Indexed OCR Text
Pages 21-40
٢١ مقدمة المؤلف وإسنادُ ذلك إلى مَن عُزِيَ إليه(١) بتحديثٍ، أو إخبارٍ، أو غير ذلك. وشروطُها: تحمُّلُ راويها لما يرويه بنوعٍ من أنواع التحمُّل: من سماع، أو عَرْض، أو إجازة، ونحوِها(٢). [ب] - في الحديث، ومالك بن أنس إمام فيهما جميعًا)). فهو في رواية ابن أبي حاتم يجعل الثوري إمامًا فيهما، ويجعله في رواية أبي نعيم إمامًا في الحديث فقط. وجاء في ((فتاوى ابن الصلاح في التفسير والحديث والفقه والأصول)) ص٧٣ رقم المسألة (٥٧) ما نصه: ((قال بعضهم عن الإمام مالك رضي الله عنه: إنه جمع بین السنة والحديث، فما الفرق بين السنة والحديث؟ أجاب رضي الله عنه: السنة - هاهنا - ضدّ البدعة، وقد يكون الإنسان من أهل الحديث وهو مبتدع، ومالك رضي الله عنه جمع بين السُّتين، وكان عالماً بالسنة - أي الحديث - ومعتقدًا للسنة، أي كان مذهبُهُ مذهبَ أهل الحق من غير بدعة. والله أعلم)). ونقل هذا القول لابن مهدي - بلفظ أبي نعيم - الشارح السيوطي في أول ((تنوير الحوالك)» ولخَّص جواب ابن الصلاح هذا. وعلى هذا فالمراد بـ (الحديث) الجانب العلمي من الرجل، والمراد بـ (السنة) الجانب العملي منه. ویرشح لهذا الجواب قول ابن معین - وهو في (تهذيب الكمال» ٢٩: ٤٧٥ - عن نعيم ابن حماد: ليس في الحديث بشيء، ولكنه كان صاحب سنة. ونقل الخطيب في ((تاريخ بغداد)» ٤١٩:١٥ قول الدارقطني في نعيم هذا أيضًا: هو إمام في السنة، کثیر الوهم. وعلى كل: فلا ريب أن الثوري إمام فيهما أيضًا، ورضي الله عن الجميع. (١) على حاشية ك: أي: نُسِب. (٢) وبقية أنواع التحمُّل تأتي إن شاء الله تعالى ٤: ٢٠٣. ويُلاحظ في جعلِ البقاعي تحمُّلَ الراوي لما يرويه شرطًا من شروط الرواية: كأنه يَنْحَى مَنْحَى ابنِ خيرٍ الإشبيلي القائل في أوائل («فهرسته)» ص١٦: « .. سمعت الخطباءَ = ٢٢ مقدمة المؤلف وأنواعُها : الاتصالُ، والانقطاع، ونحوُهما. وأحكامُها : القبولُ والردُّ. وحالُ الرواة : العدالة والجرح. وشروطُهم في التحمُّل وفي الأداء، كما سيأتي(١). [ب] - على المنابر، وأعيانَ الناس في المشاهد والمحاضر، يذكرون أقوال النبي صلى الله عليه وسلم ولا رواية عندهم لها، وقد اتفق العلماء رحمهم الله على أنه لا يصح لمسلم أن يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم كذا، حتى يكون عنده ذلك القول مرويًّا، ولو على أقلُّ وجوه الروايات، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من كذب عليَّ متعمِّدًا فليتبوأ مقعده من النار))، وفي بعض الروايات: ((من كذب عليَّ .. )) مطلقًا دون تقييد)). كذا قال ابن خير رحمه الله: اتفق العلماء على ذلك! وهو قول في محل المنع، واستدلال في محل العَجَب !! وهو رحمه الله يرى العمل بالإجازة، كما هو واضح جدًّا في كتابه، لكنه لم يتكلم على الوجادة بنفي أو إثبات، ولو كان يرى العمل بها لزال الإشكال. والله أعلم. وفي ((النكت الوفية)) للبقاعي ١: ٢١٦ عن شيخه ابن حجر قال: ((هو مشكل جدًّا منطوقًا ومفهومًا. وقد نقله الشيخ - الحافظ العراقي - ساكتًا عنه، وكأنه ارتضاه))، وذلك في مقدمة كتابه ((طرح التثريب)) ١: ١٧، وانظر تمام الكلام في ((النكت الوفية))، وفي ((فتح المغيث)) ١: ١١٢ فما بعدها، و((الفتاوى الحديثية)) لابن حجر الهيتمي ص٨٧، وانظر ما يأتي آخر نوع الصحيح ص ٥١٤. وللشارح رحمه الله بحث ومناقشة قوية في ((البحر الذي زخر)) ٣: ٩٣٤ - ٩٤٨. (١) في النوع الرابع والعشرين إن شاء الله تعالى ٤: ٢٠٣. أما البقاعي فقال في ((النكت الوفية)) ١: ٦٤: ((وشروطهم في التحمل: إن كان بالسماع وكان الراوي ممن يَسمع: فكونه مُصْغيًا للمسموع غيرَ غافل، ولا مشتغل = ٢٣ مقدمة المؤلف وأصنافُ المرويات : المصنفاتُ من المسانيد والمعاجم والأجزاء وغيرِها، أحاديث وآثارًا وغيرهما(١). بشيء. وإن كان ممن لا يصح سماعه: فكونه بحيث يمكن سماعه عادة. وإن كان بالإجازة: فکونه معيّنًا مثلاً. ((وفي الأداء: كون الراوي مسلماً عاقلاً خاليًا عن بدعة هو داعيةٌ إليها، ونحو ذلك)». (١) قوله ((أحاديث وآثارًا)): أي: حالَ كون النصوص المروية أحاديثَ وآثارًا. وهذه النصوص جُمعتْ في كتب وصنِّفتْ على طريقة المسانيد، أو المعاجم، أو الأجزاء، أو غير ذلك، وهذه الطرق هي ((مناهج علماء الحديث في تصنيف السنة ونحوها)). وهو موضوع جدير بالاهتمام والتتبع الدقيق، وأشهر ما كتب فيه: ((الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرّفة)) لشيخ مشايخنا العلامة المحدث الشريف السيد محمد بن جعفر الكتاني، المتوفّی سنة ١٣٤٥ رحمه الله تعالی، وهو مشهور، طبع مرارًاً. ومن أشهر ما كُتب فيه أيضًا: ما كتبه المباركفوري المتوفى سنة ١٣٥٣ رحمه الله، من فصول مطوّلة في مقدمة شرحِه على ((سنن)) الترمذي المشهورِ بـ((تحفة الأحوذي))، فاستوعب ذلك من ((المقدمة)) من ص٦٤ - ٣٠٥. وفي ((الرسالة)»، وفصول هذه ((المقدمة)»: فوائد وجهد مشكور، إلا أنهما بمثابة اللَّبِنَة الأولى الصالحة لما أُريده وأدعو إليه، مع ضرورةٍ تنقيح ما فيهما من أوهام، وضرورة التنبُّه إلى ما في كتب الفهارس للمكتبات العالمية من ذلك القبيل، فلا يصح الاعتماد عليها، بل لا بدَّ من التثبت الشخصي. والذي أريده وأدعو إليه هو: شرح طريقة الاستفادة من كل كتاب، وهل يستفاد منه حکم عام أو خاص، فقد يروي الطبراني مثلاً حديثًا عن صحابي بإسناد ضعيف، ويكون البخاري قد روى هذا الحديث بعينه عن صحابي آخر، فمِن شرط الهيثمي في = ٢٤ مقدمة المؤلف وما يتعلَّق بها: هو معرفةُ اصطلاح أهلها. وقال الشيخ عز الدين ابن جماعة(١): علمُ الحديث علمٌ بقوانين(٢) يُعرَف بها أحوالُ السند والمتن. [ب] - ((مجمع الزوائد)) إخراجُ هذا الحديث، وتضعيفُه، فَيَنظر طالب العلم في ((مجمع الزوائد» ويأخذ منه تضعيف الحديث، ولا ينتبه إلى أنه مروي في ((صحيح)) البخاري، وعلى هذا: فأحكام الهيثمي خاصة لا عامة. وهكذا يقال في كتب العلل، فإنها تُعِلُّ طرقًا معينة، وللحديث طرق أخرى سالمة. وهذا - وغيره - هو الذي أراده الشارح بقوله: معرفة اصطلاح أهلها. وعسى أن يشدَّ الله تعالى من عزم بعض الغُيُر على خدمة كتب السنة ليحقُّق هذا الأمل. والله المستعان. (١) ابن جماعة هذا: هو عز الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر ابن جماعة، المولود سنة ٧٤٩، أو ٧٥٩ - كما ينقله السيوطي في ((بغية الوعاة)) ١ : ٦٣ عن كتاب للمترجَم نفسِهِ - والمتوفّى سنة ٨١٩، وهو علامة جامع للفنون كلها، مصنّف فيها، ومن مؤلفاته: شرح على مقدمة ابن الصلاح، وثلاثة شروح على منظومة ابن فَرَح الإشبيلي، المشهورة بمطلعها: غرامي صحيح، والرجا فيك معضَل وحزني ودمعي مرسَل، ومسلسل وله أيضًا شرح على ((المنهل الرَّوِيّ)) لجدِّ أبيه الإمام بدر الدين ابن جماعة المتوفى سنة ٧٣٣ رحمهما الله تعالى، وسماه: ((المنهج السَّوِيّ)). فالله أعلم من أيّ كتاب جاء هذا النقل، إذ ليس شيء منها مطبوع. (٢) [القوانين: جمع قانون، مرادف للقاعدة، وهي: أمر كليٌّ يُتَعرَّف منها أحكام جزئياته. من ((شرح ألفية)) الشارح - ٢٢٧:١ -. ]. وأصله للسيد الشريف في ((تعريفاته)) أول حرف القاف. وقد قال الشارح هناك عن هذا الحدِّ لعلم الحديث: ((أحسن حدوده)). وانظر التعليقة الآتية. ٢٥ مقدمة المؤلف وموضوعه: السند والمتن. وغايته: معرفة الصحیح من غيره. وقال شيخ الإسلام أبو الفضل ابن حجر (١): أَولَى التعاريف له أن يقال: معرفةُ القواعدِ المعرِّفة بحال الراوي والمرويّ(٢). قال: وإنْ شئتَ حذفتَ لفظَ ((معرفة)) فقلتَ: القواعدُ، إلى آخره(٣). [ب] - (١) في ((النكت على ابن الصلاح)) ١: ٢٢٥، ولفظه: ((وأولى التعاريف لعلم الحديث: معرفة القواعد التي يتوصَّل بها إلى معرفة حال الراوي والمروي)» فقط دون ما بعده، فالتعريف هو هو، وكرَّر الشارح نقله في ((البحر)) ١: ٢٢٧ - ٢٢٨ مع الزيادة المذكورة هنا، فكأنه في ((النكت الكبرى)). والله أعلم. (٢) [قال في ((شرح ألفيته)) - ١: ٢٢٨ -: وهذا الحدُّ قريب من حدٍّ ابن جماعة، بل حدُّ ابنٍ جماعة أحسنُ، من جهة أنه يدخل تحته أحوال السند التي ليستْ حالَ الرجال، كصيغ الأداء، بدليل المغايرة بينهما في نوع المسلسل، ولا يدخل ذلك في حال الراوي والمروي، لاختصاص المرويّ بالمتن. والتعبير بـ((العلم)) أحسن من التعبير بـ((المعرفة))، لأن المراد به الصناعة، لا الوصف القائم بالعالِم، وكذا في حدود سائر العلوم، كما حرَّرتُه في ((شرح الكوكب الساطع)).]. ((شرح الكوكب الساطع)) ٥/أ من مخطوطة المكتبة المركزية بجامعة أم القرى رقم ٢٠٠٢، أو صفحة ١٥ من رسالة الأخ الكريم الدكتور حسان فلمبان رحمه الله، لنيل الدكتوراه، و((الكوكب الساطع)) منظومة مطبوعة للإمام الشارح السيوطي نظم فيها ((جمع الجوامع)) للتاج السبكي، وشرحها هو أيضاً. قلت: وترجیح حدٌ ابن جماعة وجیه. (٣) [قوله ((معرفة القواعد .. إلى قوله: وإن شئتَ حذفتَ لفظ: معرفة. لا يخفى أن المحققين ذكروا للعلم عُرفًا ثلاثة معانٍ: القواعدَ، وإدراكها، والمَلَكَةَ الحاصلةَ من إدراكها مرةً بعد أخرى. ويُطلق العلم اصطلاحًا على كلّ منها، = ٢٦ مقدمة المؤلف [ب] وقد أبدى الفاضل (الأرموي؟) فيه ثماني احتمالات. وعلمُ الحديثِ بالمعنى الأول لا يُضاف عليه واحد منها، وكذا علمُ التفسيرِ واللغة والتاريخ، فالظاهر أن ما ذكره المحققون على طريق الفلاسفة، إذْ علومُهم قضايا كليّة، وأما علماءُ الشريعة والأدب فيطلقونه بإزاء معنى رابع أيضًا لا يكون قضايا كلية. سَرِيّ.]. ((سَرِيّ): هو: سريُّ الدين محمد بن إبراهيم الدوري المعروف بابن الصائغ المصري الحنفي، أحد علماء المعقولات والكلام والفقه والتفسير، توفي بمصر سنة ١٠٦٩، كما في ((ثَبَت)) الشيخ ابن العجمي صفحة ١٧١، لكن جاءت نسبته في ((خلاصة الأثر)) للمحبي ٣: ٣١٧: الدروري، بزيادة الراء الأولى، وأرخ وفاته سنة ١٠٦٦. ومن مؤلفاته: ((حاشية على شرح النخبة))، فكأن هذا النقل منها. وأما قول الحافظ ابن حجر: وإنْ شئتَ حذفتَ لفظ ((المعرفة)): فيقال فيه: إن تلميذه وخِرِّيجه السخاوي رحمهما الله تعالى لم يحذف هذه اللفظة، بل أثبتَها في التعريف، في ((فتح المغيث)) ١: ١٤. وأما إطلاقات العلم على ثلاثة معانٍ: فهذا مشهور في كتب المعقولات عامة، والمنطق خاصة. والأصل عندهم: هو إطلاق العلم على الإدراك، هذا هو الحقيقة. وأما إطلاقه على ((القواعد)): فهو على سبيل المجاز، أو النقل. وأما إطلاقه على ((الملكة)): فمن إطلاق السبب على المسبّب. انظر ((كليات)) أبي البقاء الكَفَوي رحمه الله ص٦١١، و((کشاف اصطلاحات الفنون)) ٢: ١٠٥٥. وقال أبو البقاء: ((وقد يُطلَق العلم على التهيُّؤْ القريب المختص بالمجتهد، وهو مَلَكَة يُقْتَدَرُ بها على إدراك الأحكام الجزئية، وهو شائع عرفًا، بخلاف التهيُّؤُ البعيد، فإنه حاصل لكل أحد، فلا يطلق العلم علیه)). فهذا الإدراك للأحكام الجزئية هو المعنى الرابع الذي يُطلقه علماء الشريعة والأدب على العلم، إذ إنها أحكام جزئية لا قضايا كلية. وأما (الأرموي؟): فجاء رسمه في الأصل: لاموي، فقدَّرت أن صوابه: = ٢٧ مقدمة المؤلف وقال الكِرْماني(١) في شرح البخاري: ((واعلم أن علم الحديث: [ب] الأُرْمَوي. والله أعلم. فإن كان كذلك: فالمشهور بعلوم الآلة والمعقولات - وغيرها -: هو السراج محمود بن أبي بكر الأَرْموي، المتوفى سنة ٦٨٢، فإنه صاحب ((المطالع)) الذي اشتهر جدًّا، وصار (قاموس) هذا العلم، وكُتبت عليه شروح وحواشٍ كثيرة، وله أيضًا في هذا العلم: كتاب ((بيان الحق))، لم تكتب له شهرة الكتاب السابق، وقد طبع له تلخيصه لـ((المحصول)) للفخر الرازي، واسمه ((التحصيل من المحصول)). (١) [((الكرماني)): بكسر الكاف، قيل: وتفتح). قال السمعاني في ((الأنساب)) ٥: ٥٦: ((بكسر الكاف، وقيل: بفتحها .. ، وهو الصحيح، غير أنه اشتهر بكسر الكاف)). وتبعه ابن الأثير في ((اللباب)) ٩٣:٣، واقتصر السيوطي في ((اللبّ)) (٣٣٩٩) على الكسر، وفي ((معجم البلدان)) ٤: ٤٥٤: ((كرمان: بالفتح، ثم السكون، وآخره نون، وربما كسرت - الكاف - والفتح أشهر بالصحة)). والكرماني: هو العلامة المتفنن محمد بن يوسف الكرماني البغدادي الشافعي (٧١٧ - ٧٨٧) رحمه الله تعالى. وكلامه هذا جاء في أول ((شرحه على البخاري)) ١: ١٢ من هنا إلى قوله الآتي ((بسعادة الدارين))، وأوله: ((واعلم أن الحديث موضوعه .. )) دون لفظة ((علم)) الواردة في كلام الشارح، وكأن الشارح ينقل من ((النكت الوفية)) ١: ٦٤، ففيه هذه اللفظة، وتابعه الشارح. وكلامه هذا تابع لعلم الحديث رواية. ويلاحظ القارئ الكريم أن ابن جماعة عبَّر في تعريفه السابق بلفظ ((المتن))، وعبر ابن حجر بكلمة ((المروي))، أما الكرماني فقال: أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعاله وأحواله، والفرق بين عبارته وعبارة ((المتن)) و((المروي)) من و جھین: أولهما: أن المتن والمروي: يشملان المرفوع والموقوف والمقطوع، أما عبارة الكرماني فقاصرة على المرفوع. والوجه الآخر وهو الأدقّ: أن عبارة ((المتن = ٢٨ مقدمة المؤلف موضوعُه: ذاتُ رسول الله صلی الله عليه وسلم من حيثُ إنه رسول الله. وحدُّه: هو: علمٌ يُعرف به(١) أقوالُ رسول الله صلى الله عليه وسلم وأفعالُه وأحوالُه. وغايته: هو: الفوز بسعادة الدارين))(٢). [ب] - والمروي)) تشملان المرفوع الصادر عن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعثته الكريمة وبعدها، أما عبارة الكرماني فقاصرة على ما كان بعد البعثة، إذ هي مقيدة بقوله: أقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج ما كان قبل كونه رسولاً لله صلى الله عليه وسلم، وعلماء الحديث والسِّيَر متفقون على حكاية ما كان منه وعنه صلى الله عليه وسلم قبل البعثة، فدل صنيعهم على دخوله في المرفوع، لكن قد يختلفان أحيانًا في حكم الحجيّة به. (١) [قوله ((هو علم يُعرف به .. )) إلخ: الأولى في تعريفه: علم بأقوال رسول الله صلى الله عليه وسلم .. إلخ.]. لأن الضمير في ((به)) يعود على العلم، فيحصل التكرار به، إذ التقدير حينئذ: هو علم يعرف بالعلم أقوال ... (٢) [قال في ((شرح ألفيته)) - ١: ٢٣٢ -: والغاية التي ذكرها الكرماني هي غايةٌ كلِّ علم شرعي، وهي الغاية الأخروية، وليست الغايةَ التي تذكر في مبادئ العلوم التي الغايةُ الأُخروية أَثَرُها أو لازمها. انتهى. بل الغاية على هذا الحدِّ: معرفة المقبول والمردود. وموضوعه: الراوي والمروي.]. خلاصة ما تقدم: أن الغاية غايتان، غاية علمية، وغاية أُخْروية. فالعلمية هنا: معرفة المقبول والمردود، والأخروية: ما ذكره الكرماني، وهي غايةُ كل مشتغل بأي علم کان، إذا أخلص لله تعالى. وقول الشيخ ابن العجمي ((بل الغاية على هذا الحدّ .. )): فيه: أن كلام الكرماني تابع لعلم الحديث رواية، ويترتب على المشتغل بالحديث الشريف معايشة النبي ٢٩ مقدمة المؤلف وهذا الحدُّ مع شُموله لعلم الاستنباط غيرُ محرَّر، ولم يَزَلْ شيخنا العلامة محيي الدين الكافِيَجِي(١) يتعجَّب من قوله: إن موضوعَ علم الحديث ذاتُ صلى الله عليه وسلم في سنَّته وهديه وسيرته وأحواله كلها، ومن كان كذلك فقد سعد في الدنيا، وفاز في الآخرة. أما معرفة المقبول والمردود: فهذه غاية علم الحديث دراية لا رواية، وهذا ما قاله البقاعي في ((النكت الوفية)) ١: ٦٥: ((وأما علم الاصطلاح: فغايته معرفة الصحيح من غيره)). ثم، قوله ((وموضوعه: الراوي والمروي)): فيه: أنه قد يَرِد عليه ما أورده الكافِيَجي على كلام الكرماني الآتي: إن كون الراوي موضوع علم الحديث، لا يصح، فهذا أشبه بموضوع علم الطب، وجوابه: أن موضوع علم الحديث دراية هو الراوي من حيث إنه راوٍ ناقلٌ للسنة والآثار، مؤدّ لما تحمّله، موصوفٌ بهذه الصفات، لا من حيث إنه بشر مكوَّن من لحم ودم وعظم .. . (١) [«الكافیجي)) : بکسر الفاء، وفتح التحتية ۔ وحرّف من سگَّتها ۔ وجیم، إلى ((كافية)) ابن الحاجب، لكثرة قراءته وإقرائه لها. ((لبّ)) - (٣٣٤٨) -. ]. وهذه النسبة من زياداته على أَصْلَيْه: ((الأنساب))، و((اللباب)). ويستغرب من العلامة الصالحي ضبطه الفاء بالفتح، في ((سيرته الشامية)» ٧: ١٤ !. والكافيجيُّ هذا: هو محمد بن سليمان بن سعد الكافيجي الحنفي، ولد سنة ٧٨٨، وتوفي سنة ٨٧٩. وصفه تلميذه السيوطي في ((حسن المحاضرة)) ١: ٥٤٩ بـ((أستاذ الدنيا في المعقولات))، وفي ((بغية الوعاة)) ١: ١١٧ بـ((أستاذ الأستاذين .. كان إمامًا كبيرًا في الكلام، وأصول اللغة، والنحو، والتصريف، والإعراب، و .. له اليد الحَسَنة في الفقه والتفسير، والنظر في علوم الحديث، وأَلَّف فيه». قلت: مؤلَّفه فيه طبع باسم ((المختصر في علم الأثر))، طبعه الدكتور علي زوین مع ((مختصر الجرجاني)). ومن طرائف حكايات الشارح معه، رحمهما الله تعالى: ما حكاه في ترجمته في = ٣٠ مقدمة المؤلف الرسول، ويقول: هذا موضوع الطب٣(١) لا موضوع الحديث. [ب] - («بغية الوعاة)) ١١٨:١ قال: «قال لي يومًا: أعربْ: زيد قائم، فقلت: قد صرنا في مقام الصغار، ونُسأل عن هذا؟! فقال لي: في ((زيد قائم)) مئة وثلاثة عشر بحثًا! فقلت: لا أقوم من هذا المجلس حتى أستفيدها، فأخرج لي ((تذكرته)) فكتبتها منها)). وانظر تفصيلها في ((الأشباه والنظائر)) النحوية للشارح ٢٦٢:٨ - ٢٨٠. (١) [قوله: ((لم يزل شيخنا العلامة محيي الدين الكافيجي يتعجَّب .. )) إلخ. قال الشهاب ابن قاسم العبَّادي: ينبغي التعجُّب من هذا التعجُّب، فإن عاقلاً لا يقول: إن ذات الرسول صلى الله عليه وسلم موضوع الطبِّ، وإنما موضوع الطبّ بَدَنُ الإنسان من حيثُ إنه يَصِحُّ ويمرض، فكأنه غَفَل عن قيد الحيثيّة المصرَّح بها في كلام الكِرماني. على أنه لو فُرِض حذفه لكان بمنزلة المذكور، لِما صرَّحوا به أن قيد الحيثية مراد في الأمور التي تختلف بالاعتبار، ولا مانع من كون ذاتِه عليه الصلاة والسلام من الحيثية المذكورة موضوعَ علم الحديث، لأنه يُبحث في علم الحديث عن عوارض الذات من الحيثية المذكورة، وتلك العوارض هي أقوالُه وغيرُها المتعلّقةُ بالحيثية المذكورة. انتهى. سم.]. (سم): رمز واختصار من ابن قاسم العبَّادي، وهو العلامة الأصولي الفقيه الشافعي شهاب الدين أحمد بن قاسم القاهري الأصل، المتوفى بالمدينة المنورة سنة ٩٩٤. وكتابه ((الآيات البينات)) شرح بالقول أو حاشية على ((جمع الجوامع)) للتاج السبكي. والقول الذي نقله الشارح عن شيخه الكافيجي، كأنه مما تلقَّاه عنه مشافهة، أما نصُّه في ((مختصره)) ص١١٢ فهو: ((موضوعه: ما يبحث فيه عن أعراضه الذاتية، كأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم وأفعاله، وأما بيان موضوعية موضوعه: فبأنْ نقول: إن أقواله وأفعاله موضوع هذا الفن، من حيث إنها متصلة فيه، مسندة إليه، إلى غير ذلك من الأمور التي يبحث عنها فیه. ((وإنما قيَّدتها بهذه الحيثية لأنها داخلة - إن لم يُقيّد بها - تحت موضوع الأصول، من حيث إنها يستفاد منها الأحكام إجمالاً. وتندرج أيضًا: تحت موضوعاتِ = ٣١ مقدمة المؤلف وأما السند: فقال البدر ابن جماعة والطَّيبيُّ(١): هو الإخبار عن طريق المتن(٢). قال ابن جماعة: وأَخْذُه إما من السند، وهو: ما ارتفع وعَلاَ عن سفْحٍ الجبل، لأن المسند يرفعه إلى قائله، أو من قولهم: فلان سَنَّدٌ، أي: معتَمَد. فَسُمِّي الإخبار عن طريق المتن سندًا، لاعتماد الحفاظ في صحة الحديث وضعفه علیه. وأما الإسناد: فهو رفع الحديث إلى قائله. قال الطيبيُ(٣): وهما متقاربان في معنى اعتماد الحفاظ في صحة الحديث وضعفه عليهما. [ب] - علومٍ أُخَر، بحسب اختلافاتٍ مختلفة. («فظهر من هذا فسادُ قولِ من قال: إن موضوعه ذات الرسول صلى الله عليه وسلم من حيثُ إنه رسول الله وحده، فإن المباحث الواقعة في هذا الفن راجعة إلى أقواله وأفعاله، لا إلى ذات الرسول عليه الصلاة والسلام، وإن كانت الأقوال والأفعال متعلقة به، ألا ترى أن موضوع الفقه: أفعالُ المكلَّفين من حيثُ إنها تَحِلُّ وتَحْرُم، لا المكلَّفون، وإن كانت أفعالهم قائمة بهم)». وبالنظر في كلامه هذا يبدو أنه لا تنافي بين قوله وقول العلماء الآخرين من حيثُ الجوهر. والله أعلم. (١) ابن جماعة: في ((المنهل الروي)) ص٢٩، والطّيي في ((الخلاصة)) ص٣٠، وكلام ابن جماعة ينتهي بتعريفه للإسناد، وينظر كلام ابن ناصر الدين الآتي تعليقاً ٣: ٨٩. (٢) [قال التاج السُّبْكي - ((رفع الحاجب)) ٢٧٨:٢ -: لو قال ((طريق المتن)): لكان أولى.]. (٣) في ((الخلاصة)) ص٣٠، وهذا من تمام كلام ابن جماعة في ((المنهل)) ص٢٩ - ٣٠. وضمير التثنية ((هما .. عليهما)) يعود على: السند، والإسناد، بناء على تغایرھما. ٣٢ مقدمة المؤلف وقال ابن جماعة(١): المحدثون يستعملون السند والإسناد لشيء واحد. وأما المسنَد - بفتح النون - فله اعتباراتٌ: أحدُها: الحديث الآتي تعريفُه في النوع الرابع من كلام المصنف(٢). الثاني: الكتاب الذي جُمع فيه ما أسنده الصحابة، أي: رَوَوْه، فهو اسم مفعول(٣). (ت) (١) في ((المنهل)) ص ٣٠. (٢) الآتي إن شاء الله تعالى ٣: ٩٠. (٣) [أما بالنظر إلى غير صناعة الحديث: فالإسناد مصدر، والسند اسم مصدر، أو وصفٌ. ((شرح ألفيته)) - ١: ٢٩٤ -. ]. وقد قال الحافظ أول كلامه على المتواتر ص٣٨ من ((شرح النخبة)): ((الإسناد: حكاية طريق المتن)). أي: هو سَرْدك وقراءتك للسند، بأن تقول: حدثنا فلان، عن فلان. ثم قال أول كلامه على الحديث المرفوع ص١٠٣: ((الإسناد: هو الطريق الموصلة إلى المتن))، فأفاد أنه هو السند نفسه، لا قراءة السند وسرده. وهذا مراد ابن حجر من المعنى الذي يقوله ابن جماعة. وقد قال السخاوي في ((فتح المغيث)) ١: ٢٣ عن التعريف الأول: ((هو أشبه))، وقال عن التعريف الثاني: ((ذاك تعريف السند))، وختم تمييزه بينهما بقوله: ((والأمر سهل)). ولهذا التركيب الإضافي (إسناد الحديث) تفسير آخر، فقد نقل الزركشي في (النكت)) ٢: ٤٢٣، وابن الملقن في ((المقنع)) ١: ١١٠، والبلقيني في ((محاسن الاصطلاح)) ص١٩٠ ثلاثتهم، نقلوا أول النوع الرابع: ((الحديث المسند))، عن كتاب ((أدب الرواية)) للحفيد قال: ((الأصل في الحرف راجع إلى ((المسند))، وهو الدهر، فيكون معنى ((إسناد الحديث)): اتصاله في الرواية اتصالَ أزمنةِ الدهر بعضها ببعض)). أما كتاب ((أدب الرواية)): فلا أعرف عنه شيئًا، وأما مؤلفه ((الحفيد)): فهو كما قال = ٣٣ مقدمة المؤلف الثالث: أن يُطْلَقَ ويرادَ به الإسناد، فيكون مصدرًا، كـ((مسنَد الشهاب))، و((مسند الفِرْدَوس)) أي: أسانيدُ أحاديثهما(١). [ب] ابن الملقن: حفيد القاضي أبي بكر محمد بن عبد الله بن جعفر، لم يزد على ذلك، ورأيت الحافظ السخاوي نقل عنه وعن كتابه هذا نقلاً آخر في ((فتح المغيث)) ٣: ١٢٦ : أن الرواية بالمعنى لا تجوز لغير الصحابة والتابعين، وعرَّف بعصره بأنه من ((معاصري الخطيب)) البغدادي، فيكون من رجال القرن الخامس. والله أعلم. وقوله ((الأصل في الحرف)): أي: الأصل في معنى هذه الكلمة راجع إلى كلمة ((المسنَد)) التي من معانيها: الدهر، وفي ((لسان العرب)) ٣: ٢٢١: ((المسند: الدهر)). ومن هذا القبيل - الاسم المفعول -: ((مسند الإمام أحمد))، و((مسند الطيالسي))، وغيرهما كثير جدًّا. انظر ((الرسالة المستطرفة)) ص٦٠ فما بعدها، و((مقدمة تحفة الأحوذي)) ١: ٦٦، ٨٨ فما بعدها، وعند كلٌّ منهما فوائد ليست عند الآخر، وللاستدراك علیهما مجال غیر ضیق. (١) كتاب ((الشهاب)) لأبي عبد الله القضاعي (ت٤٥٤)، وكتاب ((الفردوس)) لأبي شجاع شِيْرُويَه الديلمي (ت٥٠٩)، كتابان فيهما متونُ أحاديثَ مجردةٌ عن الأسانيد، ثم إن القضاعي عمل كتابًا آخر سماه ((مسند الشهاب» ذکر فیه أسانيد كتابه الأول، وكذلك عمل ولدُ الديلميِّ المتقدمِ أبو منصور شهردار ابن شيرويه الديلمي (ت٥٥٨) مسنداً سماه ((مسند الفردوس))، ذكر فيه أسانيدَ أحاديثِ كتاب والده. ويقرب من هذا المعنى الثالث الذي ذكره الشارح، معنى آخر شائع، هو: أنهم يطلقون (المسند) على كل كتاب تُروى فيه الأحاديث بالإسناد، فمثلاً: ((الترغيب والترهيب))، و((رياض الصالحين))، و((الجامع الصغير))، لا تسمى مسانيد أبدًا، أما ((صحيح)) البخاري، و((صحيح)) مسلم، والسنن الأربعة ونحوُها فتسمى مسانيد، إلى جانب تسميتها الأصلية، لأن أحاديثها مروية بأسانيد مؤلّفيها، وقد سمى البخاري كتابه الصحيح - كما قال ابن الصلاح ص٢٤ - ٢٥: ((الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلی الله عليه وسلم وسننه وأيامه)). = ٣٤ مقدمة المؤلف وأما المتن: فهو ألفاظ الحديث التي تتقوَّم بها المعاني. قاله الطيبي(١). وقال ابن جماعة(٢): ((هو ما ينتهي إليه غايةُ السند من الكلام. وأَخْذه إما من المُمَاتَنة، وهي: المباعدة في الغاية، لأن المتن غاية السند. ((أو: من مَتَنْتُ الكبش: إذا شققتَ جِلدةَ بَيْضَتِه واستخرجتَها، فكأن المسند استخرج المتن بسنده. ((أو: من المتن، وهو: ما صَلُب وارتفع من الأرض، لأن المسند يقوِّيه بالسند ویرفعه إلی قائله. ((أو: من تمتينِ القوس، أي: شدِّها بالعَصَب، لأن المسند يقوِّي الحديثَ (٣) بسنده))(٣). وعلى هذا جاء قول الإمام النووي رحمه الله في مقدمة شرح مسلم ١ : ٦ بعد أن ذكر سنده إلى الإمام مسلم: ((وكذلك وقع لنا بهذا العدد مسندا الإمامين أَبَوَيْ عبد الله أحمدَ بن حنبل، ومحمدِ بنِ يزيدَ، أعني ابن ماجه))، ومعلوم أن كتابَ ابن ماجه سننٌ لا مسند، ولا داعي إلى القول: إن هذا من باب التغليب، كقولهم: العمران، والقمران. ومن هنا حصل التباس في كتاب الدارمي، فهو ((سنن)) أصالةً، ومسند بهذا الاعتبار، وينظر ما يأتي ٣: ٦١. (١) ((الخلاصة)) ص ٣٠. و[((الطيبي)): بالكسر، إلى الطِّيب، بلدٍ بين واسط وكور الأهواز. ((لبّ)) - (٢٦٤٦) -. ]. وضبطه بكسر الطاء الشارح في ((بغية الوعاة)) ١: ٥٢٢ أول ترجمته، ونحو هذا: ما جاء في ((مقدمة ابن خلدون)) آخر كلامه على علم التفسير، وكتابٍ ((الكشاف)) للزمخشري: ((من أهل توریز من عراق العجم)). (٢) ((المنهل الروي)) ص٢٩ بتصرُّف يسير، ومن هنا يتمَّم البياض الذي هناك. (٣) [قال المصنف في ((شرح ألفيته)) - ٢٩٥:١ -: الأَوْلى اشتقاقه من متن = ٣٥ مقدمة المؤلف وأما الحديث: فأصله: ضِدُّ القديم، وقد استُعمِل في قليل الخَبَر وكثيره، لأنه يَحْدُث شيئًا فشيئًا(١). [ب] - الأرض، وهو: المرتفع منها، لأنه متميز بصلابته عن سواه، وكذلك متن الحديث متميِّز عن الإسناد، وهو أقوى منه، لأنه المقصود بالذات، والإسناد وسيلة إليه.]. وزاد هناك: ((فأكثر صيغ المادة - مادة: (مَتْن) - راجعة إلى معنى الصلابة والقوة، فلذا اخترنا الأخذ منه)». (١) هذا كلام ابن جماعة في ((المنهل)) ص٣٠، والطّيبي في ((الخلاصة)) ص ٣٠ أيضًا. [عبارته في ((شرح ألفيته)) - ٢٩٧:١ -: ((الحديث لغة: خلاف القديم، ثم نُقل من العرف العام إلى الخبر، قليلاً كان أو كثيرًا، لأنه يحدُث شيئًا فشيئًا، ثم خُصَّ في عرف الشرع: بما يضاف إلى النبي صلى الله عليه وسلم قولاً أو فعلاً أو تقريرًا)).]. وعلى هذا النقل من العرف العام إلى الخبر جاءت الآيات والأحاديث، مثل: ﴿ومَن أصدقُ من الله حديثًا﴾ سورة النساء: ٨٧، و﴿فجعلناهم أحاديث﴾ سورة سبأ: ١٩، و((حدِّثُوا عن بني إسرائيل ولا حرج))، و((من حدَّث عني بحديثٍ .. )) وغير ذلك کثیر. وجاء على المعنى الشرعي في قولِه صلى الله عليه وسلم: ((إياكم وكثرةَ الحديث عني .. )) رواه من حديث أبي قتادة: ابن ماجه (٣٥)، وأحمد ٥: ٢٩٧، والحاكم (٣٧٩ - ٣٨٠) وقال: على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. وقوله: ((اتقوا الحديث عني إلا ما علمتم .. )) رواه من حديث ابن عباس: الترمذي أول كتاب التفسير (٢٩٥٢)، وأحمد ١: ٢٩٣، وقد حسنه الحافظ في ((العُجاب)) ١٩٧:١، وفي ((الفتح)) ٢٠٣:١ (١١٠) السطر السابع ضمن الطرق الحسان لحديث: ((من كذب عليّ). وعلى كلّ: فالحديثُ عنه صلى الله عليه وسلم شامل لجميع هديه عليه الصلاة والسلام: القولي والفعلي والتقريري، وشامل للحديث عن شمائله الكريمة، وعن = ٣٦ مقدمة المؤلف وقال شيخ الإسلام ابن حجر في ((شرح البخاري))(١): المراد بالحديث في عرف الشرع: ما يُضافُ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وكأنه أُرِيد به مقابلةُ القرآن، لأنه قدیم. وقال الطيبي(٢): الحديثُ أعمُّ من أن يكون قول النبيِّ صلى الله عليه وسلم والصحابيِّ والتابعيِّ، وفعلَهم وتقريرهم. وقال شيخ الإسلام في ((شرح النخبة))(٣): ((الخبرُ عند علماء الفنّ مرادفٌ للحديث))(٤) فيطلَقان على المرفوع، وعلى الموقوف، والمقطوع. [ب] أو صافه الخَلْقية العالية، وينظر ما تقدم ص ١٠ وما بعدها. (١) ((فتح الباري)) ١ : ١٩٣ شرح الباب ٣٣ من كتاب العلم. (٢) ((الكاشف)) شرح ((المشكاة)) ١: ٣٧، ومعناه في ((الخلاصة)) ص ٣٠. (٣) صفحة ٣٧، ووضعتُ لفظه بین هلالین. (٤) [وكذا مرادف للأثر، والسنة أخصُّ من الثلاثة، لاختصاصها بما أُضيف إليه صلى الله عليه وسلم قولاً وفعلاً. إلى آخر ما ذكر السخاوي - ١ : ١٤ - وغيره، فلا تشمل الموقوف. وعند الأصوليين: الخبر والسنة مترادفان، وهما قوله صلى الله عليه وسلم، أو فعله، أو تقريره. والحديث : قوله صلى الله عليه وسلم خاصة .]. أما أن الأثر مرادف للحديث والخبر - عند الجماهير -: فسيأتي ٣: ٩٨ في النوع السابع (الحديث الموقوف) إن شاء الله تعالى قول المصنفِ الإمامِ النووي من زياداته على ابن الصلاح: ((وعند المحدثين كل هذا يسمى أثرًا))، وانظره هناك، وانظر ((شرحه على مسلم)) ١: ٦٣، وانظر ما تقدم ص ١٨، ٢١. ومن الغريب قول البقاعي في ((النكت الوفية)) ١: ٥٩: ((إذا أُطلِق الأثر فهو المأثور عن الصحابي فمن دونه)». = ٣٧ مقدمة المؤلف ((وقيل: الحديثُ ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، والخبرُ ما جاء عن غيره، ومن ثَم قِيل لمن يشتغل بالسنة: محدِّث، وبالتواريخ ونحوها: أَخباري(١). وقيل: بينهما عموم وخصوص مطلَق، فكلَّ حديث خَبَرٌ ولا عکس)). وقيل: لا يُطلَق الحديثُ على غير المرفوع إلا بشرط التقييد. وقد ذكر المصنفُ في النوع السابع(٢): أن المحدِّثين يُسَمُّون المرفوع والموقوف بالأثر، وأن فقهاء خُراسان يُسَمُّون الموقوفَ بالأثر، والمرفوعَ بالخبر. ويقال: أَثَرتُ الحديث(٣) بمعنى رَوَيَّتُه، ويسمَّى المحدِّث أَثَرِيًّا، نسبةً [ب] - ومما تحسُن ملاحظته: أنه صار من العُرف عند المتأخرين استعمال قولهم (وفي الأثر) علامة وإشارة إلى ضعف المذكور، أو البراءة من عهدته، لعدم معرفة المتكلم بثبوته. (١) ((أَخباري)): [سيجيء عن ابن هشام أن هذا من لحن العامة، والصواب: الخبري]. يأتي إن شاء الله تعالى أول نوع معرفة الصحابة ٥: ١٥٢. وابن هشام: هو اللَّخمي الأندلسي المتوفى سنة ٥٧٧، وذلك في كتابه ((تقويم اللسان)» ص ٥٠٩. (٢) الحديث الموقوف ٣: ٩٧. (٣) [أَثَرْتُ الحديث أَثْرًا - من باب قَتَل -: نقلتُه، والأَثَر - بفتحتين -: اسم منه، وحديث مأثور أي: منقول. ((المصباح)) - مادة: (أ ثر) -. وفي ((القاموس)) - أيضًا -: الأَثْر: نَقْلُ الحديث وروايته، كالأَثَارةِ، والأُثْرةِ - بالضم -. بأثِرُه ويأْثُرُه.]. وينظر ((النكت)) للزركشي ٢: ٤٣٦ (١١٥)، وعنه ((البحر الذي زخر)) ١: ٣٠٢ = ٣٨ مقدمة المؤلف للأثر. الثانية: في حدِّ الحافظ، والمحدِّث، والمسند(١) . فما بعدها. (١) أقدِّم القول بأن ترتيب الشارح رحمه الله لهذه الألقاب الثلاثة جاء على طريقة التنزّل، فذكر أعلاها أولاً، وهو الحافظ، ثم أدنى منها، وهو المحدِّث، ثم المُسْنِد. وسيأتي ص ٤٣ في كلام أبي نصر الشيرازي: أن ((الراوي: الذي لا يعرف المتن ولا يعرف الإسناد)) أي: فهو ناقل فقط، فهذا أدنى الألقاب. وفوق الحافظ: أمير المؤمنين في الحديث، وهو أعلى الألقاب والرُّتُب. وبين الحافظ والمحدث: رتبة المفيد. فالمراتب ستة: الراوي، ثم المسند، ثم المحدث، ثم المفید، ثم الحافظ، ثم أمير المؤمنين. وليس بينها: الحجة، ولا الحاكم، كما أنه ليس ثمة عدد محدّد من الأحاديث مَن حفظه بلغ رتبة كذا، ومَن لم يحفظه لم يبلغها، إنما هي ألقاب تختلف من زمان إلى زمان، فالحافظ في زماننا نادر جدًّا، وهم كثيرٌ فيمن تقدمنا، وينظر ما يأتي ص٦٤ فما بعدها. وليس فيمن لقيتهم من يلقَّب علمياً بـ ((الحافظ)) إلا سيدي الشيخ عبد الله سراج الدين - وانظر ص٦٩ -، والشيخ أحمد الصديق الغُمَاري، وشقيقه الشيخ عبد الله الصديق الغُمَاري رحمهم الله تعالى، مع ملاحظة أن الألقاب العلمية تختلف مدلولاتها (كمَّ وكيفًا) من زمن إلى زمن، والنصوص الآتية ناطقة بهذا، وغيرها كثير. وانظر ((الجواهر والدرر)) للسخاوي ١: ٦٨، ٧٧، ٧٩، و((فهرس الفهارس)) ١ : ٧١، وفيهما تكرار كثير مع ما هنا، لكن عند السخاوي فوائد كثيرة جديدة. وانظر لزامًا ما كتبه شيخنا رحمه الله في رسالته ((أمراء المؤمنين في الحديث)) التي طبعها مع ((جواب الحافظ المنذري عن أسئلة في الجرح والتعديل)). وأتعجّل بحكاية القول: الذي قاله ابن سيد الناس في خاتمة جوابه لابن أَيْبَك، = ٣٩ مقدمة المؤلف اعلم أن أدنى درجات الثلاثة: المسند - بكسر النون - وهو: مَنْ يروي الحدیث بإسناده، سواء كان عنده علم به، أو ليس له إلا مجرَّدُ رواية. وأما المحدِّث فهو أرفع منه. قال الرافعي وغيره: إذا أوصى للعلماء لم يدخُل الذين يَسمعون الحديث ولا علم لهم بطُرُقه(١)، ولا بأسماء الرواة والمتون، لأن السماعَ المجرَّد لیس بعلم. وقال التاج ابن يونس في ((شرح التعجيز))(٢): إذا أَوصَى لـ ((المحدِّث)) تناولَ مَن عَلِمِ طرقَ إثباتِ الحديث، وعدالة رجاله، لأن من اقتصر على السماع فقط ليس بعالم(٣). [ب] - الآتي ص ٦٠ قال: (( .. فذلك بحسب أزمنتهم)). (١) [المراد بطرق الحديث: قال في ((الذخائر)): هو معرفة ما تضمنته الأحاديث من الأحكام مع معرفة (رواته. وهذا مخالف لاصطلاحهم، فإنهم إنما يريدون بالطرق تعداد) الأسانيد والوجوه للحديث الواحد. وقال صاحب ((الوافي)): المراد بطرقه : معرفة الصحيح والضعيف والغريب، ومعرفة أسماء الرجال وعدالتهم وجرحهم، وتعرُّف معانیه، فیکون حينئذ عالمًا، وإلا يكون كقارئ القرآن، وليس ذلك بعلم، بل هو نقل. انتهى من ((جواهر)) السخاوي - ١ : ٧١ -. ]. وقد سقط من قلم ابن العجمي ما وضعته بين هلالين كبيرين، وأُرجِّح أنه سقط من أصل نسخته، وليس في كلام السخاوي كلمة ((معرفة)) الواردة أول كلام صاحب ((الوافي))، ولم أعرف شيئًا عن ((الذخائر))، ولا ((الوافي)). (٢) ابن يونس: هو الإمام تاج الدين عبد الرحيم بن محمد بن محمد بن يونس الموصلي الفقيه الشافعي (٥٩٨ - ٦٧١) رحمه الله. و((التعجيز)) مختصر له، اختصر فيه ((الوجيز)) للإمام الغزالي، في فروع الشافعية، وشَرَحه بنفسه، ولم يتم. تنظر ترجمته في ((طبقات الشافعية الكبرى)) للسبكي ٨: ١٩١ مع التعليق عليه. (٣) [قال السخاوي في ((جواهره)) - ٧١:١ -: ويُروى عن مالك: أن المقتصر = ٤٠ مقدمة المؤلف وكذا قال السُّبْكي في ((شرح المنهاج))(١). وقال القاضي عبد الوهّاب(٢): ذكر عيسى بنُ أَبانَ، عن مالك رحمه الله أنه (ت) على السماع لا يؤخذ عنه العلم.]. وأقول على هذا: ماذا يقولون فيمن يتلقّى الحديث هذرمةً ثم يتصدّر؟ !. ثم، إن هذا منتزَع من كلمة الإمام مالك الآتية بعد سطر، كما هو واضح، وكما هو واضح من صنيع السخاوي، فإنه قال بعد ذكر ما تقدم: ((وعبارتُه - فيما نقله القاضي عبد الوهاب في ((الملخَّص)) نقلاً عن عيسى بن أبان، عنه -: لا يؤخذ العلم عن أربعة .. ))، فأفادنا أن كلام القاضي عبد الوهاب في ((الملخَّص)). (١) هذا فرع فقهي، فالظاهر أن النقل عن شرح ((منهاج الطالبين)) للنووي، لا عن ((الابتهاج شرح المنهاج)) في علم الأصول للقاضي البيضاوي. (٢) هكذا قال الشارح، ومثله في ((الجواهر والدرر)) ١: ٧١، و((فهرس الفهارس)) ١ : ٧٢. وزاد السخاوي أن القاضي عبد الوهاب قال ذلك في ((الملخِّص)). وفيه: ضرورة التثبُّت من أن عيسى بن أبان يروي عن الإمام مالك. ذلك: أن يعقوب بن سفيان روى هذا القول عن الإمام مالك في ((المعرفة والتاريخ)) ١: ٦٨٤ عن إبراهيم بن المنذر، عن معن بن عيسى الأشجعي القزاز، عن مالك. ورواه من طريق يعقوب: الخطيب في ((الكفاية)) ص١١٦. ثم رأيت ابنَ أبي حاتم يرويه في ((الجرح والتعديل)) ٢: ٣٢ عن أبي زرعة، وابنَ عبد البر في ((التمهيد)) ١: ٦٦، وعندهما: ((حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي، حدثني معن ومحمد بن صدقة - أو أحدهما - قال: كان مالك يقول .. )) فذكراه، ثم ساقه ابن عبد البر من طريق آخر إلى معن فقط وقال: لم يذكر فيه محمد بن صدقة. ورأيته عند ابن خير في مقدمة ((فهرسته)) ص١٩ من طريق إبراهيم بن المنذر، عن معن بن عيسى جزمًا. وزاد يعقوب، وابن عبد البر، وابن خير: ((قال إبراهيم بن المنذر: فذكرت هذا الحديث لمطرِّف بن عبد الله اليساري مولى زيد بن أسلم فقال: ما أدري ما هذا! لكني أشهد لسمعت مالك بن أنس يقول: لقد أدركت بهذا البلد - يعني =