Indexed OCR Text

Pages 1621-1640

١٥٤
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
• النَّوعِ الثَّانِي عَشَر :
التَّذلِیسُ
•• أقسامه:
(وهو قسمانٍ) بل ثلاثةٌ أو أكثرُ كما سيأتي .
تدليس الإسناد :
(الأولُ: تدليسُ الإسنادِ، بأن يروىَ عَمَّن عاصره) زادَ ابن الصلاحِ :
أو لَقِيه (ما لم يَسمعه منه) بل سَمِعه من رجلٍ عنه (مُوهِمًا سماعَه) حيثُ
أوردَه بلفظٍ يُوهِم الاتصالَ ولا يقتضيه (قائلاً: «قال فلانٌ))، أو ((عن
فلانٍ))، ونحوه) كـ((أن فلانًا))، فإن لم يكن عاصَره فليس الروايةُ عنه
بذلك تَدليسًا على المشهورِ .
وقال قومٌ : إنَّه تدليسٌ ، فَحَدُّوه بأن يحدِّث الرجلُ عن الرجلِ بما لم
يَسمعه منه بلفظٍ لا يَقتضي تَصريحًا بالسماعِ.
قال ابنُ عبدِ البر : وعلى هذا فما سَلِم أحدٌ مِن التدليسِ، لا مَالِكٌ
ولا غيرُه .
وقال الحافظُ أبو بكر البزَّار وأبو الحسن ابن القطّان: هو أن يَرويَ
عمَّن سمع منه ما لم يَسمع منه مِن غيرِ أن يذكرَ أنَّه سَمِعه منه .
قال : والفرقُ بينه وبين الإرسالِ: أنَّ الإرسالَ روايتُه عمَّن لم يسمع
منه .

١٥٥
الثاني عشر : التدليس
قال العراقي : والقولُ الأَول هو المشهورُ .
وقيَّده شيخُ الإسلامِ بِقِسم اللقي، وجعَل قِسمَ المعاصرةِ إرسالًا
خفيًّا .
ومثلُ ((قال)) و((عن)) و((أن)): ما لو أسقطَ أداةَ الروايةِ وسمَّى الشيخَ
فقط؛ فيقول: ((فلانٌ)).
قال عليُّ بن خشرم : كُنا عِند ابن عُيينة، فقال: الزُّهريُّ. فقيل له :
حدَّثكم الزهريُّ؟ فسكتَ، ثم قال: الزُّهريُّ. فقيل له : سمعتَه مِن
الزهريٌّ؟ فقال: لا، ولا ممَّن سِمعه مِن الزُّهريِّ؛ حدَّثني عبدُ الرزّاقِ ،
عن مَعمرٍ، عن الزهريِّ .
• تدليس التسوية:
(وربما لم يُسقِط شيخَه، وأَسقَط غيرَه) أي شيخ شَيخِه أو أَعلى منه
لكونه (ضعيفًا) وشيخُه ثقةٌ (أو صغيرًا) وأتَى فيه بلفظٍ محتملٍ عن الثقةِ
الثاني (تحسينًا للحديثِ) وهذا مِن زوائدِ المصنّفِ على ابنِ الصلاحِ،
وهو قسمٌ آخَرُ مِن التدليسِ يُسمَّى تدليس التسويةِ. سمَّاه بذلك ابنُ
القطان .
وهو شرٌّ أقسامِه، لأنَّ الثقةَ الأَول قد لا يكون معروفًا بالتدليسِ ،
ويجده الواقفُ على السندِ كذلك بَعدَ التسويةِ قد رَواه عن ثقةٍ آخر،
فَيَحكُمُ له بالصحةِ ، وفيه غرورٌ شديدٌ .
وممَّنِ اشتَهر بفعلِ ذلك : بَقية بنُ الوليدِ .

١٥٦
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
قال ابنُ أبي حاتم في ((العلل)) : سمعتُ أبي، وذكر الحديثَ الذي
رواه إسحاق بن راهويه، عن بقيةً، حدَّثني أبو وهبِ الأسديُّ، عن
نافعٍ، عنِ ابنِ عُمَرَ حديثَ: ((لا تَحمَدُوا إِسلامَ المرءِ حتى تَعرِفوا عُقْدَةَ رَأیهِ))
فقال أبي : هذا الحديثُ له أمرٌ قَلَّ مَن يَفهمُهُ ، روى هذا الحديثَ
عُبِيدُ اللّه بن عَمٍو، عن إسحاق بن أبي فَروة، عن نافعٍ، عن ابنِ عُمر ،
وعبيدُ الله ◌ُنيتُه أبو وهبٍ، وهو أَسديٍّ، فكنّاه بقيةُ، ونَسَبَه إلى
بني أسدٍ، كي لا يُفطنَ له، حتى إذا تَرَك إسحاقَ لا يُهتَدَى له. قال :
وكان بقيةُ مِن أَفعلِ الناسِ لهذا .
وممَّن عُرِف به أيضًا: الوليدُ بن مُسلمٍ .
قال أبو مسهر : كان يُحدِّثُ بأحاديثِ الأوزاعيِّ عن الكذّابين، ثُم
يُدلِّسها عنهم .
وقال صالح جزرة : سمعتُ الهيثمَ بنَ خارجةً يقول : قلتُ للوليدِ :
قد أفسدتَ حديثَ الأوزاعيِّ. قال : كيف؟ قلتُ : تَروي عَنِ الأوزاعيِّ
عَنْ نافعٍ، وعَنِ الأوزاعيِّ عَنِ الزهري، وعنِ الأوزاعيِّ عن يحيى بن
سَعيدٍ، وغيرُك يُدخِلُ بين الأوزاعيِّ وبينَ نافع عبدَ الله بنَ عَامٍ
الأسلمي، وبينه وبين الزهريِّ أبا الهيثم قُرَّةَ ، فما يحملك على هذا؟
قال: أَنَبِّلُ الأوزاعيَّ أن يَروِي عن مِثلِ هؤلاءِ. قلتُ: فإذا رَوى عَن
هؤلاءِ - وهُم ضُعفاءُ - أحاديثَ مناكيرَ، فأسقطتَهم أنت، وصيَّرتَها مِن
روايةِ الأوزاعيِّ عَنِ الثقات، ضُعْف الأوزاعيُّ. فلم يَلتفت إلى قَولي .
قال الخطيبُ : وكان الأعمشُ وسُفيانُ الثوريُّ يفعلون مِثلَ هذا.

١٥٧
الثاني عشر : التدليس
قال العلائي : وبالجُملة، فهذا النوعُ أفحشُ أنواع التدليسِ مُطلقًا
وشرُّها .
قال العراقي : وهو قادحٌ فيمن تعمّد فِعلَهُ .
وقال شيخُ الإسلام : لا شكَّ أنه جرحٌ، وإن وصِفَ به الثورُّ
والأعمشُ، فالاعتذارُ أنهما لا يَفعلانه إلا في حقٌّ مَن يكونُ ثِقةً عِندهما
ضعِيفًا عند غيرهما .
قال: ثُمَّ ابن القطّان إنما سمَّاه تَسويةً بِدُون لفظِ التدليس، فيقولُ
((سوَّاه فلانٌ))، و((هذه تسويةٌ))، والقدماء يُسمُّونه تَجويدًا، فيقولون :
((جوَّده فلانٌ))، أي ذكَر مَن فيه مِن الأَجوادِ، وحذَف غيرَهم .
قال: والتحقيقُ أن يُقال: متى قيل ((تدليس التَّسوية)) فلابُدَّ أن يكون
كل من الثقات الذين حُذِفت بينهم الوسائطُ في ذلك الإسنادِ قد اجتمعَ
الشخصُ مِنهم بشيخ شيخِه في ذلك الحديثِ ، وإن قيل: ((تسوية)) بدون
لفظِ التدليس، لم يحتج إلى اجتماع أحدٍ منهم بِمِنَ فوقه، كما فَعَل
مالٌ ، فإنّه لم يقع في التدليسِ أصلاً ، ووقّع في هذا، فإنه يروي عن ثورٍ
عن ابنِ عباسٍ، وثورٌ لم يَلقه، وإنما رَوى عن عِكرمةَ عنه، فأسقطَ
عكرمةً؛ لأنَّه غير حُجةٍ عِنده، وعلى هذا يُفارِقُ المنقطعَ، بأنَّ شرطَ
الساقطِ هُنا أن يكون ضَعيفًا، فهو منقطعٌ خاصٌّ .
• تدليس العطف:
ثم زادَ شيخُ الإسلامِ («تدليسَ العَطفِ))، ومَثَّلَه بما فَعل هشيمٌ، فيما

١٥٨
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
نَقَل عن الحاكم والخطيب، أنَّ أصحابه قالوا له : نريدُ أن تُحدِّثنا اليومَ
شيئًا لا يكون فيه تدليس. فقال: خُذُوا، ثم أَملى عليهم مَجلسًا يقول في
كل حديثٍ منه: حدَّثنا فلانٌ وفلانٌ، ثُم يَسوقُ السَّندَ والمتنَ، فلمَّا فرغَ
قال : هل دلستُ لكم اليوم شيئًا؟ قالوا: لا. قال: بلى، كل ما قلتُ
فيه : ((وفلانٌ)) فإنِّي لم أَسمعه منه .
قال شيخُ الإسلام : وهذه الأقسامُ كُلُّها يَشملُها تدليسُ الإسنادِ،
فاللائقُ ما فعله ابنُ الصلاحِ مِن تقسيمه قِسمين فقط .
• تدليس القطع:
قلتُ : ومِن أقسامه أيضًا ما ذكّر محمدُ بنُ سَعدٍ ، عن أبي حفص عُمر
ابن علي المقدمي، أنه كان يُدلِّس تدليسًا شديدًا، يقول: ((سمعتُ))،
و ((حدثنا))، ثم يَسكُتُ، ثم يقول: هِشامُ بنُ عُروةَ، الأَعمشُ(١) .
وقال أحمدُ بنُ حنبل: كان يقولُ حجاجٌ سمعتُه، يعني حديثًا آخَرَ .
وقال جماعةٌ : كان أبو إسحاق يقولُ: ليس أبو عبيدة ذكّره، ولكن
عبد الرحمن بن الأسود عن أبيهِ. فقوله : ((عبد الرحمن)) تَدليسٌ يُوهِم أنَّه
سمعه منه .
تدليس الشيوخ :
القسمُ (الثاني: تدليسُ الشيوخ، بأن يُسمِّي شيخَه، أو يَكْنِيَهُ أو
يَنْسُبَهُ، أو يَصِفَه بما لا يعرفُ) .
(١) وهذا يسميه الحافظ ابن حجر بـ((تدليس القطع)).

١٥٩
الثاني عشر : التدليس
قال شيخُ الإسلام : ويَدخل أيضًا في هذا القِسم التَّسويةُ، بأن يصفَ
شیخَ شیخِه بذلك .
· حكم تدليس الإسناد بأنواعه:
(أما) القِسم (الأولُ فمكروهٌ جدًّا، ذَمَّه أكثرُ العلماءِ) وبالغ شعبةُ في
ذَمِّه فقال: لأن أَزْني أحبُّ إليَّ مِن أن أُدلِّس . وقال: التدليسُ أَخُو
الكذب .
قال ابن الصلاح : وهذا مِنه إفراطٌ محمولٌ على المبالغةِ في الزجرِ عنه
والتنفيرِ .
(ثم قال فريقٌ منهم) من أهل الحديث والفقهاء : (من عُرِف به صار
مجروحًا مردودَ الروايةِ) مُطلقًا (وإن بَيَّن السماعَ) .
وقال جمهورُ مَن يَقبلُ المرسَلَ : يُقبلُ مطلقًا . حكَاه الخطيب .
ونَقْلُ المصنّفِ في ((شرح المهذب)» الاتفاقَ على ردِّ ما عَنعَنَهُ تَبَعًا
للبيهقيِّ وابنِ عبدِ البر، محمولٌ على اتفاقٍ مَن لا يحتجُّ بالمرسلِ .
لكن حكَىُ ابنُ عبدِ البر عن أئمةِ الحديثِ أنَّهم قالوا : يُقبلُ تَدليسُ ابنِ
عُيينة؛ لأنه إذا وُقْف أحالَ على ابنِ جريجٍ ومعمرٍ ونظرائِهما .
ورجَّحه ابنُ حِبَّان، قال: وهذا شيءٌ ليس في الدنيا إلَّا لسُفيانَ بن
عيينةً، فإنَّه كان يُدلِّسُ، ولا يُدلِّسُ إلا عَن ثقةٍ مُتقنٍ، ولا يكادُ يُوجَدُ له
خبرٌ دَلَّس فيه إلَّا وقد بَيَّن سماعه عن ثقةٍ مِثل ثِقَتِهِ ، ثُم مَثَّل ذلك بمراسيلٍ
كبارِ التابعين، فإنَّهم لا يُرسلون إلا عن صحابيٍّ .

١٦٠
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
وسَبقه إلى ذلك أبو بكرِ البزار وأبو الفتح الأزدي ، وعبارةُ البزَّارِ : مَن
كان يدلِّسُ عن الثقاتِ كان تدليسُهُ عند أهل العلم مقبولًا .
وفي ((الدلائل)) لأبي بكر الصيرفيِّ: مَن ظهر تَدليسُهُ عن غير الثقاتِ
لم يُقبل خَبرُه حتَّى يقولَ: ((حدَّثني))، أو ((سمعتُ)) .
فعلى هذا، هو قولٌ ثالثٌ مفصلٌ غير التفصيلِ الآتي .
قال المصنف - كابنِ الصلاح -: وعُزِي للأكثرين ؛ مِنهم الشافعيُّ وابنُ
المديني وابنٌ معينٍ، وآخرون .
(والصحيحُ التفصيلُ؛ فما رواه بلفظٍ محتملٍ لم يُبَيِّنْ فيه السماعَ
فمرسلٌ) لا يُقبلُ (وما بَيَّته فيه؛ كـ((سمعتُ)) و((حَدَّثنا)) و((أخبرنا))
وشبهِها، فمقبولٌ يُحتَجُ به، وفي الصحيحينِ وغيرِهما مِن هذا الضَّربِ
كثيرٌ؛ كقتادةَ والسفيانَينِ وغيرِهم) كعبدِ الرزّاق والوليدِ بنِ مُسلم ؛ لأنَّ
التدليسَ ليس كَذِبًا، وإنما هو ضربٌ مِنَ الإيهامِ .
(وهذا الحكمُ جارٍ) كما نصَّ عليه الشافعيُّ (فيمَن دَلَّسَ مَرَّةٌ)
واحدةً .
· حكم أحاديث المدلسين التي في «الصحيحين»:
(وما كان في الصحيحينِ وشبههما) مِن الكُتبِ الصحيحةِ (عن
المدلْسين بـ((عن))، فمحمولٌ على ثبوتِ السماع) له (مِن جهةٍ أخرى)
وإنما اختارَ صاحبُ ((الصحيح)) طريقَ العَنعنةِ عَلى طريقِ التصريحِ
بالسماع ، لِكَونِها على شرطِهِ دُون تِلك .

١٦١
الثاني عشر : التدليس
وفصَّلَ بعضُهم تَفصيلاً آخر، فقال: إن كان الحاملُ له على التدليسٍ
تغطيةَ الضعيفِ فَجَرِحْ؛ لأن ذلك حَرامٌ وغِشٌِّ، وإلّا فلا .
· حكم تدليس الشيوخ:
(وأما) القِسمُ (الثاني، فكراهتُه أَخَفُّ) مِن الأولِ (وسببُها توعيرُ طريقٍ
معرفته) على السامع، كقولِ أبي بكرِ ابنِ مُجاهدٍ أحد أئمةِ القُرَّاءِ: ((حدثنا
عبد الله بن أبي عبد اللَّه)) يريد: أبا بكر بن أبي داود السجستاني، وفيه تضييعٌ
للمرويِّ عنه والمرويِّ أيضًا؛ لأنَّه قد لا يُفطنُ له فَيُحكم عليه بالجهَالة .
(ويَختلفُ الحالُ في كراهتِهِ بحسَبٍ غَرَضِه) فإن كان (لكونِ المغيَّرِ
اسْمُهُ ضعيفًا) فيدلْسه حتى لا يُظهرَ روايتَه عَنِ الضُّعفاءِ، فهو شرُّ هذا
القِسمِ، والأصحُ أنَّه ليسَ بجرحٍ .
(أو) لِكّونه (صغيرًا) في السِّنِّ (أو متأخرَ الوفاةِ) حتى شَاركَه فيه مَن
هو دُونَه، فالأمرُ فيه سهلٌ .
(أو سَمِع منه كثيرًا، فامتَنَع من تكرارِه على صورةٍ) واحدةٍ، إيهامًا
لكثرةِ الشيوخ، أو تَفْتُّنَا في العِبَارةِ، فَسَهلٌ أيضًا (و) قَد (تَسمَّحَ الخطيبُ
وغيرُه) مِنَ الرواةِ المصنّفين (بهذا) .
· صورة أخرى من تدليس الشيوخ:
مِن أقسام التدليسِ ما هو عَكسُ هذا، وهو إعطاءُ شخصٍ اسمَ آخَرَ
مشهورٍ تَشبيهًا، ذكره ابنُ السُّبكي في ((جمع الجوامع))، قال: كَقولنا :
((أخبرنا أبو عبد الله الحافظ))؛ يعني: الذهبيَّ، تشَبيهًا بالبيهقيِّ، حيث
يقول ذلك، يعني به : الحاكم .

١٦٢
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
وكذا إيهامُ اللَّقي والرِّحلة، كـ((حدثنا مَنْ وراءَ النهر)) يوهم أنه
جَيحون، ويريد نهرَ عيسى ببغداد، أو الجيزة بِمِصر.
وليس ذلك بجرح قَطعًا، لأنَّ ذلك مِن المعاريض لا مِنَ الكَذبِ ؛
قاله الآمديُّ في ((الإحكام))، وابنُ دقيقِ العيدِ في ((الاقتراح)).
• البلدان التي عُرف بها التدليس:
قال الحاكمُ : أهلُ الحجازِ، والحَرَمينِ، ومِصرَ، والعَوالي،
وخُراسانَ ، والجبالِ، وأصبهانَ، وبلاد فارسَ، وخوزستان، وما وراء
النهر، لا نعلمُ أَحَدًا مِن أئمتهم دلَّسوا .
قال : وأكثرُ المحدِّثين تَدليسًا أهلُ الكوفةِ ونفرٌ يسيرٌ مِن أهل البصرةِ .
قال: وأمَّا أهلُ بغداد فلم يُذكر عن أحدٍ مِن أهلِها التَّدليسُ، إِلَّا
أبا بكرٍ محمد بن محمدٍ بن سُليمان البَاغنديَّ الواسطيَّ، فهو أوَّلُ مَن
أحَدَثَ التدليسَ بها، ومَن دَلَّسَ مِن أهِلها إنما تَبعه في ذلك .
• المصنفات في المدلِّسين:
وقد أَفردَ الخطيبُ كتابًا في أَسماءِ المُدلِّسين، ثُم ابنُ عساكر .
التدليس ليس حرامًا :
استُدِلَّ عَلى أنَّ التدليسَ غيرُ حَرام بما أخرجه ابنُ عَديٌّ عَنِ البراءِ
قال: لم يكن فِينا فارسٌ يَومَ بَدٍ إلَّا المقداد .
قال ابنُ عَسَاكر: قولُه: ((فينا))، يعني المسلمين؛ لأنَّ البَرَاءَ لم يَشهَد
بدرًا .

١٦٣
الثالث عشر : الشاذ
النَّوعُ الثَّالِثَ عَشَرَ :
الشَّاذُ
• الأقوال في تعريفه:
(هو عِندَ الشافعيّ وجماعةٍ مِن علماءِ الحجازِ ما رَوَى الثقةُ مخالفًا
لروايةِ الناسِ، لا أن يَروِيَ) الثقة (ما لا يَروِي غيرُه) هو مِن تَتَمَّةِ كَلامِ
الشَّافعيِّ .
(قال) الحافظُ أبو يَعلى (الخليليُّ: والذي عليه حفاظُ الحديثِ أَنَّ
الشاذَّ ما ليس له إلا إسنادٌ واحدٌ ، يَشِذُّ به ثقةٌ أو غيرُه، فما كان) مِنه (عن
غيرِ ثقةٍ فمتروٌ) لا يُقبلُ (وما كان عن ثقةٍ تُؤُقَّفَ فيه ولا يُحتَجُّ به) .
فجعلَ الشاذَّ مُطلقَ التفرُّدِ، لا مَعَ اعتبارِ المخالَفةِ .
(وقال الحاكمُ : هو ما انفَرَد به ثقةٌ، وليس له أصلٌ بمتابعٍ) لذلك
الثقةِ .
قال : ويُغايرُ المُعلَّلَ؛ بأنَّ ذلك وُقِف على عِلَّته الدالةِ على جهةِ الوهم
فيه ، والشاذُ لم يُوقَف فيه على عِلٍ كذلك .
فجعلَ الشاذَّ تفردَ الثقةِ ، فهو أخصُّ مِن قولِ الخليليِّ.
قال شيخُ الإسلامِ : وبَقي مِن كلامِ الحاكم : وَينقدِحُ في نَفسِ الناقدِ
أنَّهِ غَلَطْ ، ولا يقدرُ عَلى إقامةِ الدلیلِ على ذلك .

١٦٤
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
قال : وهذا القيدُ لابُدَّ منه. قال: وإنَّما يُغايرُ المُعلَّل مِن هذه الجهةِ.
قال : وهذا على هذا أدقُّ مِن المُعلِّل بكثيرٍ، فلا يتمكّنُ مِن الحُكم به إلا
مَن مَارَسَ الفنَّ غايةَ الممارسةِ، وكان في الذِّرْوَةِ مِن الفهمِ الثاقبِ،
ورُسوخِ القَدَمِ في الصناعةِ .
• ما يَرِد على تعريف الخليلي والحاكم:
قال المصنفُ . كابنِ الصلاحِ . : (وما ذَكَراه) أي الخليليُّ والحاكمُ
(مُشكِلٌ) فإنه ينتقضُ (بأفرادِ العَدلِ الضابطِ) الحافظِ (كحديثٍ: ((إنَّما
الأعمالُ بِالنِّئَاتِ))) فإنَّه حديثٌ فَردٌ، تفرَّد به عُمرُ عنِ النبيِّ بَّرَ، ثُم
عَلقمة عنه، ثُم محمد بن إبراهيم عَن عَلقمةَ، ثم عنه يحيى بنُ سعيدٍ .
(و) كحديثٍ : (((النهي عن بيع الولاءِ) وهِبتِهِ)) تفرَّد به عبدُ الله بنُ
دينارٍ عنِ ابنِ عُمر .
(وغير ذلك) مِن الأحاديثِ الأفرادِ (مما) أخرج (في) كتابي
(الصحيحِ) كحديث مالكٍ، عَنِ الزُّهرِيِّ، عن أَنْسٍ، أنَّ النَّبيَّ نَّهْ دَخَلَ
مَكَّةَ وعَلىَ رَأْسِهِ المِغْفَرُ . تفرَّد به مَالِكٌ عَنِ الزُّهريِّ.
فكلُّ هذه مخرَّجةٌ في ((الصحيحين))، مع أنَّه ليس لها إلا إسنادٌ
واحدٌ ، تفرَّد به ثقةٌ .
وقد قال مسلمٌ : لِلزّهريِّ نحو تسعين حَرفًا يَرويه لا يُشاركه فيه أحدٌ
بأسانيدَ چِیَادٍ .

١٦٥
الثالث عشر : الشاذ
، الصحيح: التفصيل:
قال ابنُ الصلاح : فهذا الذي ذَكَرناه وغَيرُه مِن مذاهبٍ أئمةِ الحديثِ
يُبيِّنُ لكَ أنَّه ليس الأمرُ في ذلك على الإطلاقِ الذي قَالاه؛ وحينئذٍ
(فالصحیحُ التفصيلُ :
فإن كان) الثقةُ (بتفرده مخالفًا أحفظَ منه وأضبطَ) عبارةُ ابنِ الصلاحِ :
لِمّا رَواه مَن هُو أَولىْ مِنْه بالحفظِ لذلك. وعبارةُ شيخ الإسلامِ: لِمَن هُو
أرجح مِنه لمزيدٍ ضَبطِ، أو كثرةٍ عَدَدٍ، أو غير ذلك مِن وُجوهِ
الترجيحاتٍ؛ (كان) ما انفَردَ به (شاذًّا مردودًا) .
قال شيخُ الإسلام: ومُقابِلُه يُقال له: المحفوظُ .
قال : مثالُه ما رواه الترمذيُّ والنسائيُّ وابنُ ماجه مِن طريق ابنِ عُيينة ،
عن عَمرِو بنِ دينارٍ ، عن عَوسَجةَ، عن ابنِ عباسٍ، أن رَجُلًا تُوِّي عَلى
عَهدِ رَسُولِ اللّهِ وَّهِ، ولم يَدَعْ وَارِثًا إلا مَولَى هُو أَعتقَهُ - الحديث.
وتابعَ ابنَ عيينة على وَصلِهِ : ابنُ جريج وغيرُه ، وخَالفَهم حمادُ ابنُ
زيدٍ ؛ فرواه عن عمرو بنِ دينارٍ عن عَوسَجَةَ، ولم يذكرِ ابنَ عَبَّاسٍ .
قال أبو حاتم : المحفوظُ حديثُ ابنٍ عُيينةَ .
قال شيخُ الإسلامِ : فحمادُ بن زيدٍ مِن أهلِ العدالةِ والضبطِ ، ومع
ذلك رجَّح أبو حاتم روايةَ مَن هُم أكثرُ عَددًا منه .
قال: وعُرف مِن هذا التقريرِ : أنَّ الشاذَّ ما رَواهُ المقبولُ مخالِفًا لمَن هُو
أولى مِنه . قال : وهذا هو المعتمدُ في حدِّ الشاذٌ، بحسبِ الاصطلاحِ .

١٦٦
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
ومِن أمثلتِه في المَتنِ : ما رواه أبو داود والترمذيُّ مِن حديثٍ
عبدِ الواحدِ بن زِيَادٍ، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هُريرةً
مَرفوعًا: ((إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكَعَتَي الفجرِ فَليضطجعَ عَن يمينِهِ)) .
قال البيهقيُّ : خالف عبدُ الواحدِ العددَ الكثيرَ في هذا؛ فإن الناسَ
إنما رَوَوهُ من فِعلِ النبيِّ ◌ََّ لا مِن قولِهِ، وانفرد عبدُ الواحدِ مِن بَيْنِ ثقاتٍ
أصحابِ الأعمشِ بهذا اللفظِ .
(وإن لم يُخالف الراوي) بتفردِهِ غَيرَه، وإنما رَوَى أَمرّا لم يَروِهِ غيرُه،
فينظرُ في هذا الراوي المنفردِ : (فإن كان عدلًا حافظًا موثوقًا بضبطِه ، كان
تفردُه صحيحًا، وإن لم يُوثَق بحفظه و) لكن (لم يَبعُد عن درجةِ الضابطِ ،
كان) ما انفردَ بهِ (حسنًا، وإِن بَعُد) مِن ذلك (كان شاذًّا منكَرًا مردودًا) .
(والحاصلُ أنَّ الشاذِّ المردود هو الفَردُ المخالفُ، والفَردُ الذي ليس
في رُواته مِن الثقةِ والضبطِ ما يُجْبَرُ به تفردُه) وهو - بهذا التفسيرِ- يُجامعُ
المنكرَ، وسَيأتي ما فيه .
٫٠٠ ..

١٦٧
الرابع عشر: المنكر
• النَّوْعُ الرَّابعَ عَشَرَ :
مَعْرِفَةُ المُنكَرِ
( قال الحافظُ) أبو بكر ( البَرْديجيّ: هو) الحديث ( الفَردُ الذي
لا يُعرفُ متنُه عن غيرِ راويه. وكذا أَطْلَقه كثيرون) مِن أهلِ الحديثِ .
• التفصيل في المنكر كالشاذ:
قالَ ابنُ الصلاح : (والصوابُ فيه التفصيلُ الذي تَقَدَّم في الشاذٌ) .
قال : وعِند هذا نقولُ: المنكرُ قِسمان على ما ذكرنا في الشاذِّ، فإِنَّه
بِمَعناهُ .
مِثالُ الأَولِ . وهو المنفرد المُخالِفُ لما رَواه الثقاتُ -: روايةُ مالكِ،
عن الزُّهريِّ، عن عليّ بن حُسينٍ، عن عُمرَ بن عُثمان، عن أسامة بن
زيدٍ، عَن رسولِ اللَّهِ وَ لَ قال: ((لا يَرِثُ المُسِلمُ الكَافِرَ، ولا الكَافِرُ
المُسلِمَ)) .
فخالفَ مالكٌ غَيرَهُ مِنَ الثقاتِ في قوله : ((عُمر بن عُثمان))، بضم
العين، وذكر مسلمٌ في ((التمييز)) أنَّ كُلَّ مَن رواه مِن أصحابِ الزُّهريّ
قاله : بِفَتحها، وأن مالكًا وهم في ذلك .
قال العراقيُّ : وفي هذا التمثيل نَظَرٌ ؛ لأنَّ الحديثَ ليس بمُنكرٍ، ولم
يُطلِقِ عليه أحدٌ اسمَ النكارةِ فيما رأيت، وغايتُه أن يكونَ السَّندُ مُنكرًا أو
شاذًا لمخالفةِ الثقاتِ لمالكِ في ذلك، ولا يلزمُ مِن شذوذِ السَّند ونكارتِه

١٦٨
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
وجودُ ذلك الوصفِ في المتنِ، وقد ذكر ابنُ الصلاح في نوع المعلَّل أنَّ
العلةَ الواقعةَ في السَّندِ قد تَقدَحُ في المتنِ وقد لا تَقدحُ، كما سَيأتي(١).
قال : فالمثالُ الصحيحُ لهذا القِسم ما رواه أصحابُ السُّنن الأربعةِ مِن
روايةٍ همامٍ بن يَحيى، عَنِ ابن جُريجٍ ، عَنِ الزُّهريِّ، عَن أنسٍ قال : كَانَ
النَّبِيُّ وََّ إِذَا دَخَلَ الخَلَاءَ وَضَعَ خَاتَمهُ.
قال أبو داودَ بعد تَخريجِهِ: هذا حديثٌ مُنكرٌ، وإنَّما يُعرَفُ عن ابنِ
جُريجٍ، عَن زيادٍ بن سعدٍ ، عَنِ الزُّهريِّ، عن أنسٍ، أنَّ النبيَّ ◌َِّ اتَّخِذَ
خَاتَمًا مِن وَرِقٍ ثُمَّ أَلقاهُ. قال: والوَهمُ فيه مِن هَمام، ولم يَروه إلَّا
همامٌ .
وقال النسائيُّ بعدَ تخريجِهِ : هذا حديثٌ غيرُ مَحفوظٍ .
فَهَمَامُ بنُ يَحيى ثقةٌ، احتجَّ به أهلُ الصحيح، ولكنَّه خالفَ الناسَ،
فرَوىُ عنِ ابنِ جريجِ هذا المتنَ بهذا السندِ ، وإنَّما رَوىُ الناسُ عِن ابنِ
جريج الحديثَ الذي أشار إليه أبو داود، فلهذا حكم عليه بالنكارةِ .
ومثالُ الثاني - وهو الفردُ الذي ليس في رَاويه مِنَ الثقةِ والإتقانِ
ما يحتملُ معه تَفرُّده .: ما رواه النسائيُّ وابنُ ماجه مِن روايةِ أبِي زُکَیْرِ
يَحيى بنِ مُحمدٍ بن قيسٍ، عَن هِشام بنِ عُروةَ، عَن أَبيه، عَن عَائشَةَ
(١) وهذا هو الذي أراده ابن الصلاح من هذا التمثيل، أراد: نكارة الإسناد لا المتن،
ولا تلازم بينهما. ولصنيعه أمثلة في كلام السابقين، كما بينته في التعليق على
الأصل .

١٦٩
الرابع عشر : المنكر
مَرفوعًا: ((كُلُوا الْبَلَحَ بِالثَّمرِ؛ فَإِنَّ ابنَ آدَمَ إِذَا أَكَلَّهُ غَضِبَ الشَّيْطَانُ))
الحديث .
قال النسائيُّ : هذا حديث مُنكَرٌ. تفرَّد به أبو زكيرٍ، وهو شيخٌ
صالحٌ، أخرجَ له مسلمٌ في المُتابعَات، غَير أنَّه لم يَبلغ مبلغَ مَن يحتملُ
تَفْرُّده، بل قد أطلقَ عليه الأئمةُ القولَ بالتضعيفِ ، فقالَ ابنُ معينٍ :
ضعيفٌ. وقال ابن حبان: لا يحتجُّ به. وقال العقيليُّ: لا يُتَابَعُ على
حديثه. وأَورد له ابنُ عديٍّ أربعةَ أحاديثَ مَناكِيرَ .
· من قال: المنكر كالشاذِّ، ومن غاير بينهما:
قد عُلم مما تقدَّم بَل مِن صريح كلامِ ابنِ الصلاحِ أنَّ الشاذَّ والمُنكَرَ
بمعنی .
وقال شيخُ الإسلام: إنَّ الشاذِّ والمُنكَرَ يجتمعان في اشتراطٍ
المخالفةِ، ويَفترقان في أنَّ الشاذَّ رَاويهِ ثقةٌ أو صَدوقٌ، والمُنكَرَ راويه
ضَعيفٌ. قال: وقَد غَفل مَن سَوَّى بينهما .
ثم مَثَّل المُنكَر بما رَواهُ ابنُ أبي حَاتمٍ مِن طريقٍ حُبَيِّب بنِ حَبِيبٍ أخي
حَمزة الزَّيَّاتِ ، عن أبي إسحَاق، عَنِ العَيزارِ بنِ حُريثٍ، عَنِ ابنِ عباسٍ،
عَنِ النبيِّ وَِّ قَال: ((مَن أَقَامَ الصَّلاةَ، وَآتَى الزَّكَةَ، وَحَّ، وَصَامَ، وَقَرَىُ
الضَّيفَ، دَخَلَ الجنَّةَ)) .
قال أبو حاتم: هو مُنكَرٌ ؛ لأنَّ غَيرَه مِنَ الثقاتِ رَواه عَن أبي إسحاقَ
مَوقوفًا، وهو المعروفُ .

١٧٠
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
• الحديث المتروك:
وحينئذٍ، فالحديثُ الذي لا مُخالفَةً فيه ورَاويه مُتَّهمٌ بالكَذبِ ، بَأن
لا يُروىُ إلَّا مِن جِهته، وهو مُخالِفٌ للقواعدِ المعلومةِ، أو عُرف به في
غيرِ الحديثِ النبويِّ، أو كثيرُ الغَلطِ أو الفسقِ أو الغفلةِ، يُسمَّى
((المتروكَ))، وهو نوعٌ مُستَقِلٌّ ذكره شيخُ الإسلام .
كحديثٍ صدقةَ الدَّقيقيِّ، عَن فرقدٍ، عن مُرَّةً، عن أبي بَكرٍ .
وحديثٍ عَمرِو بنِ شمر، عن جابرِ الجعفيِّ، عن الحارثِ، عن عليٍّ .
• المحفوظ، والمعروف:
عبارةُ شيخِ الإسلام في ((النخبة)): فإن خُولِفَ الراوي بأَرجحَ ،
فالراجحُ يُقال له المحفوظُ، ومُقابلُه يُقالُ له الشاذُّ. وإن وقعتِ المخالفةُ
مع الضعفِ، فالراجحُ يُقالُ له المعروفُ، ومُقابلُه يقال له المُنكَرُ .

١٧١
الخامس عشر: الاعتبار ، والمتابعات ، والشواهد
• النَّوْعُ الخَامِسَ عَشَرَ :
مَعْرِفَةُ الاعْتِبَارِ ، والمُتَابَعَاتِ، والشَّوَاهِدِ
(هذه أمورٌ) يتداولها أهلُ الحديثِ (يَتَعرَّفون بها حالَ الحديثِ)
يَنظرون هل تَفرَّد به راويه أو لا؟ وهل هُو مَعروفٌ أو لا؟
فالاعتبارُ أن تأتي إلى حديثٍ لبعضِ الرُّواةِ ، فَتَعتبرَهُ برواياتٍ غيرِهِ مِنَ
الرُّواةِ بَسبرٍ طُرقِ الحديثِ ، لِتعرفَ هل شاركَه في ذلك الحديثِ راوٍ غيرُه
فرواه عن شَيخه أو لا؟ فإن لم يكن فتنظرُ : هل تابعَ أحدٌ شيخَ شيخِه
فرواه عمَّن رَوى عنه؟ وهكذا إلى آخرِ الإسناد؛ وذلك المتابعةُ، فإن لم
يكن فتنظر : هل أتَى بمعناه حديثٌ آخَرُ؛ وهو الشاهدُ؟ فإن لم يكن ،
فالحديثُ فردٌ، فليس الاعتبارُ قَسيمًا للمُتابع والشاهِد، بل هو هيئةُ
التوصلِ إليهما .
• مثال الاعتبار:
(فمثالُ الاعتبارِ : أن يَرويَ حمادُ) بنُ سلمةً (مثلًا حديثًا لا يُتابعُ
عليه، عن أيوبَ، عن ابنِ سيرينَ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ◌ِّ ؛
فينظرُ: هل رواه ثقةٌ غير أيوبَ عن ابنِ سيرينَ، فإن لم يُوجد) ثقةٌ غيرُهُ
(فغيرُ ابنِ سيرينَ عن أبي هريرةَ، وإلا) أي: وإن لم يوجد ثِقةٌ عَن
أبي هُريرة غيره (فصحابيٌّ غيرُ أبي هريرةَ عن النبيِّ نَّهِ، فأيُّ ذلك وُجِد
عُلِمِ) به (أَنَّ له أصلًا يرجعُ إليه، وإلا) أي وإن لَم يُوجد شَيءٌ من ذلك
(فلا) أصل له .

١٧٢
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
(والمتابعةُ : أن يرويَه عن أيوبَ غيرُ حمادٍ ، وهي المتابعةُ التامةُ ، أو) لم
يَروِه عنه غيرُه، ورَواه (عن ابنِ سيرينَ غيرُ أيوبَ، أو عن أبي هريرةَ غيرُ ابن
سيرينَ، أو عن النبيِّ وَِّ صحابيٌّ آخَرُ) غيرُ أَبي هُريرة (فكلُّ هذا يُسمَّى
متابعةً، وتَقصُرُ عن) المُتَابَعةِ (الأولى بحسبٍ بُعدِها منها) أي بِقَدرهِ .
(وتُسمَّى المتابعةُ شاهدًا) أيضًا .
(والشاهدُ : أَن يُروَى حديثٌ آخَرُ بمعناه، ولا يُسَمَّى هذا متابعةً) فَقد
حَصَل اختصاصُ المتابعةِ بما كان باللفظِ ، سواءٌ كان مِن روايةٍ ذلك
الصحابيِّ أَم لا، والشاهدُ أَعمُّ، وقِيل: هُو مَخصوصٌ بما كان بالمعنى
کذلك .
وقال شيخُ الإسلام : قد يسُمَّى الشاهدُ متابعةً أيضًا، والأمرُ سهلٌ .
• مثالُ ما اجتمعَ فيه المتابعةُ التامَّةُ والقاصِرَةُ والشاهِدُ:
ما رواهُ الشَّافعيُّ في ((الأُمِّ» عن مالكِ، عن عبدِ الله بنِ دينارٍ، عن
ابن عُمر، أن رسول اللَّهُ وَ لَه قال: ((الشَّهرُ تِسعٌ وعِشرُونَ، فَلَا تَصُومُوا
حَتَّى تَرَوا الهِلَالَ، ولا تُفطِرُوا حَتَّى تَرَوهُ، فإنْ غُمَّ عليكم فَأَكَمِلُوا العِدَّةَ
ثَلاثِينَ)) .
فهذا الحديثُ بهذا اللفظِ ظَنَّ قومٌ أنَّ الشافعيَّ تفرَّدَ به عن مالكِ،
فعدُّوه في غَرائبهِ؛ لأنَّ أصحابَ مالكِ رَوَوهُ عنه بهذا الإسنادِ بلفظِ : ((فَإِن
غُمَّ عَليكُم فَاقِدُرُوا لَهُ)) .
لكن ؛ وَجدنا للشافعيِّ مُتابِعًا، وهو عبدُ اللَّهِ بنُ مَسلمة القعنبيُّ،
كذلك أخرجه البُخاريُّ عَنه عن مالكِ، وهذه مُتَابَعةٌ تامةٌ .

١٧٣
الخامس عشر: الاعتبار ، والمتابعات ، والشواهد
وَوَجدنا له متابعةً قاصِرَةً في ((صحيح ابنٍ خزيمةَ)) مِن روايةٍ عاصم بن
محمدٍ ، عن أبيهِ محمدِ بنِ زيدٍ، عن جَدِّه عبدِ الله بنِ عُمَر بلفظ :
((فَأَكَمِلُوا ثَلاثِينَ)) .
وفي ((صحيح مسلم)) من رواية عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابنٍ
عمر بلفظ : ((فاقدروا ثلاثين)) .
وَوَجَدْنا له شاهِدًا رواه النَّسائيُّ مِن روايةِ محمدِ بن حنينٍ ، عنِ ابنِ
عباسٍ، عَنِ النبيِّ نَّهِ، فذكَر مِثلَ حديثِ عبدِ الله بنِ دينارٍ ، عنِ ابنِ
عُمَرَ، بلَفظهِ سواء .
ورواه البخاريُّ مِن روايةِ محمدِ بنِ زيادٍ، عن أبي هريرة، بلفظِ :
((فَإِنْ أُغْمِي عَلَيْكُمْ فَأَكَمِلُوا عَدَّةَ شَعبَانَ ثَلَاثِينَ))؛ وذلك شاهدٌ بالمعنى.
• إذا انتفت المتابعات مع الشواهد، فحكمه حكم الشاذّ:
(وإذا قالوا في مِثله) أي: الحديث (تَفَرَّد به أبو هريرة) عَنِ النبيِّ ◌َل
(أو ابنُ سِيرينَ) عن أبي هريرة ( أو أيوبُ) عن ابن سيرينَ (أو حمادٌ) عن
أَيُّوبَ (كان مُشعِرًا بانتفاءِ) وجوه (المتابعاتِ) فیه .
(وإذا انتَفَتِ) المتابعاتُ (مع الشواهدِ، فحكمُه ما سَبَق في الشاذٌ) مِن
التّفصيل .
• مَنْ تصلح روايته للاعتبار؟
(وَيَدْخُلُ في المتابعةِ والاستشهادِ روايةُ مَن لا يُحتَجُّ به ، ولا يَصلُحُ
لذلك كلُّ ضعيفٍ) كما سيأتي في ألفاظِ الجَرحِ والتَّعديل .