .. ، فهذه هي الحال التي يتكلم عنها الشارح هنا، فإن التفاوت
محتمل احتمالاً كبيراً، إذ يريدون أصل الحديث، لا لفظه.
وهذا الاحتراس واجب في كل نقل، من أي كتاب يجمع الأحاديث من أكثر من
كتاب، فلا يصح اعتماد لفظ حديثٍ ما، من أي كتاب كان، إلا إذا صرَّح المصنف
=

٤١٥
الأول : الصحيح
تفاوتٌ في المعنى، فمرادُهم أنهما رَوَيَا أصلَه، فلا يجوز أن تنقُلَ منها
حديثًا وتقولَ: هو كذا فيهما إلا أن تُقابِلَه بهما، أو يقولَ المصنف :
أخرجاه بلفظه، بخلاف المختصَرات من الصحيحين، فإنهم نقلوا فيها
ألفاظهما .
[ش]
أيضًا (تفاوتٌ في المعنى) وفي الألفاظ، (فمرادُهم) بقولهم ذلك: (أنهما رَوَيا
أصلَه) أي: أصلَ الحديث دون اللفظ الذي أوردوه، وحينئذ (فلا يجوز) لك
(أن تنقُلَ منها) أي: من الكتب المذكورة من المستخرجات وما ذُكِرِ (حديثًا
وتقولَ) فيه: (هو كذا فيهما) أي: الصحيحين (إلا أن تُقابِلَه بهما، أو يقولَ
المصنف: أخرجاه بلفظه، بخلاف المختصَرات من الصحيحين، فإنهم نقلوا
فيها ألفاظهما) من غير زيادة ولا تغيير، فلك أن تنقلَ منها، وتعزوَ ذلك
بأن هذا لفظ فلان، ومع ذلك فاختلاف الروايات والطبعات وارد جداً، بل: اختلاف
روايات الروايات، أقصد: رواية اللؤلؤي - مثلاً - لأبي داود، تختلف عن رواية ابن
داسه، ورواية الرُّوذْباري التي عند البيهقي عن ابن داسه، تختلف قليلاً عن رواية
السمرقندي، عن ابن داسه نفسه، كما نبهت إلى هذا في مقدمتي لـ ((سنن)) أبي داود
ص٢٢ - ٢٣ (النقطة الخامسة).
وكتاب ((الترغيب والترهيب))، و((رياض الصالحين))، و((جامع الأصول))، وكتب
التخاريج: مثل ((الجامع الصغير)) و((الجامع الكبير)) للشارح، وتخريج ((الإحياء)) للعراقي،
و((المقاصد الحسنة)) للسخاوي، ونحوها: كلَّها لا يصح الاعتماد على ألفاظها في
المواقف العلمية الدقيقة التي يَتَوقَّف البتُّ فيها على كلمة أو حرف معين، إلا بعد مراجعة
أصولها، وينظر لزاماً كلام ابن دقيق العيد في ((شرح الإلمام)) ١: ١٧١.
وهذا التنبيه مما يغفل عنه بعض الناس أو كثير منهم.

٤١٦
الأول : الصحيح
[ش]
للصحیح ولو باللفظ.
وكذا ((الجمع بين الصحيحين)) لعبد الحق(١).
[ب]
-
(١) عبد الحق: هو («الإمام الحافظ البارع المجوِّد العلامة أبو محمد عبد الحق
ابن عبد الرحمن الإشبيلي المعروف في زمانه بابن الخراط)» كما قاله الذهبي في
((السير)) ١٩٨:٢١ (٥١٠ - ٥٨١) رحمه الله تعالى، واشتهر كتابه ((الأحكام)) الصغرى،
والوسطى، و((الجمع بين الصحیحین)).
وينبغي التنبُّه إلى ما تقدم: من احتمال اختلاف النسخ والروايات، وتقدم ص
٣٦٥ الكلام على اختلاف رواية حماد بن شاكر وإبراهيم بن معقل النَّسَفِيَّيْنِ، مع رواية
الفِرَبْري، لصحيح البخاري.
ويُذْكَر هنا أيضًا ما حَصَل لرَزِين بن معاوية العبدري الأندلسي المتوفَّى سنة
٥٣٥، الذي جرَّد الكتب الخمسة - الأصول و((الموطأ)» - وجَمَعها في كتاب سماه
((تجريد الصحاح))، وذلك قبل عملٍ ابن الأثير في ((جامع الأصول))، فجاء في عمل
رَزين زياداتٌ اضطر ابن الأثير أن يذكرها معزوةً لرزين دون الكتب التي عزاها إليها،
كما هو معلوم، فأفاد رحمه الله وأدّى الزيادات على وجهها، وكذلك كان رزين
العبدري رحمه الله أمينًا في نقله، وما كان فيه ((خيانة للمسلمين))، كما قاله الشوكاني
في ((الفوائد المجموعة)) ص ٤٩، كعادته في إساءة الأدب!، وقد قال العلامة الحجة
المَقَّريُّ في ((نفح الطيب)) ٢: ٨: ((لأهل الأندلس غرائب لم يعرفها كثير من المحدثين،
حتى إن في ((شِفا)» عياض أحاديثَ لم يعرف أهل المشرق النقاد مخرجها، مع
اعترافهم بجلالةِ حفاظ الأندلس الذين نقلوها، كبقيّ بن مخلد، وابن حبيب
وغيرهما، كما هو معلوم)).
نعم، الدقة تقتضي الأخذَ من الأصول دون غيرها، وهذه الكتب التي ذكرتها
=

٤١٧
الأول : الصحيح
على سبيل المثال، وأمثالُها كثيرة، إنما هي مفاتيح للتخريج، ترشد الباحث إلى
مصادر الحدیث.
كما أن الدقة العلمية تقتضي أن نتوقف عن الحكم على الحديث الذي يُعْزى إلى
رَزين، فلا نحكم عليه بصحة ولا ضعف، حتى نقف على سنده، ومثال ذلك:
حديث: ((أفضل الأيام يوم عرفة وافق يوم جمعة، وهو أفضل من سبعين حجة))، ذكره
ابن الأثير في «جامع الأصول» (٦٨٦٧) وعزاه إلی رزین.
وموقفنا الذي لا يصح سواه: أن نتوقف عنه قبولاً أو ردّاً، وقد أشار العلامة عليّ
القاري في جزئه («الحظّ الأوفر)) إلى أن بعضهم ضعَّفه، وبنى على ذلك أن هذا لا
يضرّ، فالضعيف يُروى ويعمل به في الفضائل، أما ابن القيم فقال في ((زاد المعاد)) ١ :
٦٥ بعد ذكر عشرة وجوه لتفضيل يوم عرفة إذا وافق يوم جمعة، قال: ((باطل لا أصل
له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا عن أحد من أصحابه والتابعين)».
وفي كلا القولين وقفة ونظر، إلا إذا أحلنا قوليهما على أمر مغيَّب عنا، هو
احتمال وقوف كل منهما على سند رَزِين، فحكم عليه ذاك (البعض) بالضعف،
وحكم عليه ابن القيم بالبطلان! وتنظر مقدمة ((صحيح الجامع الصغير)) ص٥٤.
لكن في كلام صاحب هذه ((المقدمة)) ما يجب التنبيه إليه: إنه أنكر على عليّ
القاري وعبد الحي اللكنوي تسليمهما جدلاً بضعف الحديث، مع أنهما لم يقفا على
سنده، وهذا صحيح مسلّم، قد قلتُ عنه: فيه إثبات لمغيَّب، لكنه رضي من (العلامة
المحقق ابن القيم) قوله فيه: باطل لا أصل له، لا في المرفوع ولا الموقوف ولا
المقطوع! فلماذا؟ وكان ينبغي لابن القيم تقييد نفيه بنحو قوله: لم أقف عليه في
المرفوع وغيره، إلا إذا أحلنا الأمر - كما قدمتُ ـ على (مغيَّب) فقلنا: وقف ابن القيم
علی سند رزین، فحكم عليه بما حکم !.

٤١٨
الأول : الصحيح
[ش]
أما ((الجمع)) لأبي عبد الله الحُمَيَدي الأندلسي(١) ففيه زيادةُ ألفاظِ وتتمَّاتٌ
على الصحیحین بلا تمییز.
قال ابن الصلاح(٢): وذلك موجود فيه كثيرًا، فربما نَقَلَ من لا يميِّزْ بعضَ
ما يجدُه فيه عن الصحیح، وهو مخطئٌ، لكونه زيادةً ليست فيه.
قال العراقي(٣): وهذا مما أُنْكِرِ على الحميدي، لأنه جَمَعَ بین کتابین،
فمن أين تأتي الزيادة. قال: واقتضى كلامُ ابن الصلاح أن الزياداتِ التي تقع
في كتاب الحميدي لها حكم الصحيح، وليس كذلك، لأنه ما رواها
بسنده، كالمستخرِج (٤)، ولا ذَكَرَ أنه يزيد ألفاظًا واشترط فيها الصحة حتى
(١) [الحميدي: هو الحافظ أبو عبد الله محمد بن أبي نصر: فتوح بن عبد الله
ابن فتوح بن حميد الحميدي الأندلسي، صاحب «الجمع بين الصحیحین» وغيره من
التصانيف، سمع بالأندلس أبا محمد ابن حزم وغيره، وسمع أبا بكر الخطيب وغيره،
وتوفي ببغداد في ذي الحجة سنة ٤٨٨، وكان مولده قبل العشرين وأربع مئة. كذا في
((جامع الأصول)) . - ١٥ :٢٩٣ -].
(٢) أواخر الفائدة الرابعة صفحة ١٧. وقوله: فربما نَقَل من لا يميِّز ..: جاء في
الفائدة الخامسة صفحة ١٩.
(٣) في ((شرح الألفية)) ص ٢٠.
(٤) يفيد هذا من الحافظ العراقي أن ما يرويه أصحاب المستخرجات، له حكم
أحاديث المستخرج عليه، فمن استخرج على ((صحيح)) البخاري مثلاً، كان لأحاديثه
حكم الصحة، كأحاديث ((صحيح)) البخاري، وهذا رأي ابن الصلاح مِن قبله، لكن
سيأتي خلافه بعد قليل، فانظره.

٤١٩
الأول : الصحيح
[ش]
يُقَلَّد في ذلك.
قلت: هذا الذي نَقَلَه عن ابن الصلاح وقع له في الفائدة الرابعة(١)، فإنه
قال: ويَكْفي وجودُه في كتابٍ مَن اشترط الصحيح، وكذلك ما يُوجَد في الكتب
المخرَّجة: من تتمةٍ لمحذوف، أو زيادةٍ شرح، وكثيرٌ من هذا موجود في
((الجمع)) للحميدي. انتهى. وهذا الكلام قابلٌ للتأويل، فتأَمَّلْ.
ثم رأيتُ عن شيخ الإسلام قال(٢): قد أشار الحميدي إجمالاً وتفصيلاً إلى
ما يُبطِل ما اعتُرِض به عليه.
أما إجمالاً: فقال في خطبة ((الجمع))(٣): وربما زِدتُ زياداتٍ من تتماتٍ
وشرحٍ لبعضٍ ألفاظِ الحديث ونحو ذلك، وقفتُ عليها في كُتُّب من اعتنى
بالصحيح كالإسماعيلي والبَرْقاني.
وأما تفصيلاً: فعلى قسمين: جَلِيٍّ وخَفيِّ.
أما الجليُّ: فيسوقُ الحديثَ ثم يقول في أثنائه: إلى هنا انتهت رواية
البخاري، ومن هنا زاده البَرْقاني.
وأما الخفي: فإنه يسوقُ الحديث كاملاً أصلاً، وزيادة، ثم يقول: أما من
أوله إلى موضع كذا: فرواه فلان، وما عداه زاده فلان، أو يقول: لفظة كذا
(١) ((المقدمة)) صفحة ١٧، والفائدة الخامسة، ص ١٩ كما قدمتُه.
(٢) كما في ((النكت الوفية)) ١: ١٥٣. وكلام الحافظ في ((النكت على ابن
الصلاح)) ١: ٣٠٠ - ٣١٠ لا مزيد عليه، مع الأمثلة الكثيرة.
(٣) ((الجمع بين الصحيحين)) ١: ٧٤ - ٧٥ مختصراً.

٤٢٠
الأول : الصحيح
[ش]
زادها فلان، ونحو ذلك. وإلى هذا أشار ابن الصلاح بقوله: فربما نقل من لا
يميِّز، وحينئذ فلزياداته حكمُ الصحةِ، لنقله لها عمن اعتنى بالصحيح(١).
مهمة :
ما تقدَّم عن البيهقيِّ ونحوِه من عَزْوِ الحديثِ إلى الصحيح، والمرادُ أصلُه:
لا شك أن الأحسنَ خلافُه، والاعتناءُ بالبيان، حذراً من إيقاع مَنْ لا يعرف
الاصطلاحَ في اللَّبْس.
ولابن دقيق العيد في ذلك تفصيلٌ حسن(٢) وهو: أنك إذا كنتَ في مقام
الرواية فلك العزوُ ولو خالف، لأنه عُرِف أن جُلَّ قصدِ المحدِّث السندُ والعثورُ
على أصل الحديث، دون ما إذا كنتَ في مقام الاحتجاج، فمن رَوَى في
المعاجم والمَشْيَخات(٣) ونحوِها فلا حرج عليه في الإطلاق، بخلاف من أورد
[ب] -
(١) هذه النتيجة التي في قوله ((وحينئذ .. )): ليست في كلام ابن حجر في ((النكت
الوفية))، وليس المراد بـ: الصحة، في قوله ((حكم الصحة)): الصحةَ المطلقة، بل
المراد الصحة المتوفرة في المصدر المنقول عنه.
(٢) ينظر ((شرح الإلمام)) ١: ١٧١، والمنقول هنا نقله الحافظ في ((النكت على
ابن الصلاح)) ١: ٣١١، وهو تفصيل جيد لا بدَّ من التزامه، وقد نقل الحافظ الزيلعي
في ((نصب الراية)) ١ : ١١٦ كلامًا لابن دقيق العيد نحو هذا، ووجدت له نحوه أيضًا
في ((شرح الإلمام)) ١٧١:١.
(٣) [المشيخة: بفتح الميم، والتحتانية، بينهما شين معجمة ساكنة، وبفتح
الميم، وكسر المعجمة، وسكون التحتانية. كذا في ((الفتح)) - ١٠ : ١٨٥ (٥٧٢٩) -.
وعبارة ((المصباح)) - ش ي خ -: المشيخة: اسم جمع للشيخ، وجمعها مشايخ.].
=