Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١ قال حاتم: وحدثني به أبو محمد عبد الملك بن الحسن بن عبد الله الصِّقِلِّى، قال: نا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن يحيى الكِسَائي بنيسابور سنة ٣٨٢، قال: نا إبراهيم بن محمد بن سفيان سنة ٣٠٨، قال: نا أبو الحسين مسلمُ بنُ الحَجَّاج بنيسابور سنة ٢٥٧ . قال إبراهيم: فرغ لنا مسلم من قراءة الكتاب لعشرٍ خلون من رمضان من العام المذكور، وتوفي مسلم بن الحجاج رحمه الله سنة ٢٦١ . ذكَّرَ أبو بكر الخطيبُ في ((تاريخ مدينة السلام))(١): أخبرني محمد بن علي المقري، قال: أنا محمد بن عبد الله النيسابوري، قال: سمعتُ محمد بن يعقوب أبا عبد الله الحافظً يقول: توفي مسلم بن الحجاج عشية يوم الأحد، ودُفِنَ يوم الاثنين لخمسٍ بقين من رجب سنة ٢٦١ . وحدثني بها أيضاً الشيخ أبو محمد بنُ عَتَّاب رحمه الله إجازةً فيما كَتَب به إلي، قال: أنا الشيخ الصالح أبو محمد عبدُ الله بن سعيد الشُّنْتَجَالي وأبو القاسم حاتمُ بن محمد الطرابلسي إجازةً، قالا: نا أبو سعيد عُمَرُ بنُ محمد السِّجْزِي بإسناده المتقدم . قال أبو محمد بن عَتَّاب: وأخبرني بها أيضاً الشيخ أبو محمد مكيُّ بنُ أبي طالب المُقرِي إجازةً عن أبي العباس أحمد بن محمد بن زكرياء القَسَوِي، قال: نا أبو بكر محمد بن إبراهيم بن يحيى الكِسَائي، عن إبراهيم بن محمد بن سفیان، عن مسلم . وأما روايةٌ ابن مَاهان، فحدَّثني بها الشيخ القاضي أبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز اللخمي الباجي سماعاً عليه مرةً وثانيةً، قال: حدثني (١) ١٣ :١٠٣. ٤٢ بها أبي وعَمَّاي: أبو عُمَر أحمدُ وأبو عبدِ الله محمدُ وابنُ عَمِّي الفقيهُ أبو محمد عبدُ الله بن علي بن محمد، قالوا كلهم: حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله الفقيه، قال: نا أبو العلاء عبدُ الوهاب بن عيسى بن مَاهَان البغداذِي سماعاً عليه مع أبي رحمه الله بمصر، قَدِمَهَا علينا، قال: نا أبو بكر أحمدُ بن محمد بن يحيى الفقيه على مذهب الشافعي، المعروفُ بالأشقر، بنيسابور، قال: نا أبو محمد أحمدُ بن علي بن الحسين بن المغيرة بن عبد الرحمن القَلَانِسي، قال: نا أبو الحسين مُسلمُ بنُ الحجاج القشيري النيسابوري رحمه الله . وحدثني بها أيضاً أبو بكر محمد بن أحمد بن طاهر القَّيْسي المذكور سماعاً عليه وإجازةً على نحوٍ ما تقدم، قال: نا أبو علي حسين بن محمد بن أحمد الغسَّاني، قال: حدثني بها القاضي أبو عُمَر أحمد بن محمد الحَذَّاء التميمي قراءةً عليه سنة ٤٥٧، قال: نا أبي رحمه الله قراءة مني عليه سنة ٣٩٥، قال: نا أبو العلاء عبدُ الوهاب بن عيسى بن مَاهَان البغداذِي، قال: نا أبو بكر أحمد بن محمد الفقيهُ الأشقرُ، قال: نا أبو محمد أحمدُ بن علي القَلَانِسي، قال: نا مسلمُ بنُ الحجاج، حاشَى ثلاثةَ أجزاءٍ من آخر الكتاب، أولها حديثُ عائشة في الإِفك ... الحديثُ الطويل إلى آخر الديوان، فإِنَّ أبا العلاء بن مَاهَان يَروي ذلك عن أبي أحمد الجُلَودي، عن إبراهيم بن محمد بن سفيان، عن مُسْلِم بن الحجاج. وحدثني بها أيضاً الشيخُ أبو محمد بنُ عَتَّب إجازةً، قال: نا أبو عُمَر بن الحَذَّاء المذكور إجازةً بالسند المتقدم. قال: وحدثني بها أبي محمدُ بن عتاب رحمه الله قراءةً عليه وأنا أسمع غيرَ مرة، قال: نا أبو القاسم أحمد بن فَتْح، قال: نا أبو العلاء بن مَاهَان بالإِسناد المتقدم . ٤٣ قال أبو علي: سمعتُ أبا عُمَر بنَ الحذَّاء يقول، سمعت أبي رحمه الله يقول : أخبرني ثقاتُ أهلِ مصر أن أبا الحَسَن عليَّ بن عمرَ الدارقطنيَّ كَتَّب إلى أهل مصر من بَغْدَاذَ: أنْ اكتُبُوا عن أبي العلاء بن مَاهَان كتابَ مسلم بن الحجاج، ووَصَف أبا العلاءِ بالثقةِ والتمييز. ويلغني عن أبي حاتم مكيّ بن عَبْدَان قال: سمعتُ مسلم بن الحجاج يقول: لو أنَّ أهلَ الحديث يكتبون الحديثَ مئتي سنة، فمدارُهم على هذا المُسْنَد، يعني ((مسندَ الصّحَاح)). قال مكي: وسمعتُ مسلماً يقول: عَرضتُ كتابي هذا ((المسند)) على أبي زُرْعَة، فكلّ ما أشار عليَّ في هذا الكتاب أن له علةً وسَبّباً تركتُه بقوله، وما قال: إنه صحيح ليس له علة فهو الذي أخرجتُه. وقال إبراهيم بن محمد بن سفيان: أخرَج مسلمُ بنُ الحجاج ثلاثةَ كتب من المسنَدَات، واحداً الذي قَرَأ على الناس، والثانيَ يُدخِلُ فيه عكرمةً ومحمدَ بنَ إسحاق صاحبَ ((المغازي)) وأمثالهما، والثالثَ يُدخِلُ فيه من الضعفاء. وقال مَسْلَمةُ بن قاسم في ((تاريخه)): مسلمُ بنُ الحجاج النيسابوريُّ جليلُ القدر، ثقةٌ من أئمةِ المحدِّثين، له كتاب في الصحيح، ألّفه لم يَضَع أحدٌ - مِثْلَه ـ)). انتهى كلام الحافظ ابن خير. وفيه ذكرُ اسمٍ كتاب صحيح مسلم تاماً كاملاً شاملاً، رحمه الله تعالى وجزاه عن السنة وأهلِها خيراً. هذا، ونسخةُ ابن خير رحمه الله تعالى من ((صحيح مسلم))، ما تزالُ بحمد الله محفوظةً مزدهرةً في مقرِّها الأمين، في مكتبة جامع القَرَويين بمدينة ٤٤ فاس من المغرب الأقصى. وقد تحدَّث عنها شيخنا الحافظ السيد عبد الحي الكتاني، ورآها ووصفها أطيبَ وصف، في كتابه الحفيل الجليل ((فهرس الفهارس والأثبات))(١)، فقال في ترجمة ابن خير: ((ابنُ خير: هو الإِمامُ الحافظُ فخرُ الأندلس، أبو بكر محمد بن خير بن عمر بن خليفة الأمَوي بفتح الهمزة، من أهل إشبيلية، يكنى أبا بكر، وأبوه خير يكنى أبا الحسن. أخذ عن شُرَيح واختَصَّ به إلى أن مات، وسَمِعَ منه ومن ابن العربي وابن حُبَيش، وأجاز له من الأندلس ابنُ عَتَّاب والرُّشَاطِي وغيرُهم، ومن المشارقة السِّلَفِيُّ والمازِرِيُّ. وكان من المكثرين لتقييد الآثار، والمعتنين بتحصيل الرواية، بحيث يأخذ عن أصحابه الذين شاركهم في السماع من شيوخه. وقال فيه الحافظ السُّهَيْلي: أحَدُ الأئمة المشهورين بالإِتقان والضبط. اهـ. وقال الحافظ السيوطي في ترجمته من ((طبقات الحفاظ)): لم يكن له نظير في هذا الشأن. اهـ. وتغالَى الناسُ بعد موته في کتبه. وبمكتبة القَرَوِيين بفاس إلى الآن نسختُهُ من صحيح مسلم، التي قابلها مِراراً وسَمِعَ فيها وأَسمَع، بحيث يُعَدُّ أعظمَ أصل موجود من صحيح مسلم في إفريقية، وهو بخط الشيخ الأديب الكاتب أبي القاسم عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر الأمَوِي الإِشبيلي المالكي، فَرَغ منه سنة ٥٧٣، وعليه بخط المترجَم أنه عارَضَهُ بأصولٍ ثلاثةٍ معارضةٍ بنسخة الحافظ أبي علي الجيّاني شيخ عِيَاض، وغيره من الأعلام، وكَتَب المترجَمُ بهامشه كثيراً من الطّرَرِ والفوائد (١) ١ : ٣٨٤ _ ٣٨٥. ٤٥ وَالشرحِ لغريبِ ألفاظِهِ وشَروحٍ بعض معانيه، وفَرَغ من ذلك سنة ٥٧٣ أيضاً)). انتهى . قلتُ: قد تَحَفَّظَ وتلطّف شيخنا عبد الحي رحمه الله تعالى، في قوله عن نسخة ابن خير من صحيح مسلم: إنها ((أعظمُ أصلٍ موجودٍ في إفريقية)). بل أظنُّ أنها أعظمُ أصل مطلقاً الآن لكتاب صحيح مسلم، لما حوته من مزايا النَّسْخِ المتقَن، والمقابلةِ المتكررة بأصولٍ نفيسة غايةٍ في الضبط والثقة، والسماع فيها، والإِسماع لها، والقراءةِ بها على الشيوخ الكبار أئمة الحديث من السادة المغاربة، والتعاليقِ والشروح والفوائد والطّرَر الغالية، التي أضافها الإِمام ابنُ خير إليها، وزانها وزادها بها، فغدَتْ نموذجاً فريداً عَجَباً يُدهِشُ الناظرين من أهل العلم. وما أحقّها أن تُحيّا بالطبعِ عنها، والتصويرِ لها بحالها كما هي، حتى تكون نبراساً منيراً بأيدي العلماء وطلبة العلم، فيتعلموا منها الضبطَ والإِتقان ودقة المقابلة ... ، وتَشهدَ الأجيالُ الحاضرة واللاحقةُ كيف كانت عنايةُ العلماء بنقل العلمِ والحديثِ الشريف، وأمانتُهم في سماعِه وتحمله، وأدائه وإسماعه، وكتابته وتقييده. وقد اقترحتُ على عاهل المغرب الملك الحسن الثاني وفقه الله تعالى، أن يأمر بطبعها تصويراً عنها كما هي، مع إضافة فهارس لها، لتكون يداً علمية تضاف إلى أياديه الكريمة في نشر الكُتّبِ العظيمةِ مثل ((التمهيد لما في الموطّأ من المعاني والأسانيد)) لحافظ الأندلس والمغرب الإِمام ابن عبد البر، ومثل ((المحرَّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز)» للإِمام ابن عطية الأندلسي، وغيرهما من كنوز العلم الغالية . ٨ - وقال الحافظ العلائي رحمه الله تعالى، في معجم شيوخه ومرویاته، ٤٦ الذي سَمَّه: ((إثارة الفوائد المجموعة في الإِشارة إلى الفرائد المسموعة))(١)، في تسمية ((صحيح مسلم)): ((المسند الصحيح بنقل العدلِ عن العدل عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم)). انتهى. وفي هذا الاسم اختصار ظاهر، وهو لفظُ (المختصرُ من السُّنَن). هذا، ويُلاحِظُ الناظرُ المتأملُ أن هذه العناوين المتكررة لكتاب ((صحيح مسلم)) - مع اختلاف مصادرها - اتفقت على البدء بلفظٍ واحدٍ في اسم الكتاب، وهو: (المسندُ الصحيح ... )(٢)، ولم يَرِد فيها بالمرَّةِ لفظُ (الجامع ... )، كما هو متناقلٌ مَشهور في اسم هذا الكتاب. فالظاهر أن المؤلف لم يَرسُم في عنوان الكتاب لفظ (الجامع)، واكتفى بلفظ (المسند الصحيح ... )، كما جاء غير مرّة في كلامه وكلام من رووه عنه، ثم أُضِيفَ إلى العنوان لفظاً أو كتابة لفظُ (الجامع) من غيره، نظراً إلى تحقُّقٍ وصفِ الكتابِ به، والله تعالى أعلم. والكتبُ التي وَرَدَ فيها العنوان بلفظ (الجامع) فقط، ككتاب ((تهذيب التهذيب))(٣)، و((الرسالة المستطرفة)) (٤)، أو بلفظ (الجامع الصحيح)، ككتاب ((المرقاة شرح المشكاة)) لعلي القاري(٥)، وكتاب ((كشف الظنون))(٦)، و((هدية العارفين)»(٧) : (١) مخطوط في دار الكتب المصرية؛ ورقة ١٨ ب. طبع ذ جلوين /١٤٠ (٢) وقد تكرر اسم ((صحيح مسلم)) في ((فهرست ابن عطية)) باسم (المسند الصحيح)، مع تكرر اسم ((صحيح البخاري)) باسم (الجامع الصحيح) مراتٍ ومرات؛ في مواضع ص ٤٩ و ٦٣ و ٩٣ و١٠٠. (٣) ١٠ :١٢٧. (٤) ص ٤١ . (٥) ١ :١٦. (٦) ١ : ٥٥٥. (٧) ٤٣٢:٢. ٤٧ لم يُورَد فيها على أنه الاسمُ العَلَمي الذي سَمَّاه به مؤلّفُه، وإنما أُورِدَ بذلك الاسمِ لشهرتِهِ به، أو لمجرَّدِ الذكر، بملاحظة وجود معنى (الجامع) فيه باصطلاح المحدِّثين، فلا يكونُ له من الاعتبار ما للاسمِ والعنوانِ المنقولِ عن مؤلِّفه بالأسانيد المتصلة والرواياتِ المتعددةِ الصحيحة. وقال الحافظ الذهبي في ((سير أعلام النبلاء))(١)، و((تذكرة الحفاظ))(٢)، في ترجمة الإِمام مسلم عند ذكر تأليفه: ((قال الحاكم: ولمسلمٍ : كتابُ (المسند الكبير) على الرجال، وكتابُ (الجامع) على الأبواب، رأيتُ بعضَهُ بخطه، وكتابُ (المسندَ الصحيح) وكتابُ (التمييز) ... )). انتهى. فسمَّى الحاكمُ ((صحيح مسلم)): كتاب (المسند الصحيح)، وسمَّى كتاباً آخر لمسلم: كتابَ (الجامع) على الأبواب، فهو غيرُ (المسند الصحيح) جزماً، وكأنَّ كتاب (الجامع) كان مفقوداً في زمن الحاكم، ولذا ذكر أنه رأى بعضه بخطه. أما (المسند الصحيح) فكلُّه بين يديه، يَستدرك عليه حديثاً حديثاً، فلا يظن أدنى ظنٍ أنه لم يقف إلّ على بعضه. وقد سمَّى الحاكمُ ((صحيح مسلم)) في (المستدرك))(٣)، بقوله: ((هذا حديثٌ مخرَّجُ مثلُه في المسندَ الصحيح)). انتهى. وقال العلامة علي القاري رحمه الله تعالى، في ((المرقاة شرح المشكاة)) (٤)، في ترجمتّهِ للإِمام مسلم بن الحجاج: ((وله المصنفاتُ الجليلة غيرُ (جامعه الصحيح)، كالمسند الكبير، صنّفه على ترتيب أسماء الرجال لا على تبويب الفقه، وكالجامع الكبير على ترتيب الأبواب، وكتاب العِلَل، وكتاب أوهام (١) ١٢ :٥٧٩. (٢) ٢ : ٥٩٠. (٣) ١ :١٩. (٤) ١ : ١٦. ٤٨ المحدِّثين ... )). انتهى. فقد عَدَّ العلامة علي القاري (الجامع الكبير على ترتيب الأبواب) غيرَ (جامعه الصحيح). وجاء في ((بَرْنَامَج الوادِي آشي))(١): (محمد بن جابر الأندلسي)، المولولد سنة ٦٧٣، والمتوفى سنة ٧٤٩ رحمه الله تعالى، تسميةً ((صحيح مسلم)) في مسموعاته باسم (المسند الصحيح). فقد قال أولاً (٢): من مسموعاته ((الجامعُ الصحيحُ تصنيفُ الإِمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري)). ثم قال بعده(٣): ((المسنّدُ الصحيحُ تصنيفُ أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري الحافظ، قرأتُ أكثره وسَمِعتُ باقيَهُ ببلدٍ تونس، على قاضي الجماعة بها أبي العباس بن الغَّز ... )). انتهى. فانظر كيف فرَّق بين اسمَيْ ((الصحيحين))، فسمَّى كتابَ البخاري: (الجامعَ الصحيح)، وكتابَ مسلم (المسنَدَ الصحيح). وكلاهما من مسموعاته أو مقروءاته بالسند المتصل الصحيح على الشيوخ الحفاظ الأئمة المعروفين بالرواية والإتقان . وجاء في ((ثَبَتِ الْبَلّوي))(٤): (أحمد بن علي البَلَوي الوادي آشي) أيضاً، المتوفى سنة ٩٣٨ رحمه الله تعالى، في عَدِّهِ لمقروءاته على شيخه محمد بن مرزوق ما يلي: ((صحيحُ مسلم، مَنَّ اللّه علي بقراءة جميع (المسند الصحيح) للإِمام مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، بلفظي من أوله إلى آخره، على شيخنا بقية المسندين ... سيدي أبي عبد الله محمد بن مرزوق، في مجالس (١) ص ١٩٢. (٢) ص ١٨٨ . (٣) ص ١٩٢. (٤) ص ٢١٨. ٤٩ أوَّلها يومُ الثلاثاء لخمس بقين من عام ٨٩٥، وآخِرُها يومُ الأربعاء لستٍ بقين من جمادى الأولى من العامِ بعدَهُ)). انتهى. فسمّاه في أول كلامه (صحيح مسلم)، ثم سمّاه (المسند الصحيح). ثم قال(١) في ذكر مسموعاته: ((وابتدأ سيدي أبو العباس - ابنُ مرزوق - أبقى الله بركته: قراءةَ (المسند الصحيح) للإِمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج رضي الله عنه، ففاتَني المجلسُ الأولُ منه، المحتوي على مقدمته ... ). ثم قال أيضاً(٢)، في ذكر مقروءاته على شيخه أبي العباس أحمد بن محمد بن زِكْرِيّ: ((قرأتُ عليه من أولِ (الجامع الصحيح) الإِمام المحدِّثين أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري رضي الله تعالى عنه ... ومن أولٍ (المسند الصحيح) لقدوةِ المُصنَّفين الإِمام أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري رضي الله تعالى عنه ... )). انتهى. فانظر كيف فرَّق بين ((الصحيحين)) في ذكر اسمهما، فوَصَف كتابَ البخاري بلفظ (الجامع)، وكتابَ مسلم بلفظ (المسند). وذلك مما يؤكد ما قلته سابقاً. والله أعلم. وهذا البحثُ في اسم ((صحيح مسلم))، إنما يُرادُ به دِقَّةُ التسميةِ المنقولةِ عن مؤلَّفه الإِمام مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى، ولا يُرادُ به نَفْيُ وصفٍ ((صحيح مسلم)) بلفظ (الجامع) أو بُطلانُ وصفِهِ به، فإنه (جامع) ولا ريب، وإن نازع في وصفِهِ بلفظ (الجامع) العلامة الشيخ عبد العزيز الدِّهْلَوِي الهندي، المولود سنة ١١٥٩، والمتوفى سنة ١٢٣٩ رحمه الله تعالى، في كتابه (١) ص ٢٥٢ . (٢) ص ٤١٩ . ٥٠ ((العُجَالة النافعة))(١). قال: ((واعلم أن كتب الحديث لها طرق متنوعة كالجوامع، و (الجامعُ) في اصطلاحهم: ما يكون فيه جميعُ أقسام الحديث: ١ - من العقائد، (17 () ٢ - والأحكام، ٣ - والرقائق، ٤ - ومن آداب الأكل والشرب، ٥ - ومن (٨) السَّفَر والحضر، ٦ - ومن القيام والقعود، ٧ - ومن المتعلقة بالتفسير والتاریخِ والسِّيَّرَ، ٨ - ومن المناقب والمثالب. وقد صنَّف أهلُ الحديث في كل فن من الفنون الثمانية المذكورة مصنفاتٍ مُفْرَزَة)). مخدة ثم شَرَح تلك الأصناف الثمانية، وذَكَر بعض المؤلفات المستقلة فيها، ثم قال: ((فالجامعُ هو ما يوجَدُ فيه أنموذجُ كلِّ فَنٍّ من الفنون الثمانيةِ المذكورة، كالجامع الصحيح للإِمام البخاري رحمه الله تعالى، والجامع للإِمام الترمذي رحمه الله تعالى. وأما (صحيح مسلم) فإنه وإن كانت فيه أحاديث كل فن من تلك الفنون، ولكن ليست فيه أحاديثُ التفسير والقِراءة، ولذا لا يُعرَفُ بالجامع)). انتهى . ونَقَل السيد صِدِّيقُ حسن خان رحمه الله تعالى، في كتاب ((الحِطّة في ذكر الصحاح السِّة))(٢)، كلامَ الشيخ عبد العزيز الدهلوي هذا، ثم تعقبه بقوله: ((قلتُ: ولكن أورده صاحب ((كشف الظنون)) في حرف الجيم وعَبَّ عنه بالجامع، وكذا غيرُهُ في غيرِهِ من أهل الحديث، وقال المجدُ صاحبُ ((القاموس)) عند ختمه لصحيح مسلم : بِجَوْفِ دمشقَ الشامِ جَوْفِ الآسلامِ قَرَأْتُ بحمد الله جامعَ مسلمٍ قراءةَ ضبطٍ في ثلاثةِ أيامٍ وتمَّ بتوفيق الإِله وفضلِهِ انتهى . (١) ص ٤٢ و ٤٦. (٢) ص ٧٢ من طبعة لاهور سنة ١٣٩٧. ٧- الفترة ٥١ وكذلك ذَكَر شيخُ شيوخنا العلامة شَبِّير أحمد العثماني رحمه الله تعالى، في ((فتح الملهم بشرح صحيح مسلم))(١)، كلامَ عبد العزيز الدهلوي، ثم تعقّبه بقوله: ((قلتُ: قد أَطلَق عليه اسمَ (الجامع) الشيخ مجد الدين الشيرازي صاحبُ ((القاموس))، حيث قال: خَتَمْتُ بحمد الله جامعَ مسلم فكأنه - أي المجدَ الشيرازيَّ - لم يلتفت إلى قلة التفسير فيه. ولعل سبب هذه القِلَّة قِلَّةُ الأحاديث الصحيحة الواردة فيه، المستجمعة الشروطٍ مسلم رحمه الله تعالى. وأكثرُ ما يورده البخاري وغيرُهُ في (أبواب التفسير) إمَّا أحاديثُ قد ذُكِرَتْ مراراً في سائر أبواب الكتاب، لشدة مناسبتها بتراجمها، ثم كُرِّرَتْ في كتاب التفسير، وإمَّ آثارٌ موقوفة، وأقوالٌ لغويةٌ غيرُ مرفوعة، وما دون ذلك قليل . ومسلمٌ رحمه الله تعالى متجانِبٌ عن التكرار، متباعِدٌ عن نقلِ الأقوال والآثار، التي ليست بمسندةٍ إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلهذا قلَّ مادَّةُ التفسير في بابِهِ، والله أعلم)). بقي بعد هذا كلُّه سؤال: هل يُثَبَتُ في اسم ((صحيح مسلم)) عند طبعه لفظُ (الجامع) مع (المسند الصحيح المختصر من السُّنَّن، بنقلِ العدل عن العدل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم)، مع أنه لم يرد عن مؤلّفه في تسمیته؟ (١) ص ٢٦٠ من مقدمة ((فتح الملهم)) المستقلة، و٢٩٣:١ من ((فتح الملهم)) طبعة كراتشي سنة ١٤٠٩ . ٥٢ الجواب: لا بأس في ذلك، لأمرين: أولاً: لاشتهاره على ألسنة جمهرةٍ الحفاظِ وورودِهِ في كثير من الكتبِ باسم (الجامع الصحيح)، وثانياً: لأنه لو لم يُثَبَت، وكُتِب على وجه الكتاب: (المسنّدُ الصحيحُ المختصَرُ ... )، لتبادَرَ إلى أذهان الكثيرين أنه كتابٌ آخر غيرُ (الصحيح)، فلذا يكون إثباتُ لفظِ (الجامع) في عنوان الكتاب دافعاً للاشتباه والالتباس فيه. ولعلَّ الأولى والأفضل إبقاءُ الاسم وإثباتُهُ على حاله دون زيادة أو نقصان: (المسنّدُ الصحيحُ المختَصَرُ ... )، حتى لا نتدخَّلَ ونتصرَّفَ في الاسم الذي رسمه المؤلف وارتضاه لكتابه، فإن التدخل في أسماء الكتب والتصرف في عناوينها أمرٌ مرفوض، ويُوضَعُ فوق سطر الاسم عنوانٌ بلفظٍ بارزٍ: صحيحُ مُسْلِم. تَحَقِيْقُ اسْمِ جَامِعِ التِّمِذِيّ لم يكن شأنُ جامع الترمذي أحسنَ من شأنِ الصحيحين في إِغفالِ اسمِهِ عليه، فقد طُبع طبعاتٍ كثيرةً متعددة، في بلاد مصر والشام والهند وغيرها، ولم يُثْبَت على وجه طبعة منه اسمُهُ العَلَمي الذي سمَّه به مؤلّفُه الإمام الترمذي رحمه الله تعالى. وتبدو أهميَّةُ إثباتِ اسمِهِ التامِّ الكامِل عليه أكثرَ من أهمية إثبات اسم ((الصحيحين)) عليهما، لشهرتهما بالصحةِ وتأليفِهما لجمع الحديث الصحيح، فغيابُ اسمهما الكامل من الذكر على وجهها، لا يؤثر مثلَ ما يؤثرُ غيابُ اسمِ جامع الترمذي، ويزيدُ الأمَرَ ضِغْئاً على إيَّالةٍ أنه أُثبِتَ على ((جامع الترمذي)) اسمٌ يخالفُ مضمونَه وما أُسِّس تأليفُه عليه، فقد أُثبت على وجه المطبوع منه بالقاهرة ثم في بيروت (صحيحُ الترمذي بشرح الإِمام ابن العربي)، وهو خطأ، فليس هو مسمّىِّ بالصحيح . والعَجَبُ أنَّ شيخنا العلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى، حينما شَرَح كتاب الترمذي أَثْبَت على وجهه ((الجامعُ الصحيح، وهو سُنَّنُ الترمذي)). انتهى. فالجزء الثاني من هذا الاسم: (وهو سُنَن الترمذي)، من باب رعاية المعنى والمضمونِ للكتابِ فلا مانع منه، على أنه قد سُمِّ في بعض الأثبات والفهارس باسم ((السنن)) كما في ((فهرست ابن عطية))(١). (١) ص ٥٠. ٥٣ ٥٤ وقد اشتَهَر به أيضاً - تغليباً في ضمِّه إلى كتب السنن الثلاثة - كما أشار إليه صاحبُ ((كشف الظنون))(١)، أما الجزء الأول من هذا الاسم وهو (الجامع الصحيح)، فهذا الوصفُ: (الصحيحُ) ما كان ينبغي له إثباتُه على وجه الكتاب، وقد أثبته غيرَ مرة: في وجه الجزء الأول، وفي صفحة ٩٠ من المقدمة، وفي وجه أول الكتاب بعدَ المقدمة، وفي وجه الجزء الثاني، من طبعة مصطفى البابي الحلبي. وتابَعَ شيخُنا في هذا: مَنْ تساهَلَ في إطلاق هذا الوصفِ على كتاب الترمذي، فقد أَطلق الحاكمُ عليه اسمَ (الجامع الصحيح)، وأطلق الخطيبُ عليه أيضاً اسمَ (الصحيح)، كما حكاه عنهما الحافظ ابن الصلاح في ((مقدمته))، بآخر (النوع الثاني: الحَسَن)، وتعقّبه بقوله: ((وهذا تساهل، لأن فيها - أي في الكتبِ المعدودِ فيها كتابُ الترمذي - ما صرَّحوا بكونه ضعيفاً أو منكراً أو نحوَ ذلك من أوصاف الضعيف)). انتهى. وقال الحافظ الذهبي في (سير أعلام النبلاء))(٢)، في ترجمة الترمذي: (في (الجامع) عِلمِّ نافع، وفوائدُ غزيرة، ورؤوسُ المسائل، وهو أحَدُ أصول الإِسلام، لولا ما كدَّرَهُ بأحاديث واهية، بعضُها موضوع، وكثيرٌ منها في الفضائل)). انتهى. وقال الذهبي أيضاً: ((انحطّتْ رُتَبَةُ جامع الترمذي عن سنن أبي داود والنسائي، لإِخراجه حديثَ المصلوبِ والكلبيِّ وأمثالِما)»، نقله السيوطي في ((تدريب الراوي))(٣)، في أواخر الكلام على (الحديث الحسن). فوصفُ ((جامع الترمذي)) بلفظ (الصحيح) غيرُ صحيح، فلا يَسُوغُ إثباتُه عليه. (١) ١ : ٥٥٩. (٢) ١٣ : ٢٧٤. (٣) ص ٩٩. ٥٥ وسمَّاهُ الحافظ أبو القاسم الإِسْعَرْدِي، المتوفى سنة ٦٩٢ رحمه الله تعالى، في جزئه ((فضائل الكتاب الجامع لأبي عيسى الترمذي))(١): (المسند الجامع). انتهى. وهذا لائقٌ به. وسمَّاهُ قبلَهُ الحافظُ ابنُ خير الإِشبيلي، المتوفى سنة ٥٧٥ رحمه الله تعالى، في ((فهرست ما رواه عن شيوخه))(٢)، بقوله: ((الجامعُ المختصَرُ من السُّنَن عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ومعرفةُ الصحيح والمعلولِ وما عليه العمل)). انتھی (٣) . وهذا الاسمُ مطابق لمضمون الكتاب، ووقفتُ عليه بعينِهِ مُثبتاً على مخطوطتين قديمتين، كُتَبَتْ إحداهما قبلَ سنة ٤٧٩، وقبلَ ولادة الحافظ ابن خير بأكثر من عشرين سنة، فقد وُلِدَ سنة ٥٠٢، والنسخة الأخرى كُتِبَتْ في سنة ٥٨٢، وأثبتُّ صورة وجههما فيما سيأتي. وقد دُعيتُ إلى المشاركة في ندوةٍ أقامها البنك الإسلامي للتنمية في جُدَّة، بعنوان (استخدام الحاسوب في العلوم الشرعية)، وعُقِدَتْ في ٢٤ / ١٤١١/٤، فلبيتُ الدعوة وشاركت فيها، وكان من الأساتذة المشاركين فيها الأستاذ الفاضل الدكتور محمد مصطفى الأعظمي . فذكرتُ له في حديث خاص بيننا أن كتب السُّنَّة (السِّتَّة) (٤)، تحتاج في (١) ص ٣٨. (٢) ص ١١٧ . (٣) وسأوردُ تعليقاً فيما يأتي ص ٧٩ - ٨٣ كلامَ الحافظ ابن خير، الذي سَمَّى فيه كتابَ الترمذي، بسنده إلى الترمذي، لما فيه من الفوائد النافعة . (٤) وهي: صحيحُ الإِمام البخاري، وصحيح الإِمام مسلم، وسنن الإِمام أبي داود، وجامع الإِمام الترمذي، وسنن الإِمام النسائي، وسنن الإِمام ابن ماجه. = ٥٦ إخراجها ونشرِها إلى مزيدٍ عنايةٍ خاصة، تُواكِبُ تقدُّمَ الطباعة وارتقاءَها، وذكرتُ له أن بعضَها مثلَ صحيحِ البخاري وصحيحِ مسلم وجامعٍ الترمذي: لم تُثَبَت عليها أسماؤها العَلَميَّة التي وضعها لها مؤلفوها، لتَدُلَّ على ومن جليل تقدير الله تعالى أن هؤلاء الأئمةَ الستةً - على اختلافٍ في الإِمام مسلم - = ليسوا عَرَباً، وقد أقام الله تعالى - وله الحكمةُ البالغة سبحانه - هؤلاء الأئمةَ المحدِّثين الكبارَ الأعاجمَ من مَشْرِقٍ أطراف الدنيا: البخاريّ من بخارى، ومسلماً من نيسابور، وأبا داود من سِجسْتان، والترمذيَّ من ترمذ، والنسائيَّ من نَسَا، وابن ماجه من قَزْوِين - وأمثالَهم من المحدِّثين أيضاً والمفسرين والفقهاء والأصوليين واللغويين والأدباء والمؤرخين وسواهم - حُفَّاظاً لسُنَّةِ نبِّه محمد العربي المكي التِّهَامي صلَّى الله عليه وسلَّم، وحُرَّاساً لدينِهِ وشريعتِه المطهّرة: إعلاماً للأجيال اللاحقة بأنَّ هذا الدين الحنيف، امتَدَّ ظِلُّهُ الوارفُ وظِلُّ حَمَلتِه الأمناءِ إلى جَنَباتِ الأرض الشاسعةِ شرقِها وغربِها وشِمالها وجنوبها، فيكونُ ذلك للأجيال المتلاحقةِ دَرْساً متكرِّراً يَقرعُ أسماعَهم كلَّما نُقِلَ عن هؤلاء الأئمةِ روايةٌ حديثِ سيدنا رسولِ الله صلواتُ الله وسلامه عليه. فلِلَّه دَرُّهم ما أجَلَّ بِرَّهم، وأجزلَ أجرَهم، وأكثرَ خیرهم. فهم خدموا هذا الدينَ وعلومَهُ وبذلوا غايةً طاقاتِهم ومواهبهم في ذلك، بدافع العقيدة والإِيمانِ بالله ورسوله صلَّى الله عليه وسلَّم وحُبِّ سُنَّتِه، لا بدافع عَصَبَيَّة أو تَّبَعِيَّة أو عُنصرية أو قومية أو عِرْقية أو بلدية، فرحماتُ الله عليهم ورضوانُهُ العظيم . قال شيخ مشايخنا الإِمامُ محمد أنور شاه الكشميري في «فيض الباري على صحيح البخاري)) ٢٤٥:٤، عند حديث أبي هريرة أن النبي صلَّى الله عليه وسلّم قال: لو كان الإِيمان عند الثريا لناله رجال أو رجل من هؤلاء ووضع يده على سلمان الفارسي رضي الله عنه : ((الظاهر أن المراد منه هم العلماءُ الكبار الذين أقامهم الله تعالى لنصرة دينه من العجم، وحَمَلةُ هذه الأحاديث - وهم حمَلَةُ الشريعة - في العجم، ولا ريب أن هؤلاء كثروا في العجم، حتى إنَّ أصحاب الكتب الستة كلُّهم من العجم)). انتهى باختصار وتصرف یسیر. ٥٧ مضمون کتبهم وتحديد منهجهم في جمعها وتصنيفها، بل قد أُثبِتَ علی کتاب الترمذي اسمٌ مخالفٌ لمضمونه كلَّ المخالفة، وهو ((الجامع الصحيح))! وقلتُ له: إني تعرَّضتُ لهذا الموضوع في رسالتي المسماة: ((الإِسناد من الدين))، التي قدمتها إلى المطبعة من السنة الماضية، وحقّقتُ فيها اسمَ صحيح الإِمام البخاري، واسمَ جامع الإِمام الترمذي، وسمِّيتُ له الاسمَ العَلَمي الذي وضعه الإِمام الترمذي لكتابه، وهو: ((الجامعُ المختصَر من السُّنَن عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ومعرفةُ الصحيح والمعلولِ وما عليه العمل))، وكانت تجارب التصحيح لطباعة هذه الرسالة معي، فأطلعته على ما كتبتُه في هذا الصَّدَد فسُرَّ به، وذَكَر لي أن لديه مخطوطة قديمة من كتاب الترمذي، عليها هذا الاسم بعینه کما یظن. فرجوتُ منه أن يسعفني بصورة من صفحة العنوان، لأعزِّز بها ما ذكرتُه، ولأنشرَها في آخر الرسالة، فتكرَّم بذلك فقدَّم لي صورةً من عنوان نسخةٍ مكتبة فيض الله أفندي، التي سأتحدث عنها بعد قليل، ولم يكتفِ بهذا فأرسل إلى مقَرِّه في أمريكا، وطلب لي صورة من نسخةٍ ثانية قديمة لكتاب الترمذي، تملَّكها من قريب وعليها العنوان الذي ذكرتُه، ثم جاءت الصورة فكان العنوان فيها مطابقاً لنسخة فيض الله أفندي، ومطابقاً للعنوان الذي أثبتُّهُ في رسالتي «الإِسناد من الدین)). وقدَّم لي أيضاً صورتين لوجه نسختين قديمتين من صحيح الإِمام البخاري، أَثبِتَ عليهما اسمُ صحيح البخاري كما ذكرته في رسالة ((الإِسناد من الدين))، فتعزّز عندي الجزمُ بصحة ما كتبته في اسمَيْ هذين الكتابين: صحيح البخاري وجامع الترمذي، والحمدُ والفضلُ الله تعالى. فأذكُرُ هذا مصحوباً بجزيل الشكر للأستاذ الأعظمي لما تكرَّم به واهتم بتقديمه من أجل تعزيز ما أثبته، والله يجزيه خير الجزاء، فالصُّوَرُ الأربعة الآتية ٥٨ في هذا الكتاب هي من قِبَلِهِ وتفضُّلِه. والغريبُ كلَّ الغرابة أنَّ من خَدَم جامع الترمذي من العلماءِ المعاصرين: تحقيقاً وتقويماً لمْنِه، أو شرحاً وبياناً لمعانيهِ وأحاديثه، أو ضبطاً وتفصيلاً لشرحه، كشيخ شيوخنا العلامة محمد يحيى الكانْدِهْلَوِي، في شرحه المسمى : ((الكوكب الدُّرِّي على جامع الترمذي))، وكالعلامة عبد الرحمن المباركفوري، في شرحه ((تحفة الأحوذي))، وشيخنا العلامة أحمد شاكر، في تحقيقه لمتن كتاب الترمذي وشرحِهِ الذي لم يتم، وشيخنا العلامة محمد يوسف البَنُوري، في شرحه المسمَّى ((معارف السنن)) الذي لم يكتمل، وصديقنا العلامة الشيخ أحمد معبد، في تحقيقه لكتاب ((النفح الشّذِي)) للإِمام ابن سَيِّد الناس، في مقدمته النفيسة لتحقيق ((النفح الشذي))، التي تَصلُحُ أن تكون كتاباً مستقلاً لغزارة علمها وبالغ طولها: لم يتعرضوا بالمرة لذكر اسم الكتاب العَلَمي . وأغربُ من هذا أنَّ من خَصَّص دراسةً خاصةً واسعةً عن الإِمام الترمذي وجامِعِه، كالأستاذ الفاضل الدكتور نور الدين عِتْر في كتابه ((الإِمامُ الترمذي والموازنةُ بين جامعه وبين الصحيحين))، لم يتعرض لذكر اسم الكتاب هذا فيه، وإنما ذكر في ص ٤٤ جملةً من الأسماء المختصرة المختزلة له، فكأنه لم يمر بخاطره هذا الموضوع بالمرة، وإلَّ لكان بحثَهُ واستكشفه من النسخ المخطوطة القديمة، فإنه من أهم المباحث وأوَّلها عنايةً لدارس كتاب جامع الترمذي . وكذلك لم يتعرض لاسم (جامع الترمذي) الأستاذ الدكتور أكرم العمري، في مقاله الكبير: (تراث الترمذي العلمي)، المنشور في مجلة (مركز بحوث السنة والسيرة) بقطر، في العدد الخامس ص ١٣١ - ١٦٣، الصادر سنة ١٤١١، ثم طبَعَه في جزء مستقل سنة ١٤١٢ بالعنوان نفسه، باسم (آثار الترمذي العلمية)، لم يتعرض فيه للاسم بشيء مَّا، بل كرَّر مراراً ذكر اسمٍ ٥٩ كتاب الترمذي باسم (الجامع الصحيح) !! وذكر في مقاله هذا أكثر من عشر نُسَخ من مخطوطاتِه، موجودة في مكتبات متفرقة، ولو كان لاحَظَ ذلك لأعطى اسمَ الكتاب قسطاً حسناً من دراسته ولا ريب. وسأنقل فيما يأتي(١) كلامَهُ على النُّسَخ المخطوطة من (جامع الترمذي)، ليستفاد منها عند طبعه وتحقيقه ممن يُمدُّه الله تعالى بذلك، ويكون أهلاً لما هنالك. وقد وقع نحوُ هذا للشيخ ناصر الألباني حين قَطَّعَ كتابَ الترمذي! فإنه خاض في موضوع اسمِهِ طويلاً، وأسهب وأطنب وجال وأطال! وخرج من هذه المخاضة كما دخلها بغير شيء! بل إنَّ شيخ شيوخنا الإِمامَ محمد بن جعفر الكتاني، لم يتعرض لاسم الكتاب في كتابه الحافل المفيد ((الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المشرفة))، وكذلك قبله العلامة حَاجِّيْ خَلِيفَة في كتابه العظيم ((كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون)). بل إن الذين ترجموا للإِمام الترمذي من كبار الأئمة المتأخرين، كالحافظ المِّي في ((تهذيب الكمال))، والحافظ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ))، و («سِير أعلام النبلاء)) و((العِبَر))، والحافظ ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)): لم يتعرضوا أيضاً لذكر اسم الكتاب. وذلك مما جَعَل اسمَ الكتاب مجهولاً خفياً، ولعل الباعث لهم على ذلك طولُ اسم الكتاب بعضَ الشيء، فهم يختصرونه بأقلّ ما يَدُلُّ عليه، وهذا عذرٌ مسوِّغ مقبول عند الإِحالة إليه والنقلِ منه، لكثرة ترداد اسمه، أما عند الحديث عن الكتاب فيتعينُ صِناعةً ذكرُ اسمِهِ وعنوانِهِ الذي وضعه المؤلف، لتُعرَفَ خِطَّتُهُ ونهجُهُ فيه بجلاء ووضوح. (١) ص ٦٠. ٦٠ ذكرتُ فيما تقدم(١) أنَّ الأستاذ الدكتور أكرم العمري، تعرَّض في مقاله: (تراث الترمذي العلمي)، إلى ذكر عِدَّةٍ نُسَخ مخطوطة من ((جامع الترمذي))، موجودة في مكتبات متفرقة، وأني سأذكرها ليستفيد منها من يوفقه الله تعالى من أهل العلم المتقنين إلى تحقيق (جامع الترمذي)، فها أنا ذا أوردُ أرقامُ تلك النسخ مع تواريخ كتابتها وأماكن وجودها كما ذكرها الأستاذ العمري، قال في ص ١٥١ - ١٥٤ : ((الحاجةُ إلى تحقيقٍ عِلْمي لكتابِ الجامع الصحيح))(٢) لقد طُبع الجامع الصحيح للترمذي عدة طبعات، في الهند ومصر واستانبول، وإنّ مقارنةَ الطبعات التي صَدَرتْ من (الجامع الصحيح) للترمذي مع نصوص الترمذي في (تحفة الأشراف) للمِزِّي، ومع النص الذي اعتمده المباركفوري صاحبُ (تحفة الأحوذي)، ومع ما نقله الطوسي في مستخرجه عن الترمذي، من أحكام على الأحاديث: تدل على اختلافٍ بين النَّسَخ، وخاصةً الحكمَ على الأحاديث، وكان ابن حجر قد أشار إلى اختلافِ مخطوطات جامع الترمذي في أحكامه على الحديث كما في التقريب(٣). وتدلُّ أيضاً على سقوطٍ بعض الأحاديث من النسخ المطبوعة، مما يوضح أهميةَ إعادة نشر (الجامع الصحيح) للترمذي، بالاعتماد على النسخ الخطية القديمة، بعد القيام بدراسة النسخ وتحديد الأصول منها الصالحةِ للمقابلة ببعضها، واختيارِ النسخة الأمّ لاعتمادِها في النِّسَخ. (١) ص ٥٩. (٢) قال عبد الفتاح: سبق أن أشرتُ في ص ٥٤ و٥٨، إلى انتقاد هذه التسمية: (الصحيح)، في كلام شيخنا أحمد شاكر ومن سبقه، وفي كلام الدكتور أكرم العمري، فإن مؤلِّفه لم يسَمِه بلفظ (الصحيح)، ولا هو في الواقع متصف (بالصحيح). (٣) ابن حجر: التقريب ٢٣٠.