Indexed OCR Text
Pages 1501-1520
٣٤ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي واحدٍ من الصحابة أربعةٌ من التابعين فأكثر، وأن يكون عن كلِّ واحدٍ من التابعين أكثرُ من أربعة . انتهى . قال شيخُ الإسلام: وهو كلامُ مَن لم يمارس ((الصحيحين)) أدنى ممارسةٍ ، فلو قال قائل : ليس في الكتابين حديثٌ واحد بهذه الصفة لما أبعد . وقال ابن العربي في ((شرح الموطإ)): كأنَّ مذهب الشيخين أنَّ الحديث لا يثبت حتى يرويه اثنان . قال : وهو مذهبٌ باطلٌ، بل روايةٌ الواحدِ عن الواحدِ صحيحةٌ إلى النبيِّ وَّد . وقال في ((شرح البخاري)) عند «حديث الأعمال)): انفردَ به عُمَرُ، وقد جاء من طريق أبي سعيد، رواه البزَّارُ بإسنادٍ ضعيفٍ . قال : وحديثُ عُمر وإنْ كان طريقُه واحدًا، وإنَّما بنَى البُخاريُّ كتابَه على حديثٍ يرويه أكثرُ من واحدٍ ، فهذا الحديثُ ليس من ذلك الفن؛ لأنَّ عُمَرَ قاله على المِنْبَرِ بمحضرِ الأعيانِ من الصحابة ، فصار كالمُجمَع عليه، فكأنَّ عُمر ذكَّرهم لا أخبرهم . قال ابن رشيدٍ: وقد ذكر ابن حبان في أول («صحيحه)) أنَّ ما ادَّعاه ابن العربي وغيرُه من أن شرط الشيخين ذلك مستحيلُ الوجود . قال : والعجبُ منه كيف يدَّعي عليهما ذلك ثم يزعم أنه مذهبٌ باطلٌ، فليتَ شِعْري من أعْلَمَه بأنهما اشترطا ذلك؟! إنْ كان منقولًا فليبيِّن طريقَه لننظرَ فيها، وإنْ كان عرَفه بالاستقراءِ فقد وَهِمَ في ذلك، ٣٥ الأول : الصحيح فلقد كان يكفيه في ذلك أوَّلُ حديثٍ في البخاري، وما اعتذر به عنه فيه تقصيرٌ؛ لأنَّ عُمر لم ينفرد به وحدَه، بل انفرد به علقمةُ عنه، وانفردَ به محمدُ بنُ إبراهيم عن علقمة، وانفرد به يحيى بن سعيدٍ عن محمد ، وعن یحیی تعددتْ رُواته . وأيضًا؛ فكون عُمر قاله على المنبر لا يستلزم أن يكون ذكَّر السامعين بما هو عندهم، بل هو مُحتمِلٌ للأمرين ، وإنَّما لم يُنكروه؛ لأنه عندهم ثقة، فلو حدَّثهم بما لم يسمعوه قط لم ينكروا عليه . انتهى . وقد قال باشتراط رَجُلين عَن رَجُلين في شرطِ القبول إبراهيمُ بن إسماعيل ابن عُلَيَّة، وهو من الفقهاءِ المُحَدِّثين، إلا أنَّه مهجورُ القولِ عندَ الأئمةِ ؛ لميله إلى الاعتزال، وقد كان الشافعيُّ يردُّ عليه ويحذر منه . وقال أبو علي الجُبَّائي - من المعتزلة .: لا يُقبلُ الخبر إذا رواه العدلُ الواحدُ ، إلا إذا انضم إليه خبرُ عدلٍ آخر ، أو عَضَده موافقةُ ظاهرِ الكتاب أو ظاهر خبرٍ آخر، أو يكون منتشرًا بين الصحابة، أو عمِل به بعضُهم . حكاه أبو الحسين البصري في ((المعتمد)). وأطلق الأستاذُ أبو منصور التميمي عن أبي عليٍّ أنه لا يُقبل إلا إذا رواه أربعةٌ . وللمعتزلة في رَدِّ خبر الواحدِ حُججْ ؛ منها : قِصَّةُ ذي اليدين، وكونُ النبي ◌َ ◌ّ توقّف في خبره حتى تابعه عليه غَيرُه . أ.س. ٣٦ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي وقِصَّةُ أبي بكر حين توقّف في خبرِ المغيرة في ميراث الجدة حتى تابعه محمد بنُ مَسْلمة . وقصَّةُ عُمر حين توقف في خبر أبي موسى في الاستئذان حتى تابعه أبو سعيد . وأُچِيب عن ذلك كله : فأمَّا قصة ذي اليدين ؛ فإنما حصَل التوقفُ في خبرِهِ، لأَنَّه أخبره عن فعله ◌َّه، وأمْرُ الصلاة لا يرجعُ المصلي فيه إلى خَبرِ غيرِه، بل ولو بَلَغوا حدَّ التواتر، فلعلَّه إنما تذكر عند إخبارٍ غيره . وقد بعثَ وَلَهَ رُسُلَهُ واحدًا واحدًا إلى المُلوكِ، ووَفَد عليه الآحادُ من القبائل فأرسله إلى قبائلهم، وكانت الحُجَّةُ قائمةً بإخبارِهم عنه مع عدم اشتراط التعدد . وأما قصة أبي بكر ، فإنَّما توقّف إرادةَ الزيادة في التوثُّقِ ، وقد قَبِل خبر عائشة وحدها في قَدْرٍ كَفَنِ النبي ◌ِِّ . وأما قصة عمر ؛ فإنَّ أبا موسى أخبره بذلك الحديث عَقِبَ إنكاره عليه رجوعه، فأرادَ التثبتَ في ذلك، وقد قَبل خبرَ ابن عوف وحده في أخذِ الجزية من المجوس، وفي الرجوع عن البلدِ الذي فيه الطَّاعون، وخبرَ الضحاك بن سفيان في توريث امرأةٍ أشْيَمَ . قلتُ : وقد استدلَّ البيهقيُّ في ((المدخل» على ثبوتِ الخبرِ بالواحد بحديثٍ: ((نضَّرَ اللَّهُ عبدًا سمِعَ مقالتي فَوعَاهَا فأدَّاها)). وفي لفظ: ((سَمِعَ مِنَّا حديثًا فَبَلَّغَه غيرَهُ)) . ٣٧ الأول : الصحيح وبحديث ((الصحيحين)): بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ أتاهم آتٍ فقال: إن رسول اللَّهِ وَلّه قد أنزل عليه الليلةَ قرآنٌ، وقد أمرَ أن يستقبلوا الكعبة فاستقبلُوها، وكانت وجُوهُهم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة . قال الشافعي : فقد تركُوا قِبلةً كانوا عليها بخبرٍ واحد، ولم يُنکز ذلك عليهم ◌َلّ . وبحديث ((الصحيحين)) عن أنس: إنِّي لَقَائِمٌ أسْقِي أبا طلحة وفُلانًا وفُلانًا، إذْ دخل رجل، فقال : هل بَلَغَكُمُ الخبرُ؟ قلنا: وما ذاك؟ قال : حُرُّمتِ الخمْرُ. قال: أهْرِقْ هذه القِلالَ يا أنسُ. قال: فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبرِ الرَّجلٍ . وبحديثٍ إرساله عليًّا إلى الموقف بأول سورة براءة . وبحديثٍ يزيدَ بنِ شيبان : كُنَّا بعرفةَ، فأتانا ابنُ مِرْبَع الأنصاري فقال: إِنِّي رسولُ رسولِ اللَّهِ وَّهِ إليكم، يأمرُكم أنْ تقفوا على مشاعرِكم هذه . وبحديثٍ ((الصحيحين)) عن سلمةَ بنِ الأكوع: بعث رسولُ اللَّه ◌ِلـ يوم عاشوراء رجلًا من أسْلم يُنادي في الناس : ((إنَّ اليوم يومُ عاشوراء، فمَنْ كان أكَلَ فلا يأكلْ شيئًا)) الحديث، وغير ذلك . وقد ادَّعى ابن حبان نقيض هذه الدعوى فقال: إنَّ رواية اثنين عن اثنين إلى أن ينتهي لا تُوجَدُ أصلاً، وسيأتي تقريرُ ذلك في الكلام على ((العزيزِ)). ٣٨ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي • معنى قولهم: «هذا صحيح»، و«هذا غير صحيح»: (وإذا قيلَ) هذا حديث (صحيحٌ فهذا معناه) أي : ما اتَّصل سندُه مع الأوصافِ المذكورةِ، فقبلناه عملًا بظاهر الإسنادِ (لا أنَّ مقْطُوعٌ به) في نفس الأمرِ ؛ لجواز الخطأ والنسيان على الثقةِ. خلافًا لمن قال : إنَّ خبرَ الواحد يُوجبُ القطع . (وإذا قِيلَ) هذا حديثٌ (غيرُ صحيح) لو قال ((ضعيفٌ)) لكانَ أخْصَرَ وأسْلَمَ من دُخول الحسَنِ فيه (فمعناه: لم يَصِحَّ إِسنادُهُ) على الشرط المذكورِ ، لا أنه كذبٌ في نفس الأمر، لجوازِ صِدْقِ الكاذبِ وإصابة من هو كثيرُ الخطإ . · الكلام في أصحُ الأسانيد: (والمختارُ؛ أنه لا يُجْزَمُ في إسنادٍ أنه أصحُ الأسانيدِ مطلقًا) لأنَّ تفاوتَ مراتب الصحة مُرتب على تمكَّن الإسناد من شروط الصحة ، ويعزّ وجودُ أعلى درجات القبولِ في كل واحدٍ من رجالِ الإسناد الكائنين في ترجمة واحدةٍ ، ولهذا اضطرب من خاض في ذلك إذ لم يكن عندهم استقراءٌ تامٌّ ، وإنما رجَّح كل منهم بحسب ما قوي عنده، وخصوصًا إسناد بلدِه لكثرة اعتنائه به . فالحُكم حينئذٍ على إسناد معين بأنه أصحُ على الإطلاق مع عدمِ اتفاقهم ترجيحٌ بغيرِ مُرجُحٍ . قال شيخُ الإسلام : مع أنَّه يمكن للناظر المُتَقِن ترجيحُ بعضها على ٣٩ الأول : الصحيح بعضٍ من حيثُ حفظُ الإمام الذي رَجَحَ إتقانُهُ ، وإنْ لم يتهيأ ذلك على الإطلاق، فلا يخلو النظرُ فيه من فائدةٍ ؛ لأن مجموع ما نُقل عن الأئمة في ذلك يفيدُ ترجيحَ التراجم التي حَكموا لها بالأصحية على ما لم يقع له حُكمٌ من أحدٍ منهم . (وقِيلَ : أصَخُها) مطلقًا ما رواه أبو بكرٍ محمد بن مسلم بن عُبيد الله ابن عبد الله بن شهاب (الزهريُّ عن سالم) بن عبد الله بن عُمر (عن أبيه). وهذا مَذهبُ أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه، صرَّح بذلك ابن الصلاح . (وقِيلَ) أصحُها محمد (ابنُ سيرين عن عَبيدةً) السَّلْماني - بفتح العين . (عن عليَّ) بن أبي طالب. وهو مَذهبُ ابن المديني والفلَّاس وسليمانَ ابن حربٍ، إلا أنَّ سليمان قال: أجودُها أيوب السِّختياني عن ابن سيرين، وابنَ المديني: عبد الله بن عون عن ابن سيرين، حكاه ابن الصلاح . (وقِيلَ) أصخُها سليمان (الأعمشُ عن إبراهيمَ) بن يزيد النخعي (عن علقمةَ) ابن قيس (عن) عبد الله (بن مسعودٍ) . وهو مذهب ابن معين ، صرَّح به ابن الصلاح . (وقِيلَ) أصخُها (الزهريُّ عن) زين العابدين (عليّ بنِ الحسينِ عن أبيه) الحسين (عن) أبيه (عليَّ) بن أبي طالب. حكاه ابن الصلاح عن أبي بكر بن أبي شيبة، والعراقيُّ عن عبد الرزاق . ٤٠ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي (وقِيلَ) أصحُّها (مالكُ) بن أنسٍ (عن نافعٍ) مولى ابن عمر (عن ابنٍ عُمَرَ). وهذا قول البخاريِّ . (فعلى هذا قِيلَ) - عبارة ابن الصلاح : وبنى الإمام أبو منصور عبد القاهر بن طاهر التميمي - إن أجَلَّ الأسانيدِ (الشافعيُّ عن مالكٍ عن نافعٍ عن ابن عُمَرَ). واحتجَّ بإجماع أهل الحديثِ على أنَّه لم يكن في الرُّواة عن مالكِ أجَلُّ من الشافعي، وبَنَى بعضُ المتأخّين على ذلك أن أجَلَّها روايةُ أحمد ابن حنبل عن الشافعيِّ عن مالكِ؛ لاتّفاق أهلِ الحديثِ على أن أجَلَّ مَنْ أخذ عن الشافعيِّ من أهلِ الحديثِ الإمامُ أحمد . وتُسمَّى هذه الترجمةُ ((سلسلة الذهب))، وليس في ((مسنده)) على كِبَرِهِ بهذه الترجمة سوى حديثٍ واحدٍ، وهو في الواقع أربعةُ أحاديثَ جَمَعها وساقَها مساقَ الحديثِ الواحدِ، بل لم يقعْ لنا على هذه الشريطةِ غيرُها، ولا خارجَ («المسند» : قالَ: عبدُ اللَّه بن أحمد: حدثني أبي، ثنا محمدُ بن إدريسَ أنَّ رسول اللَّهِ وَه الشافعيُّ، أنبا مالكٌ، عن نافع، عن ابن عُمر ◌َا قال: ((لا يبغْ بَعْضُكُم على بيعٍ بَعضٍ))، ونهى عن النَّجْشِ ، ونهى عن بيع حَبَلِ الحَبَلَةِ، ونهى عن المُزابنة، والمزابنةُ: بيعُ الثمر بالتمرِ كَيلا، وبيعُ الگزْمِ بالزَّبیبِ کیلًا . ٤١ الأول : الصحيح ذكَر المُصنِّفُ . تبعًا لابن الصلاح . في هذه المسألة خمسةً أقوالٍ ، وبقي أقوالٌ أُخَرُ : فقال حجاج بن الشاعر : أصح الأسانيد : شعبة عن قتادة عن سعيد ابن المسيب. يعني عن شيوخه، هذه عبارة شيخ الإسلام في ((نكته)). وعبارة الحاكم : قال حجاج : اجتمع أحمد بن حنبل وابن معين وابن المديني في جماعةٍ معهم، فتذاكروا أجودَ الأسانيدِ ، فقال رجلٌ منهم : أجودُ الأسانيدِ : شعبة عن قتادة عن سعيد عن عامر أخي أم سلمة عن أم سلمة ، ثم نقَل عن ابن معينٍ وأحمدَ ما سبق عنهما . وقال ابنُ معين : عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عن عائشة ، ليس إسنادٌ أثبت مِن هذا. أسنده الخطيبُ في ((الكفاية)). قال شيخ الإسلام ابن حجر : فعلى هذا لابن معين قولان . وقال سُليمان بن داود الشَّاذَكُوني : أصحُ الأسانيد : يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة . وعن خلف بن هشام البزار قال : سألتُ أحمدَ بن حنبل، أي الأسانيد أثبت؟ قال: أيوب عن نافع عن ابن عمر، فإن كان من رواية حماد بن زيد عن أيوب فَيَا لَكَ . قال ابنُ حجر : فَلأحمَدَ قولان . وروى الحاكم في ((مستدركه)) عن إسحاق بن راهويه قال: إذا كان ٤٢ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي الراوي عن عمرو بن شعيبٍ عن أبيه عن جدِّه ثقةً، فهو كأيوب عن نافع عن ابن عُمر . وهذا مُشعِرٌ بجلالةِ إسنادٍ أيوب عَن نافعٍ عنده . وروى الخطيب في ((الكفاية)) عن وكيع قال: لا أعلم في الحديثِ شيئًا أحسنَ إسنادًا من هذا: شعبة عن عَمرو بن مُرَّة عن مُرَّة عن أبي موسى الأشعري . وقال ابنُ المُبارك والعجلي : أرجحُ الأسانيدِ وأحسنها : سُفيان الثوري عن منصورٍ عن إبراهيمَ عن عَلقمةَ عن عبد الله بنِ مَسعودٍ . وكذلك رجَّحها النسائي . وقال النسائي : أقوى الأسانيد التي تُروَى، فذكر منها : الزهري عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة عن ابنِ عباسٍ عن عُمر . ورجَّح أبو حاتم الرازي ترجمة يحيى بن سعيد القطان عن عُبيد الله ابن عُمر عن نافع عن ابن عُمر . وكذا رجَّح أحمدُ روايةً عبيد اللَّه عن نافع على رواية مالكِ عن نافعٍ . ورجَّح ابنُ معينٍ ترجمةَ يحيى بن سعيدٍ عن عُبيد الله بن عُمر عن القاسم عن عائشةً . ٤٣ الأول : الصحيح · تخصيص القول في أصحّ الأسانيد: قال الحاكم : ينبغي تخصيصُ القولِ في أصحُ الأسانيد بصحابيِّ أو بلدٍ مخصوصٍ، بأن يقال: أصحُّ إسنادٍ فلانٍ، أو الفُلانِيِينَ كذا، ولا يُعمِّم . قال : فأصحُ أسانيد الصِّدِّيق : إسماعيلُ بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم عنه . وأصح أسانيد عمر : الزُّهري عن سالم عن أبيه عن جَدِّه . وقال ابن حزم : أصحُ طريقٍ يُروى في الدنيا عن عُمر : الزهري عن السائب بن يزيدَ عنه . قال الحاكم : وأصحُّ أسانيدِ أهلِ البيت : جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن عليٍّ عن أبيه عن جَدِّه عن عليٍّ، إذا كان الراوي عن جعفرٍ ثقةً . هذه عبارةُ الحاكم، ووافقه مَن نقلها، وفيها نظرٌ؛ فإن الضميرَ في جَدُه إنْ عاد إلى جعفرٍ، فجدُّه عليٍّ لم يسمع مِن عليّ بن أبي طالب، أو إلى مُحمدٍ ، فهو لم يسمع مِن الحسين . وحكَى الترمذي في ((الدعوات)) عن سليمان بن داود، أنه قال في رواية الأعرج عن عبيد الله بن أبي رافع عن عليٍّ: هذا الإسنادُ مِثلُ الزهريُّ عن سالم عن أبيه . أسسى ٤٤ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي ثم قال الحاكم : وأصحُ أسانيدِ أبي هريرةً: الزهري عن سعيد بن المسیب عنه . وروى قبلُ عن البخاريّ : أبو الزناد عن الأعرجِ عنه . وحكى غيره عن ابن المديني : مِن أصحِّ الأسانيدِ : حماد بن زيد عن أيوب عن محمدٍ بن سِيرين عن أبي هريرة . قال : وأصحُ أسانيدِ ابنِ عُمر : مالكٌ عن نافعٍ عنه . وأصحّ أسانيدِ عائشةَ: عُبيد الله بن عُمر عن القاسم عنها . قال ابن معين : هذه ترجمةٌ مسبكةٌ بالذَّهب . قال : ومِن أصحِّ الأسانيدِ أيضًا: الزُّهري عن عُروة بن الزبير عنها . وقد تقدَّم عن الدارميِّ قولٌ آخرُ . وأصحُ أسانيدِ ابنِ مسعودٍ : سفيانُ الثوريُّ عن منصورٍ عن إبراهيمَ عن علقمةً عنه . وأصحُ أسانيدِ أنسٍ : مالكٌ عن الزهريِّ عنه . قال شيخُ الإسلام : وهذا ممَّا يُنازَع فيه ؛ فإنَّ قتادةً وثابتًا البنانيَّ أَعرَفُ بحديثٍ أنس من الزهري، ولهما من الرواة جماعة ، فأثبتُ أصحابٍ ثابتٍ : حمادُ بن زيد، وقيل : حمادُ بن سلمة، وأثبتُ أصحابٍ قتادَة : شعبةُ، وقيل : هشامُ الدَّستُوَائي . وقال البزارُ : روايةُ عليّ بنِ الحُسينِ بن عليٍّ عن سعيد بن المسيبِ عن سعد بن أبي وقّاص أصُ إسنادٍ يُروى عن سعد . ٤٥ الأول : الصحيح وقال أحمدُ بنُ صالح المصري : أثبتُ أسانيدِ أهلِ المدينةِ : إسماعيل ابن أبي حكيم عن عبيدة بن سفيان عن أبي هريرة . قال الحاكم : وأصحُّ أسانيدِ المكْبِين : سفيانُ بنُ عُيينةَ عن عَمرو ابنِ دینارٍ عن جابرٍ . وأصحُ أسانيدِ اليمانيّين: معمرٌ عن هَمَّام عن أبي هريرة . وأثبتُ أسانيدِ المِصْريين : الليثُ بن سعدٍ ، عن يزيدِ بنِ أبي حبيبٍ عن أبي الخير عن عُقبة بنِ عامٍ . وأثبتُ أسانيدِ الخُراسانيين : الحسينُ بن واقدٍ عن عبدِ الله بن بُرَيدة عن أبيه . وأثبتُ أسانيدِ الشاميين : الأوزاعيُّ عن حسَّان بن عطيةً عن الصحابة . قال شيخُ الإسلام ابنُ حجرٍ : ورجَّح بعضُ أئمتهم روايةَ سعيدِ بن عبدٍ العزيز عن ربيعةً بن يزيدَ عن أبي إدريس الخولاني عن أبي ذَرٍّ . وقال عبدُ اللَّه بنُ أحمدَ بنِ حنبلٍ عن أبيه : ليس بالكوفة أصح مِن هذا الإسناد : يحيى بنُ سعيدِ القطّانُ عن سُفيان الثوريِّ عن سليمان التيميِّ عن الحارث بن سويدٍ عن عليٍّ . وكان جماعةٌ لا يُقدِّمون على حديثِ الحجازِ شيئًا، حتى قال مالكٌ: إذا خرَج الحديثُ عن الحِجَازِ انقطعَ نُخاعُه . وقال الشافعيُّ : إذا لم يوجد للحديثِ في الحجازِ أصلٌ ذهَب نخاعه. حكَاه الأنصاري في كتاب ((ذم الكلام)) . ٠.٠٠٠. ٤٦ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي وعنه أيضًا : كلُّ حديثٍ جاء مِن العراقِ وليس له أصلٌ في الحجاز فلا تقبله وإنْ كان صحيحًا، ما أُريدُ إلا نصيحتك . وقال مِسعرٌ : قلتُ لحبيبٍ بن أبي ثابتٍ: أيُّما أَعلمُ بالسُّنة، أهلُ الحجاز أَم أهلُ العراقِ؟ فقال : بلْ أهلُ الحِجازِ. وقال الزهريُّ : إذا سمعتَ بالحديثِ العراقيِّ فأَرْوِذْ به، ثم أَزْوِدْ به (١) . وقال طاوس: إذا حدَّثك العراقيُّ مائةَ حديثٍ، فاطْرِحْ تسعةً وتسعين . وقال هشامُ بنُ عُروة : إذا حدَّثك العراقيُّ بألفِ حديثٍ فألقِ تِسِعَمائة وتسعينَ ، وكُن مِن الباقي في شَكِّ . وقال الزهريُّ : إنَّ في حديثِ أهلِ الكوفةِ دَغَلًا كثيرًا . وقال ابنُ المباركِ : حديثُ أهلِ الحجاز أصحُ، وإسنادُهم أَقَربُ . وقال الخطيبُ : أصحُ طُرقِ السُّنَنِ ما يرويه أهل الحَرَمَين - مكة والمدينة . فإنَّ التدليسَ عنهم قليلٌ والكذِبَ ووَضعَ الحديثِ عندهم عزيزٌ . ولأهل اليمن رواياتٌ جيدةٌ وطرقٌ صحيحةٌ إلَّا أنها قليلةٌ، ومَرجِعُها إلى الحِجازِ أيضًا . ولأهلِ البصرةِ من السُّنن الثابتةِ بالأسانيدِ الواضحةِ ما ليس لغيرِهم مع إکثارهم . (١) أي: تمهل ولا تسارع إلى قبوله . ...... ٤٧ الأول : الصحيح والكوفيُّونَ مِثْلُهم في الكَثرةِ، غيرَ أنَّ رواياتِهم كثيرةُ الدَّغلِ، قليلةُ السلامةِ من العِلل . وحديثُ الشاميين أكثرُه مراسيلُ ومقاطيعُ، وما اتَّصل منه مما أسنده الثقاتُ فإنه صالحٌ، والغالبُ عليه ما يتعلّق بالمواعظ . وقال ابنُ تيمية : اتفقَ أهلُ العلمِ بالحديثِ على أنَّ أصحَّ الأحاديثِ : ما رواه أهلُ المدينةِ ، ثم أهلُ البصرةِ، ثم أهلُ الشام . ● لا يحكم بالأصحية إلا حيث لا يكون هناك مانع: قال أبو بكر البردِيجي : أجمعَ أهلُ النقل على صحةِ حديثِ الزهري عن سالمٍ عن أبيه، وعن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، مِن رواية مالكِ وابن عيينةَ ومعمرٍ والزبيديِّ وعقيلٍ، ما لم يختلفوا، فإذا اختلفوا توقف فيه . قال شيخ الإسلام : وقضيةُ ذلك أن يَجري هذا الشرطُ في جميع ما تَقدَّم، فيقال: إنما يوصفُ بالأصحيةِ حيث لا يكون هناك مانعٌ مِن اضطرابٍ أو شُذوذٍ . ● أصح الأسانيد المقيدة بالأبواب: ممَّا يُناسِب هذه المسألةَ: أصحُ الأحاديثِ المقيَّدة؛ كقولهم: ((أصحُ شيءٍ في الباب كذا))، وهذا يوجد في ((جامع الترمذي)) كثيرًا، وفي ((تاريخ البخاري))، وغيرهما . وقال المصنف في ((الأذكار)): لا يلزمُ مِن هذه العبارة صحةُ ٤٨ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي الحديث ؛ فإنهم يقولون : هذا أصحُ ما جاء في الباب وإن كان ضعيفًا ، ومرادُهم : أرجحه، أو أقلُّه ضعفًا . ذكّر ذلك عقب قول الدار قطني : أصحُّ شيءٍ في فضائل السور : فَضلُ ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾ [الإخلاص: ١]، وأصح شيء في فضائل الصلوات: فَضلُ صلاةٍ التسبيح . ومن ذلك : أصح مُسَلْسَلٍ، وسيأتي في نوعِ المسلسلِ . · أول مصنَّفِ في الصحيح: (الثانيةُ) من مسائل الصحيح (أَوَّلُ مُصَنَّفِ في الصحيحِ المجرَّدِ صحيحُ) الإمام محمد بن إسماعيل (البخاريّ) . وقد كانت الكتب قبلَه مجموعةٌ ممزوجًا فيها الصحيح بغيرهٍ، وكانت الآثارُ في عصر الصحابةِ وكبارٍ التابعين غيرَ مدونةٍ ولا مرتبةً ؛ لِسَيَلان أذهانهم وسعة حفظهم، ولأنهم كانوا نُهوا أَوَّلًا عن كتابتها - كما ثبت في ((صحيح مسلم)) . خشيةً اختلاطها بالقرآن، ولأن أكثرَهم كان لا يُحسن الكتابةَ، فلما انتشر العلماء في الأمصار، وكثر الابتداعُ من الخوارجِ والروافضٍ، دُوٌنت ممزوجةً بأقوالِ الصحابة وفتاوى التابعين وغيرهم . وقول المصنف: ((المجرَّد)) زيادة على ابن الصلاح، احتَرَز بها عما اعتُرِض عليه بهِ، مِن أنَّ مالكًا أوَّل من صنف الصحيحَ، وتلاه أحمدُ بن حنبل، وتلاه الدارميُّ . قال العراقيُّ: والجوابُ أن مالكًا لم يُفرِد الصحيحَ، بل أدخل فيه ٤٩ الأول : الصحيح المُرسَل والمنقطِعَ والبلاغاتِ، ومِن بلاغاته أحاديثُ لا تُعرف، كما ذكره ابن عبد البر، فلم يُفردِ الصحيحَ إِذَا . وقال مغلطاي : لا يَحسُنُ هذا جوابًا، لوجودِ مِثلِ ذلك في كتاب البُخاريُّ . وقال شيخُ الإسلام : كتابُ مالكِ صحيحٌ عنده، وعند مَن يقلِّده، على ما اقتضاه نَظرُه من الاحتجاج بالمُرسَل والمنقطِع وغيرهما، لا على الشرطِ الذي تقدَّم التعريفُ به . قال: والفَرقُ بين ما فيه مِن المُنقطِعِ وبين ما في ((البخاريِّ))، أن الذي في «الموطإِ» هو كذلك مسموعٌ لمالك غالبًا، وهو حُجة عنده، والذي في ((البخاري)) قد حذف إسناده عمدًا؛ لقصدِ التخفيفِ إن كان ذَكَره في موضع آخرَ موصولًا ، أو لقصدِ التنويعِ إن كان على غيرِ شَرطِه، ليخرجه عن موضوع كتابه، وإنَّما يذكر ما يذكر من ذلك تنبيهًا، واستشهادًا، واستئناسًا، وتفسيرًا لبعضٍ آياتٍ، وغيرِ ذلك مما سيأتي عِندَ الكلامِ على التعليق . فَظَهَر بهذا أنَّ الذي في ((البخاري)) لا يُخرجه عن كونه جرَّد فيه الصحيحَ بخلافِ ((الموطإِ))، وأمَّا ما يتعلق بـ ((مسند أحمد)) و((الدارمي)) فسيأتي الكلامُ فيه في نوعِ الحسَنِ عند ذِكرِ المسانيدِ . (ثُمَّ) تلا البخاريّ في تصنيفِ الصحيحِ (مسلم) بنُ الحجّاجِ، تلميذُه . ٥٠ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي ● «الصحيحان» أصح الكتب بعد القرآن: (وهُما أَصَحُّ الكتبِ بعدَ القرآنِ) العزيز. قال ابن الصلاح : وأمَّا ما رويناه عن الشافعيِّ من أنه قال: ما أعلمُ في الأرض كتابًا أكثرَ صوابًا من كتابٍ مالكِ. وفي لفظِ عنه: ما بعدَ كتابِ اللهِ أصحُ مِن ((موطٍ مالكِ))؛ فذلك قَبل وُجودِ الكتابين . (والبخاريُّ أَصَحُّهما) أي المُتَّصلُ فيه دُون التعاليق والتراجم (وأكثرُهما فَوائِدَ) لما فيه مِن الاستنباطاتِ الفقهيةِ، والنكتِ الحكمية ، وغير ذلك . (وقِيلَ: مسلمٌ أَصَحُ، والصوابُ الأولُ) وعليه الجمهور؛ لأنَّهُ أشدُّ اتصالًا، وأتقنُ رجالًا. وبيان ذلك من وجوه : أحدها : أنَّ الذين انفرد البخاريُّ بالإخراجِ لهم دُون مسلم أربعمائةٍ وبضعةٌ وثلاثون رجلًا، المُتكلّم فيهم بالضعف منهم ثمانون رجلاً، والذين انفرد مسلمٌ بالإخراج لهم دُون البخاري ستُمائةٍ وعشرون ، المتكلّم فيهم بالضعف منهم مائةٌ وستون . ولا شكَّ أن التخريج عمّن لم يُتكلّم فيه أصلًا أولى من التخريج عمَّن تُكُلِّم فیه، وإن لم یکن ذلك الكلام قادحًا . ثانیھا : أنَّ الذین انفرد بھم البخارُّ ممِّن تُكلّم فیہ لم يُكثِر مِن تخريج أحاديثهم، وليس لواحدٍ منهم نسخةٌ كبيرةٌ أخرجها كلها أو أكثرها، إلا ٥١ الأول : الصحيح ترجمة عكرمة عن ابنِ عباس، بخلافِ مُسلم، فإنه أخرج أكثرَ تلك النُّسَخ ؛ كأبي الزبير عن جابرٍ، وسُهيل عن أبيه، والعَلاء بن عبد الرحمن عن أبيه، وحماد بن سلمة عن ثابت، وغير ذلك . ثالثها : أنَّ الذين انفرد بهم البخاريُّ ممَّن تُكلُّم فيهم أكثرُهم من شیوچِه الذین لَقِیھم وجالسهم، وعرف أحوالهم، واطّلع على أحاديثهم ، وعَرَفَ جَيْدَها مِن غيرِهِ، بخلاف مُسلمٍ ؛ فإنَّ أكثرَ مَن تفرَّد بتخريجِ حديثهِ ممَّن تُكلِّم فيه، ممن تقدَّم عن عصره من التابعين فَمَن بَعدَهم . ولا شكَّ أن المُحدِّثَ أعرفُ بحديثٍ شيوخه، وبصحيحٍ حديثهم مِن ضعيفِه ممَّن تقدَّم عنهم . رابعها : أنَّ البخاري يُخرِّجُ عن الطبقةِ الأُولى البالغةِ في الحفظِ والإتقانِ، ويخرج عن طبقةٍ تليها في التثبتِ وطولِ الملازمة انتقاءً وتعليقًا، ومسلم يخرِّجُ عن هذه الطبقة أُصولًا كما قرَّره الحازمي . خامسها : أنَّ مسلمًا يَرى أن للمُعَنعن حُكمَ الاتصالِ إذا تعاصَرا وإن لم يثبت اللُّقِيُّ، والبخاريُّ لا يرى ذلك حتى يثبتَ . كما سيأتي - ورُبما أخرج الحديثَ الذي لا تعلُّقَ له بالباب أصلًا، إلا ليبيِّن سماعَ راوٍ مِن شيخِه، لكونه أخرج له قَبل ذلك مُعنعَنًا . سادسها : أنَّ الأحاديثَ التي انتُقِدت عليهما نحو مائتي حديثٍ وعشرةٍ أحاديث - كما سيأتي أيضًا . اختص البخاري منها بأقلَّ مِن ثمانين، ولا شك أن ما قلَّ الانتقادُ فيه أرجحُ مما كثر . ٥٢ المختصر الحاوي لمهمات تدريب الراوي وقال المصنف في ((شرح البخاري)): مِن أخصّ ما يُرجَّحُ به كتابُ البخاري اتفاقُ العُلماءِ على أنَّ البخاريَّ أجَلُّ مِن مسلم، وأصدقُ بمعرفةٍ الحديثِ ودقائقِه، وقد انتَخَبَ عِلمَه، ولخَّصَ ما ارتضاه في هذا الكتابِ . وقال شيخ الإسلام : اتَّفق العلماءُ على أنَّ البخاري أجلٌّ مِن مسلم في العلوم، وأعرفُ بصناعةِ الحديث، وأنَّ مسلمًا تلميذُهُ وخِرِيجُه، ولم يزل يستفيدُ منه، ويتبع آثارَه، حتى قال الدارقطني: لولا البخاريُّ ما راح مسلمٌ ولا جاء . • تنبيه : عبارة ابن الصلاح : وروينا عن أبي علي النَّيسابوريِّ شيخ الحاكم أنه قال : ما تحتَ أديم السماءِ كتابٌ أصحُ مِن كتابٍ مُسلم . فهذا - وقولُ مَن فضَّل مِن شيوخ المغربِ كتابَ مسلم على كتابٍ البُخاري - إن كان المراد به أنَّ كتاب مسلم يَترجَّحُ بأنه لم يُمازجه غيرُ الصحيح، فإنَّه ليس فيه بعد خطبته إلا الحديث الصحيح مسرورًا غيرَ ممزوجٍ بِمثلٍ ما في كتابٍ البخاريِّ، فهذا لا بأسَ به، ولا يلزمُ منه أن كتابَ مسلمٍ أرجحُ فيما يرجع إلى نَفسِ الصحيحِ، وإن كان المرادُ أنَّ كتابَ مسلم أصحُ صحيحًا، فهو مردودٌ على مَن يقوله. انتهى . قال شيخُ الإسلامِ ابنُ حجرٍ : الذي يَظهرُ لي مِن كلام أبي عليٍّ أنه قدَّم ((صحيح مسلم)) لمعنّى آخر غير ما يرجعُ إلى ما نحن بصددِه مِن الشرائطِ المطلوبةِ في الصحةِ ؛ بَل لأنَّ مسلمًا صنّف كتابه في بلده بحضور أصوله في حياةِ كثيرٍ من مشايخه، فكان يتحرَّزُ في الألفاظِ ويتحرَّى في ٥٣ الأول : الصحيح السياق، بخلافِ البخاريِّ، فَربما كتَب الحديثَ مِن حِفظه، ولم يميز ألفاظَ رواته، ولهذا ربما يَعْرِضُ له الشك، وقد صحَّ عنه أنه قال: رُبَّ حديثٍ سمعتُه بالبصرة فكتبتُه بالشام. ولم يتصدَّ مسلمٌ لما تصدَّى له البخاريُّ، من استنباطِ الأحكام، وتَقطيع الأحاديثِ، ولم يخرِّجِ الموقوفاتٍ . قال: وأمَّا ما نقله عَن بعض شيوخ المغاربة، فلا يُحفظ عن أحدٍ منهم تقييدُ الأفضليةِ بالأصحيّةِ، بل أطلقَ بعضُهم الأفضليَّةَ، فحكَى القاضي عياضٌ عن أبي مروان الطُّبنِيِّ قال: كان بعضُ شيوخي يُفضّل ((صحيح مسلم)) على ((صحيح البخاري)). قال: وأظنه عَنَى ابنَ حزم. فقد حَكَى القاسمُ التجيبي في ((فهرسته)) عَنه ذلك. قال: لأنَّه ليس فيه بعدَ الخطبةِ إلا الحديث السرد . وقال مسلمةُ بنُ قاسم القرطبيُّ - من أقران الدار قطني .: لم يَصنع أحدٌ مِثل ((صحيح مسلمٍ)) . وهذا في حُسن الوضع، وجودة الترتيب لا في الصِّحة . ولهذا؛ أشار المصنّف حيث قال مِن زياداته على ابن الصلاح: (واختصَّ مسلمٌ بجمع طُرقِ الحديثِ في مكانٍ واحدٍ) بأسانيدهِ المتعددة وألفاظه المختلفةِ، فسَهُل تناوله، بخلاف البخاريِّ، فإنه قَطَّعها في الأبواب بسبب استنباطه الأحكام منها، وأورد كثيرًا منها في غير مَظنته . قال شيخ الإسلام : ولهذا نرى كثيرًا ممن صنّف في الأحكام مِن