Indexed OCR Text

Pages 1541-1560

٧٤
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
قد يعرض للمَفُوق ما يجعله فائقًا :
قد يَعرِضُ للمَفُوقِ ما يَجعله فائقًا، كأن يتَّفقا على إخراج حديثٍ
غريبٍ، ويُخرج مسلمٌ أو غيرُه حديثًا مشهورًا، أو مما وُصِفَت ترجمتُه
بكونها أصحَّ الأسانيد، ولا يقدح ذلك فيما تقدَّم؛ لأنَّ ذلك باعتبارٍ
الإجمالِ .
قال الزركشيُّ : ومِن هُنا يُعلم أنَّ تَرجيحَ كتابِ البُخاريِّ على مُسلم
إنَّما المرادُ به ترجيحُ الجُملةِ على الجملةِ ، لا كل فردٍ مِن أحاديثه عَلى كلّ
فردٍ مِن أحاديثِ الآخر .
● فائدة هذا التقسيم:
فائدةُ التقسيم المذكورِ تَظهرُ عِندَ التَّعارضِ والتَّرجيحِ .
تحقيق شرط البخاري ومسلم :
قال ابنُ طاهرٍ : شرطُ البخاريِّ ومسلم أن يُخرِّجا الحديثَ المُجمَعَ
على ثقةٍ رجالِهِ إلى الصحابيِّ المشهورِ .
قال العراقيُّ : وليس ما قالَه بجيدٍ ؛ لأنَّ النسائيَّ ضَعَّف جماعةً أخرج
لهم الشيخان أو أحدُهما .
وأجيب بأنَّهما أخرجًا من أُجمعَ على ثقته إلى حين تصنيفهما، فلا
يقدحُ في ذلك تضعيفُ النسائي بعد وجودِ الكتابين .
وقال شيخ الإسلام : تضعيفُ النسائي إن كان باجتهادِه أو نَقلِه عن
مُعاصرٍ فالجوابُ ذلك، وإن نَقَلَه عن مُتَقَدِّمِ فلا .

٧٥
الأول : الصحيح
قال : ويُمكن أن يُجَاب بأنَّ ما قاله ابنُ طاهرِ هو الأصلُ الذي بَنَيا عليه
أَمرَهما، وقد يَخْرُجانٍ عنه لمرجِّح يقوم مقامه .
وقال الحازميُّ ما حاصِلُهُ : شرط البخاريِّ أن يخرجَ ما اتصل إسنادُه
بالثقات المتقنين الملازمين لمن أخَذُوا عنه ملازمةً طويلةً، وأنَّه قد يخرج
أحيانًا عن أعيان الطبقةِ التي تَلي هذه في الإتقانِ والملازمةِ لمن رووا عنه،
فلم يلزموه إلا ملازمةً يسيرةً، وشرط مسلم أن يخرِّج حديثَ هذه الطبقةِ
الثانيةِ، وقد يخرج حديثَ مَن لم يَسلم مِن غوائلِ الجَرحِ، إذا كان طويلَ
الملازمةِ لمن أخذ عنه، كحماد بن سلمة في ثابتٍ البناني وأيوب .
وقال المصنّفُ: إن المرادَ بقولهم: ((على شرطهما)) أن يكونَ رجالُ
إسنادِه في كتابيهما؛ لأنَّه ليس لهما شرطٌ في كتابيهما ولا في غيرِهما .
قال العراقي : وهذا الكلامُ قد أخَذه من ابن الصلاح حيثُ قال في
((المستدرك)): أودَعَه ما ليس في واحدٍ مِن ((الصحيحين)) مما رآه على
شَرطِ الشيخين ، قد أخرجا عن رُواته في كتابيهما .
قال: وعلى هذا عمل ابن دقيق العيد، فإنه يَنقُل عن الحاكم تصحيحه
لحديثٍ على شرطِ البخاريِّ مثلًا، ثُم يعترض عليه بأن فيه فلانًا، ولم
يُخرِّج له البخاريُّ، وكذا فعل الذهبي في ((مختصر المستدرَك)).
قال: وليس ذلك منهم بجيدٍ؛ فإن الحاكم صرَّح في خُطبة
((المستدرَك)) بخلافٍ ما فهموه عنه، فقال: وأنا أستعينُ اللَّه تعالى على
إخراج أحاديثَ رواتُها ثقاتٌ قد احتجَّ بمثلها الشيخان أو أحدُهما .

٧٦
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
فقوله: ((بمثلها)) أي: بِمِثل رُواتها، لا بِهم أنفسهم، ويَحتمل أن
يُراد : بمثل تلك الأحاديث، وإنَّما تكون مثلها إذا كانت بنفس رُواتها ،
وفيه نظرٌ .
قال : وتحقيقُ المِثلية أن يكونَ بعضُ مَن لم يُخرَّج عنه في الصحيح
مِثلَ مَن خُرِّج عنه فيه، أو أعلى منه عند الشيخين، وتُعرف المثليةُ عندهما
إما بنصِّهما على أن فلانًا مِثلُ فلانٍ، أو أرفع منه، وقلَّما يوجد ذلك،
وإما بالألفاظِ الدالةِ على مراتبِ التعديلِ ، كأن يقولا في بعضٍ مَنِ احتجًّا
به: ((ثقة))، أو («ثَبتْ))، أو ((صَدوقٌ))، أو ((لا بأس به))، أو غير ذلك
مِن ألفاظِ التعديل، ثم يُوجد عنهما أنهما قالا ذلك أو أَعلَى منه في بعضٍ
مَن لم يحتجًّا به في كتابيهما، فيستدلُّ بذلك على أنه عندهما في مرتبةٍ من
احتجًّا به؛ لأنَّ مراتبَ الرواةِ معيارُ معرفتِها ألفاظُ الجرحِ والتعديلِ.
قال : ولكن هنا أمرٌ فيه غموضٌ لا بُدَّ مِن الإشارةِ إليه، وذلك أنَّهم
لا يكتفون في التصحيح بمجردِ حالِ الراوي في العدالةِ والاتصالِ من غيرِ
نظرٍ إلى غيره، بل ينظرون في حالِهِ مع مَنْ روى عنه في كثرة ملازمته له
أو قلتها، أو كونه من بلده ممارسًا لحديثه، أو غريبًا مِنْ بلد مَنْ أخذ
عنه، وهذه أمور تظهر بتصفّح كلامهم وعملهم في ذلك ، انتهى كلامه .
وقال شيخُ الإسلام : ما اعترض به شيخُنا على ابنِ دقيق العيدِ
والذهبيّ ليس بجيدٍ؛ لأن الحاكم استعمل لفظةً: ((مِثل)) في أعم من
الحقيقة والمجاز في الأسانيد والمتون ، دلَّ على ذلك صنيعه، فإنه تارةً
يقول: على شرطهما، وتارةً: على شرط البخاري، وتارةً : على شرط
مسلم، وتارةً : صحيح الإسناد ولا يعزوه لأحدهما .

٧٧
الأول : الصحيح
وأيضًا؛ فلو قصد بكلمة ((مِثل)) معناها الحقيقي حتى يكون المراد،
أحتجُّ بغيرها ممَّن فيهم مِن الصفاتِ مِثلُ ما في الرواة الذين خرَّجا عنهم،
لم يقل قط: ((على شرط البخاري))؛ فإنَّ شَرْطَ مسلم دونَه، فما كان
على شرطهِ فهو على شَرطهما ؛ لأنه حَوَىُ شرطَ مسلمٍ وزاد .
قال : ووراء ذلك كله أن يُروَى إسنادٌ مُلَفَّقٌ من رجالهما؛ كَسِماكٍ عن
عكرمةَ عن ابنِ عباسٍ ، فسِماكٌ على شرط مسلم فقط ، وعكرمةُ انفرد به
البخاريُّ، والحق أن هذا ليس على شرطٍ واحدٍ منهما .
وأدقُّ مِن هذا أن يرويا عن أناسٍ ثقاتٍ ضُعِّفوا في أناسٍ مخصوصین ،
مِن غيرِ حديث الذين ضُعِّفوا فيهم، فيجيءُ عنهم حديثٌ مِن طريق مَن
ضُعُفوا فيه ، برجالٍ كلهم في الكتابين أو أحدهما، فنسبتُه أنه على شَرطِ
مَن خرَّج له غَلَطْ .
كأن يقال في هشيم عن الزهريِّ : كلٌّ من هشيم والزهري أخرجا له،
فهو على شرطهما .
فيقال : بل ليس على شرطٍ واحدٍ منهما؛ لأنهما إنما أخرجا لهشيم
من غير حديث الزهري، فإنه ضُعِّفَ فيه؛ لأنه كان رَحَل إليه فأخَذ عنه
عشرين حديثًا، فَلَقِيَه صاحبٌ له وهو راجعٌ فسأله رؤيتَهُ، وكان ثَمَّ ريحٌ
شديدةٌ فذهبت بالأوراق مِن يدِ الرجل ، فصار هشيمٌ يحدِّثُ بما عَلِقَ منها
بِذِهِنِهِ، ولم يكن أَنْقَنَ حِفْظَها، فَوَهِمَ في أشياءَ منها، ضُعِفَ في الزهريُّ
بسببها .

٧٨
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
وكذا؛ هماٌ ضعيفٌ في ابنِ جريج، مع أنَّ كلَّا منهما أَخرجا له،
لكن؛ لم يخرِّجا له عن ابن جريج شيئًا، فعلى مَن يعزو إلى شرطهما أو
شرطٍ واحدٍ منهما أن يسوقَ ذلك السندَ بنسقِ روايةٍ مَن نُسِبَ إِلى شرطه ،
ولو في موضع من كتابه .
وكذا قال ابن الصلاح في ((شرح مسلم)): مَن حَكم لشخصٍ بمجرد
رواية مسلم عنه في ((صحيحه)) بأنَّه مِن شَرطِ الصحيح؛ فقد غَفَل
وأخطأ، بل ذلك متوقّفٌ على النظرِ في كيفيةِ رواية مسلم عنه، وعلى أيِّ
وجهِ اعتمد عليه .
• تتمة في شروط باقي الأئمة:
ألف الحازمي كتابًا في ((شروط الأئمة)) ذكرَ فيه شرطَ الشيخين
وغيرهما، فقال: مذهبُ مَن يخرِّج الصحيحَ أن يعتبرَ حالَ الراوي العَدلِ
في مشايخه، وفيمن روى عنهم وهُم ثقاتٌ أيضًا، وحديثُه عن بعضِهم
صحيحٌ ثابتٌ يلزمه إخراجُه، وعن بعضهم مدخولٌ لا يصلحُ إخراجُه إلا
في الشواهد والمتابعاتِ، وهذا بابٌ فيه غموض، وطريقه معرفةُ طبقاتٍ
الرواة عن راوي الأصل ومراتبٍ مدارِكهم .
ولنوضح ذلك بمثال : وهو أن تعلمَ أنَّ أصحابَ الزهريُّ - مثلًا -
على خَمس طبقاتٍ، ولكلِّ طبقةٍ منها مَزِيَّةٌ على التي تَليها وتَفاوتٌ .
فمَن كان في الطبقة الأولى فهي الغايةُ في الصحة، وهو غاية قصدٍ
البخاريِّ ؛ كمالكِ، وابنِ عُيينة ، ويونسَ وعقيلِ الأيليين، وجماعة .

٧٩
الأول : الصحيح
والثانيةُ: شاركت الأُولى في العدالةِ، غيرَ أنَّ الأولى جمعت بين
الحفظِ والإتقانِ وبين طولِ المُلازمةِ للزهريِّ ، حتى كان منهم مَن يزامله
في السفرِ، ويُلازمُه في الحضرِ، كالليثِ بن سعدٍ ، والأوزاعيِّ،
والنعمانِ بنِ راشدٍ .
والثانيةُ لم تلازم الزهري إلا مدةً يسيرةً، فلم تمارس حديثَه، وكانوا
في الإتقان دُون الطبقة الأولى، كجعفر بن برقان، وسُفيان بن حُسينٍ
السلمي، وزَمعة بن صالحِ المكِّي، وهُم شرطُ مُسلم .
والثالثة : جماعةٌ لزموا الزهريَّ مِثل أهلِ الطبقةِ الأُولى، غيرَ أنهم لم
يَسلموا من غوائلِ الجرحِ، فهم بين الردِّ والقَبولِ، كمُعاويةً بن يحيى
الصَّدفي، وإسحاقَ بنِ يحيى الكلبي، والمثنى بنِ الصباح، وهُم على
شرطٍ أبي داود والنسائي .
والرابعةُ : قومٌ شاركوا الثالثةَ في الجرح والتعديلِ، وتفرَّدوا بقلةٍ
ممارستهم لحديثِ الزهريِّ؛ لأنهم لم يُلازموه كثيرًا، وهُم شرطُ الترمذيّ .
والخامسةُ : نفرٌ مِن الضعفاءِ والمجهولين لا يَجوزُ لمن يُخَرُّجُ الحديثَ
على الأبوابِ أن يخرجَ حديثَهم، إلا على سبيلِ الاعتبارِ والاستشهادِ ،
عند أبي داود فمن دونه، فأمَّا عند الشيخين فلا .
• قولهم: «صحيح متفق عليه»:
(وإذا قالوا : صحيحٌ متفقٌ عليه - أو على صحتِهِ - فمرادُهم اتفاقُ
الشيخينٍ) لا اتفاق الأمة .
......

٨٠
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
قال ابن الصلاح : لَكن يلزمُ مِن اتفاقِهما اتفاقُ الأُمةِ عليه ؛ لتلقِّيهم له
بالقبُولِ .
(وذَكَرَ الشيخُ) يعني ابنَ الصلاح (أَنَّ مَا رَوَيَاه أو أحدُهما فهو مقطوعٌ
بصحتِه، والعلمُ القطعيُّ حاصلٌ فيه) .
قال : خلافًا لمن نَفى ذلك، مُحتجًّا بأنَّه لا يفيدُ إلا الظنَّ، وإنما تلقته
الأُمة بالقبُولِ ؛ لأنَّه يجبُ عليهم العملُ بالظن، والظنُّ قد يخطئ.
قال : وقد كنتُ أَميلُ إلى هذا وأحسبه قويًّا، ثُم بَانَ لي أنَّ الذي
اخترناه أولًا هو الصحيحُ ؛ لأنَّ ظَنَّ مَن هو معصومٌ مِن الخطإِ لا يخطئ،
والأمةُ في إِجماعها معصومةٌ من الخطإٍ، ولهذا كان الإجماعُ المبنيُّ على
الاجتهاد حُجةٌ مَقطوعًا بها .
قال المصنّف : (وخالفه المُحَقُّقونَ والأكثرونَ؛ فقالوا: يفيدُ الظَّنَّ
ما لم يتواتر) .
قال في ((شرح مسلم)»: لأنَّ ذلك شأن الآحاد، ولا فَرقَ في ذلك بین
الشيخين وغيرِهما، وتلقّ الأُمة بالقبولِ إنما أفَاد وجوبَ العملِ بما فيهما
مِن غير توقُّفِ على النظرِ فيه، بخلافٍ غيرهما، فلا يعمل به حتَّى يُنظر
فيه ويوجدَ فيه شروط الصحيح، ولا يلزمُ مِن إجماع الأمة على العملِ بما
فيهما إجماعُهم على القَطعِ بأَنَّ كلامُ النبيِّ وَّ .

٨١
الأول : الصحيح
قال : وقد اشتدَّ إنكارُ ابن برهانٍ على مَن قال بما قاله الشيخُ، وبالغَ
في تغليطِه. انتهى .
وكذا عاب ابنُ عبد السلام على ابنِ الصلاح هذا القولَ، وقال : إنَّ
بعضَ المعتزلةِ يَرَونَ أَنَّ الأُمة إذا عملت بحديثٍ اقتضى ذلك القطع
بصحته . قال : وهو مذهبٌ رديءٌ .
وقال البلقينيُّ : ما قالَه النوويُّ وابنُ عبد السلام ومَن تبعهما؛
ممنوعٌ، فقد نَقَلَ بعضُ الحفاظ المتأخّرين مثلَ قولِ ابن الصلاح عَن
جماعةٍ مِن الشافعيةِ، كأبي إسحاق وأبي حامد الإسفرائينيّيْنِ، والقاضي
أبي الطيب، والشيخ أبي إسحاق الشّيرازي، وعن السَّرخَسِيِّ مِن
الحنفية، والقاضي عبد الوهاب مِن المالكية، وأبي يَعلى،
وأبي الخطاب، وابنِ الزاغوني مِن الحنابلة، وابنٍ فورك، وأكثرِ أهلِ
الكلام مِن الأشعرية، وأهلِ الحديث قَاطِبةٌ. ومذهبُ السلف عامةً :
أنهم يَقطعون بالحديثِ الذي تلقته الأمةُ بالقبول بل بالغ ابنُ طاهٍ
المقدسي في ((صفة التصوف))، فألحقَ به ما كان على شرطهما وإن لم
يخرجاه .
وقال شيخ الإسلام : ما ذكّره النووي مُسلَّمٌ من جهة الأكثرين، أمَّا
المُحقِّقون فلا، فقد وافقَ ابنَ الصلاح أيضًا محققون .
وقال في «شرح النُّخبة)): الخبرُ المُحتَفُّ بالقرائنِ يفيدُ العلمَ خِلافًا
لمن أبى ذلك .

٨٢
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
قال : وهو أنواعٌ .
منها: ما أَخرَجه الشيخان في ((صحيحيهما)) ممَّا لم يبلغ التواتر، فإنَّه
احتَفَّ به قرائنُ ؛ منها جَلالتُهما في هذا الشأنِ، وتقدُّمهما في تمييز
الصحيح على غيرهما، وتلقِّي العلماء لكتابيهما بالقبول، وهذا التلقّي
وحدَه أَقوىُ في إفادةِ العلم مِن مُجرَّد كثرةِ الطرقِ القاصرةِ عن التواترِ ، إلا
أنَّ هذا مختصِّ بما لم ينتقده أحدٌ من الحفاظِ مما في الكتابين ، وبما لم
يقعِ التجاذبُ بين مدلوليه مما وقعَ في الكتابين حيث لا ترجيحَ ،
لاستحالة أن يُفيدَ المتناقضان العلمَ بصدقهما مِن غيرِ ترجيح لأحدهما
على الآخر، وما عدا ذلك فالإجماعُ حاصلٌ على تسليمِ صِحَّتِهِ .
قال : وما قيل من أنهم إنَّما اتفقوا على وُجوبِ العملِ به لا على
صحته ممنوعٌ؛ لأنَّهم اتَّفقوا على وجوبِ العملِ بكل ما صَحَّ ولو لم
يُخرِّجاه، فلم يبقَ للصحيحين في هذا مَزيَّةٌ، والإجماع حاصلٌ على أنَّ
لهما مَزِيَّةً فيما يرجعُ إلى نفسِ الصحة .
قال : ويَحتملُ أن يُقالَ: المزيةُ المذكورةُ كونُ أحاديثهما أصحَّ
الصحيحِ .
ومنها : المشهورُ إذا كانت له طرقٌ متباينةٌ سالمةٌ مِن ضَعفِ الرُّواةِ
والعللِ، وممن صرَّح بإفادتهِ العلمَ النظريَّ الأستاذُ أبو منصور البغدادي .
ومِنها : المسلسلُ بالأَئمة الحُفَّاظ المتقنين ، حيثُ لا يكون غريبًا ،
كحديثٍ يرويه أحمدُ مثلًا، ويُشاركه فيه غيرُه، عن الشافعيِّ، ويُشاركه
:يجيبون

٨٣
الأول : الصحيح
فيه غيره، عن مالكِ، فإنه يفيدُ العلمَ عِندَ سامعهِ بالاستدلالِ مِن جهةٍ
جَلالة رُواته .
قال: وهذه الأنواع التي ذكرناها لا يحصلُ العلمُ بصِدقِ الخبر منها
إلا للعالم المتبحِّرِ في الحديثِ، العارفِ بأحوال الرواةِ والعللِ ، وكونُ
غيره لا يحصل له العلمُ بصدقِ ذلك ؛ لِقُصوره عن الأوصافِ
المذكورة، ولا يَنفي حصول العلم للمتبحِّر المذكورِ . انتهى .
وقال ابنُ كثيرٍ : وأنا مع ابنِ الصَّلاحِ فيما عَوَّل عليه وأرشَد إليه .
قلتُ : وهو الذي أخَتارُه، ولا أعتقدُ سواه .
نعم، يَبقى الكلامُ في التوفيقِ بينه وبين ما ذكره أولًا مِن أنَّ المرادَ
بقولهم: ((هذا حديثٌ صحيحٌ)) أنه وُجِدَت فيه شروطُ الصحة، لا أنَّه
مقطوعٌ به في نفس الأمرِ، فإنه مخالفٌ لما هنا، فلينظر في الجمعِ
بينهما ؛ فإنه عَسِرٌ، ولم أرَ مَن تَنَبَّه لَه .
تنبيه :
استثنى ابنُ الصلاحِ مِن المقطوع بِصِحَّتِه فيهما ما تُكُلُّم فيه من
أحاديثهما فقال : سوى أحرفٍ يسيرةٍ تكلَّم عليها بعضُ أهلِ النقدِ مِن
الحُفَّاظِ ؛ کالدارقطنيٍّ وغيره .
قال شيخُ الإسلام في ((مقدمة شرح البخاري)) : الجوابُ مِن حيث
الإجمال عما انتُقِد عليهما، أنه لا ريب في تقدُّمِ البخاريِّ ثُم مسلمٍ على

٨٤
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
أهل عصرهما ومَن بعده من أئمة هذا الفنّ في معرفةِ الصحيحِ والعللِ ،
فإنَّهم لا يَختلفون أنَّ ابنَ المديني كان أعلمَ أقرانِه بعللِ الحديث، وعنه
أخَذَ البخاريُّ ذلك، ومع ذلك فكان ابن المديني إذا بلغه عن البخاريِّ
شيءٌ يقول: ما رَأَىُ مِثْلَ نفسه. وكان محمد بن يحيى الذهلي أعلمَ أهلٍ
عَصرِهِ بعلل حَديثِ الزهريُّ، وقد استفاد منه ذلك الشيخان جميعًا .
وقال مسلمٌ : عرضتُ كتابي على أبي زُرعة الرازي، فما أشار أنَّ له
علةً تَركتُه .
فإذا عُرف ذلك، وتَقرَّر أنهما لا يخرِّجان من الحديثِ إلا ما لا عِلَّةً
له، أو له عِلةٌ غيرُ مُؤثّرةٍ عندَهما، فبتقديرِ توجيهِ كلام مَن انتَقَدَ عليهما ،
يكون قولُه معارضًا لتصحيحهما، ولا ريبَ في تقديمهما في ذلك على
غيرهما ، فيندفعُ الاعتراضُ من حيث الجملة .
وأما مِن حيث التفصيل، فالأحاديثُ التي انتقدت عليهما سِتَّةُ أقسام :
الأول: ما يختلفُ الرواةُ فيه بالزيادةِ والنقصِ مِن رجالِ الإسنادِ ، فإن
أخرج صاحبُ الصحيح الطريقَ المزيدةَ، وعَلَّله الناقدُ بالطريقِ الناقصةِ ،
فهو تعليلٌ مردودٌ ؛ لأنَّ الراوي إن كان سمعه فالزيادةُ لا تضرّ ؛ لأنَّه قد
يكون سمعه بواسطةٍ عن شيخه، ثم لَقِيَه فسمعه منه، وإن كان لم يَسمعه
في الطريقِ الناقصةِ، فهو منقطعٌ، والمنقطعُ ضعيفٌ، والضعيفُ لا يُعِلُّ
الصحیحَ .
وإن أخرج صاحبُ الصحيح الطريقَ الناقصةَ، وعلَّله الناقدُ بالمزيدةِ ،
تضمن اعتراضُه دعوى انقطاع فيما صحَّحه المصنّفُ، فينظر: إن كان

٨٥
الأول : الصحيح
الراوي صحابيًّا، أو ثقةً غيرَ مُدلِّس قد أدركَ مَن روى عنه إدراكًا بيِّنًا، أو
صرَّح بالسماع إن كان مدلِّسًا مِن طريقٍ أُخرى، فإن وُجد ذلك اندفعَ
الاعتراضُ بذلك، وإن لم يُوجد وكان الانقطاعُ ظاهرًا، فمُحصلُ الجوابِ
أنَّه إنَّما أخرج مثلَ ذلك حيث له متابع وعاضدٌ، أو حقَّته قرينةٌ في الجملة
تُقوِّيه، ويكون التصحيحُ وَقَعَ مِن حيثُ المجموع .
القسم الثاني : ما يختلفُ الرواةُ فيه بتغييرِ رجالِ بعضِ الإسنادِ .
والجوابُ عنه: أنَّه إن أمكن الجمعُ بأن يكون الحديثُ عند ذلك
الراوي على الوجهين جميعًا، فأخرجهما المصنّفُ ولم يقتصر على
أحدِهما، حيث يكون المختلفون في ذلك متعادلين في الحفظِ والعددِ ،
أو متقاربين ، فيخرج الطريقةَ الراجحة، ويُعرِضُ عنِ المرجوحةِ أو يشيرُ
إليها ، فالتعليلُ بجميع ذلك لمجرَّدِ الاختلافِ غيرُ قادح؛ إذ لا يلزم من
مجردِ الاختلافِ اضطرابٌ يوجب الضعفَ .
الثالثُ : ما تفرَّد فيه بعضُ الرواةِ بزيادةٍ لم يذكرها أكثرُ منه أو أضبَطُ ،
وهذا لا يُؤَثِّرُ التعليلُ به ، إلا إن كانت الزيادةُ منافيةً بحيث يتعذّر الجمع ،
وإلا فهي كالحديثِ المستقلُ، إلا إن وَضَح بالدليل القويِّ أنَّها مدرجةٌ مِن
كلامٍ بعضٍ رواته فهو مُؤَثِّرٌ، وسيأتي مثالهُ في المُدَرَجِ .
الرابعُ: ما تفرَّد به بعضُ الرواة ممن ضُعْف، وليس في الصحيحِ مِن
هذا القَبِيل غيرُ حديثين تبيَّن أن كُلّا منهما قد تُوبع .
القسمُ الخامسُ : ما حُكِم فيه على بعضِ الرواةِ بالوهم، فمنه
ما لا يؤثر قدحًا، ومنه ما يُؤثر .

٨٦
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
السادسُ : ما اختُلِفِ فيه بتغييرِ بعضِ ألفاظِ المتنِ، فهذا أكثرُه
لا يترتَّبُ عليه قَدحٌ لإمكانِ الجمعِ أو الترجيحِ. انتهى .
• الاجتهاد في الحكم على المتن والإسناد:
(السادسةُ) من مسائل الصحيح (مَن رأَى في هذه الأزمانِ حديثًا
صحيحَ الإِسنادِ في كتابٍ أو جُزءٍ لم يَنُصَّ على صحتِه حافظٌ معتَمَدٌ) في
شيءٍ من المُصنّفاتِ المشهورةِ .
(قال الشيخُ) ابن الصلاح : (لا يحكمُ بصحتِه لضعفِ أهليةِ أهلِ هذه
الأزمانِ) قال : لأنَّه ما مِن إسنادٍ من ذلك إلَّا ونجدُ في رجاله مَن اعتمدَ
في روايتهِ على ما في كِتَابِهِ عَريًّا عما يُشترط في الصحيح مِنَ الحِفظِ
والضَّبطِ والإتقانِ .
قال في ((المنهل الروي)): مَع غلبة الظن أنَّه لو صحَّ لما أهمله أئمةُ
الأعصارِ المتقدمة ؛ لشدةِ فَحصِهم واجتهادِهم .
قال المصنفُ : (والأظهرُ عندي جوازُه لمن تَمَكَّنَ وقَوِيَت معرفتُه) .
قال العراقي : وهو الذي عليه عمَلُ أهلِ الحديثِ، فقد صحَّح جماعةٌ
مِن المتأخرين أحاديثَ لم نجد لمن تقدَّمهم فيها تصحيحًا .
قال : ولم يزل ذلك دأبَ مَن بَلَغ أَهلِيّةَ ذلك مِنهم ، إلّا أنَّ منهم مَن لا
يُقبَلُ ذلك منهم ، وكذا كان المتقدِّمون رُبَّما صحَّح بعضهم شيئًا فأُنكِر
عليه تصحيحه .
وقال شيخ الإسلام : قد اعترَضَ على ابن الصلاح كلُّ من اختصرَ

٨٧
الأول : الصحيح
كلامَه، وكلُّهم دفَع في صدرِ كلامه مِن غيرِ إقامةِ دليلٍ ولا بيانِ تعليلٍ،
ومنهم مَن احتجَّ بمخالفةِ أهلِ عَصرِه ومَن بعده له في ذلك، كابنٍ
القطّانِ، والضياءِ المقدسي، والزكيُّ المنذريِّ، ومن بعدهم، كابن
المواق، والدمياطي ، والمِزِّي ونحوهم .
وليس بواردٍ؛ لأنه لا حُجة على ابن الصلاح بعملٍ غيرهٍ، وإنما يُحتج
عليه بإبطالٍ دليلهِ أو معارضتهِ بما هو أقوى منه .
قال : ثم إن في عبارته مناقشات :
منها : أنه قابل بعدم الحفظِ وجودَ الكتابِ، فأفهم أنَّه يعيبُ مَن حدَّث
من كتابه، ويُصوِّبُ مَن حدَّث عَن ظهر قلبه .
والمعروفُ مِن أئمةِ الحديثِ خلافُ ذلك، وحينئذٍ فإذا كان الراوي
عَدلًا ، لكن لا يحفظُ ما سَمِعه عن ظهرٍ قَلبٍ، واعتمد على ما في كتابه
فحدَّث منه، فقد فَعَل اللازمَ له، فحديثُه على هذه الصورة صحيحٌ .
قال : وفي الجملة ما استدل به ابنُ الصلاح مِن كونِ الأسانيدِ ما منها
إلَّا وفيه من لم يبلغ درجةَ الضبطِ المُشتَرَطَّةَ في الصحيح، إن أرادَ أنَّ
جميعَ الإسناد كذلك فهو ممنوعٌ؛ لأنَّ مِن جُملته مَن يكون مِن رجالٍ
الصحيح، وقَلَّ أن يخلو إسنادٌ عن ذلك. وإن أراد أنَّ بعضَ الإسناد
كذلك فمُسَلَّمٌ، لكن لا ينهض دليلاً على التعذرِ، إلا في جزءٍ ينفردُ
بروايتهٍ من وُصِف بذلك .
أما الكتابُ المشهورُ الغنيُّ بشهرته عن اعتبار الإسنادِ مِنَّا إلى مُصَنَّفه

٨٨
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
كالمسانيدِ والسُّنَن، مما لا يحتاج في صِحةٍ نِسبتها إلى مُؤلِّفها إلى اعتبارِ
إسنادٍ معينٍ ؛ فإن المصنّف منهم إذا رَوى حديثًا، ووُجِدت الشرائطُ فيه
مجموعةً، ولم يَطَّلِعِ المحدِّثُ المتقنُ المطَّلعُ فيه على علةٍ، لم يمتنعِ
الحُكمُ بصحته، ولو لم يَنْصَّ عليها أحدٌ مِن المتقدمين .
قال : ثُم ما اقتضاه كلامُه مِن قبولِ التصحيح من المتقدمين وردِّه مِن
المتأخرين قد يستلزم رَدَّ ما هو صحيحٌ، وقبولَ ما ليس بصحيحِ ، فَكُم مِن
حديثٍ حَكَمَ بصحته إمامٌ متقدمٌ اطّلع المتأخّرُ فيه على علةٍ قادحة تمنع من
الحكم بصحته، ولا سيما إن كان ذلك المتقدِّم ممن لا يرى التفرقة بين
الصحيحِ والحسنِ، كابنٍ خُزيمةَ وابنٍ حِبان .
قال: والعجبُ منه كيف يَدَّعي تعميمَ الخللِ في جميعِ الأَسانيدِ
المتأخرةِ، ثم يقبلُ تصحيحَ المتقدمِ، وذلك التصحيحُ إنما يتصل للمتأخرِ
بالإسنادِ الذي يدَّعي فيه الخللَ، فإن كان ذلك الخلل مانعًا مِن الحُكم
بصحةِ الإسناد فهو مانعٌ مِن الحُكم بقبولِ ذلك التصحيح، وإن كان لا
يؤثر في الإسناد في مثل ذلك لشُهرةِ الكِتابِ . كما يرشد إليه كلامه .
فكذلك لا يؤثرُ في الإسنادِ المعينِ الذي يتصلُ به روايةُ ذلك الكتاب إلى
مُؤلِّفه، وينحصرُ النظرُ في مثلِ أسانيدٍ ذلك المصنّف منه فصاعدًا، لكن
قد يَقوَىُ ما ذهبَ إليه ابنُ الصلاح بوجهٍ آخر، وهو ضعفُ نظرٍ
المتأخرين بالنسبةِ إلى المتقدِّمين .
وقيل : إنَّ الحاملَ لابن الصلاح على ذلك أنَّ ((المستدرَك)) للحاكم
كتابٌ كبيرٌ جدًّا، يَصفُو له منه صحيحٌ كثيرٌ، وهو مع حِرصِه على جمعِ

٨٩
الأول : الصحيح
الصحيح غزيرُ الحفظِ ، كثيرُ الاطلاع، واسعُ الروايةِ ، فَيَبعُدُ كلَّ البعدِ أن
يوجدَ حديثٌ بشرائط الصحة لم يخرجه، وهذا قد يُقبلُ، لكنه لا ینھضُ
دليلًا على التعذرٍ .
قلتُ: والأَحوطُ في مِثل ذلك أن يُعَبِّرَ عنه بصحيحِ الإسناد،
ولا يُطلِقَ التصحيحَ ؛ لاحتمالِ علةٍ للحديثِ خَفِيَت عليه، وقد رأيتُ مَن
يُعَبِّرُ - خشيةً مِن ذلك - بقوله : صحيحُ الإسنادِ إن شاء اللَّه تعالى.
وكثيرًا ما يكونُ الحديثُ ضعيفًا أو واهيًا، والإسنادُ صحيحٌ مركّبٌ
عليه ؛ فقد روى ابنُ عساكر في ((تاريخه)) من طريق علي بنٍ فارسٍ ، ثنا
مكِّي بن بندار، ثنا الحسن بن عبدِ الواحد القَزوينيُّ، ثنا هشام بن عَمَّارٍ ،
ثنا مالكٌ، عن الزهريِّ، عن أنسٍ مرفوعًا: ((خُلِقَ الوَردُ الأحمرُ مِن عَرَقٍ
جِبريلَ لَيلَةَ المِعرَاجِ، وخُلِقَ الوَردُ الأَبَيَضُ مِن عَرَقِي، وخُلِقَ الوَردُ الأصَفْرُ مِن
عَرَقِ البُرَاقِ)» .
قال ابنُ عَساكر : هذا حديثٌ موضوعٌ، وضَعَه مَن لا علم له، ورگَّبه
على هذا الإسنادِ الصحيحِ .
· الاعتماد على النسخ المعتمدة المصححة:
(ومَن أَراد العَمَلَ) أو الاحتجاج (بحديثٍ مِن كتابٍ) مِن الكُتبِ
المعتمدةِ ، قال ابنُ الصلاح: حيث ساغ له ذلك (فطريقُه أَن يأخذَه مِن
نسخةٍ معتمدةٍ قابلها هو أو ثقّةٌ بأصولٍ صحيحةٍ) .
-٠,٠٠٠٠٠.

٩٠
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
قال ابنُ الصلاح : ليحصلَ له بذلك - مع اشتهارِ هذه الكُتبِ ، وبُعدِها
عن أن تُقْصَدَ بالتبديلِ والتحريفِ - الثقةُ بصحةٍ ما اتَّفقت عليه تلك
الأصولُ .
وفَهِم جماعةٌ من هذا الكلام الاشتراطَ، وليس فيه ما يصرُحُ بذلك،
ولا يقتضيه، مع تصريحِ ابنِ الصلاحِ باستحبابٍ ذلك في قِسم الحَسن ،
حيث قال في ((الترمذي)): فَينبغي أن تُصحِّح أصلَكَ بجماعةِ أُصول .
فأشارَ بـ((ينبغي)) إلى الاستحبابِ، ولذلك قال المصنِّف - زيادةً
عليه : (فإن قابلها بأصلِ مُحَققٍ معتَمَدِ أجزاء) ولم يُورد ذلك موردَ
الاعتراض كما صَنَع في مسألةِ التصحيحِ قبلَه، وفي مسألةِ القطع بما في
((الصحيحين))، وصرَّح أيضًا في ((شرح مسلم)) بأن كلامَ ابن الصلاح
محمولٌ على الاستظهارِ والاستحبابِ دُون الوجوبِ، وكذا في ((المنهل
الروي)) .

٩١
الثاني : الحسن
• النَّوعُ الثَّانِي :
الحَسَنُ
• تعريف الخطابي للحسن:
(قال) أبو سليمان (الخَطَّبيُّ: هو ما عُرِف مَخرَجُه واشتَهَر رجالُه)
فَأَخْرَج بمعرفةِ المخرجِ : المنقطعَ وحديثَ المدلِّس قَبل بيانِه .
قال ابنُ دقيقِ العيد : وهذا الحدُّ صادقٌ على الصحيح أيضًا، فيدخلُ
في حدِّ الحسن .
وكذا قال ابنُ الصلاحِ، وصاحبُ ((المنهل الرَّوي)).
وأجاب التبريزيُّ بأنه سيأتي أنَّ الصحيحَ أخصُّ منه، ودخولُ الخاصّ
في حدِ العامِّ ضروريٍّ، والتقيدُ بما يخرجه عنه مخلٌ للحدِّ .
قال العراقي : وهو مُتَّجَهُ .
وقال ابنُ جَماعة : يَرِدُ على هذا الحدِّ ضعيفٌ عُرف مخرجه واشتَهرَ
رجالُه بالضعف .
ثم قال الخطّبيُّ في تتمةِ كلامه: (وعليه مَدَارُ أكثرِ الحديثِ) لأنَّ
غالب الأحاديث لا تَبلغُ رتبةَ الصحيح .
(وَيَقبَلُه أكثرُ العلماءِ) وإن كان بعضُ أهل الحديث شَدَّد فردًّ بكل
علةٍ، قادحة كانت أم لا .

٩٢
المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي
(واستَعمَلَه) أي عَمِلَ به (عامَّةُ الفقهاءِ) وهذا الكلامُ فَهِمَه العراقيُّ
زائدًا على الحدِّ، فأخَّر ذِكرَه، وفَصَلَه عنه .
وقال البلقيني : بَل هُو مِن جُملة الحدِّ، لِيُخرِجَ الصحيحَ الذي دخَل
فيما قبلَه، بل والضعيفَ أيضًا .
تعريف الترمذي وغيره للحسن:
حَكَّى ابن الصلاح بعدَ كلام الخطَّابي أنَّ الترمذي حَدَّ الحسَنَ بأنْ
لا يكون في إسنادهِ مَن يُتَّهم بالكذبِ، ولا يكون شاذًّا، ويُروَى من غیرِ
وجهٍ نحو ذلك. وأن بعض المتأخرين قال : هو الذي فيه ضعفٌ قريبٌ
محتَمَلٌ ويُعمل به .
وقال: كل هذا منبهم لا يَشفى الغليلَ، وليس في كلام الترمذي
والخطَّبيِّ ما يَقصِلُ الحسَنَ مِنَ الصحيحِ. انتهى.
وكذا قالَ الحافظُ أبو عبدِ الله ابن المواق: لم يَخُصَّ الترمذيُّ الحسَنَ
بصفةٍ تميزه عن الصحيح، فلا يكون صحيحًا إلا وهو غيرُ شاذٌّ، ورواتهُ
غيرُ مُتَّهمين، بل ثِقاتٌ .
قال ابن سيد الناس : بَقِي عليه أنَّه اشترطَ في الحسَنِ أن يُروَى مِن
وجهٍ آخر ولم يشترط ذلك في الصَّحيحِ .
قال العراقي : على أنه حَسَّن أحاديثَ لا تُروَىْ إلا مِن وجهٍ واحدٍ ؛
كحديثِ إسرائيل، عن يُوسف بن أبي بردة، عن أبيه، عن عائشة: كان
رسولُ اللهِنَّه إذا خَرَجَ مِنَ الخَلاءِ قال: ((غُفرَانَكَ)) فإنه قال فيه : حديثٌ

٩٣
الثاني : الحسن
حسنٌ غريبٌ، لا نعرفه إلا مِن هذا الوجه، ولا نَعرف في البابِ إلا
حديثَ عائشةً .
قال : وأجاب ابنُ سيد الناس عن هذا الحديث بأنَّ الذي يُحتاجُ إلى
مجيئه من غير وجهٍ ما كان راويه في درجةٍ المستورِ ، ومَن لم تثبت
عدالته .
قال : وأكثرُ ما في الباب أنَّ الترمذيَّ عرَّف بنوعٍ منه لا بكل أنواعه .
وقال شيخ الإسلام : قد مَيَّزَ الترمذيُّ الحسَنَ عن الصحيحِ بشيئين :
أحدُهما : أن يكون راويه قاصرًا عن درجةٍ راوي الصحيحِ، بل
وراوي الحسَن لِذاته، وهو أن يكونَ غيرَ مُتَّهم بالكذب ، فيدخلُ فيه
المستورُ والمجهولُ ونحو ذلك، وراوي الصحيح لابُدَّ وأن يكون ثقةً ،
وراوي الحسَنِ لذاتِهِ لابُدَّ وأن يكون موصوفًا بالضبطِ ، ولا يَكفي كونه
غير متهم .
قال : ولم يعدل الترمذيُّ عن قوله : ((ثقات)) وهي كلمةٌ واحدةٌ، إلى
ما قاله إلَّا لإرادة قصورِ رُواته عن وصفِ الثقةِ كما هي عَادة الْبُلَغاء.
الثاني : مجیگُه مِن غیرِ وجهٍ .
• تحقيق أن الحسن قسمان:
(قال الشيخُ) ابنُ الصلاح بعد حِكايته الحدودَ الثلاثةَ وقوله ما تقدَّم :
قد أمعنتُ النظرَ في ذلك والبحثَ، جامعًا بين أطرافٍ كلامِهم، مُلاحِظًا
مواقعَ استعمالهم، فتنقَّح لي واتَّضح أن الحديثَ الحَسَنَ (هو قِسمانٍ) :