Indexed OCR Text

Pages 681-700

٦١٠
النوع الرابع والعشرون
الثَّالثُ: قَالَ الحَاكِمُ: الَّذِي أَخْتَارُهُ، وَعَهِدتُ عَلَيهِ أَكْثَرَ
مَشَائِخِي وَأَئِمَّةِ عَصِرِي: أَنْ يَقُولَ فِيمَا سَمِعَهُ وَحدَهُ مِن لَفِظِ
الشَّيخ: ((حَدَّثَنِي)، وَمَعَ غَيرِهِ: ((حَدَّثَنَا))، وَمَا قَرَأَ عَلَيهِ:
((أَخْبَرَنٍِ))، وَمَا قُرئَ بِحَضَرَتِهِ: ((أَخبَرَنَا)) .
وَرُوِيَ نَحُهُ عَنِ ابْنٍ وَهِبٍ. وَهُوَ حَسَنٌ .
فَإِن شَكَّ فَالَظهَرُ أَن يَقُولَ: ((حدَّثَنِي)) أَو يَقُولَ: ((أَخَرَنٍ)»،
لا ((حَدَّثَنَا)) و(«أَخْبَرَنَا)». وَكُلُّ هَذَا مُستَحَبٌّ بِاتَّفَاق العُلَمَاءِ.
(الثالثُ: قال الحاكم (١): الذي أَختاره) أَنَا في الروايةِ (وعهدتُ عليه
أكثرَ مشايخي وأئمة عصري أن يقولَ) الراوي (فيما سَمِعه وحدَه مِن لفظٍ
الشيخ: ((حَدَّثني))) بِالإفرادِ (و) فيما سَمعه منه (مع غيره ((حَدَّثنا)))
بالجَمع (وما قَرَأْ (٢) عليه) بنفسهِ : ((أَخبرَني))، وما قُرِئ) على المُحدِّث
(بحضرتِه: ((أَخبرَنا)) .
ورُوِي نحُه عن) عبدِ الله (بن وهبٍ) صاحبٍ مالكٍ . رَوَى الترمذيُّ
عنه في ((العلل)) (٣) قال: ما قلتُ: ((حدثنا)) فهو ما سمعتُ مع الناس ،
وما قلتُ: ((حدَّثني)) فهو ما سمعتُ وحدي، وما قلتُ: ((أخبرَنا))
فهو ما قُرئ على العالم وأنا شاهدٌ، وما قلتُ: ((أخبرَني)) فهو ما قرأتُ
على العالِمِ(٤).
(١) ((معرفة علوم الحديث)) (ص: ٢٦٠، ٢٦١).
(٢) في ((ص)): ((قرأْه)).
(٣) ((جامع الترمذي)) (٧٥٢/٥) .
(٤) بعده في (ص)): ((وأنا شاهد))، وهو إقحام .

٦١١
كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه
ورواه البيهقيُّ في ((المدخل)) عن سعيدِ بنِ أبي مَريم، وقال : عليه
أدركتُ مَشایخنا .
وهو معنى قولِ الشافعيِّ وأحمدَ .
قال ابنُ الصلاحِ(١) (وهو حَسَنٌ) رائقٌ .
قال العراقيُّ (٢): وفي كلامِهما أنَّ القارئ يقولُ: ((أخبرني)) سواءٌ
سَمِعه معه غیرُه أم لا .
وقال ابنُ دقيقِ العِيدِ في ((الاقتراح)): إن كان معه غيرُه قال :
((أخبرنا)). فسؤى بين مسألتَي التحديثِ والإخبارِ .
قلتُ : الأَوَّل الأَولى، ليتميَّز ما قَرأه بنفسه ومَا سَمعه بقراءةٍ غيرِه .
(فإن شَكَّ) الراوي: هَل كان وحده حالةَ التَّحَمِّل (فالأظهرُ أن يقولَ :
((حَدَّثني)) أو يقولَ: ((أَخَبَرني))، لا ((حَدَّثنا)) و((أَخبرَنا)))؛ لأنَّ الأصلَ
عدمُ غيرِه .
وأمَّا إذا شكَّ: هل قرأ بنفسِهِ أو سمع بقراءةٍ غيرِهِ، قال العراقيُّ(٣):
قد جمعهما ابنُ الصلاح مع المسألةِ الأُولى وأنه يقول: ((أَخْبَرني))؛ لأنَّ
عدمَ غيرِه هو الأصلُ. وفيه نظرٌ؛ لأنَّه تحقق سماع نفسِه ويشكُّ هل قرأ
بنفسه، والأصلُ أنه لم يقرأ .
وقد حكَى الخطيبُ في ((الكفايةِ)) (٤) عن البرقاني: أنَّه كان يشكُّ في
ذلك، فيقول : قَرأنا على فلانٍ .
(١) ((علوم الحديث)) (ص: ١٧٢).
(٣) ((التبصرة)) (٤١/٢).
(٢) ((التبصرة والتذكرة)) (٤٠/٢).
(٤) ((الكفاية)) (ص : ٤٣١).
٠٠٠ ...
:
:

٦١٢
النوع الرابع والعشرون
قال: وهذا حَسَنٌ ؛ لأن ذلك يُستعملُ فيما قرأه غيرُه أيضًا، كما قالَه
أحمدُ بنُ صالحِ والتّغيليُّ .
وقد اختار يحيى بنُ سعيدِ القطّانُ في شِبه المسألة الأُولى الإتيانَ
بـ((حدثنا))، وذلك إذا شكَّ في لفظِ شيخه هل قال: ((حدَّثَني)) أو
((حدَّثَنا)) .
ووَجهُه : أن ((حدَّثني)) أكملُ مرتبةً، فيقتصرُ في حالةِ الشكُّ على
الناقصِ، ومُقتضاه قولُ ذلك أيضًا في المسألة الأولى، إلّا أنَّ البيهقيَّ
اختارَ في مسألةِ القطانِ أن يُوحِّد .
(وكُلُّ هذا مستحبٌّ باتفاقِ العلماءِ) لا واجبٌ .
وَلاَ يَجُوزُ إِبِدَالُ ((حَدَّثَنَا)) بـ «أَخْبَرَنَا)) أَوْ عَكسُه فِي الكُتُبِ المؤلّفَةِ .
وَمَا سَمِعتَهُ مِن لَفِظِ المُحَدِّثِ فَهُوَ عَلَى الْخِلاَفِ في الرُّوَايَةِ بِالَعنَى
إِن كَانَ قَائِلُهُ يُجَوِّزُ إِطلاقَ كِلَيهِمَا، وَإِلاَّ فَلاَ يَجُوزُ.
(ولا يجوزُ إبدالُ ((حَدَّثنا)) بـ «أَخَبَرِنا)) أو عكسُه في الكتبِ المؤلفةِ)
وإن كان في إقامةِ أحدِهما مقامَ الآخرِ خلافٌ ، لا في نَفسِ ذلك التصنيفِ
بأن يغيرَ ، ولا فيما يُنقل مِنه إلى الأجزاءِ والتخاريجِ .
٠٠٫٠٠
(وما سمعته (١) مِن لفظ المحدثِ فهو) أي إبداله (على الخلافِ في
(١) في ((ص)): ((سمعه)) .
:
٠٠٠ . . .....
:
.

٦١٣
كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه
الروايةِ بالمعنى) فإن جوَّزنَاها جازَ الإبدالُ (إن كان قائلُه) يرى التسويةَ
بينهما، و(يُجوِّزُ إطلاقَ كليهما(١)) بمعنَى (وإلا فلا يجوزُ) إبدالُ ما وقَع
منه .
ومنَع ابنُ حنبلِ الإبدالَ جَزمًا .
فائدةٌ :
•
عقد الرَّامهرمزي أبوابًا في تنوعِ الألفاظِ السابقةِ .
منها : الإتيانُ بلفظِ الشهادةِ ، كقول أبي سَعيدٍ : أَشهدُ عَلى رسول الله
وَّ أنَّه نهى عن الجَرِّ أن يُنْتَبّذَ فِيهِ .
وقول عبدِ الله بنِ طاوسٍ: أَشهدُ على والدِي أَنَّه قال: أَشهدُ على
جابرِ بنِ عبدِ الله أنَّه قال: أَشهدُ على رسولِ اللَّهِ نَّ أَنَّه قال: ((أُمِرتُ أَن
أُقَاتِلَ النَّاسَ)) . الحديث .
وقول ابن عباس : شَهد عندي رِجالْ مَرضِيُّون وأَرضَاهُم عندي عُمَرُ -
الحديث في الصلاةِ بعدَ العصرِ وبعدَ الصُّبحِ .
ومنها : تقدُّم الاسم، فيقولُ: فلانٌ حدَّثنا أو أخبرنا .
ومنها : سمعتُ فلانًا يأثرُ عن فلانٍ .
ومنها: قلتُ لفلانٍ : أحدَّثك فلانٌ أو أكتبتَ(٢) عن فلانٍ؟
ومنها : زعَم لنا فلانٌ عن فلانٍ .
(١) في ((ص))، و((م): ((كلاهما)).
(٢) في ((ص)): ((كتب)).
٠٫٫٫٠٠

٦١٤
النوع الرابع والعشرون
ومنها: حدَّثني فلانٌ وردّ ذلك إليَّ فلانٌ .
ومنها : دلَّني فلانٌ على ما دل عليه فلانٌ .
ومنها : سألتُ فلانًا فَأَلجأ الحديثَ إلى فلانٍ .
ومنها: خُذ عني كما أخذتُه عَن فُلانٍ .
وساقَ لكل لفظةٍ مِن هذهِ أمثلةٌ(١) (٢).
الرَّابعُ: إِذَا نَسَخَ السَّامِعُ أَوِ الْمُسمِعُ حَالَ القِرَاءَةِ، فَقَالَ إِبراهِيمُ
الحَرِبُّ الشَّافِعِيُّ وَابنُ عَدِيٍّ وَالْأَستَاذُ أَبُو إِسِحَاقَ الإِسفَرابينيُّ
الشّافِعِيُّ: لاَ يَصِحُ السَّمَاعُ. وَصَحَّحَهُ الْحَافِظُ مُوسَى بِنُ
هَارُونَ الَحَمَّالُ وَآخرُونَ. وَقَالَ أَبُو بَكرِ الصِّبغِيُّ الشَّافِعِيُّ:
يَقُولُ ((حَضَرتُ)) وَلا يَقُولَ: ((أَخْبَرَنَا))، وَالصَّحِيحُ التَّفصِيلُ،
فَإِنِ فَهِمَ الْمَقْرُوءَ صَحَّ، وَإِلاَّ لَمْ يَصِحّ.
(الرابعُ : إذا نَسَخ السامعُ أو المسمعُ حالَ القراءةِ، فقال إبراهيمُ) بن
إسحاقَ بن بَشيرِ (الحربيُّ الشافعيُّ، و) الحافظ أبو أحمدَ (٣) (ابنُ عديٍّ،
والأستاذُ أبو إسحاقَ الإِسفرايينيُّ الشافعيُّ) وغيرُ واحدٍ من
الأئمة : (لا يَصِحُ السماعُ) مُطلقًا .
(١) ((المحدث الفاصل)) (ص: ٤٦١ - ٥١١).
(٢) في ((ص)): ((هذا مثله)).
(٣) في ((ص)): ((محمد)). وهو خطأ .
٠
:
:

٦١٥
كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه
نقَله الخطيبُ في ((الكفايةِ))(١) عنه، وزاد عن أبي الحُسين (٢) ابن
سمعون .
(وصَخَّحه) أي السماع (الحافظُ موسى بنُ هارونَ الحمال، وآخرونَ)
مطلقًا، وقد كتب أبو حاتم حالةَ السماع عِندَ عارم، وكتب عبدُ الله بنُ
المباركِ وهو يقرأ عليه .
(وقال أبو بكرٍ) أحمدُ بنُ إسحاق (الصِّبغيُّ (٣) الشافعيُّ: يقولُ) في
الأداء: (((حضرتُ))، ولا يقولُ) ((حدثنا))، ولا (((أَخبرَنا)))(٤).
(والصحيحُ : التفصيلُ، فإن فَهِم) الناسخُ (المقروءَ صَحَّ) السماعُ
(وإلا) أي وإن لم يفهمه (لم يَصِحّ) .
وقد حضَر الدارقطنيُّ مجلسَ إسماعيلَ الصفَّار، فجلسَ ينسخُ جُزءًا
كانَ معه وإسماعيلُ يُملي، فقال له بعضُ الحاضرين: لا يصحُّ سماعُك
وأنتَ تنسَخُ . فقال: فَهْمي للإملاءِ خلافُ فَهمكَ. ثم قال: تَحفظُ كَم
أَملى الشيخُ مِن حديثٍ إلى الآن؟ فقال: لا . فقالَ الدار قطنيُّ: أَملى
ثمانيةَ عشرَ حَديثًا، فعُدَّتِ الأحاديثُ فوجِدَتْ كما قال. ثم قال :
الحديثُ الأولُ عن فلانٍ عن فلانٍ ومَتُه كَذا، والحديثُ الثاني عن فلانٍ
عن فلانٍ ومَتنُه كَذا، ولم يزل يذكرُ أسانيدَ الأحاديثِ ومُتونَها على
(١) ((الكفاية)) (ص: ١٢٠) بدون ذكر الإسفراييني.
(٢) في ((ص)): ((إسحاق))، خطأ .
(٣) في ((ص))، ((م)): ((الضبعي))، خطأ .
(٤) انظر ((الكفاية)) (ص: ١٢٠ - ١٢٢) .

٦١٦
النوع الرابع والعشرون
تَرتييِها في الإملاءِ، حتَّى أتى على آخِرِها، فتعجَّب (١) الناسُ منه(٢).
قلتُ : وُيشبه هذا ما رُوِيَ عنه أيضًا، أنه كان يُصلِّي والقارئ يقرأ
عليه، فمرَّ حديثٌ فيه ((نُسير بنُ ذُعلوق))، فقال القارئ: ((بُشير)). فَسَبَّحَ
الدار قطني، فقال: ((بَشِير)) فَتَلا الدار قطنيُّ: ﴿نَّ وَالْقَلَمِ﴾(٣).
وقال حمزةُ بنُ محمدِ بنِ طاهرٍ : كنتُ عند الدار قطنيِّ، وهو قائمٌ
يَتنفِّل، فقرأ عليه القارئ ((عمرو بن شعيبٍ)) فقال: ((عمرو بن سعيد))
فسبَّح الدار قطنيُّ، فأعادَه ووقَّف، فتلا الدارقطني: ﴿يَشُعَيْبُ أَصَلَوْتُكَ
تَأْمُلَ﴾ [هود: ٨٧] (٤) .
وَيَجْرِي هَذَا الْخِلاَفُ فِيمَا إِذَا تَحَدَّثَ الشَّيخُ أَوِ السَّامِعُ، أَو أَفرَطَ
القَارِئُ فِي الإِسرَاعِ، أَوْ هَينَمَ القَارِئُّ أَو بَعُدَ بِحَيثُ لا يَفْهَمُ،
وَالظَّاهِرُ: أَنَّهُ يعفَى عَن نَحوِ الكَلِمَتَينِ، وَيُستَحَبُّ لِلشَّيخِ أَن
يُجِيزَ السَّامِعِينَ رِوَايَةَ ذَلِكَ الكِتَابِ، وَإِن كَتَبَ لْأَحَدِهِم كَتَبَ :
((سَمِعَهُ مِنِّي وَأَجَزْتُ لَهُ رِوَايَتَهُ))؛ كَذَا فَعَلَ بَعضُهُم .
(ويجري هذا الخلافُ) والتفصيلُ (فيما إذا تحدَّث الشيخُ أو السامِعُ،
أو أَفرَط القارئ في الإِسراع) بحيثُ يَخفى بعضُ الكلام (أو هينم القارئُ)
أي أَخفى صوتَه (أو بَعُدَ) السامعُ (بحيثُ لا يَفْهَمُ) المقروءَ (والظاهرُ أنه
(١) في ((ص)): ((فعجب).
(٢) أخرجه: الخطيب في ((التاريخ)) (٣٦/١٢).
(٣) ((تاريخ بغداد)) (٣٩/١٢).
(٤) المصدر السابق .

٦١٧
كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه
يُعفَى) في ذلك (عن) القَدرِ اليسيرِ الذي لا يُخِلُّ عدمُ سماعِه بِفَهم الباقي
(نحو) الكلمةِ، و(الكلمتينِ) .
(ويستحبُّ للشيخ أن يُجيزَ السامعينَ روايةَ ذلك الكتابِ) أو الجزءِ
الذي سَمعوه وإن شمله السماعُ، لاحتمالِ وقوع شيءٍ مما تقدَّم مِنَ
الحديثِ والعجلةِ والهَينمةِ ، فَيَنجَبِرُ بذلك .
(وإن كَتَب) الشيخُ (لأحدِهم كَتَبَ: ((سَمِعهُ مِنِّي، وأَجَزتُ له روايته)»
كذا فَعَل بعضُهم) .
قال ابنُ عتابِ الأندلسيُّ (١): لا غِنى في السماع عنِ الإجازةِ؛ لأنَّه قد
يغلطُ القارئُ ويَغْفلُ الشيخُ أو السَّامعون، فينجبرُ ذلك بالإجازة ، وينبغي
لكاتبِ الطباقِ أن يكتبَ إِجازةَ الشيخِ عَقِبَ كتابةِ السماعِ .
قال العراقي (٢): ويُقال: إنَّ أَوَّل مَن فعلَ ذلك أبو الطَّاهر(٣) إسماعيلُ
ابنُ عبد المحسن الأنماطي، فجَزَاه اللَّه خيرًا في سَنَّه ذلك لأهلِ
الحديثِ، فَلَقد حصَل به نفعٌ كبيرٌ(٤)، ولقد انقطعَ بسببٍ تركِ ذلك
وإهمالهِ اتصالُ بعضِ الكتبِ في بعضِ البلادِ ، بسببٍ کُون بعضِھم کان له
فَوتٌ، ولم يذكر في طبقةِ السماع إجازة الشيخ لهم ، فاتفق أن كان بعض
المفوتين آخر مَن بقي ممَّن سمع بعض ذلك الكتابِ، فتعذّر قراءةُ جميع
(١) ((الإلماع)) للقاضي عياض (ص : ٩٢).
(٢) ((التبصرة)) (٥٠/٢، ٥١).
(٤) في ((ص)): ((كثير)).
(٣) في ((م)): ((طاهر)) .

٦١٨
النوع الرابع والعشرون
الكتاب عليه، كأبي الحسن ابن الصَّوَّاف الشاطبيِّ راوي غالب ((النسائي))
عن ابنِ باقا .
وَلَوْ عَظُمَّ ◌َجلِسُ المُملِي، فَبَلَّغَ عَنْهُ الْمُستَمِي، فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ
المُتَقَدِّمِينَ وَغِهِمْ إِلى أَنَّهُ يَجُوزُ لِن سَمِعَ المُستَمِلِيَ أَن يَروِيَ ذَلِكَ
عَنِ الْمُملِي، والصَّوابُ الَّذِي قَالَهُ المُحَقِّقُونَ أَنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ.
(ولو عَظُم مجلسُ المُملِي فَبَلَّغ عنه المُستَملي، فَذَهَب جماعةٌ مِن
المتقدمينَ وغيرِهم إلى أنه يجوزُ لمن سَمِع المُستَملِي أن يرويَ ذلك عن
المُملِي) .
فَعن ابنِ عُيينةَ أنه قال له أبو مسلم المستملي : إنَّ الناسَ كثيرٌ
لا يَسمعون، قال: أَسمعهم أنتَ .
وقال الأعمشُ : كُنا نجلسُ إلى إبراهيمَ النخعيِّ مع الحلقة، فَرُبما
يُحدِّث بالحديثِ فلا يَسمعه مَن تنخَّى عنه، فيسألُ بعضُهم بعضًا عمَّا
قالَ ، ثُم يَروونه وما سَمِعوه مِنه .
وعَن حمادٍ بنِ زيدٍ أنه قالَ لمنِ استفهَمَه : كيفَ قلتَ؟ قال : استَفهِم
مَن يَلِيكَ .
وقال ابنُ الصلاح (١): وهذا تساهلٌ ممَّن فَعله (والصوابُ الذي قاله
المحققون أنه لا يجوزُ ذلك) .
(١) ((علوم الحديث)) (ص: ١٧٩).

٦١٩
كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه
وقال العراقيُّ(١) في الأَوَّل: هُو الذي عليه العملُ؛ لأنَّ المُستملي في
حُكم مَن يقرأ على الشيخ، ويَعرضُ حديثَه(٢) عليه، ولكن يُشترط أن
يسمعَ الشيخُ المُملي لفظَ المُستملي، كالقارئ عليهِ، والأَحوط أن يُبِّين
حالةَ الأداءِ أنَّ سماعه لذلك أو لبعضٍ الألفاظِ من المُستملي، كما فَعَله
ابنُ خُزيمةً وغيرُه، بأن(٣) يقولَ: ((أنا بتبليغ فلان)).
وقد ثبتّ في ((الصحيحين)) (٤) عن جابرٍ بن سَمُرةَ، سمعتُ النبيَّ وَّل
يقولُ : ((يَكُونُ اثنا عَشَرَ أَمِيرًا)) فقال كلمةً لم أَسمَعها، فسألتُ أَبي فقَالَ :
(كُلَّهُم مِن قُرَیشٍ)) .
وقد أَخرجه مسلمٌ(٥) عنه كاملاً مِن غيرِ أن يَفصلَ جابرٌ الكلمةَ التي
استفهمها مِن أبيه .
وَقَالَ أحمدُ - فِي الحَرفِ يُدْغِمُهُ الشَّيخُ فَلاَ يُفهَمُ، وَهُوَ
مَعْرُوفٌ -: أَرْجُو أَلاَّ تَضِيقَ رِوَايَتُهُ عَنْهُ. وَقَالَ: فِيِ الكَلِمَةِ
تُستَفهَمُ مِنَ المُستَملِي -: إِن كَانَت مُجتمَعًا عَليهَا فلا بأسَ .
وَعَنْ خَلَفِ بنِ سالِمٍ مَنعُ ذَلِكَ .
(وقال أحمدُ) بنُ حَنبل (في الحرفِ يُدغِمُه الشيخُ فلا يُفهَمُ) عَنه
(١) ((التبصرة)) (٥٥/٢).
(٢) في ((ص): ((من حديثه)) .
(٣) في ((ص): ((أن)) .
(٤) أخرجه: البخاري (١٠١/٩)، ومسلم (٣/٦).
(٥) ((الصحيح)) (٤/٦).

٦٢٠
النوع الرابع والعشرون
(وهو معروفٌ: أرجو أن لا تَضيقَ روايتُهُ(١) عنه. وقالَ في الكلمةِ تُستفهم
مِن المُستَملي: إن كانت مجتَمَعًا عليها فلا بأسَ) بِروايتها عنه .
(وعن خلفِ بنِ سالم) المخرميِّ (مَنعُ ذلك) فإنه قال : سمعتُ ابنَ
عُيينةَ يقول: ((نا عَمرُو بنُّ دينارٍ)) - يريدُ: ((حدثنا)) -، فإذا قِيل له : قُل
((حدثنا)). قال: لا أقول؛ لأنّ لم أسمع مِن قوله: ((حدَّثنا)) ثلاثةَ أَحرفٍ
لكثرةِ الزُّحامِ، وهي (ح د ث))(٢) .
وقال خلفُ بنُ تميم : سمعتُ مِن الثوري عشرة آلافٍ حديثٍ أو نحوها ،
فكنتُ أستفهم جليسي، فقلتُ لزائدةً ، فقال: لا تُحدِّث منها إلّا بما حفظ
قلبك وسمع أُذنك. فألقيتها(٣).
الخَامِسُ: يَصِحُّ السَّمَاعُ مِن وَرَاءَ حِجَابٍ إِذَا عُرِفَ صَوتُهُ إِن
حَدَّثَ بِلَفِظِهِ، أَو حُضُورُهُ بِمَسمَعٍ مِنْهُ إِن قُرئَ عَلَيهِ، وَيَكفِي
في المعرفةِ خَبَرُ ثِقَةٍ، وَشَرَطَ شُعبَةُ رُؤْيَتَهُ، وَهُوَ خِلافُ الصَّوَابِ
وَقَولِ الجُمهُوِرِ .
(الخامسُ: يصحُ السماعُ ممن) هو (وراءَ حجابٍ، إذا عُرِف صوتُه
إن حَدَّث بلفظِه، أو) عُرِفَ (حضورُه بِمَسمَع) أي مكان يسمعُ (منه إن
قُرِئ عليه، ويَكفي في المعرفةِ) بذلك (خبرُ ثقةٍ) مِن أهلِ الخبرةِ بالشيخِ .
(١) أخرجه: الخطيب في ((الكفاية)) (ص: ١٢٤).
(٢) أخرجه أيضًا في ((الكفاية)) (ص: ١٢٥).
(٣) أخرجه: الخطيب في ((الكفاية)) (ص: ١٢٦).

٦٢١
كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه
(وشَرَط شعبةُ رؤيته) قال: إذا حدَّثك المُحدِّث فلم تَرَ وجهَه فلا تَروِ
عنه؛ فلعلَّه شيطانٌ قد تَصوَّر في صُورته يقولُ: ((حَدَّثنا)) و((أخبرنا)).
(وهو خلافُ الصواب وقولِ الجمهور) فقد أمرَ النبيُّ وَّ بالاعتمادِ
على سماع صوتِ ابن أُمّ مكتومِ المؤذِّنِ في حديثِ : ((إنَّ بلالًا يُؤَذِّنُ
بِلَيلِ))(١) الحديث، مع غَيبةٍ شَخصِهِ عِمِّن يَسمعه، وكان السَّلفُ يَسمعون
مِن عائشةَ وغيرِها مِن أُمَّهاتِ المؤمنين، وهُنَّ يُحدِّثنَ مِن وراءِ حِجَابٍ .
السَّادِسُ: إِذَا قَالَ الْمُسمِعُ بعدَ السَّمَاعِ: ((لاَ تروِ عَنِّي)) أَو
((رَجَعتُ عَنِ إِخِبَارِكَ))، وَنَحوَ ذَلِكَ، غَيَرَ مُسنِدٍ ذَلِكَ إِلى خَطَإٍ
أَو شَكَّ وَنَحوِهِ - لَّ تَمتَنِعِ رِوَايَتُهُ. وَلَو خَصَّ بِالسَّمَاعِ قَومًا،
فَسَمِعَ غَيْرُهُم بِغَيرٍ عِلمِهِ، جَازَ لَهُمُ الرُّوَايَةُ عَنْهُ. وَلَو قَالَ :
((أُخْبِرُكُمْ وَلاَ أَخِرُ فُلانًا)) لَمْ يَضُرَّ، قَالَهُ الْأُستَاذُ أَبُو إِسِحَاقَ.
(السادسُ: إذا قال المُسمِعُ بعدَ السماعِ: ((لا تَروِ عَنِّي))، أو ((رَجَعتُ
عن إخبارِك))) أو ((ما أَذنتُ لكَ في روايته عنّي)) (ونحو ذلك، غيرَ مسندٍ
ذلك إلى خطإٍ) منه فيما حدَّث به (أو شَكُّ) فيه (ونحوه، لم تمتنع
روايتُه) فإن أَسنده إلى نحوِ ما ذكر امتنعَت .
(ولو خَصَّ بالسماع قومًا فسَمِع غيرُهم بغيرِ علمِه جاز لهم الروايةُ
(١) أخرجه: البخاري في ((صحيحه)) (١٦٠/١)، (٢٢٥/٣ - ٢٢٦)، ومسلم في
.
.
(صحيحه)) (١٢٨/٣ - ١٢٩) عن ابن عمر

٦٢٢
النوع الرابع والعشرون
عنه، ولو قال: (أُخبِرُكم ولا أُخبِرُ فلانًا))؛ لم يَضُرَّ) ذلك فلانًا في صِحَّة
سَماعِهِ (قاله الأستاذُ أبو إسحاقَ) الإسفراييني، جوابًا لسؤالِ الحافظِ
أبي سعيدٍ النيسابوري عن ذلك .
● فائدةٌ:
قال الماورديُّ: يُشترطُ كون المُتحمِّل بالسماع سَمِيعًا، ويَجوزُ أن
يقرأ الأصمُّ بنفسه .
القِسمُ الثَّالِثُ :
الإِجَازَةُ، وهِيَ أَضْرُبٌ :
الأوَّلُ: أنْ يُجِيز مُعَيَّنًا لِمُعَيَّنٍ كـ(«أجَزْتُكَ البُخَارِيَّ)) أو ((مَا اشْتَمَلَتْ
عَلَيْهِ فَهْرَسَتِي))، وَهذا أعْلَىْ أَضْرُبِهَا المُجَرَّدَةِ عَنِ المُنَاوَلَةِ .
والصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ الْجُمْهُورُ مِنَ الطَّوَائِفِ، واسْتَقَرَّ عَلَيْهِ
العَمَلُ - جَوَازُ الرِّوَايَةِ وَالْعَمَلِ بِهَا .
وأبْطَلَهَا جَمَاعَاتٌ من الطَّوَائِفِ، وَهُوَ إِحْدَىُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنِ
الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ ومُتَابِعِيهِمْ: لا يُعْمَلُ بِهَا
كالمُزْسَلِ، وهَذَا بَاطِلٌ.
(القسمُ الثالثُ) مِن أقسامِ التحمُّلِ (الإِجازةُ، وهي أَضرُبٌ) تِسعةٌ،
وذكّرها المصنّف - كابنِ الصلاح (١) - سَبعةً .
(١) ((علوم الحديث)) (ص: ١٨٠ - ١٩٠).

٦٢٣
كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه
(الأولُ: أن يُجِيزَ معيَّنَا لمعيَّنٍ؛ كـ((أجزتُك) أو أَجَزْتُكم، أو أجزتُ
فُلانًا الفلانيَّ (البخاريَّ، أو ما اشتَمَلَت عليه فَهِرَسَتِي))) أي جُملة عددٍ
مَرویَّاتي .
قال صاحبُ ((تثقيف اللسان)): الصوابُ أنها بالمثناة الفوقية وقوفًا
وإدماجًا، ورُبما وقَف عليها بعضُهم بالهاءِ، هُو خَطأ . قال: ومعناها
جملة العددِ للكتُب(١)، لفظةٌ فَارِسيةٌ .
(وهذا أعلى أضربِها) أي الإجازة (المجردةِ عن المناولةِ، والصحيحُ
الذي قاله الجمهورُ مِن الطوائفِ) أهلِ الحديثِ وغيرِهم (واستقرَّ عليه
العملُ، جوازُ الروايةِ والعملِ بها) .
وادَّعى أبو الوليد الباجي وعياضٌ الإجماعَ عليها، وقصر أبو مروان
الطبني(٢) الصّحةَ عليها(٣).
(وأبطلها جماعاتٌ مِن الطوائفِ) مِن المحدِّثين كَشُعبةً - قال : لو
جازتِ الإجازةُ لَبَطَلتِ الرِّحلةُ -، وإبراهيمَ الحربيِّ، وأبي نصرِ الوَائِلِيِّ،
وأَبي الشّيخ الأصبهانيِّ .
والفقهاء: كالقاضي حُسينٍ، والمَاورديِّ، وأبي بكرِ الخُجَنديِّ
الشافعيِّ، وأبي طاهرِ الدبَّاسِ الحنفيِّ.
وعنهم أنَّ مَن قال لغيرِهِ : ((أجزتُ لكَ أن ترويَ عَنِّي ما لم تَسمع))، فكأنه
(١) في ((ص)): ((وللكتب)).
(٣) ((الإلماع)) (ص: ٨٩، ٩٠).
(٢) في ((ص)): ((الطيبي)).

٦٢٤
النوع الرابع والعشرون
قال : أجزتُ لك أن تكذبَ عَليَّ؛ لأنَّ الشَّرعَ لا يُبيحُ روايةَ ما لم يُسمع .
(وهو إحدى الروايتينِ عن الشافعيّ) وحكّاه الآمديُّ عن أَبي حنيفة
وأبي يوسف، ونقَله القاضي عبدُ الوهابِ عَن مالكٍ .
وقال ابنُ حزمٍ : إنَّها بدعةٌ غيرُ جَائزةٍ .
وقيل: إن كان المُجِيزُ والمُجَازُ عَالِمَين بالكتابِ جَازَ، وإلَّ فلا.
واختاره أبو بكرِ الرازي مِن الحنفيةِ .
(وقال بعضُ الظاهريةِ ومتابعيهم: لا يُعملُ بها) أي بالمرويِّ بها
(كالمرسَل) مع جوازِ التحديثِ بها (وهذا باطلٌ) لأنَّه ليسَ في الإجازةِ
ما يَقدَحُ في اتصالِ المنقولِ بها وفي الثُّقةِ به .
وعنِ الأوزاعيِّ عَكسُ ذلك، وهُو العملُ بها دُون التَّحديثِ .
قال ابنُ الصلاح(١): وفي الاحتجاج (٢) لِتَجويزها غُموضٌ، ويتجه أن
يُقالَ: إِذا أجاز(٣) له يروِي عنه مَروياتِه، فقد أَخبره بها جُملةً، فهو كما
لو أَخبره بها تفصيلاً، وإخبارُه بها غيرُ متوقفٍ على التصريحِ قَطعًا كما في
القراءةِ، وإنَّما الغرضُ حُصولُ الإفهامِ والفهم، وذلك حاصلٌ بالإجازةِ
المُفهمةِ .
وقال الخطيبُ في ((الكفاية)) (٤): احتجَّ بعضُ أهلِ العلم لجوازها
بِحَديث أنَّ النبيَّ ◌ََّ كتبَ سُورةً براءة في صحيفةٍ ودَفَعها لأبي بكرٍ ، ثم
(١) ((علوم الحديث)) (ص: ١٨١).
(٣) في ((ص)): ((جاز)).
(٢) بعده في ((ص)): ((بها)).
(٤) ((الكفاية)) (ص: ٤٤٨).

٦٢٥
كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه
بَعث عليَّ ابنَ أبي طالبٍ فأخذها منه، ولَم يَقرأها عليه، ولا هو أيضًا،
حتَّى وصَل إلى مَكَّة، فَفتحها وقَرأها عَلى الناسِ .
وقد أسند الرامهرمزي (١) عنِ الشافعيِّ أنَّ الكرابيسيَّ أرادَ أن يقرأ عليه
كُتِبَه فَأَبَى، وقال: خُذْ كُتب الزعفرانيِّ فانسخها، فقد أَجزتُ لكَ.
فأخذَها إجازةً .
أما الإجازةُ المقترنةُ بالمناولةِ ، فسَتأتي في القِسمِ الرابعِ .
• تنبية
إذا قُلنا بصحةِ الإجازةِ، فالمتبادرُ إلى الأذهانِ أنَّها دُون العرضِ ، وهو
الحقُّ، وقد حكَى الزّركشيُّ في ذلك مذاهبَ :
ثانيها - ونسَبه لأحمدَ بنِ ميسر المالكي -: أنَّها على وجهها خيرٌ مِنَ
السماعِ الرديء. قال : واختارَ بعضُ المُحقّقين تفضيلَ الإجازةِ على
السَّماعِ مُطلقًا .
ثالثها: أنَّهما سواء. حكى ابنُ عات في ((ريحانة التنفس)) عن
عبد الرحمن بن أحمد بن بقي بنٍ مخلدٍ، أنَّه كان يقول : الإجازةُ عِندي
وعِند أبي وجدِي كالسِّماع .
وقال الطوفي : الحقُّ التفصيلُ، ففي عصرِ السَّلف السَّماعُ أَولى، وأمَّا
بعد أن دُوِّنت الدواوينُ وجُمعتِ السُّننُ واشتهرت فلا فَرِقَ بينهما .
(١) ((المحدث الفاصل)) (ص: ٤٤٨).

٦٢٦
النوع الرابع والعشرون
الضَّرْبُ الثَّانِي: يُجِيزُ مُعَيَّنَا غَيْرَهُ كـ ((أجَزْتُكَ مَسْمُوعَاتٍ))،
وَالخِلاَفُ فِيهِ أَقْوَىْ وَأَكْثَرُ، والجُمُورُ مِنَ الطَّوَائِفِ جَوَّزُوا
الرِّوَايَةَ، وَأَوْجَبُوا العَمَلَ بِهَا .
(الضَّربُ الثاني: يُجيزُ معيَّنًا غيرَه) أي غَيرَ مُعيَّنِ (كـ((أجزتُك) أو
أجزتُكم جميعَ (مسموعاتي) أو مَرويَّاتي)) (والخلافُ(١) فيه) أي في
جوازِها (أقوى وأكثرُ) مِنَ الضربِ الأَوَّلِ .
(والجمهورُ مِن الطوائفِ جَوَّزوا الروايةَ) بها (وأوجبوا العملَ) بما
رُوي (بها) بشرطه .
الثَّالِثُ: يُجِيزُ غَيْرَ مُعَيَّنٍ بِوَصْفِ العُمُومِ كـ ((أجَزْتُ الْمُسْلِمِينَ))
أو ((كُلَّ أحَدٍ)) أوْ ((أَهْلَ زَمَانٍ))، وفِيهِ خِلافٌ للمُتَأخِّرِينَ، فَإِنْ
قَيَّدَهَا بِوَصْفٍ خَاصِرٍ فَأَقْرِبُ إِلَى الْجَوَازِ، وَمِنَ المُجَوِّزِينَ القَاضِي
أبُو الطَّيِّبِ، والَخَطِيبُ، وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهُ، وابْنُ عَتَّبٍ،
والحَافِظُ أَبُو العَلَاءِ وَآخَرُونَ .
قَالَ الشَّيْخُ: وَلَمْ يُسمَعْ عَنْ أحَدٍ يُقْتَدِىُ بِهِ الرِّوَايَةُ بِهَذِه.
قُلْتُ: الظَّاهِرُ مِنْ كَلامِ مُصَحِّحِهَا جَوَازُ الرِّوَايَةِ بِهَا، وَهذَا
يَقْتَضِي صِحَّتَها ، وأيُّ فَائِدَةٍ لَهَا غَیْرُ الرِّوَايَةِ بِهَا؟!
(١) في ((ص)): ((فالخلاف)).

٦٢٧
كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه
(الثالثُ : يُجيزُ غيرَ معينٍ بوصفِ العموم كـ((أجزتُ) جميعَ
(المسلمينَ، أو كلَّ أحدٍ، أو أهلَ زماني))، وفيه خلافٌ للمتأخرينَ ،
فإن قَدَه) أي الإِجازة العامة (بوصفٍ حاصرِ (١)) كـ((أجزتُ طلبةَ العلم
بيلدِ كذَا، أو مَن قرأ عليّ قَبل هذا» (فأقربُ إلى الجوازِ) مِن غَيرِ المقيدةِ
بذلك .
بل قال القاضي عياضٌ(٢): ما أَظنُّهم اختلفوا في جوازٍ ذلك،
ولا رأيتُ مَنْعَه لأحدٍ ؛ لأنَّه محصورٌ موصوفٌ، كقولِهِ: ((لأولادِ فُلانٍ ،
أو إخوة فلانٍ)) .
واحترزَ بقولِهِ : ((حاصر)) عما(٣) لا حَصرَ فيه كـ((أهل بلدِ كذا))، فهو
كالعامةِ المطلقةِ .
وأفردَ القسطلانيُّ هذه بنوع مستقلٌّ، ومَثَّله (٤) بأهلٍ بلدٍ مُعيَّنٍ ، أو
إقليم، أو مَذهبٍ مُعيِّنٍ .
(ومِن المجوِّزِينَ) للعامةِ المطلقةِ (القاضي أبو الطيبِ) الطبريُّ
(والخطيبُ) البغداديُّ (وأبو عبدِ اللَّه ابنُ منده، و) أبو عبد اللَّه (ابنُ
عتاب، والحافظُ أبو العلاءِ) الحسنُ بنُ أحمد العطَّار الهمذاني(٥)
(١) في ((ص))، و((م)): ((خاص))، والمثبت من المطبوع.
(٢) ((الإلماع)) (ص: ١٠١).
(٣) في ((ص)): ((لما)).
(٤) في ((ص)): ((مستقل).
(٥) في ((ص))، ((م)): ((الهمداني)) بالدال المهملة، والمثبت هو الصواب .
وانظر: ((سير أعلام النبلاء)) (٤٠/٢١).

٦٢٨
النوع الرابع والعشرون
(وآخرونَ) كأبي الفضلِ بن خيرون، وأبي الوليد ابن رشد، والسلفي،
وخلائق، جَمَعهم بعضُهم في مُجلدٍ، ورتبهم على حروفِ المعجم
لكثرتهم .
(قال الشيخُ) ابنُ الصلاحِ(١) - مَيلًا إلى المنع -: (ولم يُسمع عن
أحدٍ يُقتَدَي به الروايةُ بهذه) قال : والإجازةُ في أصلِها ضعف ، وتزدادُ
بهذا التوسُّعِ والاسترسالِ ضعفًا كثيرًا .
قال المصنفُ : (قلتُ : الظاهرُ مِن كلام مصححِها جوازُ الروايةِ بها ،
وهذا يَقتضي صحّتها، وأيُّ فائدةٍ لها غيرُ الروايةِ بها) وكذا صرَّح في
((الروضةِ)) بتصحيحِ صِحَّتِها .
قال العراقيُّ (٢): وقد رَوى بها مِن المتقدمين الحافظُ أبو بكر ابن
خير (٣)، ومن المتأخّرين الشرفُ الدمياطيُّ وغيرُه .
وصحّحها أيضًا ابنُ الحاجبِ قال : وبالجُملة، فَفِي النفسِ مِنَ الروايةِ
بها شيءٌ، والأحوطُ تركُ الروايةِ بها. قال: إلَّا المقيدة بنوع حصرٍ ؛ فإنَّ
الصحیح جوازها . انتهى .
وكذا قال شيخُ الإسلام (٤) في العامةِ المطلقةِ ، قال : إِلَّا أنَّ الروايةَ بها
في الجملة أولى مِن إيرادِ الحديثِ معضلًا .
(١) ((علوم الحديث)) (ص: ١٨٤).
(٢) ((التبصرة)) (٦٦/٢).
(٤) ((نزهة النظر)) (ص : ١٧٥).
(٣) في ((م)): ((خيرون)) .

٦٢٩
كيفية سماع الحديث وتحمله ، وصفة ضبطه
------
قال البلقينيُّ (١): وما قِيل مِن أنَّ أَصلَ الإجازةِ العامةِ ما ذكره ابنُ سعد
في ((الطبقات))، ثنا عفان، ثنا حمَّاد، ثنا عليُّ بن زيدٍ، عن أبي رافعٍ،
أنَّ (٢) عُمَرَ بنَ الخطابِ قال: مَن أدركَ وفَاتِي مِن سَبي العرب فهو حُرٍّ ؛
ليس فيه دلالة ؛ لأنَّ العتقَ النافذَ لا يحتاجُ إلى ضَبطٍ وتحديثٍ وعملٍ،
بخلافِ الإجازةِ ففيها تحديثٌ وعملٌ وضبطٌ ، فلا يصح أن يكون ذلك
دليلاً لهذا، ولو جَعَل دليلَه ما صحَّ مِن قولِ النبيِّ بَّرَ: ((بَلَّغُوا عَنِّي))
الحدیثَ، لکان له وجه قويٌّ . انتهى .
• فائـدة :
قال شيخُ الإسلامِ في ((مُعجمه)): كان محمدُ بنُ أحمدَ بن عرَّامٍ
الإسكندري يقول : إذا سمعتُ الحديثَ من شيخ، وأجَازنيه شيخٌ آخرُ
سمعه مِن شيخ رواه الأَوَّلُ عنه بالإجازةِ، فشيخُ السماعِ يَروِي عن شيخٍ
الإجازةِ(٣)، وشيخُ الإجازةِ يَرويه عن ذلك الشيخِ بِعَينه بالسماعِ، كان
ذلك في حُكم السماعِ على السماعِ . انتهى (٤).
وشيخُ الإسلامِ يصنعُ ذلك كثيرًا في أَماليه وتَخاريجه .
قلتُ : وظهر لي مِن هذا أن يُقال: إذا رويت عن شيخ بالإجازة
الخاصةِ عن شيخ بالإجازةِ العامةِ ، وعن آخرَ بالإجازةِ العامةِ عن ذلك
(١) ((محاسن الاصطلاح)) (ص: ٢٦٨).
(٢) في ((ص)): ((عن))، وفي ((م): ((ابن)). والمثبت من المطبوع .
(٣) في ((م)): ((شيخ لإجازةٍ)).
(٤) في ((المجمع المؤسس)) للحافظ ابن حجر (٦٣٩/٢):
=