Indexed OCR Text
Pages 321-340
٣٢١ الأول : الصحيح [ش] آخرون، ممن ضُعِّ أو اثُّهِم ببدعة، وطَرَح الرابعةَ، کما نص عليه. قال: والحاكم تأوَّل أن مراده أن يُفْرِد لكل طبقةٍ كتابًا، ويأتي بأحاديثها خاصةً مفردةً، وليس ذلك مراده. قال: وكذلك عللُ الحديثِ التي ذَكَر أنه يأتي بها، قد وَفَّى بها في مواضعها من الأبواب، من اختلافهم في الأسانيد، كالإرسال والإسناد، والزيادة والنقص، وتصاحيف المصحِّفين(١). قال: ولا يُعْتَرَضُ على هذا بما قاله ابنُ سفيانَ(٢) صاحبُ مسلم: إن مسلمًا [ب] - مسلم، ثم عياض، ثم النووي: طولٌ، وتلخيص عياض لكلام مسلم متفقٌ مع ما هو في مقدمة ((صحيحه))، إنما وقع الخلل في تلخيص النووي لكلام عياض، ومتابعة الشارح له، رحمهم الله، وليراجع كلامهم بتأنٌ. فالصواب: أتى بأحاديث الطبقة الثانية، وطرح الثالثة، وطرح الرابعة من باب أولى. (١) قال الإمام مسلم في ((مقدمة صحيحه)) ١: ٨: ((وسنزيد إن شاء الله تعالى شرحًا وإيضاحًا في مواضع من الكتاب عند ذكر الأخبار المعلّة إذا أتينا عليها في الأماكن التي يليق بها الشرح والإيضاح إن شاء الله تعالى)). فهذا نص صريح جدًّا منه أن في كتابه أخبارًا معلَّلة ینبِّه هو إلى عللها، وقد فعل رحمه الله وصرَّح بذلك في مواطن، وأشار ولم يصرِّح في مواطن أخرى. والأمثلة على ذلك تجدها فيما كتبتُه في مقدمة ((مصنف)) ابن أبي شيبة ١: ١٠٢ - ١٢١ أو ((دراسات الكاشف)) ١: ١٨٨ - ٢٠٦، وزدت عليها أمثلة أخرى تجدها ضمن «مجموع رسائل في علم الحدیث درایة». (٢) هو الفقيه الزاهد الثقة العابد إبراهيم بن محمد بن سفيان النيسابوري المتوفَّى سنة ٣٠٨ رحمه الله تعالى، وهو من أصحابِ أصحابِ الإمام محمد بن الحسن = ٣٢٢ الأول : الصحيح [ش] أخرج ثلاثةَ كتبٍ من المسنَدات، أحدُها: هذا الذي قَرأَه على الناس، والثاني: يُدْخِل فيه عكرمةَ وابن إسحاق وأمثالَهما، والثالث: يُدخِل فيه من الضعفاء، فإن ذلك لا يُطابِقِ الغرضَ الذي أشار إليه الحاكم مما ذكره مسلم في صدر کتابه. انتھی. قال المصنف(١): وما قاله عياض ظاهرٌ جدًّا. الرابعة : قال ابن الصلاح(٢): قد عِيبَ على مسلم روايتُه في ((صحيحه)) عن جماعة من الضعفاء والمتوسِّطين الذين ليسوا من شرط الصحيح، وجوابُه من وجوه: أحدُها: أن ذلك فيمن هو ضعيفٌ عند غيره، ثقةٌ عنده(٣). [ب] - الشيباني تلميذ الإمام أبي حنيفة رضي الله عنهم جميعًا، نقل ابن الصلاح ترجمته في مقدمة شرحه ص١٠٣ عن ((تاريخ نيسابور)) للحاكم، وعنه النووي في مقدمة شرحه أيضًا ص١٠، وترجمه القرشي في ((الجواهر)) ١: ١٠٣، والذهبي في ((السير)) ١٤ : ٣١١، و((تاريخ الإسلام)) ٧: ١٣٠، وفي الجزء الذي أفرده لـ((ترجمة الإمام مسلم ورواة صحیحه» ص ٣٥. (١) في مقدمة شرح مسلم ١: ٢٤، وكلام عياض في ١: ٨٦ - ٨٧. (٢) في ((صيانة صحيح مسلم)) ص٩٤، والنقل عنه بواسطة النووي أيضًا في مقدمة شرحه ص٢٤ باختصار، وصوَّبت بعض الكلمات منهما. (٣) [ولا يقال: الجرح مقدَّم على التعديل، لأن ذلك فيما إذا فُسِّر سببُ الجرح. وقد قال الخطيب - ((الكفاية)) ص ١٠٨ - وغيره: ما احتج به البخاري ومسلم وأبو داود من جماعة عُلم الطعنُ فيهم من غيرهم: محمولٌ على أنه لم يثبت الطعن = ٣٢٣ الأول : الصحيح [ش] الثاني: أن ذلك واقعٌ في المتابعات والشواهد لا في الأصول، فيذكُر الحديثَ أولاً بإسناد نظيف ويجعلُه أصلاً، ثم يُتْبِعِه بإسنادٍ أو أسانيدَ فيها بعضُ الضعفاء على وجه التأكيد والمتابعة(١)، أو لزيادة فيه تنبِّه على فائدة فيما قدّمه. الثالث: أن يكون ضعفُ الضعيف الذي اعتدَّ به طراً بعد أَخْذه عنه، [ت). المؤثِّر مفسَّرًا. ((شرح ألفيته)) . - ٢: ٥٧٥ - ٥٧٦ _. ]. وأصل الكلام لابن الصلاح، تصرَّف به النووي، وهذا النقل منه. وفيه مؤاخذات، سيأتي بيانها بعون الله عند الحديث على المسألة الرابعة من مسائل النوع الثالث والعشرين ٤: ٣٧. وتوضيح هذا الجواب أن يقال: إن مسلمًا رحمه الله إمام مجتهد في هذا الفن، ولا يجوز له تقليد غيره في جرح الرواة وتعديلهم، فمن أدّاه اجتهاده إلى توثيقه، وجَرَحه غيره، لا يجوز للإمام مسلم أن يعتدَّ بجرحه، وإلا لكان كل الرواة مجروحين إلا من اثُّفِق علی توثيقه، ولکان کل الرواة موثوقین إلا من اتفق علی جرحه. (١) «والمتابعة»: من و، وهو صحيح، والذي في كلام ابن الصلاح - والنووي -: ((بالمتابعة)). ثم قال ابن الصلاح بعد جملةٍ: ((وبالمتابعة والاستشهاد اعتذر الحاكم أبو عبد الله .. ))، وفي ((النسخ الأخرى: ((والمبالغة))، فكتب الشيخ ابن العجمي رحمه الله كالتصويب والتفسير لها: [بالمتابعة والاستشهاد]. ثم رأيت أن ما كتبه ابن العجمي منقول عن ((البحر الذي زخر)) ٢: ٥٧٨. والترتيب الذي ذكر ابن الصلاح أن مسلمًا يفعله في عَرْض أحاديث الباب: الإسناد النظيف أولاً، ثم ما فيه بعض الشيء: هذا في حالٍ، ولمسلم طريقة أخرى في حال أخرى، كما بَّنت ذلك بالأمثلة في مقدمة ((مصنف)) ابن أبي شيبة ١ : ١٠٢، أو ((دراسات الكاشف) ١٨٨:١، ثم ضمَّتُه في ((مجموع رسائل في علم الحديث دراية) مع زيادات. ٣٢٤ الأول : الصحيح [ش] باختلاط: كأحمد بن عبد الرحمن ابن أخي عبد الله بن وهب، اختلطَ بعد الخمسين ومئتين، بعد خروج مسلم من مصر(١). (ت) - (١) أسند هذا الاعتذار إلى مسلم الحاكم في ((المدخل إلى الصحيح)) ٤: ١٢٣، وعنه ابن الصلاح في ((صيانة صحيح مسلم)) ص٩٦. والذي اعترض على رواية مسلم عن أحمد هذا: هو إمام المحدثين في زمانه بنيسابور إبراهيمُ بن أبي طالب، من أقران الشيخين في كثير من شيوخهما، وكانت وفاته سنة ٢٩٥، انظر ترجمته الحافلة في ((السير)) ١٣ : ٥٤٧. وجاء في ((السير)) ١٢: ٥٦٨ ترجمة مسلم: (( .. سمعت إبراهيم بن أبي طالب يقول: قلت لمسلم: قد أكثرتَ في الصحيح عن أحمد بن عبد الرحمن الوَهْبي، وحاله قد ظهر! فقال: إنما نَقَموا علیه بعد خروجي من مصر)). ويُستفاد من هذا الخبر أيضًا: أنه إذا كان قد خفي على مثل هذا الإمام - إبراهيم ابن أبي طالب - دقة مسلم في حسن تلطّفه في الرواية عن هذا الراوي، فَلأَنْ تخفى دقائقه على أمثالنا من بابِ أولى. وهذه عبرة !. وجواب آخر بشأن اختلاط هذا الرجل، هو أن الاختلاط اختلاطان: اختلاط أوراقٍ وصحف، واختلاط حافظة وذاكرة، فالاختلاط المشهور هو الثاني، وأما الذي حصل لهذا الرجل فهو الأول، اختلطت عليه صحف مروياته، فروى ما فيها وهي مختلطة، فتكلموا فيه، ونبّههوه فتنبه، ورجع عما وقع فيه، فرجع العلماء إلى الثناء علیه. ودليل ذلك: ما قاله ابن أبي حاتم في ترجمة أحمد بن عبد الرحمن هذا في ((الجرح)) ٢ (٩١)، قال: ((سمعت أبا زرعة - وأتاه بعض رفقائي فحكى عن ابن أخي ابن وهب أنه رجع عن تلك الأحاديث - فقال أبو زرعة: إن رجوعه مما = ٣٢٥ الأول : الصحيح [ش] الرابع: أن يَعْلُوَ بالضعيف إسنادُه، وهو عنده من روايةِ الثقاتِ نازلٌ، فيقتصرَ على العالي ولا يطوِّل بإضافة النازل إليه، مكتفيًا بمعرفةِ أهلِ [ب] - يحسِّن حاله، ولا يبلغ به المنزلة التي كان قبل ذلك. قال: وسمعت أبي - أبا حاتم - يقول: كتبنا عنه وأمره مستقيم، ثم خلط بعد، ثم جاءني خبره أنه رجع عن التخليط، وسئل أبي عنه بعد ذلك فقال: كان صدوقًا))، وبهذا العَوْد الحميد إلى صحفه ومروياته اختلف حاله عن حال هشيم، وسفيان بن حسين، وسليمان بن كثير العبدي، الآتي خبرهم صفحة ٤٨١. فقول أبي حاتم: رجع عن التخليط، يشير إلى هذا القسم من الاختلاط، أما التخليط الحاصل في الذاكرة، فإنه يزداد مع الأيام، ولا يبرأ منه صاحبه في العادة، عافانا الله من ذلك بمنّه وكرمه، وينظر ما يأتي عن الاختلاط والمختلطين ٥: ٥٥٣. كتبت هذا، ثم وقفت على الكلام الطويل الذي جاء في كلام أبي عثمان البرذعي، آخر كتاب أبي زرعة ((أسامي الضعفاء ومن تكلم فيهم من المحدثين)) ٢: ٧١٦، وخلاصته: أن أحمد هذا تاب ورجع، وتثبَّتَ أبو عثمان من توبته، ثم بلغه أنه رجع إلى رواية ما تاب عنه، فذهب البرذعي إلى ذاك الرجل فقال له: نعم، حدثني بما تاب ورجع عنه، وأخذ مني درهمین علی ذلك !!. ونحو هذا يجده القارئ في آخر ترجمة أحمد هذا من ((تهذيب التهذيب)) ١ : ٥٦، وفيه تصریح راوي الخبر بكذب أحمد بن عبد الرحمن هذا. لكن لم يقف أحد ممن تكلم في هذا الرجل عند هذا الخبر، بل أعرضوا عنه: ابن عدي ١ : ٢٧٧، والذهبي في ((الكاشف)» (٥٦)، و((تذهيب التهذيب)) (٦٨)، وابن حجر في ((التقريب)) (٦٧) وغيرهم، إلا النسائي فإنه وقف عنده - والله أعلم - فقال في ((الضعفاء والمتروكين)) (٧٢): كذاب !. ٣٢٦ الأول : الصحيح [ش] الشأن ذلك(١). فقد رُوِّينا(٢) أن أبا زرعةَ أنكر عليه روايته عن أسباطِ بنِ نصرٍ، وقَطَن، [ب] - (١) نعم، وكونُ بعض أئمة أهل الشأن غاب عنه هذا المعنى فانتقد مسلماً: لا يعكِّر عليه، ولا يلزم أن يحصل لكل فردٍ، الانتباه لما يستحضره كل مصنّ في منهجه. (٢) الخبر في آخر ((الضعفاء)) لأبي زرعة الرازي، وهو حكاية طويلة حكاها راوية ((الضعفاء)) عنه: أبو عثمان سعيد بن عمرو البَرْذَعي ٢: ٦٧٥، ومن طريقه الحازميُّ في آخر ((شروط الأئمة الخمسة))، وغيرُهُ. والكلمة الأخيرة في القصة عند البرذعي والحازمي: وحدَّته، وعند النووي: وحَمِده. ولما نقل البرذعي لمسلم إنكار أبي زرعة قال له مسلم: ((إنما قلتُ: صحيح، وإنما أدخلت من حديث أسباط وقَطَن وأحمد ما قد رواه الثقات .. )). ويرى الإمام الضابط المتقن ابنُ رُشَيد رحمه الله تعالى في كتابه ((السَّنَن الأبين)» ص١٤١ أن الأقرب في ضبطها: إن ما قلتَ صحيح: ((أي: إن الذي قلتَه من إنكار أبي زرعة صحیح من أجل هؤلاء الرواة)). لكن إبقاء الكلام على الوجه الأول أولى، ليتناسب جوابه للبرذعي، مع جوابه لابن وَارَه المذكور هناك عقبه. والله أعلم. على أن لغير أبي زرعة أحكامًا أخرى تخالف حكمه على هؤلاء الثلاثة، فلتراجع تراجمهم في ((التهذيب)) وغيره. وثمة تنبيه لا بد منه: جاء في آخر كتاب ((تسمية من أخرجهم البخاري ومسلم)) ص٢٨١، زيادةٌ من رواية أبي بكر بن عِقال الصّقِلَّي - راوية الكتاب عن الحاكم - جاء فيها من رواية ابن عقال، عن شيخه أبي بكر بن إسماعيل بن إسحاق، عن («مكيّ بن عبدان قال: سمعت مسلم بن الحجاج يقول: لو أن أهل الحديث يكتبون مئتي سنة الحديث = ٣٢٧ الأول : الصحيح [ب] فمدارهم على هذا المسند. يعني: الصحيح. قال مكيّ: وسمعت مسلم بن الحجاج يقول: عرضت كتابي هذا المسند على أبي زرعة الرازي، فكل ما أشار عليّ في هذا الكتاب أن له علة أو شيئاً تركته، لقوله، وما قال: إنه صحيح وليس له علة: فهو هذا الذي أخرجتُه)). وذكر هذا الخبر: الجياني في ((تقييد المهمل)) ١: ٦٧، وابن الصلاح في ((صيانة صحيح مسلم)) ص٦٨، ٩٨ - وعنه النووي ١: ١٥، ٢٦ -، والذهبي في ((السير)) ١٢ : ٥٦٨، ٥٧٩، وابن حجر في ((مقدمة الفتح)) ص٣٤٧. قلت: كان لأبي زرعة موقف من كتاب مسلم، حكاه عنه تلميذه أبو عثمان البرذعي عقب كتاب أبي زرعة في ((الضعفاء)) ٢: ٦٧٤ - ٦٧٦، خلاصته: أن أبا زرعة اطلع على كتاب مسلم فانتقده بشدة في أمرين: أولهما: أن إفراده الصحیح في کتاب یمکِّن أهل البدع من إنکار أي حدیث لیس في هذا الكتاب، ويتخذون ذلك ذريعة لردّ ما صح من السنة سوى ما فيه. ثانيهما: أن مسلما روى فيه عن أسباط بن نصر، وأحمد بن عيسى المصري، وقَطَن بن نُسير، وهؤلاء ضعاف، بل أحمد بن عيسى متَّهم عند أهل بلده، ونقل هذا العتبَ البرذعيُّ لمسلم، فأجابه مسلم بما فيه مقنع وزيادة. لكن كيف يوفّق بين: أن مسلمًا أسقط من كتابه ما لم يرضه أبو زرعة وأبقى فيه ما رضيه، وبين هذا العَتْب الشديد؟. وأيضاً: جاء في السؤال (١٩٧٩) من ((علل)) ابن أبي حاتم: أنه سأل أبا زرعة عن حديث ((من نفَّس عن مؤمن كربة))؟ فقال أبو زرعة: الصحيح أنه من رواية الأعمش، عن رجل، عن أبي هريرة. والإشكال هنا: أن أبا زرعة أعلّ هذا، مع أن مسلمًا رواه في ((صحيحه)) ٢٠٧٤:٤ (٣٨ والذي بعده) من طريق أبي معاوية الضرير، وعبد الله بن نمير، وأبي أسامة، ثلاثتهم عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. وسئل عنه الدار قطني في ((علله)) أيضًا ١٨١:١٠ (١٩٦٦) فذكر الوجوه فيه، والإسناد الذي فيه الواسطة = ٣٢٨ الأول : الصحيح [ش] وأحمد بن عيسى المصري، فقال: إنما أدخلتُ من حديثهم ما رواه الثقاتُ عن شيوخهم، إلا أنه ربما وَقَع إليَّ عنهم بارتفاع، ويكونُ عندي من روايةٍ أوثقَ منه بنزولٍ، فأقتصر على ذلك. ولاَمَه أيضًا على التخريج عن سُوَيَد فقال: من أين كنتُ آتي بنسخةِ حفصٍ ابن مَيْسَرة بعلوّ(١)؟. [ب] المبهمة بين الأعمش وأبي هريرة، لكنه ذكر عشرة رواة آخرين غير الثلاثة الذين عند مسلم كلَّهم - الثلاثةَ عشَر - رووه كإسناد مسلم: الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وهذا یرجِّح رواية مسلم وما اختاره من تلك الأسانيد. والجواب عما تقدم: أن من المسلَّم به أن كلاً من أبي زرعة ومسلم إمام مجتهد في هذا الفن، ولا يجوز له أن يقلِّد الآخر إذا لم يتضح له ما يُوجب عليه العدولَ عن رأیه السابق إلی قول الآخر. هذا جواب، وجواب آخر: لا يلزم أن يكون كل حكم يصدر عن أبي زرعة مسلَّمًا به، بل تتعيَّن مراجعة أقوال الأئمة الآخرين، كما تبيَّن لنا بهذا المثال رجحان وجهة نظر مسلم، وهو دليل قاطع على سعة اطلاعه، وسَداد نظره، رحم الله الجميع. وينظر لزاماً ما يأتي قريباً ص٣٤٤ في تفسير (واو الجمع)، وما حصل للبخاري أيضاً في نحو هذا الموقف. (١) هنا على حاشية ك: بلغ. وسُويد: هو ابن سعيد الحَدَثاني، صدوق إلا أنه كبر وعمي وصار يتلقن. [قال ابن الصلاح - ((الصيانة)) ص٩٩ -: وفيما ذكرنا دليل على أن من حكم لشخص بمجرد رواية مسلم عنه في ((صحيحه)) بأنه من شرط الصحيح: فقد غَفَل وأخطأ، بل يتوقّف ذلك على النظر في أنه كيف روى عنه، على ما بيَّنَّاه من انقسام ذلك. انتهى.]. = ٣٢٩ الأول : الصحيح [ب] وكلمة ((غفل)) أثبتُّها منه، وهي بقلم الشيخ ابن العجمي: تعدَّى. وانظر لزامًا التنبيه الآتي ص٣٣١. وسينقل الشارح هذه الفائدة فيما يأتي صفحة ٤٨٤. وهذا تنبيه مهم جدًّا من الإمام ابن الصلاح رحمه الله تعالى، إذ بين قولنا : فلان على شرط مسلم - أو البخاري -، وفلان من رجال مسلم - أو البخاري -: فرق كبير. نعم، الأصلُ أن تكون روايتهما للرجل الثقة احتجاجًا. لكن قد يروي الشيخان أو أحدهما لرجل: ١ - في المتابعات، ٢ - أو الشواهد، ٣ - أو تعليقًا، ٤ - أو مقرونًا بغيره، ٥ - أو انتقاء من حديثه، ٦ - أو من حديثه عن شيخ معين لا مطلقًا. ففي هذه الحالات الستّ لا يقال لهذا الرجل: هو على شرطهما. ولا بدّ من التنبيه إلى ملاحظتين في قول الشارح: ولامه أيضًا .. ، فأقول: الملاحظة الأولى: أن الضمير في قوله ((ولامه)) يعود هنا على أبي زرعة، وكذلك هو في ((النكت)) لابن حجر ١: ٢٧٥، وفي آخر جزئه عن حديث ((ماء زمزم لما شرب له)»، وهو سبق ذهن، فالصواب: أنه إبراهيم بن أبي طالب النيسابوري، المتوفى سنة ٢٩٥هـ، أحد من شارك الشيخين في كثير من شيوخهما، كما قدمته ص ٢٩٠، وقد أسند عَتْبه هذا على الإمام مسلم: الحاكم في ((المدخل إلى الصحيح)) ١٣٣:٤، وجاء على الصواب أيضًا في ((فتح المغيث)) ٢: ١٨٥ - ١٨٦، وغيره. الثانية: أن كلمة ((بعلوّ)) لم أَرَها أيضًا عند غير الشارح هنا وفي ((البحر الذي زخر)) ١: ٥٨٢، وأظن - والله أعلم - أنها ملحوظة إن لم تكن ملفوظة، قال السخاوي في ((فتح المغيث)) ٢: ١٨٦ : ((إن مسلمًا لم يرو في ((صحيحه)) عن أحد ممن سمع حفصًا سواه، .. وإن نسخة حفص ثابتة عنده، أي: عند مسلم، لكن بنزول، فكان التخريج السويد فيما عدا الأصول))، وهذا صريحُ جوابٍ مسلم لمن نقل إليه عتب أبي زرعة عليه، وينظر ٢: ٦٧٦ آخر كتاب ((الضعفاء) لأبي زرعة وأجوبته عن أسئلة البرذعي)). وحفص بن ميسرة هذا يروي عن زيد بن أسلم، وزيد يروي عن عدد من = ٣٣٠ الأول : الصحيح [ب] الصحابة: ابن عمر وأبي هريرة وغيرهما، ومعلوم أن الأسانيد العالية في ((صحيح)) مسلم قليلة، كما قال الذهبي في ((السير)) ١٢: ٥٦٨، فمن أجل ذلك حَرَص مسلم في ((صحيحه)) على مثل ذلك، مع ما في سويد من الكلام، وجوابه هذا: فيه اعترافٌ ضمني بضعف سويد، أو: بأنه متكلَّم فيه - على الأقل -. وأما قولُ الخطيب في ((الكفاية)) ص١٠٨: ((احتج مسلم بسويد بن سعيد))، ومثلُه قولُ الدمياطي الذي نقله عنه ابن حجر في آخر جزئه في حديث: ((ماء زمزم لما شرب له)»، فيعترض على قولهما هذا بقول الحافظ نفسه في جزئه المذكور: ((لم يحتج به مسلم، وإنما أخرج له ما تُوبع عليه، صرَّح بذلك مسلم لما عاتبه أبو زرعة - كذا !! - على تخريجه عن سويد .. ))، ونحوه قوله الآخر في ((النكت على ابن الصلاح)) ١ : ٢٧٥: ((إنما احتج به مسلم فيما توبع عليه، لا فيما تفرد به .. )). وتسميةُ هذا الإخراج احتجاجاً: فيه تجوُّز. وقوله رحمه الله ((فيما توبع عليه)): فيه تنبيه إلى أن سويدًا قد يكون متابعًا، وقد يكون متابعًا، كما نجده عند مسلم ١٦٦٤:٣ (٨١)، فقد افتتح الباب بـ: حدثني سوید بن سعید ... )، ثم ذکر متابعة الإمام إسحاق بن إبراهيم له. ومع ذلك: فإن مسلمًا روی حدیثاً واحداً عن سويد، عن حفص ٤: ١٧٩٨ (عند ٣٤)، وليس إسناده عاليًا، فقول مسلم: من أين كنت آتي بنسخة حفص بن ميسرة، يقال عليه: لم يُكْثِر مسلم في ((صحيحه)) من الرواية بهذا الإسناد، ليدلَّ على أنه استفاد من هذه النسخة. ثم إن الحديث الواحد الذي أشرت إليه ليس فيه ما يؤيِّد المسوِّغ المذكور في عبارة الشارح، وهو قوله ((بعلوّ))، بل رجاله خمسة، ومعلوم أن عند مسلم أسانيد رباعية، والإسناد الخماسي متوسط العلوّ بالنسبة لمسلم. ولسويد بن سعيد ستة وثلاثون حديثاً عند مسلم، كلها في المتابعات، إلا حديثين له فيهما متابع خارجي، الأول: ((رُبَّ أشعث أغبر)) رواه مسلم ٤: ٢٠٢٤ = ٣٣١ الأول : الصحيح (١٣٨)، وكرره سنداً ومتناً ٤: ٢١٩١ (٤٨)، وتابع سويداً عليه: ابنُ وهب، عند ابن حبان (٦٤٨٣). والثاني: ((قال رجل: لأتصدقنّ الليلة .. )): رواه مسلم ٢: ٧٠٩ (٧٨) عن سويد، عن حفص، عن موسى بن عقبة، عن أبي الزناد، ورواه البخاري (١٤٢١) عن أبي اليمان، عن شعيب، عن أبي الزناد، به، فهذه متابعة قاصرة. هذا، وقد قال فيه الحافظ في ((النكت على ابن الصلاح)) ١: ٤١١: ((اعتذر مسلم عن تخريج حديثه بأنه ما أخرج له إلا ما له أصل من رواية غيره، وقد كان مسلم لقيه وسمع منه قبل أن يعمى ويتلقن ما ليس من حديثه، وإنما كثرت المناكير في روايته بعد عماه)). وانظره أيضًا ١: ٢٧٥، وآخرَ جزئه في تصحيح حديث ((ماء زمزم لما شُرِب له)). وبعد، فإنه لا بدّ من التنبيه إلى أمر يتصل بكلام ابن الصلاح الذي نقله ابن العجمي أول هذه التعليقة، فأقول: لقد تلقى العلماء بالقبول هذا التنبيه والتقييد من ابن الصلاح، وهو قيدٌ مسلَّم، فالشيخان اشترطا في أصل كتابيهما الصحة، كما هو واضح وثابت في تسميتهما كتابيهما، وبمعاييرَ دقيقة، فما كل راو في كتابيهما يرضيانه للصحة التي اشترطاها لأصل كتابيهما، وبناءً على تنبيه ابن الصلاح هذا، اشتهر عن الشيخين: أن فلانًا من رجالهما - أو أحدهما ـ رويا له احتجاجًا، وأن فلانًا رويا له متابعة، وغير ذلك. وكل من جاء بعده مشى على هذا التنبيه إن كان قائلاً، أو ناقش غيره من أهل العلم على مقتضاه إن كان منتقدًا. لكن لابن الصلاح كلمة أخرى، قال في ((مقدمته)» ص١٨ وهو يتحدث عن ((المستدرك)): ((أودعه ما ليس في واحد من الصحيحين مما رآه على شرط الشيخين قد أخرجا عن رواته في كتابيهما، أو على شرط البخاري وحده، أو على شرط مسلم وحده))، هكذا قال: ((على شرط الشيخين قد أخرجا عن رواته))، لكن: كيف كان إخراجهما عن هؤلاء الرواة: احتجاجاً، متابعة، انتقاء، .. ؟ جاء تنبيهه هنا مطلقاً، = ٣٣٢ الأول : الصحيح [ب] وجاء كلامه هناك في ((شرح مسلم)) مقيداً. وجاء كلام الإمام النووي متابعاً فيه لكلام ابن الصلاح في الموضعين: تابعه في ((شرح مسلم)) ١: ٢٥ - ٢٦ على كلامه المقيَّد الذي في ((شرح مسلم))، وتابعه في «إرشاد طلاب الحقائق)) المختصر الأول لـ ((المقدمة)) ص٦١ على كلامه المطلق الذي في ((المقدمة))، فبعد أن نقل كلام ابن الصلاح الذي نقلته، قال: ((ومعنى كونه على شرطهما: أنهما أخرجا لرواته في صحيحيهما)»، فينبغي أن يقال فيه ما قيل في كلام ابن الصلاح: ما قاله في ((الإرشاد)) فهو مطلق، وما قاله في مقدمته ((شرح مسلم)): فهو مقيد. وأيُّهما أولى بالقبول؟ أقول: الأولى بالقبول في حقّ الشيخين هو الكلام المقيَّد، لِما قلته قبل قليل: إنهما اشترطا الصحة، وبمعايير دقيقة، لكن الأولى بالقبول في حق الحاکم و کتابه هو الكلام المطلق. ودليل هذا التفصيل: أما من واقع الإمامين الشيخين: فهو واضح كلَّ الوضوح، وذلك فيما يرويانه للرجل: احتجاجاً، أو متابعة، أو ... ، أما من واقع الحاكم: فمعلوم أنه رحمه الله مكثر جدًّا من قوله: صحيح على شرطهما، أو على شرط أحدهما، ولم يُفصح عن مراده بوضوح في مقدمته، والواجب أن يكون البيان من كلامه، زيادة على قوة كلام ابن الصلاح والنووي، وقد كان ذلك والحمد لله. من المعلوم أن الحاكم يكثر جدًّا من القول عقب الحديث: على شرطهما، أو على شرط أحدهما، أو احتج الشيخان، أو أحدهما برجاله، ونحو ذلك، وقلَّما يسكت عن الحديث، وقد رسخ في الأذهان من قديم أن نفسِّر قوله: احتج، أو على شرطٍ: بما قيّده وقعَّده ابن الصلاح، وتوبع عليه، وذلك أن يكون الرجل روى له الشيخان أو أحدهما - حسب ما يكون - احتجاجاً وأصولاً، لا غير: لا متابعة، ولا استشهاداً، ولا تعليقًا، ولا مقرونًا بغيره، ولا انتقاء، ولا من روايته عن شيخ معین. وارتبط هذا الفهم بقول الحاكم في مقدمة كتابه: ((وأنا أستعين الله على إخراج أحاديثَ رواتُها ثقات، قد احتج بمثلها الشيخان رضي الله عنهما، أو أحدهما))، وهو: = ٣٣٣ الأول : الصحيح أنه ينبغي أن تكون أحاديث ((المستدرك)) كلها قد انطبق عليها هذا الشرط: رجالها رجال الصحيحين أو أحدهما، قد رويا لهم احتجاجاً وأصولاً لا غير، على أي معنىً فسَّرنا (المثلية) کما سيأتي إن شاء الله. وبناءً على هذا التقعيد والتمييز بين الرواة أصحاب الأصول والحجية، وأصحاب المتابعات والشواهد .. كثُر الانتقاد والاستدراك على الإمام الحاكم، وأنا لا أناقش أو أبحث في الكلام بعمومه، إنما أتحدث عن معنى قول الحاكم: فلان احتج به الشيخان أو أحدهما، أو فلان على شرطهما أو شرط أحدهما، أو رجال هذا الحديث احتج بهم الشیخان أو أحدهما. وبيان ذلك: أن أول ما استوقفني من كلامه هو قوله رحمه الله بعد ما روى (٨٧٨) حديث أنس في فضل ﴿قل هو الله أحد﴾، وقوله صلى الله عليه وسلم للصحابي: ((حبُّها أدخلك الجنة))، رواه من طريق عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن عبيد الله بن عمر، عن ثابت، عن أنس، وقال: ((هذا حديث على شرط مسلم ولم يخرجاه، وقد احتج البخاري مستشهدًا بعبد العزيز بن محمد في مواضع من الكتاب)). فوقفت عند قوله: ((احتج البخاري مستشهدًا))، وقلت في نفسي: الحاكم إمام، وهو صاحب ((المستدرك))، و((المدخل إلى الصحيح))، وغرابة هذا التعبير لا تخفى على صغار الطلبة: احتج مستشهدًا، فكيف يقوله هذا الإمام!، واحتفظت به عسى أن يكون مفتاحًا لحلّ مُغْلَق، وقد كان والحمد لله. فقد رأيت بعده روايته حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه (١٠٠٨): ((خطوتان إحداهما أحبّ إلى الله ... ))، من طريق بقية بن الوليد، وقوله عقبه: ((حديث صحيح على شرط مسلم، فقد احتج - مسلم - ببقية في الشواهد))، فجمعته إلى القول السابق، ففيه من الغرابة ما في الأول: احتج في الشواهد !. ثم راجعت ترجمة الدراوردي وبقية بن الوليد عند المزي، فرأيته قال آخر ترجمة الأول ١٩٥:١٨: ((روى له الجماعة، البخاري مقرونًا بغيره))، وآخر ترجمة الثاني = ٣٣٤ الأول : الصحيح [ب] ٤: ٢٠٠: ((استشهد به البخاري في الصحيح، وروى له مسلم في المتابعات))، فانقدح لي أن الحاكم يريد من قوله: احتج البخاري مستشهدًا، واحتج مسلم في الشواهد، يريد: أخرج لهما البخاري ومسلم في الشواهد، مطلقَ إخراجٍ وروايةٍ، على أيّ وجه كانت الرواية: أصولاً، أو متابعة، أو استشهادًا، إلى آخر الوجوه الستة المتقدمة ص٣٢٩. وصرتُ أُقلّب صفحات كتابه، لأرى صحة ما اتضح لي أو خطأه، فرأيته قد روى (٥١٥) من طريق: ((محمد بن إسحاق قال: ذكر محمد بن مسلم الزهري، عن عروة، عن عائشة مرفوعًا: ((فضل الصلاة التي يُستاك لها))، وقال: ((صحيح على شرط مسلم))، ومحمد بن إسحاق ليس على شرط مسلم، على المصطلح الشائع، وهو مدلّس، ولم يصرح بالسماع، بل قال: ذكر محمد بن مسلم، وقال المزي ٤٢٩:٢٤: ((استشهد به البخاري في الصحيح، وروى له مسلم في المتابعات)). وهنا رأيت الإمام ابن الملقن رحمه الله قد ذكر هذا الحديث في ((البدر المنير)) ١٥١:٣ وقال: ((في كونه على شرط مسلم نظر، لأن ابن إسحاق لم يرو له مسلم شيئًا محتجًّا به، وإنما روى له متابعة))، ثم قال: ((نعم، هذه عادة أبي عبد الله الحاكم، يُطلق على من أُخرج له في الصحيح استشهادًا ونحوه: أنه على شرطه. كذا استقريته من مستدركه))، فرأيت أني قد ظفرت بركن شديد آوي إليه، والحمد لله. ورأيته مؤيداً لما تقدم من كلام ابن الصلاح في ((المقدمة)» ص١٨، والنووي في ((الإرشاد)) ص٦١، وهو كلامهما المطلق، لا المقيد. ثم رأيت مؤيّدًا لطيفًا من عبارة للإمام الحاكم، فقد قدّمت كلمته الأولى عن الدراوردي، وفيها قوله: ((احتج البخاري مستشهدًا بعبد العزيز بن محمد في مواضع من الكتاب)) يريد: مواضع من ((صحيح)) البخاري، رأيت الحاكم في ((المدخل إلى الصحيح)) ٧٨:٤ (١٣٣٦) ذكر الدراوردي مع رجال مسلم، وقال: أخرجه البخاري أيضًا شاهدًا في ((الجامع)) في مواضع، وذكرها أربعة مواضع، والشاهد من هذا النص: أن الحاكم يقول في ((المستدرك)): احتج البخاري مستشهدًا، وهنا يقول: = ٣٣٥ الأول : الصحيح [ب] أخرجه شاهدًا، فالاحتجاج ومطلق الإخراج شيء واحد عنده. ومما یذکر لتأكيد المعنى الذي قدّمته: أن الحاكم قال (٢٢٠) عن محمد بن ثابت البناني: ((لم يحتجا به))، وعلى مقتضى الفهم الشائع: أن الشيخين رويا له، لكن على غير طريقة الاحتجاج، فراجعت رموز ترجمته عند المزي، فإذا هي: (ت) فقط، فمعنى قوله هنا: لم يحتجا بمحمد بن ثابت البناني: لم يخرجا له، ولم یرویا له. وقال (١٣٢٩): ((لم يحتجا بشُرحبيل بن سعد، وهو من تابعي أهل المدينة))، ورموزه عند المزي: (بخ ت ق)، فإذا ليس هو من رجال الشيخين أبداً. وقال بعده (١٣٣٤): ((لم يحتجا بعاصم بن عبيد الله))، وهو كذلك، فرمزه: (عخ ٤). وقال (١٨٩٨): ((لم يحتجا بالحكم بن عبد الله الأيلي))، یرید: لم يخرجا له، ورمزه (ق): وقال في ((التقريب)) (٨١٤٥): متروك، ورماه أبو حاتم بالكذب، فهو بعيد عن رتبة الإخراج، فضلاً عن رتبة الاحتجاج به، على المعنى والمصطلح الشائع. وقال (٢٤٢٠): «لم يحتجا بإسماعيل بن رافع))، وهو كذلك، فرمزه: (بخ ت ق). وقال (٥٤٢٨): ((لم يحتجا بعبد الرحمن بن زيد بن أسلم))، وهو ضعيف، ورمزه: (ت ق). والأمثلة كثيرة، ومثلها في المعنى قوله - مثلاً - (٤٢٨): لم يخرجا عن عبد الله ابن سعيد المقبري، ورمزه (ت ق). وقوله (٦٣٦): سليمان بن أبي داود الحراني: لم يخرجاه، أي: لم يرويا له، وهو كذلك، فالرجل ليس من رجال الستة، فمعنى: لم يحتجا، ولم يخرجا: شيء واحد. ولا يعدم القارئ المتتبع الكريم أن يقف وبسرعة على أمثلة تعكّر على هذا، مثل قوله (٦١٢) عن مِقْسم بن بُجْرَة مولى ابن عباس: احتجا جمیعًا به، مع أن له حدیثًا واحدًا عند البخاري وحده، فهذا من أوهامه رحمه الله، وقد تمّ له هذا الوهم في ((المدخل)) رقم الترجمة (٢٠٠١)، وانظر التعليق عليه. = ٣٣٦ الأول : الصحيح [ب] ومنها قوله (١٥٢٧) عن الوليد بن أبي الوليد: من أهل الشام، لم يحتج به الشيخان، مع أن رمزه (بخ م ٤)، وفات ذكره محققَ ((المدخل))، فينبغي إلحاقه في دراسته للکتاب ص ٧٠ - ٧١. وهكذا، والاستدراكات عليه من هذا القبيل أيضًا غير قليلة. وذكر في ((المدخل)) ٣٣٧:٣ (٢١٢٨) نعيم بن حماد في أفراد البخاري، وأكّد هذا بكلامه في ((المستدرك)) على الحديث (٢٩٤، ٧٣٨)، مع أنه قال فيه عن حديث لنعيم (٣٨٧): على شرطهما، ونعيم بن حماد قال عنه الحافظ في ((موافقة الخُبْر الخبر)» ٣٧٢:١ - ٣٧٣: ((ماله في مسلم سوى شيء مقطوع في المقدمة، وأخرج عنه البخاري مُوَيْضِعات متابعات، وأثرًا واحدًاً موقوفًا)). والذي في مقدمة مسلم ٢٢:١ أن مسلما روى من طريقه قول يونس بن عبيد في عمرو بن عبيد: كان يكذب، فقط. وروى له البخاري حديثين مرفوعين في المتابعات (٣٩٢، ٧١٨٩)، والأثر الموقوف هو خبر عمرو بن ميمون في راجم القِرْدة (٣٨٤٩). وقد قال الحاكم عن حديث لنعيم (٢١٠): على شرط البخاري، و(٢٩٤): روى البخاري لنعيم، و(٣٨٧): على شرطهما، و(٧٣٨): احتج البخاري بنعيم. فعلى ما تبيّن لي من مصطلح الحاكم أقول: كلماته هذه كلها صحيحة، وعلى ما هو شائع عنه لا يصح منها إلا قوله: روى، وأخرج. والله أعلم. ثم رأيت الحافظ يقول في ((النكت على ابن الصلاح)) ٣١٦:١: ((عقد الحاكم في كتاب ((المدخل)) - ٩٥:٤ - ١٨٣، ثم ٤: ١٨٧ - ٢٠٧ - بابًا مستقلاً، ذكر فيه من أخرج له الشيخان في المتابعات، وعدد ما أخرجا من ذلك، ثم إنه مع هذا الاطلاع يخرج أحاديث هؤلاء في ((المستدرك)) زاعمًا أنها على شرطهما)). قلت: هذا الباب المستقل: هو ((الباب الثامن: مَن عِيب على مسلم إخراج حديثه، والإجابة عنه)) ٩١:٤ - ١٨٣، ذكر فيه ثمانية وتسعين رجلاً انتُقِدوا على مسلم، ثم ١٨٥:٤: ((الباب التاسع: أسامي من أخرج لهم البخاري في الصحيح، = ٣٣٧ الأول : الصحيح [ب] ونُسبوا إلى نوع من الجرح» وذکر تحته إلی ص ٢٠٨ خمسة وثلاثين رجلاً. وأقول: إن تفسير أقوال الحاكم: على شرطهما، أو على شرط أحدهما بمعنى: أنهما رويا للرجل مجرد رواية، مع ما يُساعد هذا التفسير من أقواله المتقدمة، خير من توهیمه وتفسیر أقواله هذه بما نحن فهمناه عنه. والله أعلم. وتتُّع رواياتِ عددٍ من الرواة في ((المستدرك))، وحكم الحاكم عليها، مع مقارنة رموزها عند المزي - مثلاً - يكشف أمثلة كثيرة، فتنظر - مثلاً - روايات إسماعيل بن أبي أويس، وأَسيد بن زيد الجمال، ومحمد بن إسحاق، وحماد بن سلمة، والدراوردي، وشريك بن أبي نَمِر، وسويد بن سعيد، وأبي الزبير المكي، ونحوهم . . کما يُتَبَّع قوله: احتجا، أو احتج بفلان، أو: لم يحتجا، أو لم يحتج بفلان، ولم يخرجا لفلان، حتى إن قوله: حديث كذا على شرطهما أو شرط أحدهما، يمكن تتُّع رجاله، لينظر هل هم من رجالهما احتجاجًا أو مجرد رواية، وينبغي مع ذلك مراجعة كلامه رحمه الله في ((المدخل إلى الصحيح)). وأُورِدُ على نفسي من الأسئلة ما يلي: ١- هل تابع الحاكمَ أحدٌ على هذا الاستعمال، أو الإطلاق: إطلاق: احتج، بمعنى: روى، وأخرج؟. والجواب: لم أر نصًّا من أحد من الأئمة في هذه الفترة الزمنية: بعد الحاكم، وقبل ابن الصلاح، لكني رأيت نصًّا يشبه الصريح، من إمام معتمد حجة في هذا الباب، هو الإمام الخطيب البغدادي رحمهم الله جميعًا، في كتابه الإمام الحجة ((الكفاية)). رأيته يقول فيه ص ١٠٨: ((احتج البخاري بجماعة سبق من غيره الطعن فيهم والجرح لهم، كعكرمة مولى ابن عباس في التابعين، وكإسماعيل بن أبي أويس، وعاصم بن علي، وعمرو بن مرزوق في أتباع التابعين، وهكذا فعل مسلم بن الحجاج، فإنه احتج بسوید بن سعید وجماعة غیره)). فمثلُ الخطيب لا يجهل حال البخاري في تعامله مع ابن أبي أويس، ولا تعامل = ٣٣٨ الأول : الصحيح (ت) مسلم مع سويد، وإقراره بضعفه، فيكون قوله: احتج البخاري ومسلم بفلان وفلان على معنى: رَوَيًا لهم مجرد رواية، إذ الواقع أنهما لم يرويا لواحد منهم احتجاجًا على المعنى الاصطلاحي، كما سيأتي بيانه ٤: ٣٦ من النوع ٢٣، المسألة الثالثة، إن شاء الله. وقد شَهَر هذا القولَ للخطيب ابنُ الصلاح نفسه في المسألة الثالثة من مسائل النوع الثالث والعشرين عنده، لكن على معنى الاحتجاج بالمعنى الاصطلاحي الشائع. وحَمْلي لقول الخطيب هذا على وَفْق ما فسَّرَتُ به كلام الحاكم: أولى من توهيمي له وقولي: قوله: احتج البخاري ومسلم بفلان وفلان: وهم!، إذ لم يخرجا لهم احتجاجاً، بل: انتقاء، ومقرونًا، ومتابعة، بل أقول: قوله: احتج البخاري ومسلم بفلان وفلان، يريد به: روى البخاري ومسلم لفلان وفلان. أما متابعة ابن الصلاح للخطيب على هذا التعبير فتُحمل على المؤاخذة له، لأنه هو المقعِّد لهذا الحكم، فكان ينبغي له أن ينبِّه إلى ما في هذا التعبير من الخروج عما قعَّده. ثم رأيت الآن هذا المعنى في كلام شيخ الحاكم، هو الإمام أبو بكر الإسماعيلي (٢٧٧ - ٣٧١) صاحب ((المستخرج)) على البخاري، رحمه الله، بل لربما كان الحاكم متأثراً بشيخه في هذا التعبير أو في هذا الاصطلاح. رأيت قوله الذي تقدم نقله ص ١٦٨ عن الحافظ في ((مقدمة الفتح)) ص٤١٥ مؤاخذاً البخاري على موقفه من عبد الله بن صالح كاتب الليث، إذ يروي له البخاري تعليقاً، ولا يروي له مسنداً، فقال: ((هذا عجيب: يحتج به إذا كان منقطعاً - أي: معلّقاً - ولا يحتج به إذا کان متصلاً». أي: إن البخاري روى لكاتب الليث معلقاً، لذلك كان رمزه عند المزي ومتابعيه: خت، وعلى الاصطلاح الذي استقرّ من ابن الصلاح فمن بعده: أنه لا يصح أن يقال في مثل هذا الراوي: احتج به البخاري، فقول الإسماعيلي: يحتج به في المعلقات، قول مستغرب، كقول الحاكم تماماً الذي استغربتُه أولَ هذه المقالة ص٣٣٣ في حق الدراوردي، وبقية بن الوليد قال عن الأول: احتج البخاري مستشهداً به، وقال عن الثاني: = ٣٣٩ الأول : الصحيح احتج مسلم ببقية في الشواهد، وكذلك هنا يقول الإسماعيلي في كاتب الليث: احتج به في التعليق - أو: في الشواهد -، ولم يحتج به في الاتصال، أي: روى له، وأخرج له معلقاً، ولم يرو له متصلاً. وإذا صح هذا الفهم - وهو صحيح إن شاء الله - فلنعتبر - الآن - الإمام الإسماعيلي هو أول المنشئين لهذا الاصطلاح. والله أعلم، وينبغي النظر في كلام غيره، وأولهم: الدار قطني خاصة. وقد نقل الشارح في ((البحر الذي زخر)) ٢: ٧١٧ كلاماً للمزي حول هذا المصطلح سأنقله تعليقاً ص ٤٨٠. وممن يمكن إلحاقه بالخطيب وهو بعد ابن الصلاح زمنًا: الحافظ الدمياطي، وهو إمام حجة، ومثلُه لا يخفى عليه موقف الإمام مسلم من سويد بن سعيد، ومع ذلك فقد نقل عنه الحافظ ابن حجر في آخر جزئه: تصحيح حديث: ((ماء زمزم لما شُرب له)) أنه قال: احتج مسلم بسوید بن سعید. وكذلك أقول: إن حمل قوله هذا على ما حملت عليه كلام الحاكم والخطيب، أولى من توهيمه. والله أعلم، إلا إذا رأينا عنه نصًا صريحًا في اعتماده تقعيد ابن الصلاح. أما الحافظ ابن حجر فهو من أشدّ المتابعين لما قاله ابن الصلاح، فإذا رأينا في كلامه ما يخالف هذه المنهجية، حملناه على التجوّز والوهم. وذلك كقوله في ((النكت على ابن الصلاح)) ٣١٤:١، وهو في حرارة هذا البحث نفسه: إن الشيخين احتجا بسفيان بن حسين الواسطي، مع أن الحافظ نفسه ذكر سفيان هذا فيمن علَّق له البخاري، وذلك في ((هدي الساري)) ص ٤٥٧، وأكّد ذلك إذْ رمز له في كتابيه ((التهذيب)) ١٠٧:٤، و((التقريب)) (٢٤٣٧): ((خت م ٤)). هذا بالنسبة لرواية البخاري له، أما رواية مسلم له: فقد رمز الحافظ في ((التقريب)) - كما ذكرت - رمز مسلم: م، لكن على طريقته التي نَبَّهت إليها في دراسته ص ٨٠ تحت الجانب الخامس: دراسة رموزه، وهي أن المزي يفرق بين من يروي له = ٣٤٠ الأول : الصحيح (س) مسلم في ((صحيحه))، وبين من يروي له في ((مقدمة صحيحه)) فيرمز للأول: م، والثاني: مق، أما الحافظ فيدرج رمز المقدمة مع رمز الأصل، ويجعل الكل سواء تحت رمز: م، وذكرت هناك في الدراسة ما يترتب على ذلك من ملاحظات شكلية وعلمية. وهذا مثال على ذلك. فسفيان هذا رمز له المزي: خت مق ٤، وصرح به آخر الترجمة: استشهد به البخاري في ((الصحيح))، وروى له مسلم في مقدمة كتابه، فينظر من البخاري (١٠٦٦، قبل ٢١٩٢، ٧٠٠٠)، ومن مسلم ١١:١ وصية إياس بن معاوية له أن يتجنَّب رواية الأحاديث المنكرة: ((إياك والشناعةَ في الحديث ... )). فلا يحمل قول الحافظ في ((النكت)): احتجا بسفیان بن حسین، علی معنی: رویا له احتجاجاً وأصولاً، بل يحمل على السهو منه رحمه الله. ولا ريب أن التتبّع يكشف أكثر وأكثر، وأوضحَ وأوضحَ، من كلام الحاكم والخطيب وغيرهما. والله أعلم بالصواب. ٢- وسؤال ثانٍ: ما القول فيما قاله ابن الصلاح، وتوبع عليه، وشاع وذاع، وصار قوله حكَمًا على أحكام الإمام الحاكم جميعها؟. وجوابه: أنه قول ذو شِقَّین، الشق الأول: أنه في حدّ ذاته كلام وجيه سديد ينبغي أن تكون أحكامنا على الحديث على وَفْقه، فمثلاً: السفيانان: الثوري وابن عيينة، حجة عند الشيخين مطلقًا، فكلما رأينا حديثًا من طريقهما نقول: هو على شرطهما، أما حماد بن سلمة، عن ثابت البناني: فنقول: هذا التركيب الإسنادي حجة عند مسلم فقط، أما حماد، عن غير ثابت: فلا نقول إنه حجة على شرط مسلم، بل نقول ثابت وحده حجة عندهما مطلقًا. ولا نقول عن إسناد حديث فيه: إسماعيل بن أبي أويس إنه على شرط البخاري، لأننا نرى أن البخاري روى عنه، لا نقول ذلك، لأن البخاري روى عنه انتقاءً، لا مطلقًا، وهكذا وهكذا. =