Indexed OCR Text

Pages 881-900

١٣٤
النوع الثامن والعشرون
وقال المصنّفُ في ((شرح المهذَّبِ)) (١) : بالتصنيفِ يُطّلعُ على حقائقٍ
العلوم ودقائقه، ويثبتُ معه؛ لأنَّه يضطره إلى كثرةِ التفتيشِ، والمطالعةِ،
والتحقيقِ، والمراجعةِ، والاطلاع على مُختَلِفِ كلام الأئمةِ ومُتَّفِقِهِ،
وواضحِهِ مِنْ مُشْكِلِهِ، وصحيحه مِن ضَعيفِهِ، وجزله من رَکِیکِهِ، وما لا
اعتراضَ فيهِ من غيرِهِ، وبه يتَّصف المحقّقُ بصفةِ المجتهدِ .
قال الرَّبيعُ(٢): لم أرَ الشافعيَّ آكِلًا بنهارٍ ولا نائمًا بليلٍ، لاهتمامِهِ
بالتصنيف .
وَلِلْعُلَّمَاءِ فِي تَصْنِيفِ الحَدِيثِ طَرِيقَتانِ :
أُجوَدُهُمَا: تَصْنِيفُهُ عَلَى الأبوابِ، فَيَذْكُرُ فِي كُلِّ بَابٍ مَا حَضَرَهُ
فِیهِ .
والثَّانِيَةُ: تَصْنِيفُهُ عَلَى الْمَسَانِدِ، فَيَجْمَعُ فِي تَرَجَمةِ كُلِّ صَحَابِيٍّ
مَا عِندَهُ مِن حَدِيثِهِ : صَحِيحِهِ، وَضعِيفِهِ. وَعَلَى هَذَا، لَهُ أَن
يُرَتَّبَهُ عَلَى الْحُرُوفِ أَو عَلَى القَبَائِلِ، فَيَبْدَأَ بِبَنِي هَاشِمٍ، ثُمّ
الأقرَبِ فَالأَقْرَبِ نَسَبًا إِى رَسُولِ اللَّهِ وَ، أَو عَلَى السَّوَابِقِ؛
فَبِالعَشَرَةِ، ثُمَّ أَهلِ بَدٍ ، ثُمَّ الْحُدَيِيةِ، ثُمَّ المُهَاجِرِينَ بَينَهَا وَبَينَ
الفَتحِ، ثُمَّ أَصَاغِرِ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ النِّسَاءِ بَادِئًا بِأُمَّهاتِ
المُؤمِنِينَ .
(١) ((المجموع)) (٥٦/١).
(٢) ((مناقب الشافعي)) للبيهقي (٢٣٧/١).

١٣٥
معرفة آداب طلب الحديث
وَمِن أَحسَنِهِ : تَصنيفُهُ مُعلَّلًا ، بِأَن يَجِمَعَ في كُلِّ حَدیثٍ أَو بَابٍ
طُرْقَهُ وَاخْتِلافَ رُوَاتِهِ، وَيجِمَعُونَ - أَيْضًا - حَدِيثَ الشَّيُوخ؛
كُلِّ شَيخِ عَلَى انفِرَادِهِ: كَمَالِكٍ وَسُفْيَانَ، وَغيِهِمَا، وَالتََّاجِمَ :
كَ «مالِكٍ عَن نَافِعٍ عَنِ ابنِ عُمَرَ»، «وَهِشَامِ عَن أبِیهِ عن عَائِشَةَ»
وَالْأَبَوابَ: كَ((رؤيَةِ اللَّه تَعَالَى))، ((وَرَفْعِ الْيَدَينِ فِي الصَّلَاةِ)).
(وللعُلماءِ في تصنيفِ الحديثِ) وجَمْعِهِ (طريقتانِ :
أجودُهُما : تصنيفُهُ على الأبوابِ) الفِقْهيةِ، كالكُتُبِ السِّتةِ ونَحوِها ،
أو غيرها كـ((شُعَبِ الإيمان)) للبيهقي، و((البعثِ والنُّشُورِ)) له، وغيرِ
ذلك .
(فِيَذْكُرُ في كلِّ بابٍ ما حَضَرَهُ) مما ورَد (فِیهِ) مما يدلُّ على حُكمه ،
إثباتًا أو نَفيًا، والأوْلَى أن يقتصرَ على ما صحَّ أو حَسُن، فإنْ جمع الجميعَ
فَلْيُبَيْن عِلَّةَ الضعيفِ .
(والثّانيةُ: تصنيفُهُ على المسانيدِ) كلُّ مسندٍ على حِدةٍ .
قال الدارقطنيُّ (١): أوَّلُ مَن صنَّف مُسندًا نعيمُ بنُ حمَّادٍ.
قال الخطيبُ (١): وقد صنَّف أَسَدُ بنُ موسَى مُسندًا، وكان أكبرَ من
نُعيمِ سنًّا وأقدم سماعًا .
فَيحتملُ أن يكونَ نعيمٌ سبقه في حَداثته .
(١) ((الجامع)) (٢٩٠/٢).

١٣٦
النوع الثامن والعشرون
وقال الحاكمُ: أوَّلُ من صنَّف المسند على تراجم الرجالِ في
الإسلام: عبيد الله بن موسى العبسي(١)، وأبو داود الطيالسيُّ .
وقد تقدَّم ما فيه في (٢) نوع الحسنِ .
وقال ابنُ عديٍّ (٣) : يُقال: إنَّ يحيى الحمانيَّ أَولُ مَن صنَّف المُسنَدَ
بالكُوفةِ ، وأَولُ مَن صنَّف المُسنَد بالبصرةِ مُسدَّدٌ، وأَولُ مَن صَنَّف المُسنَد
بِمصْرَ أَسَدُ السُّنة، ((وأسدٌ)) قَبْلَهُما، وأقدمُ موتًا.
وقال العقيليُّ(٤) عن عليٍّ بن عبدِ العزيز : سمعتُ يحيى الحمانيَّ
يقولُ : لا تَسمعوا كلام أهلِ الكوفةِ فيٍّ، فإنَّهم يَحْسدُونني ؛ لأنّي أولُ مَن
جمع المُسندَ .
(فيجمَعُ في ترجَمةِ كلِّ صَحَابِيٍّ ما عندَهُ من حَدِيثِهِ : صَحِيحِهِ)،
وَحسنِهِ ، (وضعيفِهِ .
وعَلى هذا؛ لهُ أنْ يُرَتِّبَهُ على الحروفِ) في أسماء الصحابةِ كما فعلَ
الطبرانيُّ، وهو أسهلُ تناولًا، (أو عَلَى القبائلِ؛ فيبدأ ببني هاشم، ثم
الأَقْرَبِ، فالأقرَبِ نسبًا إلى رسولِ اللَّهِ بَلُهَ، أو على السوابِقِ) في
الإسلام، (فبالعشرةِ) يَبدأُ، (ثمَّ أهلِ بدرٍ، ثُم الحديبيةِ، ثُم المهاجرِينَ
بينها وبينَ الفتحِ)، ثُمَّ مَن أسلمَ يومَ الفتحِ، (ثم أصاغرِ الصحابةِ) سِنّا
كالسائبِ بن يزيدَ وأبي الطُّفيلِ ، (ثم النساءِ بادئًا بأمهاتِ المؤمنين).
(١) في ((ص)) و((م)): ((العنسي))؛ خطأ. (٢) في ((ص)): ((من).
(٣) ((الكامل)) (٢٦٩٤/٧ - ٢٦٩٥).
(٤) ((الضعفاء)) (٤١٤/٤).

١٣٧
معرفة آداب طلب الحديث
قال ابنُ الصلاح(١) : وهذا أحسنُ .
(ومن أحسَنه) أي : التصنيفِ (تصنيفُهُ) أي: الحديث (مُعَلَّلًا؛ بأن
يجمعَ في كلِّ حديثٍ أو بابٍ طُرُقَه، واختلافَ رواتِهِ)؛ فإنَّ معرفةَ العللِ
أَجَلُّ أنواعِ الحديثِ .
والأَولَى جِعْلهُ على الأبوابِ ليسْهِلَ تناولُهُ، وقد صنَّف يعقوبُ بن
شيبة ((مسنده)) معللًا، فلم يتمَّ .
قيل: ولم يتمَّ (٢) مُسْنَدٌ مُعلَّلٌ قط، وقد صنَّف بعضُهم مسندَ أبي
هريرةَ مُعلَّلًا في مائتي جُزء .
• تنبيه :
مِن طُرقِ التصنيفِ أيضًا: جَمْعُهُ على الأطرافِ ، فيذْكُرُ طرفَ الحديثِ
الدالَّ على بَقيَّتِهِ ، ويجمعُ أسانيدَهُ، إمَّا مُستوعبًا أو مُقَيِّدًا بكتبٍ مخصوصةٍ .
(ويجمعونَ - أيضًا - حديثَ الشيوخ؛ كلِّ شيخ على انفرادِهِ،
كمالكِ، وسفيانَ، وغيرِهما)، كـ ((حديثِ الأعمشِ)) للإسماعيلي،
و((حديثِ الفضيلِ بنِ عياضٍ)) للنسائيِّ، وغيرِ ذلك .
(و) يَجمعون أيضًا: (التراجِمَ كـ((مالكِ عن نافع عن ابنِ عمر))،
و((هشام عن أبيه عن عائشةَ)))، و((سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن
أبي هُريرة)) .
(و) يَجمعون أيضًا: (الأبوابَ) بأنْ يُفرِدَ كلَّ بابِ على حدةٍ
(١) ((علوم الحديث)) (ص: ٢٥٥).
(٢) في ((ص)): ((يتمم)).
١٤٥٠-٠٠

١٣٨
النوع الثامن والعشرون
بالتصنيف، (كـ ((رُؤية اللَّه تعالى))) أفْردَه الآجريُّ، (و((رفع اليدينِ في
الصلاةِ)))، و((القراءةِ خلف الإمام)) أفْرَدهما البخاريُّ، و((النية)) أفردهُ ابنُ
أبي الدُّنيا، و((القضاءُ باليمين والشاهدِ)) أفرده الدارقطنيُّ، و((القنوت))
أفرده ابنُ مَنده، و((البسملة)» أفرده ابنُ عبدِ البرِّ وغيرُهُ، وغير ذلك .
ويجمعون أيضًا : الطُّرقَ لحديثٍ واحدٍ كـ ((طُرُق حديثِ: ((من كذبَ
عليَّ)) للطبرانيِّ، و((طُرق حديثِ الحوضِ)) للضياء، وغير ذلك.
وَلِيَحذَرْ مِنْ إِخِرَاجِ تَصنِیفِهِ إِلَا بَعدَ تَهَذِیبِهِ وَتحرِيرِهِ وَتَكِيرِ
النَّظَرِ فِيهِ. وَلِيَحذَر مِن تَصْنِيفِ مَا لم يَتَأْهَّل لَهُ، وَيَنْبَغِي أَن
يَتَحَرَّىُ العِبَارَاتِ الواضِحَةَ، وَالاصطِلَاحَاتِ المُستَعمَلَةَ.
(وليَحْذَرْ من إخراج تَصنيفِهِ) من يَدِه (إلا بَعدَ تهذیبِهِ، وتحرِیرِه،
وتكرِيرِ النظَر فيه ، وليحذَر من تصنيفِ ما لَمْ يتأهَّل له) فَمَنْ فَعَلَ ذلك لم
يُفْلِخِ، وضرَّه في دِينِهِ وعِلْمِهِ (١) وعِرْضِهِ .
قالَ المُصنّفُ - من زوائده(٢) - : (ويَنبغِي أَن يَتَحَرَّى) في تَصنيفِهِ
( العباراتِ الواضِحَة)، والموجزة ، ( والاصطلاحاتِ المستَعمَلةَ) ،
ولا يبالغ في الإيجازِ ، بحيثُ يفضي إلى الاستغلاقِ، ولا في الإيضاحِ
بحيثُ ينتهي إلى الرَّكاكةِ، وأن يكون اعتناؤه مِن التصنيف بما لم يسبقْ
إليه أكثر .
(١) في ((ص)): ((عمله)).
(٢) في ((ص)): ((زائدة)).

١٣٩
معرفة آداب طلب الحديث
قال في ((شرح المهذَّب)) (١): والمرادُ بذلك أنْ لا يكونَ هناك
تصنيفٌ يُغني عن مُصنَّفْهِ، في جميع أساليبهِ، فإِنْ أَغتَى عَن بعضِها
فليصنّف مِن جِنْسِهِ ما يزيدُ زياداتٍ، يُحتفل بها مع ضمِّ ما فاتَّهُ من
الأساليب .
قال: وليكُنْ تصنيفُه فيما يعم الانتفاع به ويَكثُرُ الاحتياجُ إليه .
وقد رُوْينا عن البخاريِّ - في آدابٍ طالبِ الحديثِ - أثرًا لطيفًا نختمُ
به هذا النوعَ :
أخبرني أبو الفضلِ الأزهريُّ وغيرُه سماعًا، أنا أبو العَّاس
المقدسي ، أخبرتنا عائشة بنتُ عليٍّ، أنا أبو عيسى بنُ علاقٍ، أخبرتنا
فاطمةُ بنتُ سعدِ الخيرِ، أنا أبو نَصر اليونارتي، سمعتُ أبا محمدٍ
الحسن بنَ أحمد السَّمرقندي يقول : سمعتُ أبا بكر محمدَ بنَ أحمدَ بن
محمدِ بن صالح بن خلفٍ، يقولُ : سمعتُ أبا ذرِّ عمارَ بنَ محمدٍ بن
مخلدٍ التميمي، يقول : سمعتُ أبا المظفر محمدَ بنَ أحمدَ بن حامدٍ
البخاريَّ، قال :
لما عُزل أبو العباس الوليدُ بنُ إبراهيمَ بن زيدِ الهمدانيُّ عن قضاءٍ
الرَّيِّ، ورَدَ بُخارىُ، فحَملني مُعلِّمي أبو إبراهيم الختليُّ إليه، وقال له :
أسألُكَ أن تحدِّث هذا الصبيَّ مما (٢) سَمعتَ من مشايخِنا، فقال: ما لي
سماعٌ، قال: فكيفَ وأنتَ فَقيهٌ؟
(١) ((المجموع)) (٥٧/١).
(٢) في ((ص)): ((بما)).

١٤٠
النوع الثامن والعشرون
قال : لأنّي لمَّا بلغتُ مَبْلَغَ الرجالِ تاقتْ نفسي إلى طلبِ الحديثِ ،
فقصدتُ محمدَ بنَ إسماعيلَ البُخاريَّ، وأَعلمتُهُ مُرادي، فقال لي : يا بُني
لا تَدخل في أمرٍ إلا بعدَ معرفةٍ حدودِهِ والوقوفِ على مقاديرِهِ ، واعلمْ أنَّ
الرجلَ لا يصيرُ مُحدِّثًا كاملًا في حديثِهِ إلا بعدَ أنْ يكتبَ أربعًا مع أربعٍ،
كأربع مثلَ أربع في أربع، عند أربعٍ بأربعٍ، على أربعٍ عَن أربعٍ لأربعٍ،
وكل هذه الرُّباعياتِ لا تَتمُّ إلا بأربعٍ مع أربعٍ، فإذا تمت له كلُّها هان عليه
أربعٌ واْتُلي بأربعٍ، فإذا صَبَر على ذلك أكْرَمه اللَّه في الدنيا بأربع ، وأثابه
في الآخرةِ بأربعٍ .
قلت له: فسِّزْ لي - رحمك اللَّه - ما ذكرت من أحوال هذه
الرُّباعيات، قال: نَعَم؛ أمَّا الأربعة التي يحتاجُ إلى كَتْيِها هي : أخبارُ
الرسولِ وَلّ، وشرائعِه، والصحابةِ ومَقَادِيرِهم، والتابعين وأحوالهم،
وسائر العلماءِ وتواريخِهم. مع أسماءِ رِجالِها وكُناهم وأَمكنتِهم،
وأزْمنتِهم. كالتحميدِ مع الخُطب والدُّعاء مع التَّوسُّلِ (١)، والبَسْملةِ مع
السورةِ، والتكبيرِ مع الصَّلواتِ . مثلُ المُسنَداتِ، والمرسلاتِ ،
والموقوفاتِ، والمقطوعاتِ. في صِغَره، وفي إدراكِهِ، وفي شَبابِهِ ،
وفي كُهولتِهِ. عِند شُغله، وعند فراغه، وعند فَقْرِهِ، وعندَ غِنَاهُ .
بالجبالِ، والبحارِ ، والبُلدانِ، والبَراري، على الأحجارِ ، والأصدافِ،
(١) في ((ص)) و((م)): ((الرسل))، والصواب المثبت من ((الإلماع)) (ص: ٣٢).

١٤١
معرفة آداب طلب الحديث
والجلودِ، والأكتافِ ، إلى الوقتِ الذي يمكنه نقلُها إلى الأوراقِ، عَمَّن
هُو فوقه، وعمَّن هو مِثْلُهُ، وعمَّن هو دُونه، وعن كتابٍ أبيهِ، يتيقَّنُ أنَّه
بخطّ أبيهِ دُونَ غَيرِهِ، لوجهِ اللَّهِ تعالى، طالبًا لِمرضاتِهِ، والعمل بما
وافَق(١) كتابَ اللَّهِ منها، ونشرها بين طالبيها، والتأليف في إحياءِ ذِكْرِهِ
بعده .
ثُمَّ لا تَتَمُّ له هذه الأشياءُ إلا بأربع، هي مِن كَسْبِ العبدِ : معرفة
الكتابةِ ، واللّغةِ ، والصرفِ ، والنحوِ . مع أربع هي من إعطاءِ اللَّهِ تعالى:
الصِّحة، والقدرة، والحرص، والحفظ .
فإذا صحَّت له هذه الأشياءُ هان عليه أربعٌ: الأهلُ، والولدُ،
والمالُ، والوطنُ ، وابتُلي بأربع : شماتة الأعداءِ، وملامة الأصدقاءِ،
وطعن الجهلاءِ، وحسد العلماءِ .
فإذا صبر على هذه المحنِ أكرمَهُ اللَّهُ في الدنيا بأربع: بعزِّ القناعةِ ،
وبِهَيبةِ اليقينِ (٢)، وبِلَذَّة العلم، وبحبرة (٣) الأبدِ. وأثابَهُ في الآخرَةِ بأربعٍ:
بالشفاعةِ لمن أراد من إخوانِهِ، وبظلٌ العرشِ حيثُ لا ظلَّ إلا ظله،
وبسَقْي مَن أراد من حوضٍ محمدٍ نََّ، وبِجِوارِ النَّبيين في أَعلىُ علِّيِين في
الجنةِ .
(١) في ((ص)): ((يوافق)).
(٢) في ((الإلماع)): ((النفس)).
(٣) ((الحبرة)): السرور.
..........

١٤٢
النوع الثامن والعشرون
فقد أعلمتُك يا بُنيَّ بمجملاتِ جميع (١) ما كنتُ سمعتُ مِن
مشايخي مُتَفرِّقًا في هذا البابِ، فأقْبل الآن على ما قَصدتَنِي له، أو
دَعْ(٢) .
(١) في ((ص)): ((بجميع مجملات)).
(٢) ((تهذيب الكمال)) (٢٤/ ٤٦١).
وذكر السيد أحمد صقر في تعليقه على («الإلماع)) (ص : ٣٤) أن السخاوي نقل عن
الحافظ ابن حجر قوله: («منذ قرأت هذه الحكاية إلى أن كتبت هذه الأسطر وقلبي نافر
من صحتها ، مستبعد لثبوتها، تلوح أمارة الوضع عليها، وتلمح إشارة التلفيق فيها ،
ولا يقع في قلبي أن محمد بن إسماعيل يقول هذا، ولا بعضه».
. .....

١٤٣
معرفة الإسناد العالي والنازل
• النوع التاسع والعشرون :
مَعرِفَةُ الإِسنَادِ العَالِي وَالنَّازِلِ
الإِسنَادُ خصِيصَةٌ لهذِهِ الأُمَّةِ، وَسُنَّةٌ بَالِغَةٌ مُؤْكَّدَةٌ، وَطَلَبُ
العُلُوِّ فِيهِ سُنَّةٌ، وَلِهَذَا اسْتُحِبَّتِ الرِّخْلَةُ.
(النوعُ التَّاسعُ والعشرون: معرفةُ الإسنادِ العالِي والنَّازِلِ:
الإسنادُ) في أصلهِ (خصيصَةٌ) فاضِلةٌ (لهذه الأمةِ) ليستْ لِغَيرِها مِن
الأمم .
قال ابنُ حزم : نقلُ الثقةِ عن الثقةِ يبلغ به النبيَّ نَّهَ مع الاتصالِ،
خصَّ اللَّه به المسلمين دُون سائرِ المللِ، وأمَّا مَعَ الإرسالِ والإعضالِ
فيُوجَد في كثيرٍ من اليهودِ، لكن لا يَقْربون فيه من موسى قُرْبَنَا من مُحمدٍ
وَهُ؛ بل يَقِفُونَ بحيثُ يكون بينهم وبين موسى أكثرُ من ثلاثين عَصْرًا،
وإنما يبلغون إلى شَمعونَ ونحوِه .
قال: وأمَّا النَّصارى فليسَ عندهم من صِفةِ هذا النَّقلِ إلا تحريم
الطلاقِ فقط، وأمَّا النَّقْلُ بالطريق المُشْتَمِلةِ على كذَّابٍ أو مجهولِ العينِ
فكثيرٌ في نَقْلِ اليهودِ والنَّصارىُ .
قال : وأمَّا أقوالُ الصحابة والتابعينَ ، فلا يُمكن اليهود أنْ يَبْلِغُوا إلى

١٤٤
النوع التاسع والعشرون
صاحبٍ نبيِّ أَصلًا، ولا إلى تابع له، ولا يمكن النَّصارى أنْ يصلوا إلى
أَعلى من شَمْعون وبُولص .
وقال أبو عليَّ الجيانيُّ : خصَّ اللَّه هذه الأُمةَ بثلاثة أشياءَ، لَم يُعْطها
مَنْ قَبْلَها: الإسنادُ، والأنسابُ، والإعرابُ.
ومن أدلةِ ذلك: ما رواهُ الحاكمُ وغيرُهُ (١) عن مطرِ الوراقِ في قولهِ
تعالى: ﴿أَوْ أَثَرَقِ مِّنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤] قال: إسنادُ الحديث.
(وسنّةٌ بالغةٌ مؤكّدةٌ)، قال ابنُ المباركِ : الإسنادُ من الدِّين، ولولا
الإسنادُ لقال مَن شاءَ ما شاء. أخرجه مسلمٌ(٢) .
وقال سفيانُ بنُ عُيينةَ(٣): حدَّث الزهريُّ يومًا بحديثٍ، فقلتُ : هاتِهِ
بلا إسنادٍ ، فقال الزهري : أَتَرقى السَّطْحَ بلا سُلَّم؟!
وقال الثوري (٤) : الإسناد سلاح المؤمن .
(وطلَبُ العلوِّ فيه سُنَّةٌ) قال أحمدُ بن حنبلِ (٥) : طلبُ الإسناد العالي
سُنةٌ عمَّن سَلَف؛ لأنَّ أصحاب عبد الله كانوا يَرْحَلون من الكُوفِةِ إلى
المدينةٍ فيتعلَّمون من عُمرَ ويَسْمَعونَ منهُ .
(١) كالخطيب في ((شرف أصحاب الحديث)) (ص: ٣٩).
(٢) ((مقدمة الصحيح)) (١٢/١).
(٣) ((جامع التحصيل)) للعلائي (ص : ٥٩).
(٤) ((آدب الإملاء والاستملاء)) للسمعاني (ص: ٨)، و((جامع التحصيل)) للعلائي
(ص : ٥٩) .
(٥) ((الجامع)) (١٢٣/١).

١٤٥
معرفة الإسناد العالي والنازل
وقال محمدُ بنُ أسلمَ الطُّوسيُّ : قُربُ الإسنادِ قربٌ - أو قُربةٌ -
إلى اللهِ .
(ولهذا استُحِبَّت (١) الرّحلةُ) كما تقدَّم، قال الحاكمُ (٢): ويُحتجُّ له
بحديثِ أنسٍ، في الرَّجلِ الذي أَتَّى النبيَّ وََّ، وقال: «أتانا رَسولُك
فَزَعمَ كذا)) الحديث، رواه مُسلمٌ(٣) .
قال: ولو كانَ طلبُ العُلوِّ في الإسنادِ غيرَ مُستحبٌّ لأنكرَ عليه سُؤالَهُ
لذلك، ولأمَرَه بالاقتصارِ على ما أخبرَهُ الرسولُ عنه .
قال: وقد رحَل في طلبِ الإسنادِ غيرُ واحدٍ من الصحابةِ . ثُم سَاق
بسندِهِ حديثَ خُروج أبي أيوبَ إلى عُقبةَ بنِ عَامٍ ، يسألُه عن حديثٍ
سمعه من رسولِ اللَّهِ وَّهِ، لم يبقَ أحدٌ ممن سَمِعه من رسولِ اللَّهِوَلِ غيرُ
عقبةَ، الحديثُ في ((سَتْرِ المؤمنِ))(٤) .
وقال العلائيُّ : في الاستدلالِ بما ذَكَروه نظرٌ لا يَخْفَى.
أما حديثُ ضمام ؛ فقد اختلف العلماءُ فيهِ، هل كانَ أسْلَمَ قَبل مجيئِهِ
أو لا؟
فإن قُلنا : إنَّه لم يكُنْ أسلَم كما اختاره أبوداود، فلا ريبَ في أنَّ هذا
ليسَ طلبًا لِلعُلوُّ، بل كان شاكًّا في قولِ الرسولِ الذي جاءه، فرحلَ إلى
(٢) ((معرفة علوم الحديث)) (ص: ٥).
(١) في ((ص): ((استحب).
(٣) (٣٢/١).
(٤) أخرجه: الإمام أحمد في ((مسنده)) (١٥٩/٤).

١٤٦
النوع التاسع والعشرون
النبيِّ بَّه، حتى استَثْبَتَّ الأمرَ وشاهدَ من أحوالِهِ ما حصَل له العلمُ
القطعيُّ بِصِدْقِهِ، ولهذا قال في كلامِهِ : ((فزعَم لنا أنَّك)) إلى آخره، فإنّ
الزَّعْمَ إنَّما يكونُ في مَظنةِ الكذبِ .
وإن قُلنا: كانَ أسلَمَ فلم يكُنْ مجيئُهُ أيضًا لطلبِ العُلوِّ في الإسناد ،
بل لِيرْتقي مِنَ الظنِّ إلى اليقينِ ؛ لأنَّ الرسولَ الذي أتاهم لم يفد خبرُهُ إلا
الظنَّ، ولقاء النبيِّ ◌َّ أفادَ اليقين .
قال : وكذلك ما يُحتجُّ به لهذا القولِ من رحلةٍ جماعةٍ من الصحابةِ
والتابعين في سماع أحاديثَ معينةٍ إلى البلاد لا دليل فيه أيضًا؛ لجوازِ أنْ
تكونَ تلكَ الأحاديثُ لم تتَّصلْ إلى من رحلَ بسببها مِن جهةٍ صحيحةٍ ،
فكانتِ الرحلةُ لِتَحصيلِها لا للعُلُوِّ فيها .
قال : نَعَم، لا ريبَ في اتّفاقِ أئمة الحديثِ قديمًا وحديثًا على الرِّحلةِ
إلى مَن عنده الإسنادُ العالي .
وَهُوَ أَقْسَامٌ :
أجلُّهَا: القُرْبُ مِنْ رَسُولِ اللَّه ◌َّهُ بِإِسنَادٍ صَحِيحِ نَظيفٍ.
(وهو) أي : العلوُ (أقسامٌ) خمسةٌ :
(أجلُها: القربُ من رسولِ اللَّه ◌َظله) من حیثُ العدد (بإسنادٍ صحيح
نظيفٍ)، بخلافِ ما إذا كانَ مع ضَعفٍ، فلا التفاتَ إلى هذا العُلوِّ،
لا سيَّما إنْ كان فيه بعضُ الكذابين المُتأخرين ممَّنِ ادَّعى سماعًا من

١٤٧
معرفة الإسناد العالي والنازل
الصَّحابةِ ، كأبي هُدبةَ، ودينارٍ ، وخِرَاشٍ، ونُعيم بن سالم، ويَعلى بن
الأشْدقِ، وأبي الدُّنيا الأشجِّ .
قال الذهبيُّ : متى رأيتَ المحدِّثَ يفرحُ بعوالي هؤلاءِ فاعلمْ أنَّه عامٌيٌّ
يَعُدُّ .
وأعلى ما يقعُ لنا ولأضْرابِنا في هذا الزمانِ من الأحاديثِ الصُّحاح
المُتَّصلةِ بالسَّماعِ: ما بيننا وبينَ النبيِّ ◌ََّ فيه اثْنا عشَرَ رجلاً، وبإجازة في
الطريقِ أحدَ عشَرَ، وذلك كثيرٌ، وبضعفٍ يسيرِ غيرِ واهٍ عشرة، ولم يقعْ
لنا بذلك إلا أحاديث قليلةٌ جدًّا في ((معجم الطبرانيِّ الصغيرِ)).
أخبرني مسنِدُ الدُّنيا أبو عبد اللَّهِ محمد بن مُقبلِ الحلبيُّ إجازةٌ مكاتبةً
مِنها، في رجب سنة تسع وسِتِين وثمانمائة(١)، عن محمدِ بن إبراهيمَ بنِ
أبي عُمر المقدسي، وهو آخرُ مَن حدَّث عنه بالإجازةِ، أنا أبو الحسَنِ
عليّ بنُ أحمدَ بن البخاريٍّ، وهو آخرُ من حدَّث عنهُ، عن أبي القاسم
عبد الواحدِ بن القاسِم الصيدلانيّ، وهو آخِرُ مَن حدَّث عنه: أتْنَا أُمُ
إبراهيمَ بنتُ عبدِ الله، وأبو الفَضل الثَّقفيُّ سماعًا عليهما، قالا: أنا
أبو بَكرٍ بن ريذة (٢)، أنا أبو القاسِم الطبرانيُّ(٣): ثنا عُبيد اللَّهِ بن رُماحِس
سنة أربع وسبعين ومائتين، حدثنا أبو عَمرو (٤) زيادُ بنُ طارقٍ، وكان قد
(١) في ((ص)): (٨٩١).
(٢) في ((ص)): ((زائدة))؛ تحريف .
(٣) أخرجه: الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٦٩/٥).
(٤) في ((ص)): ((معمر)).

١٤٨
النوع التاسع والعشرون
أتتْ عليه مائةٌ وعشرون سنة، قال : سمعتُ أبا جَرول زهيرَ بنَ صردٍ
الجشميَّ يقول: لمَّا أَسَرنَا رسولُ اللَّهِ وَّهَ يومَ حُنينٍ يومَ هوازِنَ، وذهبَ
يُفَرِّق السبيَ والنساءَ، فأتيتُهُ فأنشأتُ أقولُ هذا الشعرَ:
فإِنَّكَ المرءُ نَرَجُوهُ ونَنْتَظِرُ
امْتُنْ عَلَيْنَا رسولَ اللَّهِ مِنْ كَرَمِ
مُشَتِّتْ شَمْلَها فِي دَهرِها غِيَرُ
امْنن عَلى بَيضةٍ قَدْ عاقَها قدرٌ
عَلَى قُلُوبهمُ الغمَّاءُ والغمرُ
أبقتْ لنا الدهرَ هتّافًا على حَزٍ
إن لم تداركهم نعماءُ تَنْشُرُها
امْتُنْ على نِسوةٍ قَدْ كُنتَ تُرْضَعها
لا تَجَعَلَنَّا كَمَنْ شَالَتْ نَعَامته
إِنَّا لَنَشْكُرُ لِلنَّعْماءِ إِذْ كَفَرَتْ
فألبِسِ العَفْوَ مَنْ قد كُنت ترضعُه
يا خيرَ مَنْ مَرَحَتْ كُمْتُ الچِیادِ به
إِنَّا نؤمُلُ عَقْوًا مِنْكَ تُلْبِسُهُ
فاعْفُ عَفَا اللَّهُ عَمَّا أَنْتَ رَاهِبُهُ
يا أرجحَ الناسِ حِلْمًا حِين يُخْتَبَرُ
وإِذْ يَزِينُكَ ما تأتي وما تَذَرُ
واسْتَبْقِ مِنَّا فإِنَّا مَغْشَرْ زُهرُ
وعِندنا بعدَ هذا اليومِ مُذَّخَرُ
مِن أُمَّهاتِك إنَّ العَفوَ مُشْتَهَرُ
عِندَ الهِياجِ إذا ما اسْتَوقَدَ الشَّرَرُ
هَذِي البَرِيَّةَ إِذْ تَعْفُو وتَنْتَصِرُ
يَومَ القِيَامَةِ إِذْ يُهدَىُ لكَ الظَّفْرُ
قال: فلمَّا سَمِعَ النبيُّ نَِّ هذا الشِّعْرَ قال: ((ما كانَ لي ولِبَني
عبدِ المُطلبٍ فهو لَكُمْ)) وقالتْ قريشٌ : ما كان لنا فهو للَّهِ ولرسولهِ ، وقالتِ
الأنصار : ما كان لنا فهو للَّهِ ولرسولِهِ .
هذا حديثٌ حسنٌ غريبٌ من هذا الوجهِ (١)، عُشاريٍّ، أخرجه
(١) رواه الطبراني في ((المعجم الكبير)) (٢٦٩/٥).

١٤٩
معرفة الإسناد العالي والنازل
أبو سَعيدٍ ابن الأعرابيِّ في ((معجمِهِ)) عن ابن رماحس، وابنُ قانع، عن
عُبيدِ اللَّهِ بن عليٍّ الخوَّاص، عنِ ابنِ رماحس (١).
وله شاهدٌ من رواية ابن إسحاقَ في ((المغازي))، قال: حدَّثني عَمرو
ابنُ شُعيبٍ عَن أبيهِ عن جدِّه قال: لمَّا كان يوم حُنينٍ يوم هوازنَ، فذكّرٌ
القِصَّةَ .
وقد أخرجه الضياءُ في ((المختارةِ)) مِن حديثٍ زُهيرٍ، واسْتَشْهَدَ له
بحديثٍ عمرو بنِ شُعيبٍ ، فهو عِندَه على شَرطِ الحسنِ .
وأما الذّهبيُّ فقال في ((الميزان))(٢): عُبيد اللّه بنُ رماحس القيسي
الرَّمليُّ، كان مُعَمَّرًا، ما رأيتُ للمتقدِّمین فیه جرحًا .
قال : ثُم رأيتُ لحديثِهِ هذا عِلَّةٌ قادِحةٌ، قال ابنُ عبد البرِّ فيه: رواه
عُبيدُ اللَّهِ، عن زيادِ بن طارقٍ، عن زيادٍ بن صردَ بنِ زهيرٍ ، عن أبيه، عن
جدِّه زهيرٍ، فعمد عبيدُ اللَّهِ إلى الإسنادِ فأسْقَطَ منهُ رجُلين .
وبهِ إلى الطبرانيّ (٣): ثنا جعفرُ بنُ حُميدِ بنِ عبدِ الكريمِ بن فروخٍ
الأنصاريُّ الدِّمشقيُّ، حدَّثني جدِّي لأُمي عُمر بنُ أبانِ بنِ مفضلٍ المدنيُّ ،
قال: أَراني أنسُ بن مالكِ الوُضوءَ: أخذَ رَكْوةً فوضَعَها على يسارِهِ،
وصبَّ على يدِهِ اليمنى فغسلها ثلاثًا، ثُم أدارَ الركوةَ على يدِهِ اليمنى،
(١) وهو في ((المعجم الصغير)) للطبراني (٢٣٦/١ - ٢٣٧).
(٢) (٦/٣) .
(٣) ((المعجم الأوسط)) (٣٤٧/٣).

١٥٠
النوع التاسع والعشرون
فتوضَّأ ثلاثًا ثلاثًا ومسح برأسِهِ ثلاثًا، وأخذ ماءً جديدًا لِصِماخِهِ، فقلتُ
له : قد مسحتَ أُذْنِيكَ. فقال: يا غُلامُ، إِنَّهُما من الرأسِ، ليسَ هُما من
الوَجْه، ثُم قال : يا غلامُ، هل رأيتَ أو فهمتَ؟ أو أُعيدُ عليكَ؟ فقلت :
قد كَفاني، قال: هكذا رأيتُ رسولَ اللَّهِ بَّه يتوضأُ.
هذا حديثٌ غريبٌ من هذا الوجه
قال الذهبيُّ في ((الميزانِ)) (١): انْفَردَ به الطبرانيُّ عن جعفرٍ، وعمر بن
أبانٍ : لا يُدرَی من هو .
قال : والحديثُ ثمانيٍّ لنا على ضَعْفه .
الثاني : القُربُ من إِمام مِن أئمّة الحدِيثِ، وَإِن كَثُرَ العَدَدُ إِلَى
رَسُولِ اللَّهِ وَهُ .
(الثاني : القربُ من إمام من أئمةِ الحديثِ) كالأَعمشِ، وهُشيم،
وابنِ جُريجٍ، والأوزاعيِّ، ومالكِ، وشُعبة، وغيرِهم مع الصِّحَّةِ أيضًا،
(وإن كَثُرَ العددُ إلى رسول اللّهِ وَلِ) .
الثالث: العُلُوُّ بِالنِّسبَةِ إِلَى رِوَايَةٍ أَحَدِ الكُتُبِ الَخَمسَةِ أَو غَيرِهَا
مِنَ المُعتَمدَة .
(١) (١ / ٤٠٥) .
.-....
.....
......-

١٥١
معرفة الإسناد العالي والنازل
وهُوَ مَا كَثُرَ اعتنَاءُ المُتَأْخِّرِينَ بِهِ مِنَ («المُؤَافَقَةِ))، و((الإِبدَالِ))،
و((الْمُسَاوَاةِ))، و((الْمُصَافَحةِ)).
فَ ((الُوافَقَةُ)): أَن يقَعَ لَكَ حَدِيثٌ عَن شَيخِ مُسلمٍ مِن غَيِرِ جِهَتِهِ
بِعِدَدٍ أَقَلَّ مِن عَدَدِكَ إِذَا رَويتَهُ عَن مُسلِم ◌َنْهُ.
و((البَدَلُ)): أَن يَقَعَ هَذا العُلُوُّ عَن مِثْلِ شَيخ مُسلِمٍ، وَقَد
يُسَمَّى هَذَا مُوَافَقَةً بِالنِّسَبَةِ إِلَى شَيخِ شَيخٍ مُسلمٍ.
و((المُسَاوَاةُ)) - فِي أَعصَارِنَا -: قِلَّةُ عَدَدِ إِسِنَادِكَ إِلَى الصَّحَابِيِّ
أَو مَن قَارِبَهُ، بِحَيثُ يَقَعُ بَيْنَكُ وبَينَ صَحَابِيٌّ - مَثَلًا - مِنَ
العَددِ مِثلُ مَا وَقَعَ بَينَ مُسلِمٍ وَبَينَهُ.
و ((المُصَافَحَةُ)): أَن تَقَعَ هَذِهِ الْمُسَاوَاةُ لِشَيخِكَ، فَيَكُونُ لَكَ
مُصَافَحَةً كَأنَّكَ صَافَحتَ مُسلِمًا، فَأَخَذْتَهُ عَنْهُ. فَإِن كَانَتِ
الْمُسَاوَاةُ لِشَيخِ شَيخِكَ، كَانَتِ الْمُصَافَحَةُ لِشَيخِكَ، وَإِن كَانَتِ
المُسَاوَاةُ لِشيخٍ شَيخِ شَيخِكَ، فالمصافَحَةُ لِشَيخِ شَيخِكَ.
وَهذَا الْعُلُؤُّ تَابِعِ لِنُزُولٍ، فَلَوْلَا نُزُولُ مُسلِمٍ وَشِيهِهِ، لَمْ تَعلُ أَنْتَ.
(الثالثُ: العُلوُ) المُقيّدُ (بالنسبةِ إلى رِوايةِ أحدِ الكُتُبِ الخمسةِ، أو
غيرها مِن) الكتبِ (المعتمدَةِ) وسمَّاهُ ابنُ دقيقِ العيدِ ((عُلُوَّ التنزيل)) (١).
(١) ((الاقتراح)) (ص: ٣٠٦).

١٥٢
النوع التاسع والعشرون
وليس بعلوِّ مُطلقٍ ؛ إذ الرَّاوي لو روَى الحديثَ من طريقِ كتابٍ مِنها
وقَع أَنْزِلَ ممَّا لو رواهُ مِن غيرِ طريقِها، وقد يكون عاليًا مُطلقًا أيضًا .
( وهو ما كَثُر اعتناءُ المتأخرِينَ به من (( الموافقةِ)) و ((الإبدالِ))
و((المساواةِ)) و((المصَافحةِ)).
فـ ((الموافَقَةُ)): أن يقعَ لك حديثٌ عن شيخ مسلم) مثلًا (من غير
جِهَتِهِ، بعددٍ أقلّ من عددك إذا رويتَه) بإسنادِك (عن مسلم عنه .
و ((البدلُ)): أن يقعَ هذا العلوُ عن) شيخٍ غير شيخٍ مُسلمٍ، وهُو (مثلُ
شيخٍ مسلم) في ذلك الحديثِ .
(وقد يُسمَّى هذا ((موافقةً)) بالنسبةِ إلى شيخ شيخِ مسلم) فهو موافقةٌ
مقيدةٌ .
وقد تُطلَقُ ((الموافقةُ)) و((البدلُ)) مع عدمِ العُلوِّ، بَلْ ومَع النُّزولِ
أيضًا، كما وقع في كلام الذهبيِّ وغيرِهِ .
وقال ابنُ الصلاح (١): هو موافقةٌ وبدلٌ، ولكنْ لا يُطلَقُ عليه ذلك
لعدم الالتفاتِ إليهِ .
● تنبيه :
لم أقفْ على تصريح بأنَّه: هل يُشترطُ استواءُ الإسنادِ بَعْدَ الشيخ
المُجْتمَعِ فيهِ أو لا؟
وقد وقَعَ لي في الإملاءِ حديثٌ أمليتُهُ من طريقِ الترمذيّ (٢)، عن
(١) ((علوم الحديث)) (ص: ٢٥٩).
(٢) ((الجامع)) (٢٨٧٧).

١٥٣
معرفة الإسناد العالي والنازل
قُتيبةَ ، عَن عبد العزيز الدراورديٍّ، عن سُهيلٍ بنِ أبي صالح، عَن أبيه ،
عَن أَبي هريرة مَرفُوعًا - : ((لا تَجعلوا بُيوتَكُمْ مَقَابِرٍ)) - الحديث .
وقد أخرجه مسلمٌ (١) عَن قُتيبةَ، عَن يعقوبَ القاريُ، عن سهيلٍ .
فَقُتِيبةُ له فيه شَيخان عن سُهِيلٍ، فوقَع في ((صحيح مسلمٍ)) عن
أحدِهما، وفي ((التّرمذيِّ)) عن الآخَرِ .
فهل يُسمَّى هذا موافقة لاجتماعِنا معه في قتيبةَ، أو بدلًا لِلتَّخالف في
شيخِهِ والاجتماع في سهيلٍ، أَوْ لَا وَلَا ، ويكونُ واسطةٌ بين الموافقةِ
والبدلِ؟ احتمالات ؛ أَقْرَبُها عندي : الثالثُ .
(و((المساواةُ)) - في أعصارِنا - : قلَّةُ عددِ إسنادِكَ إلى الصحابيّ أو من
قَارَبَهُ، بحيثُ يقعُ بينَكَ وبينَ صحابيٍّ - مثلاً - من العددِ مثل ما وقعَ بين
مسلم وبينه) .
وهذا كان يُوجد قديمًا، وأمَّا الآن فلا يُوجدُ في حديثٍ بعينِهِ، بل
يوجَدُ مُطْلَقُ العددِ ؛ كما قال العراقيُّ.
فإِنَّه تقدَّم أنَّ بيني وبين النبيِّ وََّ عشرةَ أَنفُسٍ في ثلاثةِ أحاديثَ، وقد وقَع
للنسائيِّ حديثٌ بينه وبينَ النبيِّ وَّةٍ فِيه عَشرَةُ أَنْفُس، وذلك مساواةٌ لنا .
وهو ما رواه في كتاب ((الصلاة))(٢)، قال: أنا محمدُ بنُ بشارٍ ، أنا
عبدُ الرحمن، أنا زائدةُ، عَن منصورٍ، عَن هِلالٍ ، عن الرَّبيعِ بنِ خُثيم ،
(١) ((الصحيح)) (١٨٨/٢).
(٢) ((السنن)) (١٧١/٢).