Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ الأول : الصحيح هذه عبارة الحاكم (١)، ووافقه مَنْ نَقَلها(٢)، وفيها نظر، فإن الضمير في [ش] (١) بل لفظه في ((المعرفة)) ص٢٢٨: ((إن أصح أسانيد أهل البيت رضي الله عنهم: جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده، عن عليّ، إذا كان الراوي عن جعفر ثقة)). فمن المراد بالجدّ؟ وانظر كلام البقاعي الآتي. (٢) مغلطاي ٢: ٣٩ - ٤٠، والبلقيني في ((محاسن الاصطلاح)) ص ١٥٥، والعراقي في ((شرح الألفية)) ص١٢، وتلميذهما ابن حجر في ((النكت)) ١: ٢٥٦. وهذا النظر الذي أفاده الشارح: مسبوق به من قِبَل الحافظ ابن حجر أثناء شرحه وتقريره على أصحابه ((شرحَ ألفية العراقي))، وقد نقل كلامه تلميذه البقاعي في ((النكت الوفية)) ١ : ١٠٣ فقال: ((تنبيه: اعلم أن هذا السند سقط منه واحد، فإن محمداً والد جعفر هو ابن زینٍ العابدين عليٍّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، فإن كان الضمير في (جده) يعود إلى قوله (أبيه) فيكون جدُّه هو الحسينَ، ومحمد لم يسمع منه، فقد كان يوم قتل الحسين في عاشوراء سنة إحدى وستين، في السنة الخامسة من عمره. ((وإن كان يعود على جعفر حتى يكون المراد بالجَدّ: زين العابدين، فكذلك زین العابدين لم يسمع من جدِّ علي بن أبي طالب رضي الله عنهم)). وأعقب البقاعي هذا التنبيه بكلام من عنده فقال: ((قلت: ولعل الساقط (عن أبيه) بعد: (عن جده)، فيصير: جعفر بن محمد، عن أبيه محمد، عن جدِّ جعفرٍ: زینِ العابدين علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، عن أبيه الحسين، عن علي رضي الله عنهم. والله أعلم، فليحرر لفظ الحاكم)). وأقول: تقدم لفظه، وقد تَفَادى هذا الانقطاع وتخلَّص منه عبد الرزاق الصنعاني حين أجاب من سأله: ((أيُّ الإسناد أصح؟ فقال: الزهري، عن علي بن الحسين، عن = ٢٤٢ الأول : الصحيح [ش] ((جده)) إن عاد إلى جعفر: فَجَدُّه عليٌّ لم يسمع من علي بن أبي طالب، أو: إلى محمد: فهو لم يسمع من الحسین. وحكَى الترمذي في الدعوات(١) عن سليمان بن داود أنه قال(٢) في رواية: الأعرج، عن عبيدالله بن أبي رافع، عن علي: هذا الإسناد مثلُ: الزهري، عن سالم، عن أبيه. ثم قال الحاكم(٣): وأصحُّ أسانيد أبي هريرة: الزهريُّ، عن سعيد بن المسیَّب، عنه. وَرَوَى قبلُ(٤) عن البخاري: أبو الزناد، عن الأعرج، عنه. وحكى غيره(٥) عن ابن المديني: من أصح الأسانيد: حماد بن زيد، عن أيوب، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة. قال: وأصح أسانيد ابن عمر: مالك، عن نافع، عنه. أبيه، عن عليّ رضي الله تعالى عنه)) كما في ((الكفاية)) ص٣٩٧. (١) من ((سننه)) (٣٤٢٣)، وهو سليمان بن داود الهاشمي كما تقدم ص ٢٣٥. (٢) ((قال)) في ك: قاله، وهو سبق قلم. (٣) في ((المعرفة)) ص ٢٢٩. (٤) ((المعرفة)) ص ٢٢٧. (٥) هذه متابعة لابن حجر في ((النكت)) ١: ٢٥٤، والذي في ((الكفاية)) ص٣٩٨ أن ابن المديني قال لأصحابه: ((من يذكر إسنادًا من اليوم إلى النبي صلى الله عليه وسلم لم يختلف فيه؟)) فذكره، وتقدم ص ٢١١. ٢٤٣ الأول : الصحيح [ش] وأصحُّ أسانيد عائشة: عبيدالله بن عمر(١)، عن القاسم، عنها. قال ابن معين: هذه ترجمة مشبّكةٌ بالذهب(٢). قال: ومن أصح الأسانيد أيضًا: الزهري، عن عروة بن الزبير، عنها. وقد تقدم عن الدارمي قول آخر(٣). وأصحُّ أسانيد ابن مسعود: سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عنه. [ب] (١) ((عبيدالله بن عمر)) [بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العُمَري المدني، ثقة ثَبْت، قدَّمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدَّمه ابن معين في ((القاسم عن عائشة)) على: الزهري، عن عروة، عنها، من الخامسة، مات سنة بضع وأربعين. ((تقريب التهذيب)) . - (٤٣٢٤) -. ]. وقوله ((قدّمه أحمد بن صالح على مالك في نافع)) تحرف وانقلب بقلم الشيخ ابن العجمي فکتب: أبو صالح علی نافع في مالك. وقوله ((من الخامسة)): هذا اصطلاح للحافظ ابن حجر في ((تقريبه))، يريد به الطبقة الخامسة حسب اصطلاحه. وقوله ((بضع وأربعين)) أي: بعد المئة. ورواية ابن معين المذكورة هذه هي رواية جعفر الطيالسي، كما في ((الجامع)) للخطيب (١٤٠٦)، وفي رواية عثمان الدارمي عنه (٥٢٥) التسوية بينهما. (٢) ((المعرفة)) للحاكم ص٢٢٩، و((محاسن الاصطلاح) للبلقيني ص ٨٧. وفي ((الجامع)) للخطيب (١٤٠٦): ((مشبك بالذهب)). وفي ((تهذيب التهذيب)) ٧: ٣٩: ((الذهب المشبّك بالدرّ)». (٣) صفحة ٢٠٤. والدارمي: هو أحمد بن سعيد، لكنه ناقل لا قائل. ٢٤٤ الأول : الصحيح [ش] وأصح أسانيد أنس: مالك، عن الزهري، عنه. قال شيخ الإسلام(١): وهذا مما يُنَازَع فيه، فإن قتادة وثابتًا البُنَاني أعرفُ بحديثِ أنسٍ من الزهري، ولهما من الرواة جماعة، فأثبتُ أصحاب ثابت: حمادُ بن زيد، وقيل: حماد بن سلمة(٢). وأثبتُ أصحابِ قتادة: شعبة، وقيل: هشام الدَّسُوائي(٣). (ت) (١) نحوه في ((النكت)) ١: ٢٥٩، وفي كل من الموضعين - هنا وهناك ـ زيادة ليست في الآخر. لكن لا بد من التنبيه إلى أنه في ((النكت)) ذكر كلام الحاكم جميعَه، ومن جملته: أصح أسانيد المكيين، والمصريين، والشاميين، والخراسانيين، ثم قال: ((وهذا الذي ذكره الحاكم قد يُنَازَع في بعضه، ولا سيما في أسانيد أنس رضي الله عنه .. ))، فصدرُ كلامه ليس قاصراً على المنازعة في قول الحاكم ((أصح أسانيد أنس: مالك، عن الزهري، عنه)) كما يُشعر ذلك كلام الشارح، وسأنبه إلى تتمة المغايرات في كلام الحافظ. (٢) اقتصر في ((النكت)) على حماد بن زيد، والمشهور تقديم حماد بن سلمة، كما هو صريح كلام ابن معين وابن المديني وأحمد، كما في ((تهذيب التهذيب)) ٣: ١٣، ١٥، ولذلك قال الحافظ نفسه في ((التقريب)) (١٤٩٩) في ترجمة حماد بن سلمة: «أثبت الناس في ثابت)). (٣) اقتصر في ((النكت)) على تسمية شعبة وقال: ((وإنما جزمت بشعبة لأنه كان لا يأخذ عن أحد ممن وصف بالتدليس إلا ما صرح فيه ذلك المدلَّس بسماعه من شيخه)). وهذا القول من الحافظ مما يُحرَص عليه، لأن فيه تعميمًا لحكم اشتهر عن شعبة أنه يُخَصِّصه ولا يُعَممه. فقد اشتهر قول شعبة الذي علَّقه عليه البيهقي في ((المعرفة)) ١: ١٥٢، وأسنده في ((المدخل)) (٥٤٦)، وأسنده في ((المدخل)) (٥٤٦): ((كفيتكم تدليس ثلاثة: الأعمش، وأبي ٢٤٥ الأول : الصحيح [س) إسحاق، وقتادة))، ونقله الحافظ في آخر جزئه ((طبقات المدليس))، وعلَّق عليه بقوله: ((قلت: فهذه قاعدة جيدة في أحاديث هؤلاء الثلاثة أنها إذا جاءت من طريق شعبة دلَّت على السماع ولو كانت معنعنة)). لكنه صرَّح في مواطن عديدة من ((فتح الباري)) بالتعميم، كما هنا، منها: ٤: ١٩٤ آخر الصفحة (١٩٥٣)، وعُمدته في ذلك - والله أعلم - قول يحيى القطان أحد خاصة تلامذة شعبة، ففي ((الجرح والتعديل)) ٢: ٣٥ عنه قال: ((كل ما حدث به شعبة عن رجل فقد كفاك أمره، فلا تحتاج أن تقول لذلك الرجل: سمع ممن حدث عنه؟)). وكذلك قول أبي حاتم الرازي الذي قاله لولده، ونقله عنه في ((علل الحديث)) (٣٤)، قال ابن أبي حاتم لأبيه: ((فأبو مالك سمع من عمار شيئًا؟ قال: ما أدري ما أقول لك، قد روى شعبة، عن حُصَين، عن أبي مالك، سمعت عمارًا، ولو لم يعلم شعبة أنه سمع من عمار ما کان شعبة یرویه)). فانظر كيف يحتج أبو حاتم على سلامة الإسناد من التدليس - بل إن العنعنة تحمل على السماع -: بكون شعبة فيه، مع أن أبا مالك شيخ شيخه، لا شيخه، ليقال إنه يتقي وينتقي من أحاديث شيوخه المدلسين. هذا، وقد روى ابن محرز في ((معرفة الرجال)) بعض أخبار شعبة في هذا الاهتمام بما يتحمله عن المدلسين، ثم قال (٧٠٠): ((سمعت علي ابن المديني يقول: وإنما تعلّم شعبة هذا التوقيف من أبي مريم عبد الغفار بن القاسم)). وهذا من غرائب الأخبار التي تستفاد في مقوِّمات طالب العلم، فكل واحد من الطلبة إنما هو مرآة صادقة عن شيخه، لكن ينبغي أن يكون الطالب عاقلاً حكيماً، والحكمة ضالّته ينشدها من أيِّ كان، وفي ترجمة عبد الغفار هذا في ((الجرح)) ٦ (٢٨٤)، و((لسان الميزان)) (٤٨٥٣) طعون شديدة، لكن كان شعبة حسن الظن به، فكان من جرّاء ذلك هذه المنقبة التي تفرّد بها شعبة عمن سواه، فرحمه الله ما أعقلَه !. ٢٤٦ الأول : الصحيح [ش] وقال البزار(١): رواية علي بن الحسين بن علي، عن سعيد بن المسيب، عن سعد بن أبي وقاص : أصحُّ إسنادٍ یُروی عن سعد. وقال أحمد بن صالح المصري (٢): أثبتُ أسانيدِ أهل المدينة: إسماعيل بن - (١) في ((البحر الزخار)) (١٠٦٥). وفي ختام الحديث عن أصح أسانيد فلان: أزيد: أصح أسانيد عبد الله بن زيد بن عبد ربِّه الأنصاري صاحب الأذان: محمد بن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم التَّيْمي، عن محمد بن عبد الله بن زيد، عن أبيه. قاله محمد بن يحيى الذهلي، كما في ((التلخيص الحبير)) ١: ١٩٧. وأقول: من المهم جدًّا ملاحظة أن رجال الإسناد الذي يوصف بأصح الأسانيد: لا يلزم أن يكونوا ثقات، بل قد يكون فيهم الصدوق، والمختلف فيه، ولا يصح أن يكون فيهم ضعيف. أما الملاحظة الأولى: فدليلها قول الذهلي هذا، وفيه محمد بن إسحاق، وأمره معروف، ودليل آخر: تقدم قول ابن راهويه السابق ص ٢٣٦ في سلسلة عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، وعمرو وسلسلته أمرهما معروف أيضًا. وأما الملاحظة الثانية: فلا تحتاج إلى برهان. (٢) ((الثقات)) لابن شاهين (٨) دون قوله: عن أبي هريرة، وهو أولى، ليبقى قول الإمام أحمد بن صالح شاملاً لكل روايةٍ لعَبيدة عن شيوخه الثلاثة الذين ذكرهم المزي في ترجمته ١٩: ٢٦٤: زيد بن خالد الجهني المدني، وأبي الجعد الضَّمْري المدني، وأبي هريرة المدني رضي الله عنهم، وكلهم من الصحابة. على أن كل الذي لعبیدة عن كل واحد من هؤلاء الثلاثة: حدیث واحد، حسب ما في ((تحفة الأشراف))، و((إتحاف المهرة)): عن زيد: في ((التحفة)) فقط (٣٧٥٩). وعن أبي الجعد: ((التحفة)) (١١٨٨٣)، و((الإتحاف)) (١٧٤٣٣). وعن أبي هريرة = ٢٤٧ الأول : الصحيح [ش] أبي حكيم، عن عَبيدة بن سفيان، عن أبي هريرة. قال الحاكم(١): وأصحُّ أسانيد المكيين: سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دینار، عن جابر. وأصح أسانيد اليمانيين: مَعْمَر، عن هَمَّم، عن أبي هريرة. وأثبت أسانيد المصريين: الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر. وأثبت أسانيد الخراسانيين: الحسين بن واقد، عن عبد الله بن بُرَيدة، عن أبيه. وأثبت أسانيد الشاميين: الأوزاعي، عن حسان بن عطية، عن الصحابة. قال شيخ الإسلام ابن حجر(٢): ورجَّح بعض أئمتهم روايةً سعيدٍ بن عبد العزيز، عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخَوْلاني، عن أبي ذر. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل، عن أبيه: ليس بالكوفة [عن عليٍّ حديثٌ] (ت). (١٩٤٣٢)، و((الإتحاف)) (٣٤١٣٢). - (١) في ((المعرفة)) ص٢٢٩ - ٢٣٠. (٢) ((النكت)) ١: ٢٦٠. قلت: وبهذا الإسناد أخرج مسلم ٤: ١٩٩٤ (٥٥) في ((صحيحه)) الحديث القدسي الذي رواه أبو ذر رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، عن الله عز وجل: ((يا عبادي إني حرَّمتُ الظلم على نفسي .. ))، وذكر في آخره: ((قال سعيد: كان أبو إدريس الخولاني إذا حدَّث بهذا الحديث جثا على ركبتيه)). ٢٤٨ الأول : الصحيح [ش] أصحَّ من هذا الإسناد: يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان الثوري، عن سليمان التَّيْمي، [عن إبراهيم التيمي] عن الحارث بن سُويد، عن علي(١). وكان جماعة لا يقدِّمون على حديثِ الحجازِ شيئًا(٢)، حتى قال مالك: إذا - [ب] (١) روى الإمام أحمد ٨٣:١ بهذا الإسناد ـ وما بين المعقوفين منه - حديث: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الدباء والمزفت، وجاء عقبه: قال أبو عبد الرحمن - هو ابنه عبد الله -: ((سمعت أبي يقول: ليس بالكوفة عن عليّ حديث أصحّ من هذا: يحيى بن سعيد .. ))، ولعل مصدر الشارح الزركشيُّ في ((النكت)) ٢: ١٣٦ (قبيل ٢٧)، وحينئذ فلا حاجة إلى محاولة جمعه ذاك. (٢) استرسل الشارح رحمه الله بالنقل عن سبعة من الأئمة قالوا هذا المعنى، ولبعضهم أكثر من كلمة، منهم الإمام الشافعي، وفي المصادر القديمة زيادات عليها، مثل ما في ((المعرفة والتاريخ)) ليعقوب ٢: ٧٥٥ فما بعدها، و((المدخل)) للبيهقي (٧٤٦) وما بعده، و(تاريخ)) ابن عساكر ١: ٣٢٩ وما بعدها، ومن المتعيِّن الوقوف عند الأخبار الأولى التي في ((المعرفة والتاريخ)) ليتضح السبب الذي من أجله تكلّم من تكلّم في أهل العراق ومروياتهم. وأما الشافعي رحمه الله فإنه صار في آخر قوليه إلى ما عليه مَن تقدم ومَن تأخر. وقد عَرَض لذلك من مذهب الشافعي: البيهقي في ((مناقب الشافعي)) ١: ٥٢٥ - ٥٢٨، و((معرفة السنن)) ١: ١٥٠ فما بعدها. ومما قاله فيهما: قال الشافعي: ((والله لو صحّ الإسناد من أصحاب أهل العراق غايةً ما يكون من الصحة، ثم لم أجد له أصلاً، يعني بالمدينة ومكة، .. لم أكن أعبأ بذلك الحديث، على أيّ صحة كان)). ثم قال البيهقي: ((ثم قام بهذا العلم جماعة من أهل العراق وغيرهم، فميّزوا صحيح رواياتهم من سقيمها، ومن دلّس منهم ومن لم يدلس، فقامت الحجة بما صح = ٢٤٩ الأول : الصحيح [ش] خرج الحديث عن الحجاز انقطع نُخاعه(١). [ب] منها، وعاد إلى القول به الشافعيُّ رحمه الله أيضًا. والله أعلم)). ثم أسند إلى بحر بن نصر - وهو مصري - قال: أملى علينا الشافعي رحمه الله قال: من عُرف من أهل العراق، ومن أهل بلدنا بالصدق والحفظ: قبلنا حديثه، ومن عُرف منهم ومن أهل بلدنا بالغلط: رددنا حديثه، وما حابينا أحدًا، ولا حملنا عليه)). ثم روى مقولة الشافعي المشهورة لأحمد رحمهما الله تعالى: ((أنتم أعلم بالحديث والرجال مني، فإذا كان الحديث الصحيح فأَعْلِموني إن شاء يكون كوفيًّا أو بصريًّا أو شاميًّا حتى أذهب إليه إذا كان صحيحًا)). وقوله رحمه الله في مصر یمثّل مذهبه الجدید المعتمد، وهو الذي حكاه عنه بحر ابن نصر، وانظر كلام ابن تيمية رحمه الله الآتي ص ٢٥٦. (١) روى الخطيب في ((الجامع)) (١٩٣٨، ١٩٣٩) عن ابن عبد الحكم، عن مالك، وعن الربيع بن سليمان، عن الشافعي قولهما: إذا جاوز الحديث الحرمين فقد ضعف نخاعه. وقد نقل الذهبي في ((السير)) ٨: ٦٨ عن الإمام مالك كلمة أشدَّ من هذه في ذم حديث أهل العراق (المشرق)، وعلّق عليها الذهبي بقوله: ((قلت: هذا القول من الإمام قاله لأنه لم يكن له اعتناء بأحوال بعض القوم، ولا خَبَر تراجمهم، وهذا هو الورع، ألا تَرَاه لما خبر حال أيوب السَّختياني العراقي کیف احتج به؟! وکذلك حمید الطویل وغير واحد ممن روی عنهم. ((وأهلُ العراق كغيرهم، فيهم الثقة الحجة والصدوق والفقيه والمقرئ* والعابد، وفيهم الضعيف والمتروك والمتهم. وفي الصحيحين شيء كثير جدًّا من رواية العراقيين رحمهم الله، وفيهم من التابعين كمثل علقمة، ومسروق، وعَبيدة، = ٢٥٠ الأول : الصحيح (س) والحسن، وابن سيرين، والشعبي، وإبراهيم، ثم الحكم، وقتادة، ومنصور، وأبي إسحاق، وابن عون، ثم مسعر، وشعبة، وسفيان، والحمادَيْن، وخلائق أضعافهم)). وسيأتي ٤: ٢٥٧ عن أحمد أن أفضل التابعين ستة كلهم كوفيون إلا ابن المسيب. وهل في أي فنٍّ من فنون العلم، إمامٌ من أئمته يستغني عن روايةٍ أو فقهِ واحد من هؤلاء !! وتقدم ص ٢٣٦ - ٢٣٧ مع التعليق، عن ابن المبارك والعجلي والنسائي والفضيل بن عياض إجلالهم لإسنادٍ: الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود. وسَبَق الذهبيَّ بنحو هذا التنبيه الطويل الإمامُ الحاكم بكلمة وجيزة فقال في ((المدخل)) ص٧٢: ((أهل الحجاز والعراق والشام يشهدون لأهل خراسان بالتقدم في معرفة الصحيح، لسبق الإمامين البخاري وأبي الحسين - مسلم - وتفرُّدهما بهذا النوع من العلم، جزاهما الله عن الإسلام خيرًا))، فأفاد رحمه الله تعالى أن العبرة بالعلم والفهم ودقة البصيرة، لا بالبلدية، وانظر ص٢٢٤ - ٢٢٥ وما بعدها . وانظر كلام ابن تیمیة رحمه الله الآتي قریبا ص٢٥٤. وطُبع حديثًا جزء ((طبقات الفقهاء من لدن الصحابة، ومن بعدهم من العلماء)) لعبد الملك بن حبيب الأندلسي المالكي المتوفى سنة ٢٣٨، ذكر فيه / ٢٣٠ / فقيهًا من عواصم البلاد الإسلامية الستة: المدينة، الكوفة، البصرة، مكة، الشام، مصر، وجعلهم ثلاث طبقات: الصحابة، التابعين، أتباع التابعين، وزاد في آخرهم / ١٥ / فقيهًا أندلسيًّا، متأخري الطبقة من رجال آخر المئة الثانية وأول الثالثة، وهؤلاء لا يدخلون في الحساب. فإذا كان عدد الفقهاء - وكلهم أئمة - في العواصم الخمسة / ٢٣٠ / فقيهًا، وعدد فقهاء البصرة والكوفة منهم / ١٠٢ / مئة فقيه وفقيهان، ومن المعلوم أنه لا فقه بلا حديث في تلك العصور، فكيف يُستغنى عن علوم البصرة والكوفة حديثًا وفقهًا وعربيةً؟ !. = ٢٥١ الأول : الصحيح [ش] وقال الشافعي: إذا لم يُوجَد للحديث في الحجاز أصلٌ ذهب نُخاعه، حكاه الأنصاري في كتاب ((ذم الكلام))(١). وعنه أيضًا: كلَّ حديثٍ جاء من العراق، وليس له أصل في الحجاز فلا تقبلهُ وإن كان صحيحًا، ما أُريد إلا نصيحتك. وقال مِسْعَر: قلتُ لحبيب بن أبي ثابت: أيُّما أعلمُ بالسنة: أهلُ الحجاز أم أهلُ العراق؟ فقال: بل أهل الحجاز(٢). [ٹ) وروى الخطيب في ((الكفاية)) ص ١٢٩ عن ابن المديني قوله: ((لو تركتُ - حديث - أهل البصرة لِحال القَدَر، ولو تركت - حديث - أهل الكوفة لذلك الرأي، يعني التشُّع، خربت الكتب)). وابن المديني: هو ابن المديني. قال الخطيب: قوله ((خربت الكتب)) يعني: لذهب الحديث. فهاتان شهادتان ضمنيتان لحديث أهل هذين المِصْرين: البصرة والكوفة، أولاهما بكثرة حديثهما، إذ لولاه لذهب الحديث، وثانيتهما: بالجودة، ولو كان كما تفيده تلك الأقوال الذامة لحديث أهل العراق، لما كان لحديثهم أيّ قيمة، وليذهبْ ذاك الغثاء الذي لا نخاع له !. لكن الأمر على خلاف ظاهر تلك الأقوال المطلقة، فإن حديث أهل تلك الديار كثير غير قليل، وجيد مفيد في حفظ الشريعة، وليس بمُهدَر. والله أعلم. (١) ٦ (١١١٥، ١١١٤) ونحوه عند الخطيب في ((الجامع)) (١٩٣٩) أيضًا. (٢) ((معرفة السنن والآثار)) ١: ١٥٢. ومسعر: هو ابن كِدام الهلالي، وهو كوفي، وشيخه حبيب كوفي أيضًا، وليس في الخبر المعنى الذي في سابقه ولاحقه، الذي هو الإهدار مطلقًا، بل فيه: عالم وأعلم. = ٢٥٢ الأول : الصحيح [ش] وقال الزهري: إذا سمعتَ بالحديثِ العراقيِّ فَأَرْوِدْ به، ثم أَرْوِدْ به(١). وقال طاوس: إذا حدَّثك العراقيُّ مئةَ حديثٍ فاطرحْ تسعةً وتسعين. [ب] - وقد نَقَض على حبيب نحوَ دعواه هذه إمامٌ كوفي أيضًا، هو الأعمش، ففي ((حلية الأولياء)) لأبي نعيم ٥: ٤٧ عن الأعمش قال: ((قال لي حبيب بن أبي ثابت: أهل الحجاز وأهل مكة أعلم بالمناسك. قال: فقلت له: فأنتَ عنهم تكون نائبًا في المناظرة، وأنا عن أصحابي - أي أهل الكوفة - لا تأتي بحرف إلا جئتك فيه بحدیث)). وعلى جلالة حبيب فقهاً وروايةً وفضلاً، فقد أثَّر الأعمش على من هو أجلُّ من حبیب، فصحح له نظرته نحو أهل الكوفة. روى ابن عبد البر في ((جامع بيان العلم)) (١٤٥٤) عن إسحاق بن راشد قال: ((كان الزهري إذا ذكر أهل العراق ضعَّف علمهم، فقلت له: إن بالكوفة مولى لبني أسد - يعني الأعمش - يروي أربعة آلاف حديث، قال: أربعة آلاف حديث؟! قلت: نعم، إن شئتَ جئتك ببعض حديثه، أو قال: ببعض علمه. قال: فجئْ به، فجئت به، فلما قرأه قال: والله إن هذا لَعلمٌ، وما كنت أرى أن بالعراق واحدًا يعلم هذا)). وعلى هذا: فينبغي أن تحمل الكلمة التي هنا عن الزهري على ما قبل هذا القول منه. والله أعلم. (١) أرودْ: من قولك: رويدك، أو: رويدًاً، والمراد: تأنَّ في قبوله وتريَّثْ، وتحرف هذا القول في عدد من المصادر المحقَّقة إلى: فاردُدْ به، ثم أردُدْ به. وروى ابن سعد ٤٣٥:٧ كلمة أخرى للزهري فيها هذا المعنى، قال : .... إذا وَغَل الحديث هناك - يعني في العراق - فرويدًا به. والمعنى: إذا دخل الحديث بين الرواة العراقيين فتأنَّ في قبوله. ٢٥٣ الأول : الصحيح [ش] وقال هشام بن عروة(١): إذا حدثك العراقي بألفِ حديثٍ فَأَلْقِ تسعَ مئة وتسعين، وگُنْ من الباقي في شك. وقال الزهري: إن في حديث أهل الكوفة دَغَلاً كثيرًا(٢). [ب] - (١) ومن هذا القبيل قول هشام: ((هذا إسناد مشرِقِيٌّ)) عن حديث ((من توضأ على طُهر كتب الله له به عشر حسنات)) الذي رواه الترمذي (٥٩)، ونقل عقبه كلمة هشام هذه. وفي ((الكامل)) ٣١٢:٥ - ٣١٣ (١١١١) عن يحيى القطان أنه قال: ((سألت هشام ابن عروة عنه - أي: عن عبد الرحمن بن زياد الإفريقي؟ - فقال: دعنا منه، حديثه حديث مشرقيّ)). فإنه يريد - والله أعلم - هذا المعنى، وهو أنه ضعيف، لا ما تجده في تعليق الأستاذ الشيخ أحمد شاكر رحمه الله، عليه، ومثله في كلام غيره. (٢) ((الجامع)) (١٩٤٣). وذلك لكثرة الحديث وأهله فيها، وإذا كثُر الشيء وقع فيه الخلل. وقد كانت الكوفة أول أمرها دار علم وسنة، كما شهد لها بذلك إمامها الأول وفقيهها، ثم إمامها الثاني. أما إمامها الأول: فهو ابن مسعود رضي الله عنه، ففي ((مسند الإمام أحمد)) ١: ٤٠٥ أن ابن مسعود جمع أصحابه وقال لهم: ((والله إني لأرجو أن يكون قد أصبح اليومَ فيكم مِن أفضل ما أصبح في أجناد المسلمين من الدين والفقه والعلم بالقرآن)). وإمامها الثاني: علي رضي الله عنه، فقد قال: ((رحم الله ابن أمِّ عبدٍ، قد ملأ هذه القرية علمًا)). وأسند أبو نعيم في ((الحلية)) ٤: ١٧٠ إلى عليّ وسعيد بن جبير رضي الله عنهما قولهما: أصحاب عبد الله سُرُج هذه القرية. وفي ((المبسوط)) للإمام السَّرَخْسي رحمه الله ١٦: ٦٨: ((كان بالكوفة أربعة آلاف تلمیذ یتعلمون بین یدي ابن مسعود)). = ٢٥٤ الأول : الصحيح (ت) وقال العجلي في ((الثقات)) ٤٤٨:٢: ((نزل الكوفةَ ألف وخمس مئة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ونزل قَرْقِيْسِيا ست مئة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم)). وقرقيسيا مدينة شمالي الكوفة، بينها وبين الموصل، وسط الطريق. وذكر الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) ص٦٤٢ - ٦٥٢ أول النوع التاسع والأربعين، من يُجمع حديثه من الأئمة الثقات المشهورين من التابعين وأتباعهم، فذكر من أهل المدينة المنورة: أربعين راويًا، ومن أهل مكة المكرمة: واحدًا وعشرين راويًا، ومن أهل الكوفة: راویًا واحدًا ومئتي راو !. وبعد عهد ابن مسعود وعليّ رضي الله عنهما ظهرت فيها الفتن، ودخل فيها الدخيل، إلى جانب الأصالة التي رسَّخها وثبَّت أقدامها هذان الصحابيان الإمامان الجليلان. وكلمات طاوس والزهري وهشام - وكلهم من طبقات متقاربة - تُحمل على هذه المرحلة الثانية، فمن باب أولى أن تُحمل على ذلك كلمة مالك، ولو تأملتَ کلماتهم لرأيتها كذلك. أما الكثرة: فلا يشك فيها أحد. وهل العراق آنذاك - أيام طاوس والزهري وهشام وحبيب ومسعر والأعمش - إلا البصرة والكوفة؟ ومع ذلك فقد قال الخطيب بعد ما ذكر كلمة مالك والشافعي، ما سينقله الشارح عنه بعد سطر. وانظر لزامًا ما كتبه العلامة الكوثري رحمه الله في ((فقه أهل العراق وحديثهم)) - أو ((تقدمة نصب الراية)) - تحت عنوان ((منزلة الكوفة من علوم الاجتهاد))، مع تعليق شيخنا على الطبعة الثانية له، وأيضًا ((معارف السنن)) للعلامة البنوري رحمه الله ١ : ٢٥٢. وأقول: كتبت هذا التقسيم لحال الكوفة استنتاجًا من واقعها، ثم رأيت ابن تيمية رحمه الله يقول في ((صحة مذهب أهل المدينة)) المدرج ضمن ((مجموع فتاويه)) ٢٠: ٣١٥: ((وأما الكوفيون بعد الفتنة والفرقة يدَّعون مكافأة أهل المدينة، وأما قبل الفتنة والفرقة: فقد كانوا متَّبعين لأهل المدينة ومنقادين لهم، لا يُعرف قبل مقتل عثمان أن = ٢٥٥ الأول : الصحيح [ش] وقال ابن المبارك: حديثُ أهلِ المدينة أصحُّ، وإسنادُهم أقرب(١). وقال الخطيب(٢): أصحُّ طُرُق السُّنَن ما يرويه أهل الحرمين: مكة والمدينة، فإن التدلیس عنهم قلیل، والكذب ووضع الحدیث عندهم عزیز. ولأهل اليمن رواياتٌ جيدة وطرقٌ صحيحة، إلا أنها قليلةٌ، ومرجِعُها إلى الحجاز أيضًا. ولأهل البصرة من السنن الثابتة بالأسانيد الواضحة ما ليس لغيرهم مع إکثارهم. [ب] أحدًا من أهل الكوفة أو غيرها يدعي أن أهل مدينته أعلم من أهل المدينة .. )). والتعليل الذي ذكرته في مطلع كلامي ((إذا كثر الشيء وقع فيه الخلل)): أشار إليه الرامهر مزي إشارة خفية، فإنه بوَّب في كتابه ص٥٥٣: ((باب من كره كثرة الرواية))، وذكر في آخره (٧٦١) كلمة عفان بن مسلم الصفار المتوفى سنة ٢١٩، في كثرة حديث أهل الكوفة، ثم (٧٦٣) كلمة محمد بن سيرين المتوفى سنة ١١٠ في ذلك أيضًا، ثم أعقبهما وختم الباب بكلمة الإمام سفيان الثوري (٧٦٤) أنه ذُكر عنده كثرة المحدثين فقال: ((أَوَليس قد يُضْرَب مَثَل: إذا كَثُر الملاَّحون غرقت السفينة؟!)). (١) في ب، و: أهل الحرمين، وفي ج: أهل الحجاز، وبيّض لها في ي وفوقها كذا، وما أثبته من غيرها، ومن ((معرفة السنن)) للبيهقي ١: ١٥٢، دون إسناد، ولفظه في آخره: وإسنادهم أقرب برجل، كأنه يريد: إسنادهم أعلى بطبقة؟. (٢) في ((الجامع)) (١٩٣٨، ١٩٤٠، ١٩٤١، ١٩٤٣، ١٩٤٦)، ثم قال (١٩٤٩): ((وللمصريين روايات مستقيمة، إلا أنها ليست بالكثيرة)). ٢٥٦ الأول : الصحيح [ش] والكوفيون مثلُهم في الكثرة، غير أن رواياتِهم كثيرةُ الدَّغَل قليلةُ السلامة من العلل. وحديث الشاميين أكثرُهُ مراسيلُ ومقاطيعُ، وما اتَّصل منه مما أسنده الثقات فإنه صالح، والغالب عليه ما يتعلَّق بالمواعظ. وقال ابن تيمية(١) : اتفق أهل العلم بالحديث على أن أصحَّ الأحاديث ما [ب] - (١) في رسالته ((صحة مذهب أهل المدينة))، والنصُّ المذكور ضمن ((مجموع فتاويه)) ٢٠: ٣١٦، ومصدر الشارح: ((النكت)) للزركشي ١٥٤:٢ (٣٣). ولا بدَّ من الرجوع إلى تمام كلام الشيخ ابن تيمية رحمه الله، ومما جاء فيه عقب هذا النقل : ((وأما أهل الكوفة فلم يكن الكذب في أهل بلد أكثر منه فيهم، ففي زمن التابعين كان بها خلق كثيرون منهم معروفون بالكذب، لا سيما الشيعة، فإنهم أكثر الطوائف كذبًا باتفاق أهل العلم، ولأجل هذا يذكر عن مالك وغيره من أهل المدينة أنهم لم يكونوا يحتجون بعامة أحاديث أهل العراق، لأنهم قد علموا أن فيهم كذابين، ولم يكونوا يميزون بين الصادق والكاذب، فأما إذا علموا صدق الحديث فإنهم يحتجون به، كما روى مالك عن أيوب السختياني، وهو عراقي، فقيل له في ذلك، فقال: ما حدثتكم عن أحدٍ إلا وأیوبُ أفضل منه. أو نحو هذا. ((وهذا القول هو القول القديم للشافعي .. ثم إنه رجع عنه، وأما علماء أهل الحديث كشعبة ويحيى بن سعيد وأصحاب الصحيح والسنن: فكانوا يميزون بين الثقات الحفاظ وغيرهم، فيعلمون مَن بالكوفة والبصرة مِن الثقات الذين لا ريب فيهم، وأن فيهم من هو أفضل من كثير من أهل الحجاز، ولا يستريب عالم في مثل أصحاب عبد الله بن مسعود: كعلقمة، والأسود، وعَبيدة السَّلْماني، والحارث التيمي، وشريح القاضي، ثم مثل إبراهيم النخعي، والحكم بن عتيبة، وأمثالهم: من = ٢٥٧ الأول : الصحيح أوثق الناس وأحفظهم. ((فلهذا صار علماء أهل الإسلام متفقين على الاحتجاج بما صححه أهل العلم بالحديث من أي مصر كان، وصنف أبو داود السجستاني ((مفاريد أهل الأمصار))، يذكر فيه ما انفرد أهل كل مصر من المسلمين من أهل العلم بالسنة». ثم قال رحمه الله: ((ثم إن بغداد صار فيها من العلم والإيمان ما صار، وترجَّحتْ على غيرها بعد موت مالك وأمثاله من علماء الحجاز، وسكنها مَن أفشى السنة بها وأظهر حقائق الإسلام، مثل أحمد بن حنبل وأبي عبيد وأمثالهما .. ، وانتشر أيضًا من ذلك الوقت في المشرق والمغرب، فصار في المشرق مثل ابن راهويه وأصحابه، وأصحاب عبد الله بن المبارك، وصار إلى المغرب من علم السنة ما نُقل إليهم من علماء الحديث، فصار في بغداد وخراسان والمغرب من العلم ما لا يكون مثله إذ ذاك بالحجاز والبصرة. أما أحوال الحجاز فلم يكن بعد عصر مالك وأصحابه من علماء الحجاز من يُفَضَّل على علماء المشرق والعراق والمغرب)). وقد سَبَق الكلَّ إلى هذا المعنى الإمام القاضي الثقة عبد الله بن شُبْرُمة الضبي الكوفي (٧٢ - ١٤٤) رحمه الله، فقد أسند أبو الشيخ في كتابه ((الأمثال)) (٣٦٤) إلى محمد بن فضيل بن غزوان، وهو ضبيّ كوفي أيضًا، أنه قال: ((كنت عند ابن شبرمة، وعنده رجل مدني، فجعل يقول: العلم من عندنا خرج، وعلينا أُنزل، قال: وأكثرَ كلامَه، فقال ابن شبرمة: يا مدني! إنما مَثَّلكم ومَثَلنا كمثل بيت فيه سراج، فجيء إلى السراج فأخرج!)). وهذا الكلام يفيد أمرين فوق مشاركة العراق للحجاز في العلم: يفيد نُقْلة العلم من الحجاز إلى العراق، ويفيد تاريخ هذه النقلة، وأنها كانت قُبيلَ طبقة الإمام مالك وأصحابه، على حدّ تعبير ابن تيمية. والله أعلم. وعلى هذا، فدعوى البيهقي في ((المعرفة)) ١٥٢:١ أن مذهب أكثر أهل العلم ترجيح رواية أهل الحجاز: هي دعوى في محل النظر، ولو أنه نسب هذا القول إلى = ٢٥٨ الأول : الصحيح [ش] رواه أهل المدينة، ثم أهل البصرة، ثم أهل الشام. قال أبو بكر البَرْدِيجي(١) : أجمع أهل النقل على صحة حديث الزهري، عن الرابع : (أكثر الحجازيين) كما سيأتي في كلام ابن تيمية لكان أوجه وأقرب. فقد عَرَض الشيخ ابن تيمية رحمه الله تعالى لهذه المسألة ضمن رسالته ((رفع المَلَام عن الأئمة الأعلام))، وهي في ((مجموع فتاويه)) قبل («صحة مذهب أهل المدينة))، فجعلها من أسباب اختلافهم في المسائل الاجتهادية، قال ٢٠: ٢٤١: «ومنها: أن کثیرًا من الحجازیین یرون أن لا يُحتج بحديث عراقي أو شامي إن لم یکن له أصل بالحجاز ... وإن كان أكثر الناس على ترك التضعيف بهذا، فمتى كان الإسناد جیدا کان الحدیث حجة .. ))، وهذه نتيجة لا خلاف فيها. (١) [في ((اللبّ) - (٤٦٠) -: ((البَرْديجي: بالفتح، فالسكون، وكسر المهملة، وتحتية، وجیم. إلى برديج قرب بردعة)). وفي (القاموس)): ((بِرْدیج - کپلْقيس - قرية بأَذْرَبيجان)). انتهى. وقال بعضهم: من كسر نظر إلى أنه ليس في كلامهم فَعْليل، بفتح الفاء.]. البَرْديجي: هو الإمام أحمد بن هارون المتوفّى سنة ٣٠١ عن نحو ثمانين عامًا، رحمه الله تعالى، وهو صاحب كتاب ((الأسماء المفردة من الصحابة والتابعين وأصحاب الحديث))، الآتي ذكره أول النوع التاسع والأربعين، مع استدراكات ابن بکیر علیه ٥: ٣٣٧. قلت: وسيأتي ضبط الشارح لهذه النسبة أول النوع الرابع عشر ٣: ٢٩٤، ويقول: بردعة: بلد بأذربيجان، وأنه يقال لأبي بكر البرديجي هذا: البردعي، أي: بالدال المهملة، كما ثبت ذلك في النسخ التي بين يدي. لكن زاد الشيخ هناك أنه يجوز = ٢٥٩ الأول : الصحيح [ش] سالم، عن أبيه. وعن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، من رواية: مالك، وابن عيينة، ومعمر، والزُّبَيدي، وعُقَيل، ما لم يختلفوا، فإذا اختلفوا تُوقّف فيه(١). قال شيخ الإسلام(٢): وقضيةُ ذلك أن يجريَ هذا الشرط في جميع ما تقدم، فيقال: إنما يوصف بالأصحية حيثُ لا يكون هناك مانعٌ من اضطراب أو شذوذ(٣). إعجامها، أي: البرذعي، وبالمعجمة ضبطها ياقوت ١: ٣٧٩. وأما أبو سعد السمعاني فذكر النسبتين ولم يذكر أنهما لشيء واحد، لكنه قال عن كلتا البلدتين: ((بأقصى أذربيجان)». وأما ابن الأثير: فإنه أهمل نسبة البرذعي - بالمعجمة - بتاتًا، وتبعه الشارح في (اللب)). وأما قول الشيخ ابن العجمي ((وقال بعضهم)): فسيكرر هذا أولَ النوع الرابع عشر ٣: ٢٩٤، ولم يفصح بمراده، وكأنه يريد ابن السِّيْد البَطَلْيَوْسي في كتابه («الاقتضاب شرح أدب الکاتب» ص٢٧٥. (١) أول من لفت النظر إلى هذا النقل: مغلطاي ٤٨:٢، وسمى كتاب البرديجي ((معرفة المتصل والموقوف))، ورجع إليه الزركشي ١٥٣:٢ (٣٣) فزاد من كلام البرديجي، وأما ابن الملقن ٤٨:١، وابن حجر ٢٦١:١ فأخذا من مغلطاي فقط، ولم ينقل السخاوي هذا الحكم، لكن نقل عن هذا الجزء أول نوع الموقوف ١٩٣:١، ووصف الكتاب بأنه ((جزء لطيف)). (٢) هذا من ((النكت الكبرى)). والله أعلم. (٣) على حاشية ك: ((الحمد لله. ثم بلغ قراءة عليّ. كتبه مؤلفه لطف الله به. آمين)). ٢٦٠ الأول : الصحيح [ش] فوائد : الأولى : تقدَّم(١) عن أحمد أنه سمع ((الموطأ)) من الشافعي، وفيه من روايته عن نافع، عن ابن عمر، العددُ الكثير، ولم يتَّصل لنا منه إلا ما تقدم(٢). قال شيخ الإسلام في ((أماليه))(٣): لعله لم يحدِّث به [عنه تامًا]، أو حدَّث به وانقطع؟. الثانية : جَمَع الحافظ أبو الفضل العراقي الأحاديث التي وقعت في ((المسند)) لأحمد، و((الموطأ))(٤) بالتراجم الخمسة التي حكاها المصنف، وهي المطلقة، - (١) ص٢٢٧. وتقدم هناك تعليقًا نقلُ الشيخ ابن العجمي كلمة ابنِ حجر هذه، وأنها ستأتي هنا. (٢) أي: لم يصل إلينا من رواية الشافعي عن ((موطأ)) مالك إلا الحديث المتقدم ص ٢١٧ - ٢٢٢: ((لا يبيعُ بعضكم على بيع بعض)). وينظر من ((إتحاف المهرة)) (١١١٣٤، ١١١٣٦، ١١١٤١، ١١١٦٨). (٣) هو ((موافقة الخُبْرِ الخَبَر)) ٢٣:١، وما بين المعقوفين زيادة منه. وأسند في ((توالي التأسيس)) ص ٢٠٤ إلى الحازمي قوله: ((تطلّبت رواية أحمد ((الموطأ)) عن الشافعي كثيراً فلم أظفر به، وأُراه انقطع ولم يُسمَع من أحمد))، قال الحافظ عقبه: ((وهذا - الاحتمال - الثاني أشبه. والله أعلم)). (٤) في عبارة الشارح إيهامُ أن العراقي لم يستخرج أحاديث كتابه ((تقريب الأسانيد)) إلا من هذين الكتابين، وليس كذلك. وعبارة الزين العراقي في مقدمة شرحه =