Indexed OCR Text

Pages 161-180

١٦١
الأول : الصحيح
[ش]
وأجيب عن ذلك: بأن المراد بالحدِّ: الصحيحُ لذاته لا لغيره، وما أُورد:
من قَبِيل الثاني(١).
[ب]
بموجبه لأجله)».
ويقال على كلام ابن الحصار خاصة - ويتبعه كلام الخطيب من حيث الجملة -:
في كلامه أمارتان لتصحيح الحديث الضعيف بأقسامه الثلاثة: الضعف اليسير،
والوسط، والشديد، هما: موافقة معناه لآية كريمة، أو الأصل شرعي، فهل مراد
الإمام ابن الحصار - والخطيب - ارتقاء السند الشديد الضعف إلى مرتبة: صحيح
الإسناد؟ أو: صحيح المعنى؟ أما الأول - الصحة الإسنادية -: فما أظنه مراداً، إذ ليس
في أحكامهم النظرية أو التطبيقية العملية ما يفيد ارتقاء سند ضعيف إلى سند حسن أو
صحيح بسبب شواهد المتن المعنوية، إنما يفيد ذكرهم لشواهد المتن الضعيف سنداً
تصحيح المتن من حيث المعنى، وهذا داخل مع الاحتمال الثاني: الصحة المعنوية
المتنية، لكن يقال عليه: إذاً، العمدة من حيث المعنى على الآية الكريمة، أو الأصل
الشرعي، لا على السند التالف، وحينئذٍ نقول: إذًا، لا داعي إلى قوله: لا يكون في
سنده كذاب، فسواء كان فيه كذاب أو لم يكن، فالعمدة هو المعنى الذي تضمنته الآية
أو الأصل الشرعي. والله أعلم.
هذا مع التنبيه الشديد، والتحذير الأكيد، من نسبة هذا القول إلى النبي صلى الله
علیه وسلم دون تنبيه إلى أنه مكذوب موضوع.
(١) وينظر هذا المبحث باستيفاء في الخاتمة التي ألحقها شيخنا رحمه الله تعالى
بـ«الأجوبة الفاضلة) للکنوي.
وأيَّد هذا المعنى الحافظ في ((النكت على ابن الصلاح)) ١: ٤٩٤ آخر بحث
الحديث الضعيف.

١٦٢
الأول : الصحيح
[ش]
السادس :
أُوْرِد أيضًا: المتواتر، فإنه صحيح قطعًا، ولا يُشْتَرط فيه مجموع هذه
الشروط(١).
قال شيخ الإسلام: ولكنْ يمكن أن يقال: هل يوجدُ حديثٌ متواتر لم تُجْمَع
فيه هذه الشروط؟!(٢).
السابع :
قال ابن حجر: قد اعتنى ابنُ الصلاح والمصنفُ بجعل الحسن قسمين:
أحدهما لذاته، والآخر باعتضاده، فكان ينبغي أن يُعْتَنَى بالصحيح أيضًا،
وينبَّهَ على أن له قسمين كذلك، وإلا فإن اقتُصِر على تعريف الصحيح لذاته
في بابه، وذُكِر الصحيح لغيره في نوع الحسن، لأنه أصله: فكان ينبغي أن
يُقْتَصر على تعريف الحسن لذاته في بابه، ويُذْكر الحسنُ لغيره في نوع
الضعيف، لأنه أصله(٣).
[ب] -
(١) الإيراد وجوابه: في ((النكت)) لابن حجر ٣٦٣:١، لكن اقتصاره في الإيراد
على المتواتر فقط، يشعر بأن الشارح ينقل عن ((النكت الكبرى)). والله أعلم، وكذلك
أقول في النقل التالي تحت: التنبيه السابع، وتحت الفائدة الأولى.
(٢) الظاهر أنه ينبغي أن يُزاد في السؤال جملة أخرى ليتمَّ للحافظ اعتراضه،
فيقال: هل يوجد حديث متواتر لم تجتمع هذه الشروط في إسناد واحد من أسانيده؟
وينبغي أن يكون الجواب على لسان الحافظ حسب الظاهر: لا يوجد، وأما على لسان
الشارح: فالجواب - كما هو ظاهر من بعض الأحاديث التي ذكرها في كتابه ((قطف
الأزهار)) -: نعم، يوجد. والله أعلم.
(٣) على حاشية ك: بلغ.

١٦٣
الأول : الصحيح
[ش]
فائدتان :
الأولى: قال ابن حجر: كلامُ ابنِ الصلاح في ((شرح مسلم)) له(١) يدلُّ على
أنه أَخَذَ الحدَّ المذكور هنا من كلام مسلم، فإنه قال: شَرْطُ مسلمٍ في ((صحيحه))
أن يكونَ متصلَ الإسنادِ بنقلِ الثقةِ عن الثقة، من أوله إلى منتهاه، غيرَ شاذٌّ ولا
معلَّل. وهذا هو حدُّ الصحيح في نفس الأمر.
قال شيخ الإسلام: ولم يتبيَّن لي أَخْذُه انتفاءَ الشذوذ من كلام مسلم، فإنْ
كان وقف عليه من كلامه في غير مقدمة ((صحيحه)): فذاك، وإلا فالنظرُ السابقُ
في السلامة من الشذوذ باقٍ.
قال: ثم ظَهَر لي مأخذُ ابن الصلاح، وهو: أنه يَرَى أن الشاذَّ والمنكرَ
اسمان لمسمى واحد، وقد صرَّح مسلم بأن علامةَ المنكرِ أن يروي الراوي عن
شيخٍ كثيرِ الحديثِ والرواةِ شيئًا ينفرِدُ به عنهم، فيكونُ الشاذَّ كذلك، فيُشترط
انتفاؤه.
الثانية: بقيَ للصحيح شروط مختلَف فيها.
١ - منها: ما ذكره الحاكم في ((علوم الحديث))(٢): أن يكون راويه مشهوراً
(١) ((صيانة صحيح مسلم من الإخلال والغلط)) لابن الصلاح ص٧٢.
(٢) نسب الشارح هذا الكلام إلى ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم، ولم أر فيه
ولا في (المدخل إلى الإكليل)) شيئًا، ومحلَّه المناسب في ((المعرفة)): النوعُ الثالث
ص١٣٠ فما بعدها. وقد أبرأ الشارح عهدته في كتابه ((البحر)) من هذا العزو، فنقله
عن الحافظ ابن حجر فقال ١: ٣٢٨: ((قال الحافظ في ((نكته)): زاد الحاكم في ((علوم
=

١٦٤
الأول : الصحيح
[ش]
بالطلب، وليس مرادُه الشهرةَ المخرِجةَ عن الجهالة، بل قدرٌ زائد على ذلك.
قال عبد الله بن عون: لا يُؤْخَذُ العلم إلا عمن شُهِد له بالطلب(١).
وعن مالك نحوه(٢).
-
الحديث)) في شرط الصحيح .. )). وكلام الحافظ جاء في ((النكت)) ١: ٢٣٨، وهذا
- والله أعلم - سبق ذهن من الحافظ رحمه الله، سَبَق ذهنه من الخطيب إلى الحاكم،
فالكلام للخطيب. والله أعلم.
فقد جاء هذا الشرط وهذا النقل عن ابن عون في ((الكفاية)) للخطيب ص١٦١ ،
وبيَّن أن المراد من الشهرة أمر زائد على الشهرة المخرِجة عن الجهالة فقال: ((أولُ
شرائط الحافظ المحتجِّ بحديثه إذا ثبتتْ عدالته: أن يكون معروفًا عند أهل العلم
بطلب الحديث وصرْف العناية إليه)). ثم استدل لقوله هذا بكلام ابن عون وغيره،
ومراد الخطيب بـ ((الحافظ)) في قوله: ((أول شرائط الحافظ)): الذي يروي من حفظه.
وينبغي ملاحظة هذا الكلام مع عنوان الباب.
(١) هذا لفظ عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، الإمام الحافظ، فقيه الشام مع
الإمام الأوزاعي، أسنده إليه أبو زرعة الدمشقي في ((تاريخه)) (٨٣٥)، ومن طريقه
الخطيب في ((الكفاية)) ص ٨٧ - ٨٨، ١٦١.
أما لفظ ابن عون: فنحوه، وهو - كما في ((الكفاية)) ص ١٦١ -: ((لا نكتب
الحديث إلا ممن كان عندنا معروفًا بالطلب)».
وزاد أبو زرعة، فنقل عن الإمام أبي مسهر عبد الأعلى بن مسهر الشامي في
تفسير قول ابن جابر، قال: إلا جليسَ العالم، فإن ذلك طلبه.
(٢) ((الكفاية)) ص ١٦٢.

١٦٥
الأول : الصحيح
[ش]
وفي ((مقدمة مسلم)) (١) عن أبي الزِّناد: أدركتُ بالمدينة مئةً، كلُّهم مأمون،
ما يُؤخذُ عنهم الحديث، يقال: ليس من أهله.
قال شيخ الإسلام(٢): والظاهرُ من تصرُّف صاحبي الصحیحِ اعتبارُ ذلك،
إلا إذا كثرتْ مَخَارج الحديث فيستَغْنيان عن اعتبار ذلك، كما يُسْتغنى بكثرة
الطُّرُق عن اعتبار الضبط التام.
وقال شيخ الإسلام: ويمكنُ أن يقالَ: اشتراطُ الضبط يُغني عن ذلك، إذِ
المقصودُ بالشهرة بالطلب: أن يكون له مزيدُ اعتناءِ بالروايةِ لِتركَنَ النفس إلى
كونه ضبطَ ما رَوَى(٣).
٢ - ومنها: ما ذكره السَّمْعاني في ((القواطع)) (٤): أن الصحيح لا يُعرفُ برواية
[ب] -
(١) ((مقدمة صحيح مسلم)) ١: ١٥، وفي النسخ إلا أ: عن ابن أبي الزناد.
(٢) في ((النكت على ابن الصلاح)) ١: ٢٣٨ نحوُ الشطر الأول من هذا الكلام،
وهذا النقل واللذان بعده - والله أعلم - عن ((النكت الكبرى)).
(٣) على حاشية ك: بلغ.
(٤) ((السمعاني)): [بالفتح والسكون]. أي: بفتح السين المهملة وسكون الميم، هكذا
ضبطه الإمام أبو سعد السمعاني في كتابه («الأنساب)) ٣: ٢٩٨، وهو حفيد أبي المظفّر.
((قواطع الأدلة)) للإمام أبي المظفَّر السمعاني (٤٢٦ - ٤٨٩) رحمه الله ٦١٧:٢:
وأوَّل كلامه: ((وقد قالوا: إن الصحيح لا .. )). فصدَّره بحكاية هذا المذهب عن جماعة
أهل الحديث، دون عزو لمعيَّن، ورأيته بهذا اللفظ عند الحاكم في ((معرفة علوم
الحدیث)» ص٢٣٨.
وهذا لفت نظر مهم جداً من هذين الإمامين، ومن لم يصرِّح به من أئمتنا فهو
=

١٦٦
الأول : الصحيح
[ش]
الثقات فقط، وإنما يعرفُ بالفهم والمعرفة وكثرة السماع والمذاكرة.
قال شيخ الإسلام: وهذا يُؤْخَذ من اشتراط انتفاءِ كونه معلولاً، لأن
الاطلاع على ذلك إنما يحصُل بما ذُكِرٍ من الفهم والمذاكرة وغيرهما.
٣ - ومنها: أن بعضهم اشترطَ عِلمه بمعاني الحديث حيثُ يَروي بالمعنى،
وهو شرطٌ لا بدَّ منه، لكنه داخلٌ في الضبط، كما سيأتي في معرفة من تقبل
روایته(١).
٤ - ومنها: أن أبا حنيفة اشترط فقه الراوي(٢).
[س)
مقرٌّ به، إذ الإسلام ليس رسوماً شكلية، بل هو رسوم ومعانٍ ومعارفُ وعلومٌ ترجع
إلی قواعد و کلیاتٍ وثوابتَ في الدین.
(١) في النوع الثالث والعشرين: ٤: ١٦ - ١٧. ولهذا الشرط صلة بالشرط الذي
بعده، وهو فقه الراوي. وللإمامين الرامهرمزي في ((المحدث الفاصل)) (٣٧٦) فما
بعدها، والخطيب في ((الكفاية)) ص١٦٧ - ٢٠٣ بحث مستفيض ونقول كثيرة جدًّا تهمُّ
هذه المسألة والتي بعدها.
وقد قال الرامهرمزي (٣٨٦): ((نقول: إن الأولى بالمحدث، والأحوطَ لكل راو:
أن يرجع عند الرواية إلى كتابه، ليسلم من الوهم)). وحكى ابن عبد البر في مقدمة
((التمهيد)) ١: ٢٨ = ٨٧ استحباب ذلك عن جميع أهل العلم. وقال الخطيب
ص١٦٧ : ((المستحبُّ له أن يورد الأحاديث بألفاظها، لأن ذلك أسلم له))، وينظر ما
سيأتي ٤: ٤٢١ فما بعدها.
(٢) [ولهذا ردَّ حديث نقض الوضوء بمسِّ الذكر.].
الحديث رواه أصحاب السنن الأربعة، كلهم من حديث بُسرة بنت صفوان تحت
=

١٦٧
الأول : الصحيح
[ب]
كتاب الطهارة، فأبو داود (١٨٣)، والترمذي (٨٢) وقال: حسن صحيح، والنسائي
(١٦٣)، وابن ماجه (٤٧٩).
وقد روى هؤلاء الأئمة الأربعة عقب هذا الحديث حديث طَلْقٍ بن علي رضي الله
عنه في ترك الوضوء من مسِّ الذكر. وتواردُهم على هذا الصنيع يدلّ على أن اختيارهم
هو لحديث طلق لا لحديث بُسرة، وهو مذهب جماعة من الأئمة غيرهم، مما يدل
على أن الإمام أبا حنيفة لم يردَّ حديث بُسرة للمعنى الذي يريده ابن العجمي. والمسألة
أوسع من أن يُتُوسَّع في الكلام عليها هنا، ولكن انظر لزامًا كلام العلامة الفنجابي
رحمه الله تعالى في التعليق على ((نصب الراية)) ١: ٦٤ فما بعدها، فإنه من نفائس
التحقیق.
وهل صحيح أن الإمام أبا حنيفة يشترط كون الراوي فقيهًا ليقبل حديثه؟.
الجواب: أن هذا كلام لا يعرف عن الإمام أبي حنيفة، ولا عن غيره من
أصحابه، أو من أهل العلم عامة، وللإمام العلاء البخاري في شرحه ((كشف الأسرار))
٣٧٩:٢ - ٣٨٣ كلام طويل نفيس في (فقه الراوي)، ختمه بقوله: ((لم ينقل عن أحد
من السلف اشتراط فقه الراوي، فثبت أن هذا القول مستحدث)).
هذا من حيث كونه شرطاً في قبول رواية الراوي، لكن الحنفية لا يُسَوُّون بين
الفقيه وغيره، بل لفقه الراوي أثر في أمرين، كما قال الكوثري رحمه الله تعالى في
((النكت الطريفة)) ص ٢٦٢: ((إنما تأثيرُ كون الراوي فقيهًا: ترجيحُ روايته على رواية
غيره، وقبولُ روايته بالمعنى، بخلاف الراوي غيرِ الفقيه، فإنه مظنة غلط في
الموضعين))، وسبق منه هناك ص ٢٦٠ تعليقًا نفيُ ذلك القول عن أبي حنيفة. وينظر ما
يأتي ٥: ١٢٤.
وقد ذكروا حديث بُسْرة بنت صفوان في مسألة خبر الواحد فيما تعم به البلوى
- انظر ((ميزان الأصول)) للعلاء السمرقندي ص٤٣٤، وغيره من كتب الحنفية -، لا
لأن راويه غير فقيه، كما أفاده صنيع ابن العجمي.

١٦٨
الأول : الصحيح
[ش]
قال شيخ الإسلام: والظاهر أن ذلك إنما يُشْتَرط عند المخالفة، أو عند
التفرُّد بما تَعمُّ به البلوى.
٥ - ومنها: اشتراطُ البخاريِّ ثبوتَ السماعِ لكل راوٍ من شيخه، ولم يكتفِ
بإمكان اللقاء والمعاصرة، كما سيأتي(١).
[ب]
(١) صفحة ٢٩٢ فما بعدها، في بحث المفاضلة بين الصحيحين. وهذا
الاشتراط ذكره الزركشي في ((النكت)) ١٦٨:٢ (٣٩)، وينبغي أن تكون عبارة الشارح:
لم يكتف بثبوت المعاصرة وإمكان اللقيّ، وفي عبارة الزركشي خلل أشدّ.
وكونُ شرط البخاري هذا للأصحية لا للصحيح، في أحاديثه المسنَدةِ في الأصول:
هو لسان حال العلماء من بعد الشيخين، فإنهم متفقون على أن الكتابين صحيحان، وعلى
أن ((صحيح)) البخاري أرجح من ((صحيح)) مسلم، ومن جملة وجوه ترجيح الأول:
اشتراطه ثبوتَ اللقاء بین الراوي وشیخه، مع اكتفاء مسلم بإمكان اللقاء دون ثبوته. ولو أن
العلماء يرون شرط مسلم هذا ضعيفًا، لما وصفوا كتابه بالصحة، فينتج من هذا أن مذهب
مسلم شرط الصحيح، ومذهب البخاري للأصحية.
وإنما قلت: شرطه هذا في أحاديثه المسندة الأصول: لإخراج معلَّقاته، وما يرويه
متابعة واستشهادًا.
ولمّا عجِب أبو بكر الإسماعيلي رحمه الله صاحب ((المستخرج على صحيح
البخاري)) من صنيع البخاري وموقفه من أحاديث عبد الله بن صالح کاتب الليث،
فقال: ((هذا عجيب: يحتج به إذا كان منقطعًا - أي معلّقًا - ولا يحتج به إذا كان
متصلاً!))، أجابه ابن حجر بقوله في ((مقدمة الفتح)) ص٤١٥: ((إن البخاري إنما صنع
ذلك لما قررناه: أن الذي یورده من أحاديثه صحیح عنده، قد انتقاه من حديثه، لكنه
لا يكون على شرطه الذي هو أعلى شروط الصحة، فلهذا لا يسوقه مَساق أصل
الكتاب، وهذا اصطلاح له قد عرف بالاستقراء من صنيعه، فلا مشاحة فيه. والله
=

١٦٩
الأول : الصحيح
[ش]
وقيل: إن ذلك لم يذهبْ أحد إلى أنه شرطٌ للصحيح بل لِصَحّه(١).
٦ - ومنها: أن بعضهم اشترط العدد في الرواية كالشهادة.
قال العراقي(٢): حكاه الحازمي في ((شروط الأئمة)) عن بعض متأخري
[ب] -
أعلم)). مع التنبيه إلى أن هذا القول من الإسماعيلي له صلة بما سيأتي صفحة ٣٣٨
حول معنى قول الحاكم: احتج الشيخان بفلان، أو هذا حديث على شرطهما.
ومما ينبغي التنبيه إليه في عبارة الشارح: قوله ((اشتراط البخاري ثبوت السماع .. ))
ففيه: أن المعروف في كلام أهل العلم: اشتراطه ثبوت اللقاء، واللقاء دون السماع، كما
أوضح هذا جليًّا الحافظ ابن رجب رحمه الله في ((شرح علل الترمذي)) ١: ٣٦٧. وللبحث
تتمة مهمة تأتي ص ٣٤٠ فما بعدها في موضعه إن شاء الله تعالى، تنظر هناك ولا بدّ.
(١) الضبط من ك. ولم يذكر الزركشي هذا الجواب، وكأن صاحب هذا (القيل)
يريد الخروج من إشكال كبير، هو: أن العلماء متفقون على تسمية كتابي البخاري ومسلم
بـ: الصحيحين، فإذا كان شرط البخاري شرطًا للصحة، ومسلم لا يراه، فالأحاديث التي
جاءت في ((صحيحه)) على مقتضى قوله هذا، غيرُ صحيحة على مقتضى قول البخاري،
فتعارض ما اتفقوا عليه، مع هذا الحكم والنتيجة، وحينئذٍ فالخروج من هذا الإشكال
يكون بهذا (القيل): شرط مسلم للصحة، وشرط البخاري للأصحية، أو بما قاله النووي
في ((شرح مسلم)) ١: ١٤: ((لا نحكم على مسلم بعمله في ((صحيحه)) بهذا المذهب .. )) !.
والواقع أنه شرط للصحة، لكن على المعنى الذي سيأتي شرحه، والله أعلم.
وأما قول النووي في ((شرح مسلم)) ١: ١٤: ((لا نحكم على مسلم بعمله في
((صحيحه)) بهذا المذهب .. )): فقول غريب أمام مناضلة الإمام مسلم عن مذهبه،
وشدته علی مخالفیه، على أن الواقع خلافه.
(٢) في ((شرح ألفيته)) ص٨، و((التقييد والإيضاح)) ٢١٩:١. وأما كلام الحازمي
=

١٧٠
الأول : الصحيح
[ش]
المعتزلة، وحُكِي أيضًا عن بعض أصحاب الحديث.
قال شيخ الإسلام(١): وقد فهم بعضُهم ذلك من خلالِ كلامِ الحاكم في
[ب]
ففي ((شروط الأئمة الخمسة)) له ص٤٧.
[((الحازمي)): أبو بكر محمد بن أبي عثمان: موسى، الحافظ، صاحب
التصانيف، مات سنة ٥٨٤. ((تبصير)) . - ((تبصير المنتبِه)) أول الجزء الثاني -. ].
(١) كأن النقل، من ((النكت الكبرى))، وتنظر ((النكت)) المطبوعة ١: ٢٤٠.
وقد قال الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) ص٢٤٢: ((صفة الحديث الصحيح:
أن يرويه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم صحابي زائل عنه اسم الجهالة، وهو: أن
يرويَ عنه تابعيان عدلان، ثم يتداولَه أهل الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا، كالشهادة
على الشهادة)).
وقال في ((المدخل إلى الإكليل)) ص٧٣: ((الصحيح من الحديث منقسم على
عشرة أقسام، خمسة منها متفق عليها، وخمسة منها مختلف فيها. فالقسم الأول من
المتفق عليها: اختيار البخاري ومسلم، وهو الدرجة الأولى من الصحيح. ومثاله:
الحديث الذي يرويه الصحابي المشهور بالرواية عن رسول الله صلی الله عليه وسلم،
وله راويان ثقتان، ثم يرويه عنه التابعي المشهور بالرواية عن الصحابة، وله راویان
ثقتان، ثم يرويه عن أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور، وله رواة من الطبقة
الرابعة، ثم يكون شيخ البخاري أو مسلم حافظًا متقنًا مشهوراً بالعدالة في روايته،
فهذه الدرجة الأولى من الصحيح)).
وبين الكلامين اختلاف، فكلامه في ((المعرفة)): في صفة الحديث الصحيح
عامة، وكلامه في ((المدخل)) في صفة أحاديث الصحيحين خاصة، ومعه تلميذه
البيهقي في ((السنن)) الكبرى)) ٤: ١٠٥، على قوله الذي في ((المدخل))، وسيأتي

١٧١
الأول : الصحيح
[ش]
((علوم الحديث))، وفي ((المدخل))، كما سيأتي في شرط البخاري ومسلم،
وبذلك جزم ابنُ الأثير في مقدمة ((جامع الأصول))(١)، وغيرُه.
وأعجبُ من ذلك ما ذكره المَيَانِجي في كتاب ((ما لا يَسَعُ المحدِّثَ
جَهْلُه))(٢): شرطُ الشيخين في صحيحيهما أن لا يُدخِلا فيه إلا ما صحَّ عندهما،
[ب] -
-
تفصيل البحث في صفحة ٤٦٨ إن شاء الله تعالى، مع أني لم أصل إلى ما يفيد.
(١) ((جامع الأصول)) ١٦١:١ فما بعدها. وفي دعوى الجزم على ابن الأثير نظر،
وفي نقل كلامه طُول، فينظر هناك، ورأيُه وفهمُه لكلام الحاكم هو المعنى الذي
استظهره الحافظ في ((النكت)) ١: ٢٤٠ من كلام الحاكم، وعبارة الحافظ في ((النكت))
١ : ٣٦٧ أيضًا فيها نظر.
(٢) صفحة ٢٦٦ - ٢٧٨.
[((الميانجي)): ((بالفتح، والتحتية، وفتح النون، وجيم. إلى مَيَانَج، موضع
بالشام، وإلى مَيَانة، بلد بأَذْرَبِيجان. (لبّ) - (٣٩٢١) -. لكن ذكر ابن أبي شريف في
((حاشيته على شرح النخبة)) - ص٢٥ - أن المنسوب إلى مَيّانة: جيمه بين الجيم
والشين بلغة الفُرس.].
وقال: ((نسبة: إلى ميانة، بلدة بقرب أذربيجان))، ويجوز كسر الميم من مَيانة.
و((ميانة معناه بالفارسية: الوسط))، كما قال ياقوت في ((معجمه)) ٥: ٢٧٦، ٢٧٧،
٢٧٨. وهذه متوسطة بين مَرَاغة وتِبْريز. كما أنه يجوز كسر النون التي بعد الألف، قاله
ياقوت أيضًا في ((المشترك وَضْعًا والمفترق صُفْعًا)) ص٤١١.
إلا أن أبا حفص الميانجي هذا المذكور هنا ليس منسوبًا إلى الموضع الشامي ولا
إلى الأذربيجاني، إنما هو منسوب إلى مَيَّانِش «قرية صغيرة من قرى المَهْدِيَّة بإِفْرِيقيَّة،
=

١٧٢
الأول : الصحيح
[ش]
وذلك ما رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم اثنانِ فصاعدًا، وما نقلَه عن كلِّ
واحدٍ من الصحابة أربعةٌ من التابعين فأكثر، وأن يكون عن كلِّ واحدٍ من
التابعين أكثرُ من أربعة. انتهى.
قال شيخ الإسلام(١): وهو كلامُ مَنْ لم يُمارسِ الصحيحين أدنى ممارسةٍ،
فلو قال قائل: ليس في الكتابين حديثٌ واحد بهذه الصفة لَمَا أَبْعَد.
وقال ابن العربي(٢) في ((شرح الموطأ)): كان مذهبُ الشيخين أن الحديث لا
[ب]
بينها وبين المهدية نصف فرسخ))، كما قاله ياقوت في ((معجمه)) ٥: ٢٣٩، وترجم
بعد هذا الكلام لأبي حفص هذا، وأفاد أنه من شيوخ شيوخه، ولم يترجمه تحت
الكلام على ميانج ولا ميانة. وبهذا يتبيَّن أن شينه أصلية ليست الشين الفارسية التي بين
الجيم والشین، وانظر ما تقدم ص٧٩.
(١) من ((النكت الكبرى)) والله أعلم، وقد نقله الشارح في ((البحر)) ١: ٣٧٥،
وفيه زيادة حكاية أقوال أخرى، وقال الحافظ في ((النكت)) المطبوعة ١: ٢٤١: ((هذا
الذي قاله الميانجي مستغنٍ بحكايته عن الرد عليه، فإنهما لم يشترطا ذلك، ولا واحد
منهما، وكم في الصحيحين من حديث لم يروه إلا صحابي واحد، وكم فيهما من
حديث لم يروه إلا تابعي واحد. وقد صرَّح مسلم في ((صحيحه)) ببعض ذلك، وإنما
حكيت كلام الميانجي هنا لأَتعقَّبه، لئلا يُغْتَرَّ به)).
وتصريح مسلم بذلك الذي عناه الحافظ: لعله قوله في أوائل كتاب الأيمان ٣:
١٢٦٨ (١٦٤٧): ((للزهري نحوٌ من تسعين حديثًا يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم
لا يشاركه فيه أحد، بأسانيدَ جياد)).
(٢) ((ابن العربي)) [بلام التعريف، القاضي أبو بكر المالكي. وأما محمد بن
=

١٧٣
الأول : الصحيح
[ش]
يُثُبُتُ حتى يرويَه اثنان. قال: وهو مذهبٌ باطل، بل روايةُ الواحدِ عن
الواحد صحیحةٌ إلى النبي صلى الله علیه وسلم.
وقال في ((شرح البخاري))(١) عند حديث ((الأعمال)):
عبد الله الحاتمي الطائي الصوفي: فابن عربي، بدون لام. كما في ((القاموس)) . - ع ر
ب -].
لكن يؤخذ على ابن العجمي متابعته لصاحب ((القاموس)) في التمييز بينهما بلام
التعريف، وفي أن الحاتمي اسمه محمد بن عبد الله، مع أنه محمد بن علي، وأما
محمد بن عبد الله فهو أبو بكر المالكي. وكانت وفاة أبي بكر سنة ٥٤٣، ووفاة
الحاتمي الصوفي سنة ٦٣٨، رحم الله الجميع، وحصل اشتباه نحو هذا للإمام ابن
رُشَيد في «رحلته)) ٣٧٤:٣ فيصحح أيضًا.
والتمييز بينهما بلام التعريف: أمر مشهور، فإن أُريد به أن أصل التسمية هكذا
- وهو الأصل في كلام صاحب ((القاموس)) -: فهو غير صحيح، فما يزال أهل المغرب
يسمون أولادهم بـ(العربي) بلام التعريف، وإن أُريد به التفرقة الاصطلاحية لسهولة
التمييز بينهما: فلا بأس.
هذا، وللإمام ابن العربي شرح على ((الموطأ)) مختصر، طبع باسم ((القبس))،
ومطوَّل طبع أيضاً باسم ((المسالك شرح موطأ مالك)).
(١) ذكر حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) ١: ٥٥٣ هذا الشرح، وهذا نقلٌ عنه،
وفي ((الفتح)) ٨٥:١ نقل آخر عنه.
وقد فات ذكرُه محبَّ الدين الخطيب في مقدمته لـ((العواصم من القواصم))،
والدكتور محمدًاً السليمانيَّ في مقدمته لـ((قانون التأويل))، ومقدمته الأخرى
لـ«المسالك في شرح موطأ مالك)» ص ١١٢، وثلاثتها لابن العربي.
=

١٧٤
الأول : الصحيح
(ت)
و((حديث الأعمال)): واضح أنه حديث: ((إنما الأعمال بالنيات)) الذي افتتح البخاري
به «صحیحه))، وهو حديث غني عن التخريج. لكن من المفيد التنبيه فیه إلى أمرين:
أحدهما: أن الإمام مالكًا رحمه الله ممن روی هذا الحدیث عن یحیی بن سعيد
الأنصاري، وهذا واضح لا نزاع فيه من خلال رواية الشيخين له من طريقه، لكن
النزاع في أن مالكًا رواه في ((موطئه)) أوْ لا؟.
فقال الحافظ في ((الفتح)) ١: ١١: ((إن هذا الحديث متفق على صحته، أخرجه
الأئمة المشهورون إلا ((الموطأ»، ووهم من زعم أنه في ((الموطأ)) مغترًا بتخريج
الشيخين له والنسائي من طريق مالك))، يريد أبا الخطاب ابن دِحْية.
وتعقّب هذا النفيَ الشارح رحمه الله في مقدمة جزئه ((منتهى الآمال)) الذي شرح
فيه هذا الحديث ص١٧، وفي مقدمة حاشيته ((تنوير الحوالك)) ص١٠، وأن الحديث
في ((موطأ مالك رواية الإمام محمد بن الحسن الشيباني)) ص٣٤١ (٩٨٣) أواخر باب
النوادر.
ورواه أبو الحسن ابن صخر الأزدي في ((عوالي مالك)) - لا الخِلَعي في
((الخِلَعيات)) - من طريق عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث ومالك والليث،
انظر ((كنز العمال)) (٨٧٨١).
وجاء أيضًا في ((المستخرجة)) - أو ((العُتْبية)) - التي شرحها ابنُ رُشد الجدُّ في
((البيان والتحصيل)) ١٨: ٤٢٠. و((المستخرجة)) هذه جمعها الفقيه الأندلسي المالكي
محمد بن أحمد بن عبد العزيز العُتْبي المتوفّى سنة ٢٥٤ أو ٢٥٥، فذكر فيها ما سمعه
من أصحاب مالك: یحیی الليثي ونظرائه.
ثانيهما: اشتهر أن سببَ ورود حديث ((إنما الأعمال بالنيات)) قصةُ مهاجِر أمِّ
قيس، ذلك أنه خطبها فَأَبَتْ أن تتزوجه حتى يهاجر، والقصة صحيحة لكنها كانت
على عهد ابن مسعود رضي الله عنه، كما تجد ذلك في ((جامع العلوم والحكم)) لابن
رجب ص٧٤، و((فتح الباري)) لابن حجر ١: ١٠، وينظر ما سيأتي ٥: ٦٢٤.

١٧٥
الأول : الصحيح
انفرد به عمر (١)، وقد جاء من طريقِ أبي سعيد، رواه البزار بإسناد
[ش]
(١) قال الإمام الخطابي في ((أعلام الحديث)) ١: ١١٠: ((لا أعلم خلافًا بين أهل
الحديث في أن هذا الخبر لم يصح مسندًا عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا من رواية
عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقد غلط بعض الرواة، فرواه من طريق أبي سعيد
الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم))، ثم ذكر إسناده، وقال عنه: ((مقلوب، إنما
هو إسنادُ حديثٍ آخر أُلصق به هذا المتن)). وتُوبع على قوله: لم يصح إلا من رواية
عمر، فالأسانيد الأخرى - وإن كان ظاهرها الصحة - فهي شاذة معلَّلة، والذي ورد
منها بلفظ حديث عمر رضي الله عنه أو بنحوه قريب منه: هو حديث علي، وأبي
سعید، وأنس، وأبي هريرة.
وقد خرَّجها الحافظ العراقي بالتفصيل في ((النكت)) ١: ٧٨١ وما بعدها،
وباختصارٍ أول الجزء الثاني من ((طرح التثريب)). فحديث علي قال عنه في ((النكت)):
(رواه ابن الأشعث في ((سننه))، والحافظ أبو بكر محمد بن ياسر الجَيَّاني في ((الأربعين
العلوية)) من طريق أهل البيت بلفظ ((الأعمال بالنية))، وفي إسناده من لا يعرف)).
وابن الأشعث هذا: هو أبو الحسن محمد بن محمد بن الأشعث الكوفي المصري،
ترجم له تلميذه ابن عدي في ((كامله)) ٧ (١٧٩٨)، وعنه الذهبي في ((الميزان)) (٦٨٥٣)
وكرره بعد (٧٦٥٥)، وابن حجر في ((اللسان)) ٦: ٣٦٢، وأنه شيعي وضاع مختلق، فلا
يفرح بروايته، ولا ينبغي ذكرها إلا مع بيان حاله. ولعل للرجل كنيتين: أبا الحسن، وأبا
علي؟ فقد ذُكِرٍ بكنيته الثانية في ((فتح الباري)) ١٣: ٥٤٥ آخر سطر، وفي ((الترجيح
لحدیث صلاة التسبيح)) لا بن ناصر الدین ص٥١، ٥٥.
وأما أبو بكر الجیاني: فهو محمد بن علي بن عبد الله بن ياسر الجیاني، نسب إلى
جده، ولد بالأندلس ٤٩٢، وتوفي في حلب ٥٦٣، رحمه الله تعالى، ووصل في
رحلته إلى خراسان !. ترجمه الذهبي في ((السير)) ٥٠٩:٢٠.
=

١٧٦
الأول : الصحيح
[ش]
ضعيف(١). قال: وحديثُ عمرَ وإنْ كان طريقُه واحدًا، إنما بَنَى البخاريُّ كتابه
وحديث أبي سعيد: تقدم، ولم يعلَّه العراقي بأحد، لكنه قال في ((طرح
التثريب)): ((هو غلط من ابن أبي رَوَّاد)» أحدٍ رواته، وهو ((صدوق يخطئ)))، وهذا أحد
أخطائه، كما نقله العراقي عن الدارقطني، وتعقّب به إعلالَ الخطابي لهذه الرواية
بنوح بن حبيب، وهو ظاهر كلام أبي نعيم في «الحلية)» ٦: ٣٤٢، مع أن البزار أعلَّه
بنوح، وإن كان ثقةً، فكأن البزار عمدة الخطابي. انظر كلام البزار في ((نصب الراية)»
١: ٣٠٢، والخطأ وما لم يُرْوَ شيء واحد.
وحديث أنس: ((رواه ابن عساكر في ((جزء)) من أماليه .. ، وقال: غريب جدًّا))،
كما في كتابي العراقي المذكورين.
وحديث أبي هريرة: ((رواه الرشيد العطار في بعض تخاريجه، وهو وَهَم أيضًا)).
قاله العراقي أيضًا.
وسيتكرر الكلام عليه في نوع الحديث الغريب: النوع الحادي والثلاثين ٥: ٦٠ -
٦١، وفيه كلام الخليلي في ((الإرشاد)) ١: ١٦٧، ٢٠٧، ٢٣٣ أن الخطأ في روايته من
حديث أبي سعيد إنما هو من ابن أبي رواد.
(١) لم يَعْزُ روايةَ أبي سعيد إلى البزار: العراقيُّ في كتابيه، ولا السيوطي في
((الجامع الصغير)) ولا («كنز العمال))، ولم يذكرها الهيثمي في ((مجمع الزوائد»، وكأن
ذلك لأن البزار لم يسندها، إنما ذكرها معلّقةً، كما هو صريح نقل الزيلعي لكلامه في
((نصب الراية)) ١ : ٣٠٢، فإنه قال رحمه الله: ((ورواه البزار في ((مسنده)) كما تقدم، ثم
قال - ١: ٣٨٢ من ((البحر الزخار)) -: ولا نعلمه يُروى إلا عن عمر بن الخطاب، عن
النبي صلی الله عليه وسلم بهذا الإسناد. انتهى.
=

١٧٧
الأول : الصحيح
[ش]
على حديثٍ يرويه أكثرُ من واحد، فهذا الحديثُ ليس من ذلك الفن، لأن عمرَ
قاله على المنبر بمحضَرِ الأعيان من الصحابة، فصار کالمجمع عليه، فكأن عمر
ذكَّرهم لا أخبرهم(١).
(ت)
-
((وقال في مسند الخدري: حديثٌ رُوي عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء
ابن يسار، عن أبي سعيد الخدري (وذكره)، أخطأ فيه نوح بن حبيب، ولم يتابَع
علیه، وليس له أصل عن أبي سعید. انتهى)).
(١) في أ، ج، و، ك: ((ذكّر). وهذا التعليل من ابن العربي تسويغٌ منه لعمل
البخاري، ليلتقيَ - في ظنِّه - صنيعُ البخاري مع منهجه حسبما فهمه من خلال سَبْره
لصحيحه، وسينقل الشارح مباشرة كلام ابن رُشَيد في الرد على هذا الفهم.
وجاء في الرواية أن عمر رضي الله عنه خطب به على المنبر في أول موضع روى
فيه البخاري الحديثَ. وكونُه خطب به بمحضر من أعيان الصحابة: هذا مستفاد من
الواقع العام، لا من نص منقول.
ويُستغربُ من المناوي رحمه الله قوله في ((فيض القدير)) ١: ٢٩: ((إن الخلفاء
الأربعة خطبوا به))؟! ولم يَرِدْ بسند صحيح إلا عن عمر منهم، ولا بسند ضعيف إلا
عن عليّ منهم، رضي الله عنهم.
وعلى كل، فإن قول ابن العربي هذا، يلتقي مع قوله السابق المنقول عن ((شرحه
على الموطأ)) في الادعاء على الشيخين أن مذهبهما هكذا، لكن يزيد النصُّ السابق منه
ردَّه لهذا المذهب، وقولَه عنه: ((هو مذهب باطل .. ))، وهذا التخالف بين قولَيْه هو
مراد العلامة الكوثري رحمه الله في كلامه آخر صفحة ١١٤ من تعليقاته على ((شروط
الأئمة)) للحازمي.

١٧٨
الأول : الصحيح
[ش]
قال ابن رُشَيد (١): وقد ذَكَر ابنُ حِبانَ(٢) في أول ((صحيحه)) - أن ما ادعاه
-
[ت)
(١) [ابن رُشَيد: بضم الراء، وشين معجمة، مصغّر، أبو عبد الله محمد بن عُمر
ابن محمد الفِهْري الأندلسي.].
أما الضبط: فصوابٌ، وسيكرره الشيخ ابن العجمي أول النوع الحسن ٣: ٥.
وأما النسب: فكما أثبتُّه: بن عُمر، وكتب قلمه: ابن عمرو، وهو عند جميع
مترجميه: ابن عُمر. وكانت ولادته سنة ٦٥٧، ووفاته سنة ٧٢١، رحمه الله تعالى.
واشتهر برحلته ((مِلْء العَيْبَة فيما جُمع بطول الغَيْبة إلى مكة وطيبة))، التي حقق الأجزاء
الموجودةَ منها الدكتور محمد الحبيب ابن الخوجة رحمه الله، وجزاه خيراً.
وأفاد في ((النكت الوفية)) ٨٣:١ أن كلامه هذا جاء في ((ترجُمان التراجِم)).
(٢) [ابن حِبانَ: بكسر المهملة، وشدِّ الموحّدة، وترك التنوين - لأنه بِزِنَة :
فعلان - الحافظ المشهور، صاحب ((الصحيح))، وهو أحمد بن سنان القطان.].
هذا الضبط صحيح مشهور، لا يعلم له مخالف إلا ما وقع في طبعات ((القاموس
المحيط)) في مادة (ب س ت)، من وضع فتحة فوق الحاء، وسلمت طبعة مؤسسة
الرسالة من هذا، وكلام المعلِّق عليه يفيد أن هذا وقع في كافة الطبعات القديمة، ولم
ينبه شارحه إلى شيء.
وقوله ((وترك التنوين .. )): يريد: ترك الصرف، أي: إنه ممنوع من الصرف، لزيادة
الألف والنون في آخره.
لكن لم أَرَ معنىَ لقوله ((وهو أحمد بن سنان القطان))؟! فالقطان هذا: من شيوخٍ
شيوخ ابن حبان، ترجمه ابن حبان في ((ثقاته)) ٨: ٣٣ وقال: ((حدثنا عنه ابنه جعفر بن
أحمد بن سنان))، وهو مترجم في ((التهذيب)) وغيره، ونَسَبه المزيُّ: أحمد بن سنان بن
أسد بن حِبّان القطان.
=

١٧٩
الأول : الصحيح
[ش]
ابن العربي وغيره - من أن شرطَ الشيخين ذلك مستحيلُ الوجود.
قال(١): والعجبُ منه كيف يَدَّعي عليهما ذلك ثم يزعم أنه مذهب باطل،
وسیعید ابن العجمي ضبط وترجمةً ابن حبان ص٣٤٤ علی وجه لا التباس فیه.
والكلامُ الذي أشار إليه ابن رُشَيد: مذكورٌ في أول ((الصحيح)) ١: ١٥٦ من
الإحسان، وهو لم يتحدَّث عن شرط الشيخين، كما توهمه العبارة، إنما قال: ((ليس
يوجد عن النبي صلى الله عليه وسلم خبر من رواية عدلين، روى أحدُهما عن
عدلين، وكلّ واحد منهما عن عدلين، حتى ينتهيَ ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه
وسلم. فلما استحال هذا وبطل ثبت أن الأخبار كلّها أخبار آحاد)).
فكلمة ((أن شرط الشيخين)): المرادُ بها: شرطهما المزعوم عليهما فيما تقدم في
كلام ابن العربي.
ومرادُ ابن رُشَيد: أن ما ادعاه الحاكم - وابن العربي - مذهبًا للبخاري التزمه في
جمیع ((صحيحه)): قد ادعى ابن حبان استحالته في الأسانيد كلُّها، كما سيأتي في كلام
الشارح ٥: ٥٣ أول النوع الحادي والثلاثين، وانظر البحث هناك.
وعلَّق عليه العلامة الكوثري رحمه الله فقال: ((يوهم ظاهر كلام ابن حبان أنه ينفي
وجود قسم العزيز من أقسام الحديث، ومن ثمةَ لم يقل الحازمي: إن ما ذكره هو
الصواب، ویمکن أن یاوَّل كلام ابن حبان بأن مراده أن يكون لكل راو راويان فقط من
غير زيادة ولا نقصان، والزيادةُ غير مضرَّة في العزيز. وأما رواية اثنين اثنينٍ فقط: فمما
لا يكاد يوجد)». فيكون قد توافق كلام الكوثري مع ابن حجر في احتمال نفي ما
استحاله ابن حبان. وللبحث عودة إن شاء الله تعالی.
(١) هو ابن رُشَيد رحمه الله تعالى. وقوله ((والعجب منه)): الضمير يعود على
ابن العربي، لا على ابن حبان. وهو كلام متين للغاية في نقض دعوى ابن العربي
=

١٨٠
الأول : الصحيح
[ش]
فليت شعري من أَعلَمه بأنهما اشترطا ذلك؟ إن كان منقولاً فليبيِّن طريقَه لِيُنْظَر
فيها، وإن كان عَرَفَه بالاستقراء فقد وَهِم في ذلك، فلقد كان يكفيه في ذلك
أولُ حديثٍ في البخاري، وما اعتذر به عنه: فيه تقصيرٌ، لأن عمر لم ينفرِدْ به
وحدَه، بل انفرد به علقمة عنه، وانفرد به محمد بن إبراهيم عن علقمة، وانفرد
به یحیی بن سعید عن محمد، وعن یحیی تعددتْ رواته(١).
وأيضًا: فكون عمرَ قاله على المنبر: لا يَستلزمُ أن يكون ذكَّر السامعين بما
هو عندهم، بل هو محتمِلٌ للأمرين، وإنما لم يُنكِروه لأنه عندهم ثقة، فلو
حدّتھم بما لم يسمعوه قط لم يُنكِروا علیه. انتهى.
[ب] -
ومن قال بمثل قوله.
ومن اللطائف الغرائب أن الحديث الأول - الأعمال بالنية - غريبٌ فردٌ في طبقاته
الأربعة: يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم التيمي، عن علقمة بن
وقاص الليثي، عن عمر، وكذلك آخر حديث ــ ((كلمتان خفيفتان)» -: غريبٌ فردٌ في
طبقاته الأربعة: محمد بن فُضيل، عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة البَجَلي، عن
أبي هريرة، رضي الله عنهم جميعاً، وكلاهما في الصحيحين.
(١) نُقل عن بعضهم أن الرواة له عن يحيى بن سعيد مئتان وخمسون نفسًا،
ونَقَل الزيلعي في ((نصب الراية)) ١ : ٣٠٢ عن أبي القاسم ابن منده أنه ذكر في كتابه
((المستخرج من كتب الناس للتذكرة، والمستطرف من أحوال الناس للمعرفة)) ((ثلاث
مئة وثلاثين رجلاً))، لكن الحافظ الذهبي سَرَد أسماءَهم وعددتُهم فبلغوا ٣٣٦ رجلاً.
ونُقل عن أبي إسماعيل الأنصاري الهروي أنه كتبه من حديث سبع مئة رجل! وذكر
الحافظ في ((الفتح)) ١: ١١، و((التلخيص الحبير)) ١: ٥٥، أنه تتبعه من ((أكثر من ثلاثة
آلاف جزء)» فما وصل إلى السبعين.