Indexed OCR Text

Pages 1741-1760

٢٧٤
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
بالجَمع (وما قَرَأْ عليه) بنفسِهِ : ((أَخبرَني))، وما قُرِئ) على المُحدِّث
(بحضرته : «أخبرنا)) .
ورُوِي نحوُه عن) عبدِ الله (بن وهبٍ) صاحبٍ مالكِ .
وهو معنى قولِ الشافعيِّ وأحمدَ .
قال ابنُ الصلاحِ (وهو حَسَنٌ) رائقٌ .
قال العراقيُّ: وفي كلامِهما أنَّ القارئ يقولُ: ((أخبرني)) سواءٌ سَمِعه
معه غیرُه أم لا .
وقال ابنُ دقيقِ العِيدِ في ((الاقتراح)): إن كان معه غيرُه قال:
((أخبرنا)). فسوَّىُ بين مسألتَي التحديثِ والإخبارِ .
قلتُ : الأَوَّل الأَولى، ليتميَّز ما قَرأه بنفسه ومَا سَمعه بقراءةِ غيرِه .
(فإن شَكَّ) الراوي: هَل كان وحده حالةَ التَّحَمُّل (فالأظهرُ أن يقولَ :
((حَذَّثني)) أو يقولَ: ((أَخَبَرني))، لا ((حَذَّثنا)) و ((أَخبرَنا)))؛ لأنَّ الأصلَ
عدمُ غيرِه .
وأمَّا إذا شكَّ : هل قرأ بنفسِهِ أو سمع بقراءةِ غيرِهِ، قال العراقيُّ : قد
جمعهما ابنُ الصلاح مع المسألةِ الأُولى وأنه يقول: ((أَخْبَرني))؛ لأنَّ عدمَ
غيرِه هو الأصلُ. وفيه نظرٌ؛ لأنَّه تحقق سماع نفسِه ويشكُّ هل قرأ
بنفسه، والأصلُ أنه لم يقرأ .
وقد حكَى الخطيبُ في ((الكفايةِ)) عن البرقاني: أنَّه كان يشكُّ في
ذلك، فيقول : قَرأنا عَلى فلانٍ .

٢٧٥
الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله
قال: وهذا حَسَنٌ؛ لأن ذلك يُستعملُ فيما قرأه غيرُه أيضًا، كما قالَه
أحمدُ بنُ صالحٍ والتُّغيليُّ .
وقد اختار يحيى بنُ سعيدِ القطّانُ في شِبه المسألة الأُولى الإتيانَ
بـ((حدثنا))، وذلك إذا شكّ في لفظِ شيخه هل قال: ((حدَّثَني)) أو
((حدَّثَنا)).
ووَجهُه : أن ((حدَّثني)) أكملُ مرتبةً، فيقتصرُ في حالةِ الشكِّ على
الناقصٍ، ومُقتضاه قولُ ذلك أيضًا في المسألة الأولى، إلّا أنَّ البيهقيَّ
اختارَ في مسألةِ القطانِ أن يُوحِّد .
(وكُلُّ هذا مستحبٌّ باتفاقِ العلماءِ) لا واجبٌ .
● هل يجوز إبدال «حدثنا» بـ «أخبرنا»؛ أو عكسه؟
(ولا يجوزُ إبدالُ ((حَذَّثنا)) بـ((أَخبَرنا)) أو عكسُه في الكتبِ المؤلفةِ)
وإن كان في إقامةِ أحدِهما مقامَ الآخرِ خلافٌ، لا في نَفسِ ذلك التصنيفِ
بأن يغيرَ ، ولا فيما يُنقل مِنه إلى الأجزاءِ والتخاريجِ .
(وما سمعته مِن لفظ المحدثِ فهو) أي إبداله (على الخلافِ في
الروايةِ بالمعنى) فإن جوَّزنَاها جازَ الإبدالُ (إن كان قائلُه) يرى التسويةَ
بينهما، و(يُجوِّزُ إطلاقَ كليهما) بمعنَّى (وإلا فلا يجوزُ) إبدالُ ما وقَع
منه .
ومنَع ابنُ حنبلِ الإبدالَ جَزمًا .

٢٧٦
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
· إذا نسخ السامع أو المُسْمِع حال القراءة؛ هل يصحُ السماع؟
(إذا نَسَخ السامعُ أو المسمعُ حالَ القراءةِ ، فقال إبراهيمُ) بن إسحاقَ
ابن بَشيرِ (الحربيُّ الشافعيُّ، و) الحافظ أبو أحمدَ (ابنُ عديٍّ، والأستاذُ
أبو إسحاقَ الإِسفرايينيُّ الشافعيُّ) وغيرُ واحدٍ من الأئمة : (لا يَصِحُ
السماعُ) مُطلقًا .
نقَله الخطيبُ في ((الكفايةِ)) عنه، وزاد عن أبي الحُسين ابن سمعون.
(وصَحَّحه) أي السماع (الحافظُ موسى بنُ هارونَ الحمال، وآخرونَ)
مطلقًا، وقد كتب أبو حاتم حالةً السماعِ عِندَ عارم، وكتب عبدُ اللَّه بنُ
المباركِ وهو يقرأ عليه .
(وقال أبو بكرٍ) أحمدُ بنُ إسحاق (الصِّبغيُّ الشافعيُّ: يقولُ) في
الأداء : ((حضرتُ))، ولا يقولُ) ((حدثنا))، ولا (((أَخبرَنا))).
(والصحيحُ: التفصيلُ، فإن فَهِم) الناسخُ (المقروءَ صَحَّ) السماعُ
(وإلا) أي وإن لم يفهمه (لم يَصِحَّ) .
وقد حضَر الدارقطنيُّ مجلسَ إسماعيلَ الصفَّار، فجلسَ ينسخُ جُزءًا
كانَ معه وإسماعيلُ يُملي، فقال له بعضُ الحاضرين: لا يصحُّ سماعُك
وأنتَ تنسَخُ. فقال: فَهْمي للإملاءِ خلافُ فَهمكَ. ثم قال: تَحفظُ كَم
أَملى الشيخُ مِن حديثٍ إلى الآن؟ فقال: لا. فقالَ الدارقطنيُّ: أَملى
ثمانيةَ عشرَ حَديثًا، فَعُدَّتِ الأحاديثُ فوجِدَتْ كما قال. ثم قال :
الحديثُ الأولُ عن فلانٍ عن فلانٍ ومَتنُه كَذا ، والحديثُ الثاني عن فلانٍ

٢٧٧
الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله
عن فلانٍ ومَتْنُه كَذا، ولم يزل يذكرُ أسانيدَ الأحاديثِ ومُتونَها على تَرتيِها
في الإملاءِ، حتَّى أتى على آخِرِها، فتعجَّب الناسُ منه .
● صور أخرى يجري فيها الخلاف والتفصيل السابقان:
(ويجري هذا الخلافُ) والتفصيلُ (فيما إذا تحدَّث الشيخُ أو السامِعُ،
أو أَفرَط القارئ في الإِسراع) بحيثُ يَخفى بعضُ الكلام (أو هينم القارئُ)
أي أَخفى صوتَه (أو بَعُدَ) السامعُ (بحيثُ لا يَفهَمُ) المقروءَ (والظاهرُ أنه
يُعفَى) في ذلك (عن) القَدرِ اليسيرِ الذي لا يُخِلُّ عدمُ سماعِه بِفَهمِ الباقي
(نحو) الكلمةِ، و(الكلمتينِ) .
(ويستحبُّ للشيخ أن يُجيزَ السامعينَ روايةَ ذلك الكتابِ) أو الجزءِ
الذي سَمعوه وإن شمله السماعُ، لاحتمالِ وقوعِ شيءٍ مما تقدَّم مِنَ
الحديثِ والعجلةِ والهَينمةِ ، فَيَنجَبِرُ بذلك .
(وإن كَتَب) الشيخُ (لأحدِهم كَتَبَ: ((سَمِعُهُ مِنِّي، وأَجَزْتُ له روايتَه»
كذا فَعَل بعضُهم) .
قال ابنُ عتابِ الأندلسيُّ : لا غِنى في السماعِ عنِ الإجازةِ؛ لأنَّه قد
يغلطُ القارئُ ويَغْفِلُ الشيخُ أو السَّامعون، فينجبرُ ذلك بالإجازة، وينبغي
لكاتبِ الطباقٍ أن يكتبَ إِجازةَ الشيخِ عَقِبَ كتابةِ السماعِ .
● هل يجوز أن يروي عن المُملي ما سمعه من المُسْتَملي؟
(ولو عَظُم مجلسُ المُملِي فَبَلَّغ عنه المُستَملي، فذَهَب جماعةٌ مِن
المتقدمينَ وغيرِهم إلى أنه يجوزُ لمن سَمِع المُستَملِي أن يرويّ ذلك عن
المُملِي) .

٢٧٨
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
فَعن ابنِ عُيينةَ أنه قال له أبو مسلم المستملي : إنَّ الناسَ كثيرٌ
لا يَسمعون، قال: أَسمعهم أنتَ.
وقال ابنُ الصلاح : وهذا تساهلٌ ممَّن فَعله (والصوابُ الذي قاله
المحققون أنه لا يجوزُ ذلك) .
وقال العراقيُّ: هُو الذي عليه العملُ؛ لأنَّ المُستملي في حُكم مَن
يقرأ على الشيخ، ويَعرضُ حديثَه عليه، ولكن يُشترط أن يسمعَ الشيخُ
المُملي لفظَ المُستملي ، كالقارئ عليهِ، والأَحوط أن يبِّين حالةَ الأداءِ أنَّ
سماعه لذلك أو لبعضٍ الألفاظِ من المُستملي، كما فَعَله ابنُ خُزيمةً
وغيرُه، بأن يقولَ: ((أنا بتبليغ فلان)) .
(وقال أحمدُ) بنُ حَنبل (في الحرفِ يُدغِمُه الشيخُ فلا يُفْهَمُ) عَنه
(وهو معروفٌ: أرجو أن لا تَضيقَ روايتُه عنه. وقالَ في الكلمةِ تُستفهم
مِن المُستَملي: إن كانت مجتَمّعًا عليها فلا بأسَ) بِروايتها عنه .
(وعن خلفِ بنِ سالم) المخرميِّ (مَنعُ ذلك).
● هل يصحُ السماع ممن هو وراء حجاب؟
(الخامسُ : يصحُّ السماعُ ممن) هو (وراءَ حجابٍ، إذا عُرِف صوتُه
إن حَدَّث بلفظِه، أو) عُرِفَ (حضورُه بِمَسمَعٍ) أي مكان يسمعُ (منه إن
قُرِئ عليه، ويَكفي في المعرفةِ) بذلك (خبرُ ثقةٍ) مِن أهلِ الخبرةِ بالشيخِ.
(وشَرَط شعبةُ رؤيتَه) قال: إذا حدَّثك المُحدِّث فلم تَرَ وجهَه فلا تَروِ
عنه؛ فلعلَّه شيطانٌ قد تَصوَّر في صُورته يقولُ: ((حَدَّثنا)) و((أخبرنا)).

٢٧٩
الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله
(وهو خلافُ الصواب وقولِ الجمهور) فقد أمرَ النبيُّ بََّ بالاعتمادِ
على سماع صوتٍ ابن أَمِّ مكتوم المؤذِّنِ في حديثٍ : ((إنَّ بلالا يُؤَذِّنُ
بِلَيْلٍ)) الحديث، مع غَيبةٍ شَخصِهِ عمَّن يَسمعه، وكان السَّلْفُ يَسمعون
مِن عائشةَ وغيرِها مِن أُمَّهاتِ المؤمنين، وهُنَّ يُحدِّثنَ مِن وراءِ حِجَابٍ .
• إذا سمع حديثً ثم منعه الشيخ من روايته عنه، أو خصَّص غيره، أو رجع
عنه :
(إذا قال المُسمِعُ بعدَ السماع: ((لا تَروِ عَنِّي))، أو ((رَجَعتُ عن
إخبارٍك))) أو ((ما أَذنتُ لكَ في روايتِهِ عنِّي)) (ونحو ذلك، غيرَ مسندٍ ذلك
إلى خطٍ) منه فيما حدَّث به (أو شَكُّ) فيه (ونحوه، لم تمتنع روايتُه) فإن
أَسنده إلى نحوِ ما ذكر امتنعَت .
(ولو خَصَّ بالسماع قومًا فسَمِع غيرُهم بغيرِ علمِه جاز لهم الروايةُ
عنه، ولو قال: ((أُخبِرُكَم ولا أُخبِرُ فلانًا))؛ لم يَضُرَّ) ذلك فلانًا في صِحَّة
سَماعِهِ (قاله الأستاذُ أبو إسحاقَ) الإسفراييني، جوابًا لسؤالِ الحافظِ
أبي سعيدِ النيسابوري عن ذلك .
· القسم الثالث: الإجازة:
(القسمُ الثالثُ) مِن أقسامِ التحمُّلِ (الإِجازةُ، وهي أَضرُبٌ) تِسعةٌ،
وذكّرها المصنّف - كابنِ الصلاح - سَبعةٌ .
• الأولُ: أن يُجِيزَ معيَّنًا لمعينَّ:
(كـ((أجزتُك) أو أَجَزْتُكم، أو أجزتُ فُلانًا الفلانيَّ (البخاريَّ، أو
ما اشْتَمَلَت عليه فَهِرَسَتِي))) أي جُملة عددٍ مَرويَّاتي .

٢٨٠
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
(وهذا أعلى أضربِها) أي الإجازة (المجردة عن المناولةِ، والصحيحُ
الذي قاله الجمهورُ مِن الطوائفِ) أهلِ الحديثِ وغيرِهم (واستقرَّ عليه
العملُ ، جوازُ الروايةِ والعملِ بها) .
وادَّعى أبو الوليد الباجي وعياضٌ الإجماعَ عليها، وقصر أبو مروان
الطبني الصِّحةَ عليها .
(وأبطلها جماعاتٌ مِن الطوائفِ) مِن المحدِّثين كَشُعبةَ - قال : لو
جازتِ الإجازةُ لَبَطَلتِ الرِّحلةُ - ، وإبراهيمَ الحربيِّ، وأبي نصرِ الوَائِلِيِّ،
وأَبي الشّيخِ الأَصبهانيِّ .
والفقهاء: كالقاضي حُسينٍ، والمَاورديِّ، وأبي بكرِ الخُجَنديِّ
الشافعيِّ، وأبي طاهرِ الدبَّاسِ الحنفيّ .
وعنهم أنَّ مَن قال لغيرِهِ: ((أجزتُ لكَ أن ترويَ عَنِّي ما لم تَسمع))،
فكأنه قال : أجزتُ لك أن تكذبَ عَليَّ ؛ لأنَّ الشَّرعَ لا يُبيحُ روايةَ ما لم
يُسمع .
(وهو إحدى الروايتينِ عن الشافعيّ) وحكَاه الآمديُّ عن أَبي حنيفة
وأبي يوسف، ونقَله القاضي عبدُ الوهابِ عَن مالكٍ .
وقال ابنُ حزمٍ: إنَّها بدعةٌ غيرُ جَائزةٍ .
وقيل : إن كان المُجِيزُ والمُجَازُ عَالِمَين بالكتابِ جَازَ، وإلا فلا .
واختاره أبو بكرٍ الرازي مِن الحنفيةِ .
(وقال بعضُ الظاهريةِ ومتابعيهم: لا يُعملُ بها) أي بالمرويِّ بها

٢٨١
الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله
( كالمرسَل) مع جوازِ التحديثِ بها (وهذا باطلٌ) لأنَّه ليسَ في الإجازةِ
ما يَقدَحُ في اتصالِ المنقولِ بها وفي الثّقةِ به .
وعنِ الأوزاعيِّ عَكسُ ذلك، وهُو العملُ بها دُون التَّحديثِ.
قال ابنُ الصلاحِ : وفي الاحتجاجِ لِتَجويزها غُموضٌ، ويتجه أن
يُقالَ: إذا أجّاز له يروي عنه مَروياتِه، فقد أخبره بها جُملةً، فهو كما لو
أَخبره بها تفصيلاً، وإخبارُه بها غيرُ متوقفٍ على التصريح قَطعًا كما في
القراءةِ، وإنَّما الغرضُ حُصولُ الإفهامِ والفهم، وذلك حاصلٌ بالإجازةِ
المُفهمةِ .
وقال الخطيبُ في ((الكفاية)): احتجَّ بعضُ أهلِ العلم لجوازها بِحَديث
أنَّ النبيَّ وََّ كتبَ سُورةَ براءة في صحيفةٍ ودفَعها لأبي بكرٍ ، ثم بَعث عليَّ
ابنَ أبي طالبٍ فأخذها منه، ولَم يَقرأها عليه، ولا هو أيضًا، حتّى وصَل
إلى مَكَّة، فَفتحها وقَرأها عَلىَ الناسِ .
وقد أسند الرامهرمزي عنِ الشافعيِّ أنَّ الكرابيسيَّ أرادَ أن يقرأ عليه
كُتَبَه فَأَبَى، وقال: خُذْ كُتب الزعفرانيّ فانسخها، فقد أَجزتُ لكَ.
فأخذَها إجازةً .
أما الإجازةُ المقترنةُ بالمناولةِ ، فسَتأتي في القِسمِ الرابعِ .
• المفاضلة بين القراءة والإجازة:
إذا قُلنا بصحةِ الإجازةِ، فالمتبادرُ إلى الأذهانِ أنَّها دُون العرضِ، وهو
الحقُّ، وقد حكَى الزَّركشيُّ في ذلك مذاهبَ : ثانيها : أنَّها على وجهها
خيرٌ مِنَ السماعِ الردِيء. ثالثها: أنَّهما سواء .
------

٢٨٢
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
وقال الطوفي : الحقُّ التفصيلُ، ففي عصرِ السَّلف السَّماعُ أَولى، وأمَّا
بعد أن دُوِّنت الدواوينُ وجُمعتِ السُّننُ واشتهرت فلا فَرقَ بينهما .
• الضَّربُ الثاني: يُجيزُ معيَّنًا غَيرَ مُعيَّنٍ:
( كـ((أجزتُك) أو أجزتُكم جميعَ (مسموعاتي) أو مَرويَّاتي)»
(والخلافُ فيه) أي في جوازِها (أقوى وأكثرُ) مِنَ الضربِ الأَوَّلِ .
(والجمهورُ مِن الطوائفِ جَوَّزوا الروايةَ) بها (وأوجبوا العملَ) بما
رُوي (بها) بشرطه .
• الثالثُ: يُجيزُ غيرَ معينٍ بوصفِ العمومِ:
(كـ((أجزتُ) جميعَ (المسلمينَ، أو كلَّ أحدٍ، أو أهلَ زماني))، وفيه
خلافٌ للمتأخرينَ، فإن قَدَه) أي الإِجازة العامة (بوصفِ حاصرٍ)
كـ((أجزتُ طلبةَ العلم ببلدٍ كذَا، أو مَن قرأ عليّ قَبل هذا» (فأقربُ إلى
الجوازِ) مِن غَيرِ المقيدةِ بذلك .
بل قال القاضي عياضٌ : ما أَظنُّهم اختلفوا في جوازِ ذلك، ولا رأيتُ
مَنْعَه لأحدٍ ؛ لأنَّه محصورٌ موصوفٌ، كقولِهِ: ((لأولادِ فُلانٍ، أو إخوة
فلانٍ)) .
واحترزَ بقولِهِ : ((حاصر)) عما لا حَصرَ فيه كـ((أهل بلدٍ كذا))، فهو
كالعامةِ المطلقةِ .
وأفردَ القسطلانيُّ هذه بنوع مستقلٌّ، ومَثَّله بأهلِ بلدٍ مُعيَّنٍ، أو
إقليم، أو مَذهبٍ مُعيَّنٍ .

٢٨٣
الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله
(ومِن المجوِّزِينَ) للعامةِ المطلقةِ (القاضي أبو الطيبِ) الطبريُّ
(والخطيبُ) البغداديُّ (وأبو عبدِ اللَّه ابنُ منده، و) أبو عبد الله (ابنُ
عتابٍ، والحافظُ أبو العلاءِ) الحسنُ بنُ أحمد العطَّار الهمذاني (وآخرونَ)
كأبي الفضل بن خيرون، وأبي الوليد ابن رشد، والسلفي، وخلائق،
جَمَعهم بعضُهم في مُجلدٍ ، ورتبهم على حروفِ المعجم لكثرتهم .
(قال الشيخُ) ابنُ الصلاح - مَيلًا إلى المنعِ - : (ولم يُسمع عن أحدٍ
يُقتَدَي به الروايةُ بهذه) قال: والإجازةُ في أصلِها ضعف، وتزدادُ بهذا
التوسُعِ والاسترسالِ ضعفًا كَثِيرًا .
قال المصنفُ : (قلتُ : الظاهرُ مِن كلام مصححِها جوازُ الروايةِ بها ،
وهذا يقتضي صحَّتها، وأيُّ فائدةٍ لها غيرُ الروايةِ بها) وكذا صرَّح في
((الروضةِ)) بتصحيحِ صِحَّتِها .
قال العراقيُّ : وقد روى بها مِن المتقدمين الحافظُ أبو بكر ابن خير،
ومن المتأخّرين الشرفُ الدمياطيُّ وغيرُه .
وصحَّحها أيضًا ابنُ الحاجبِ قال : وبالجُملة، فَفِي النفسِ مِنَ الروايةِ
بها شيءٌ، والأحوطُ تركُ الروايةِ بها. قال : إلَّا المقيدة بنوع حصرٍ ؛ فإنَّ
الصحیحَ جوازُها . انتهى .
وكذا قال شيخُ الإسلام في العامةِ المطلقةِ ، قال : إلَّا أنَّ الروايةَ بها
في الجملة أولى مِن إيرادِ الحديثِ معضلًا .

٢٨٤
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
· الرابعُ: إجازةٌ لمعيَّنٍ بمجهولٍ مِنَ الكُتبِ، أو إجازة بمعيَّنٍ مِنَ الكُتب
أي لمجهولٍ مِنَ الناسِ:
( كـ((أجزتك كتابَ السُّنَنِ))، وهو يَروي كتبًا في السُّنَنِ) أو أجزتُك
بعضَ مسموعاتي (أو أجزتُ لمحمد بنِ خالدِ الدمشقيّ، وهناك جماعةٌ
مشتركون في هذا الاسم) ولا يَتَّضِحُ مراده في المسألتين ؛ (فهي باطلةٌ)
فإن اتَّضحَ بقرينةٍ فصحيحةٌ .
(فإن أجاز لجماعةٍ مسمَّينَ في الإِجازةِ أو غيرِها، ولم يعرفهم
بأعيانِهم ولا أنسابِهم ولا عددِهم ولا تصفحهم) وكذا إذا سمَّى المسئولَ له
ولم يعرف عينَه ؛ (صَحَّت الإِجازةُ، كسماعِهم منه في مجلسِه في هذا
الحالِ) أي وهو لا يَعرفُ أعيانَهم ولا أسماءَهم ولا عَددَهم .
(وأما ((أجزتُ لمن يشاءُ فلانٌ))، أو نحو هذا، ففيه جهالةٌ وتعليقٌ)
بشرطٍ ، ولذلك أُدخلَ في ضربِ الإجازةِ المجهولةِ .
والعراقي أَفرده كالقسطلانيّ بضربٍ مستقل؛ لأنَّ الإجازَة المُعلَّقةَ قد
لا يكون فيها جهالةٌ، كما سيأتي (فالأظهرُ بطلانُه) للجهلِ ، كقوله :
أجزتُ لبعضٍ الناسِ (وبه قَطَع القاضي أبو الطيب الشافعيُّ).
قال الخطيبُ : وحُجَّتُهم القياسُ على تَعليق الوكالةِ .
(وصَحَّحَه) أي هذا الضربَ مِن الإجازةِ أبو يَعلَى (ابنُ الفراءِ
الحنبليُّ، و) أبو الفَضلِ محمدُ بنُ عُبيدِ اللَّه (بنُ عمروسِ المالكيُّ)
وقالا : إنَّ الجهالَة تَرتفعُ عند وجودِ المشيئةِ، ويَتعيَّن المُجَازُ له عِندَها .

٢٨٥
الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله
قال الخطيبُ: وسمعتُ ابنَ الفرَّاءِ يحتجُّ لذلك بقولِهِ مَّهِ - لمَّا أَمَّرَ
زيدًا عَلى غزوةٍ مُؤتة - : «فإن قُتِلَ زَيدٌ فَجَعَفَر، فَإِن قُتِلَ جَعفَر فَابنُ رَوَاحَةَ))
فعلَّق التأمير .
قال : وسمعتُ أبا عبدِ اللَّه الدامغانيَّ يُفَرِّقُ بينها وبين الوكالةِ، بأنَّ
الوكيلَ يَنعَزل بعزلِ المُوكلِ له ، بخلافِ المُجَاز .
قال العراقي : وقد استَعمَل ذلك من المُتقدِّمين الحافظُ أبو بكرٍ بن أَبي
خَيثمة صاحبُ ((التاريخ)) وحفيدُ يعقوب بنِ شَيبة.
فإن عُلِّقت بمشيئةٍ مُبِهَمٍ بَطَلَت قَطعًا .
(ولو قال: ((أجزتُ لمن شاء الإِجازةَ))، فهو كـ((أجزتُ لمن يشاءُ
فلانٌ))) في البطلان، بل (وأكثرُ جهالةً) وانتشارًا مِن حيثُ إنَّها مُعلَّقةٌ
بمشيئةٍ مَن لا يُحصَرُ عَدَدُهم .
(ولو قال: ((أجزتُ لمن يشاءُ الروايةَ عَنِّي)) فأولى بالجوازِ؛ لأنه
تصريحٌ بمقتضى الحالِ) من حيثُ إنَّ مُقتضَى كلِّ إجازةٍ تفويضُ الروايةِ بها
إلى مَشيئةِ المُجَازِ له، لا تَعليقَ في الإجازةِ، وقاسَه ابنُ الصلاح على:
((بِعتُكَ إن شِئت)) .
قال العراقي : لكنَّ الفَرقَ بينهما تَعيِينُ المبتاع، بخلافه في الإجازةِ ؛
فإنَّه مُبِهَمٌ .
قال: والصحيحُ فيه عدمُ الصِّحَّةِ. قال: نعم، وِزَانُهُ هنا: ((أَجَزْتُ
لكَ أن تروِيَ عَنِّي إن شئتَ الروايةَ عنِّي)). قال: والأظهرُ الأَقْوَى هنا
الجوازُ ؛ لانتفاءِ الجهالةِ وحقيقة التعليق . انتهى .

٢٨٦
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
وَكَذا قال البلقينيُّ في ((محاسن الاصطلاح))، وأيد البطلان في
المسألة الأولى ببطلان الوصية والوكالةِ فيما لو قال: «وصيتُ بهذه لمن
يشاءُ)) أو ((وكَّلتُ في بيعها من يشاءُ أن يبيعَها)). قال: وإذا بطل في
الوصية مع احتمالها ما لا يحتمله غيرُها؛ فهنا أولى .
ولو قال: ((أجزت لفلانٍ كذا إن شاء روايتَهُ عَنِّي))، أو («لك إنْ
شئتَ - أو أحببت - أو أردت)) فالأظهرُ جوازُهُ، كما تقدَّم .
● الخامسُ: الإجازةُ للمعدومِ:
كـ (( أجزتُ لمن يُولدُ لفلانٍ» .
واختلف المتأخرون في صحتها، فإنْ عطفَهُ على موجودٍ، كـ((أجزتُ
لفلانٍ ومنْ وُلدُ له))، أو ((لك) ولولدك (ولِعقِبك ما تناسلوا))، فأولى
بالجواز) مما إذا أفرده بالإجازةِ ؛ قياسًا على الوقفِ .
(وفَعَل الثاني من المحدثينَ) الإمامُ (أبو بكرٍ) عبدُ اللَّه (ابن أبي داود)
السجستانيُّ، فقال - وقد سئل الإجازة -: ((قد أجزتُ لكَ ولأولادك
ولحبَل الحبَلة)) يعني الذين لم يُولِدُوا بعدُ .
قال البلقينيُّ : ويحتمل أن يكون ذلك على سبيل المبالغة وتأكيد
الإجازة . وصرح بتصحيح هذا القسم القسطلائيُّ في ((المنهج)).
(وأجاز الخطيب الأول) أيضًا، وأَلَّف فيها جزءًا، وقال : إن أصحابَ
مالكِ وأبي حنيفة أجازوا الوقفَ على المعدوم، وإن لم يكن أصلُهُ
موجودًا .

٢٨٧
الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله
ـجب
قال: وإن قيل: كيف يصحُّ أن يقول: ((أجاز لي فلانٌ)) ومولِدُهُ بعد
موتِهِ؟ يقال: كما يصح أن يقول: ((وقف عليَّ فلانٌ)) ومولدُهُ بعدَ موتِهِ .
قال: ولأن بُعدَ أحدِ الزَّمانين من الآخرِ كبعدِ أحدِ الوطنين من
الآخرِ .
(وحكاه) أي الصحة فيما ذكر (عن ابن الفراء) الحنبليِّ (وابنِ
عمروس) المالكيِّ، ونسبه عياضٌ لمعظم الشيوخِ .
(وأبطلها القاضي أبو الطيب وابن الصباغ الشافعيان، وهو الصحيحُ
الذي لا ينبغي غيرُه)؛ لأن الإجازة في حكم الإخبار جملةً بالمُجاز،
فكما لا يصح الإخبارُ للمعدومِ لا تَصحُ الإجازةُ له .
أما إجازة من يُوجد مُطلقًا، فلا يجوز إجماعًا .
• الإجازة للطفل ، والمجنون ، والكافر ، والحمل:
(وأما الإجازة للطفلِ الذي لا يُميِّزُ فصحيحةٌ على الصحيح الذي قَطَع
به القاضي أبو الطيب والخطيبُ) ولا يعتبر فيه سِنِّ ولا غيرُهُ (خلافًا
لبعضِهم) حيثُ قال: لا يصحُ كما لا يَصحُ سماعُهُ. ولمّا ذُكر ذلك
لأبي الطيب قال : يَصحُ أنْ يجيز للغائبِ ولا يصحُ سماعُهُ .
قال الخطيبُ : وعلى الجوازِ كافةُ شيوخِنا. واحتجَّ له بأنها إباحةُ
المجيز للمُجاز له أن يرويَ عنه، والإباحةُ تصحُ للعاقلِ ولغيرِهِ .
قال ابنُ الصلاح : كأنَّهم رأوا الطفل أهلًا لتحملِ هذا النوعِ؛ ليؤدي

٢٨٨
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
به بعد حصول الأهلية؛ لبقاء الإسنادٍ، أمَّا المُميز فلا خلافَ في صحة
الإجازة له .
تنبيه :
أدمجَ المصنّفُ - كابن الصلاح - مسألة الطفل في ضرب الإجازة
للمعدوم، وأفردها القسطلانيُّ بنوعٍ، وكذا العراقيُّ وضمَّ إليها الإجازةَ
للمجنونِ والكافر والحملِ .
فأمَّا المجنون؛ فالإجازة له صحيحةٌ، وقد تقدَّم ذلك في كلام
الخطيب .
وأما الكافر؛ فقال: لم أجد فيه نقلًا، وقد تقدَّم أن سماعَهُ صحيحٌ .
قال: ولم أجد عن أحد من المُتقدِّمين والمتأخّرين الإجازة للكافرِ ، إلّا أنَّ
شَخصًا مِنَ الأطباءِ يقال له محمد بن عبد السيد سَمع الحديثَ في حالٍ
يهوديَته على أبي عبد الله الصوري، وكتب اسمه في الطبقة مع
السامعين، وأجاز الصوري لهم، وهو مِن جُملتهم، وكان ذلك بحضور
المزِّيِّ، فلولا أنه يرى جواز ذلك ما أقر عليه، ثم هدى اللَّهُ هذا اليهوديّ
إلى الإسلامِ، وحدَّث وسمع منه أصحابُنا .
قال : والفاسقُ والمبتدعُ أولى بالإجازةِ منَ الكافرِ، ويُؤديانٍ إذا زالَ
المانع .
قال: وأما الحَملُ ؛ فلم أجد فيه نقلًا ، إلا أنَّ الخطيبَ قال: لم نرهم
أجازوا لمن لم يكن مولودًا في الحال، ولم يتعرَّض لكونه إذا وقع يصحُ
أو لا .

٢٨٩
الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله
قال : ولا شكَّ أنَّه أولى بالصحةِ من المَعدومِ .
قال : وقد رأيت شيخنا العلائي سُئل لحملٍ مع أبويه فأجازَ، واحترز
أبو الثناء المَنْبجي فكتب: ((أجزتُ للمسلمين فيه)).
قال : ومن عمم الإجازة للحمل وغيره أعلمُ وأحفظُ وأتقَنُ. إلا أنه
قد يُقال: لعلَّه ما أَصفح أسماء الاستدعاء حتى يعلم هل فيه حملٌ أم لا؟
إلا أن الغالبَ أنَّ أهل الحديثِ لا يُجيزونَ إلا بعدَ تَصفّحهم .
قال : وينبغي بناءُ الحكم فيه على الخلافِ في أنَّ الحملَ هل يُعلم أو
لا؟ فإن قلنا: يُعلم - وهو الأصحُ - صحت الإجازةُ له، وإن قلنا :
لا يُعلم، فيكون كالإجازة للمعدومِ. انتهى .
وذكر ولده الحافظ وليُّ الدين أبو زرعة في ((فتاويه المكية)) وهي
أجوبةُ أسئلةٍ سأله عنها شيخُنا الحافظُ أبو الفضلِ الهاشميُّ، أنَّ الجوازَ
فيما بَعد نفخِ الرُّوحِ أولى، وأنَّها قبلَ نفخ الروحِ مرتبةٌ متوسطة بينها وبين
الإجازةِ للمعدومِ، فهي أولى بالمنعِ منَ الأُولىَ وبالجوازِ من الثّانيةِ .
• السادسُ: إجازة ما لم يتحمله المجيزُ بوجهٍ من سماع أو إجازةٍ ليرويّه
المُجازُ له إذا تحمله المجيز:
قال القاضي عياضٌ) في كتابه ((الإلماع)): هذا (لم أرَ من تكلّم فيه)
من المشايخ .
قال : (ورأيتُ بعضَ المتأخرين) والعصريين (يصنعونه، ثم حكى
عن قاضي قرطبةَ أبي الوليد) يونس بن مغيث (مَنْعَ ذلك) لمَّا سُئِلَه وقال :
يعطيك ما لم يأخُذ! هذا مُحَالٌ .

٢٩٠
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
(قال عياضٌ: و) هذا (هو الصحيحُ) فإنه يُجيزُ ما لا خبر عنده منه ،
ويأذن له بالحديث بما لم يُحدَّث به، ويُبيحُ ما لا يعلم: هل يصحُ له
الإذنُ فیه؟!
قال المصنّفُ : (وهذا هو الصواب).
قال ابنُ الصلاح : وسواءٌ قُلنا إنَّ الإجازة في حُكم الإخبار بالمُجاز
جُملةً أو إذنٌّ ؛ إذ لا يُخبرُ بما لا خبر عنده منه، ولا يؤذن فيما لم يملكه
الآذنُ بعدُ ، كالإذنِ في بيعٍ ما لم يَملكه .
وكذا قال القسطلانيُّ : الأصحُّ البُطلانُ؛ فإنَّ ما رواهُ دخل في دائرةٍ
حضرِ العِلمِ بأصْلِهِ ، بخلافٍ ما لم يَروه فإنَّه لم يَنْحصرْ .
قال المصنّفُ - كابنِ الصلاح - : (فعلى هذا يتعينُ على مَن أراد أنْ
يرويَ عن شيخ أجاز له جميعَ مسموعاتِهِ أن يبحثَ حتى يعلمَ أنَّ هذا مما
تحمَّلَه شيخُه قبلَ الإجازةِ) له .
(وأما قولُه: ((أجزتُ لك ما صحَّ أو يَصِحُ عندَكُ مِن مسموعاتي))،
فصحيحٌ تجوز الراويةُ به لِمَا صَحَّ عندَهُ) بَعدَ الإِجازَةِ (سماعُه له قبلَ
الإجازةِ، وفَعَلَه الدارقطنيُّ وغيرُه) .
قال العراقيُّ: وكذا لو لم يَقُلْ: ((ويصحُّ)) ؛ فإنَّ المرادَ بقولِهِ ما صحّ
حالَ الروايةِ لا الإجازَةِ .
· السابعُ: إجازةُ المُجَازِ:
كـ((أجزتُك مجازاتي) - أو جميعَ مَا أُجيز لي روايتُه))، (فَمَنَعَه بعضُ

٢٩١
الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله
مَن لا يُعْتَدُّ به) وهو الحافظ أبو البركاتِ عبدُ الوهاب بنُ المَبَارَكِ
الأنماطيُّ شيخُ ابنِ الجوزيِّ، وصنَّف في ذلك جُزءًا؛ لأنَّ الإِجازةَ
ضعيفةٌ، فَيَقْوىُ الضعفُ باجتماعِ إجازتَيْن .
(والصحيحُ الذي عليه العملُ: جوازُه، وبه قَطَع الحفاظُ) أبو الحسن
(الدار قطنيُّ، و) أبو العبَّاس (ابنُ عقدةَ، وأبو نعيم) الأصبهاني
(وأبو الفتحِ نَصْرٌ المَقْدسيُّ)، وفعله الحاكم، وادَّعى ابنُ طاهرِ الاتفاقَ
عليه .
(وكان أبو الفتح) نصرٌ المَقْدسيُّ (يَروي بالإجازةِ عن الإِجازةِ، وربما
وَالى بين ثلاث) إجازاتٍ، وكذلك الحافظُ أبو الفتح ابن الفوارس والى
بين ثلاث إجازاتٍ، ووالى الرافعيُّ في ((أماليه)) بين أربع أجائزَ، والحافظُ
قطبُ الدين الحلبيُّ بين خمس أجائزَ في ((تاريخ مصر))، وشيخُ الإسلام
في ((أماليه)) بين سِتٌّ .
(وينبغي للراوي بها) أي : بالإِجازةِ عن الإِجازةِ (تأملُها) أي : تأمُّلُ
كيفيةِ إجازَةٍ شيخ شيخِهِ لشيخِهِ ومُقتضاها؛ (لئلا يَروي) بها (ما لم يدخلْ
تحتَها) فرُبما قيَّدها بعضُهم بما صحَّ عند المُجَازِ له، أو بما سَمِعه
المُجِيزُ، ونحو ذلك .
(فإنْ كانتْ إجازةُ شيخ شيخِه: ((أجزتُ له ما صَحَّ عندَه مِن
سماعي))، فرأى سماعَ شیخ شیخِهِ ، فليس له روایتُه عن شيخه عنه حتى
یعرفَ أَنَّهُ صَحَّ عندَ شیخِهِ کونُه مِن مسموعاتٍ شیخه)، وكذا إن قيَّدها بما
سَمعه، لم يتعدَّ إلى مُجازاتِه، وقد زلَّ غيرُ واحدٍ مِن الأئمةِ بسببٍ ذلك .

٢٩٢
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
قال العراقيُّ وكان ابنُ دقيقِ العيدِ لا يُجيزُ روايةَ سماعِه كلِّه، بل يُقيّدُه
بما حدَّث به من مسموعاتِه، هكذا رأيتُه بخطُّه، ولم أَرَ له إجازةً تشملُ
مَسموعَه، وذلك أنه كان شَكَّ في بعضٍ سماعاته فلم يُحدِّث به، ولم
يُجزْه، وهو سماعُه على ابنِ المقيرِ، فمن حدَّث عنه بإجازته منه بشيءٍ
مما حدَّث به مِن مسموعاتِه فهو غيرُ صحيحٍ .
قلت : لكنه كان يُجيزُ مع ذلك جميعَ ما أُجيز له، كما رأيتُه بخطّ
أبي حَيَّان في ((النضار))، فعلى هذا لا تتقيَّدُ الروايةُ عنه بما حدَّث به مِن
مَسموعاتِهِ فَقط ؛ إِذْ يَدْخُلُ الباقي فيما أُجيز له .
فَزْعٌ :
(قال أبو الحسينِ) أحمدُ (ابنُ فارسٍ) اللغويُّ: (الإجازةُ) في كلام
العَربِ (مأخوذةٌ مِن جوازِ الماء الذي تسقاه الماشيةُ والحرثُ، يقال) منه :
(((استجزتُه فأجازني))، إذا أسقاكَ ماءً لماشيتِك وأرضِك).
قالَ : (كذا طالبُ العلم يستجيزُ العالمَ) أي: يسألُهُ أنْ يُجيزَه (علمَه،
فیجیزُه) إياه .
قال ابنُ الصلاح: (فعلى هذا يجوزُ أن يقال: ((أجزتُ فلانًا
مسموعاتي) أو مَرْوياتي)) متعديًا بغيرِ حرفِ جرِّ مِن غیرِ حاجةٍ إلى ذِكْرِ
لفظِ الرِّوايةِ .
(ومَن جَعَل الإجازَةَ إِذنًا) وإباحةٌ وتَسْويغًا (وهو المعروفُ، يقولُ :
((أجزتُ له روايةَ مسموعاتي)). ومتى قال: ((أجزتُ له مسموعاتي)) فعلى
الحذف ؛ كما في نظائره) .

٢٩٣
الرابع والعشرون : كيفية سماع الحديث وتحمله
· متى تُسْتحسن الإجازة؟
(قالوا : إنما تُستحسنُ الإجازةُ إذا عَلِمِ المجيزُ ما يجيزُه، وكان
المجازُ) له (مِن أهلِ العلم) أيضًا؛ لأنها توسُّعٌ وتَرخيصٌ يتأهَّلُ له أهلُ
العلمِ لمَسيسٍ حَاجَتِهم إليها .
قال عيسى بنُ مِسكينٍ : الإِجازةُ رأسُ مالٍ كبيرٍ .
(واشترطه بعضُهم) في صِحَّتِها فَبَالَغَ، (وحُكِي عن مالكِ)، حكَاهُ
عنه الوليدُ بنُ بكرٍ مِن أصحابِهِ .
(وقال ابنُ عبدِ البر : الصحيحُ أنها لا تجوزُ إلا لماهرِ بالصناعةِ ،
وفي) شيءٍ (معيَّنِ لا يُشْكِلُ إسنادُه .
• هل يشترط التَّلَفِّظ بالإجازة؟
وينبغي للمجيزِ كتابةً) أي: بالكتابةِ (أَنْ يتلفظَ بها) أي بالإِجازةِ
أيضًا، (فإنِ اقْتَصَرَ على الكتابةِ) ولم يتلفظُ - (مع قصدِ الإجازةِ -
صَحَّتْ)؛ لأنَّ الكتابةَ كنايةٌ ، وتكونُ حينئذٍ دونَ الملفوظِ بها في الرُّتبة .
وإنْ لم يقصدِ الإِجازةَ :
قال العراقيُّ : فالظاهرُ عدُ الصحةِ .
قال ابن الصلاح : وغيرُ مُستبعَدٍ تصحيحُ ذلك بمُجرَّدٍ هذه الكتابةِ في
بابِ الروايةِ، التي جُعِلَتْ فيه القراءةُ على الشيخ - مع أنَّه لم يلفظُ بما
قُرئ عليه - إِخبارًا منه بذلك .