Indexed OCR Text

Pages 241-260

كتاب المناقب - الصحابة
قال: حَدَّثْنَا شَرِيكُ بنُ عبدِ الله النَّخَعِيُّ، عن مالكِ بنِ مِغْوِلٍ، عن ابنٍ
بُريدةً، عن أبيه(١).
وعن أبي إسحاقَ، رفعَهُ إلى سلَمَة بن قيسٍ، أنَّ النبيَّ:﴿ مرَّ على
أبي موسى الأشعريِّ، وهو يقرأُ، فقال: ((لقد أُوتِيَ هذا مِزْماراً مِنْ
مزاميرِ آلِ داودَ)).
٦٥٦٨- حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عليٍّ بنِ داودَ، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الرحمن
ابنُ صالح الأزديُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرحيمِ بنُ سليمانَ، قال: أخبرنا
قَنَانُ بنُ عبد الله النَّهْمِي، عن عبد الرحمن بن عَوْسَجَةَ، عن البراءِ، عن
النَِّ﴿، وسَمِعَ أبا موسَى يقرأُ القُرآنُ، فقالَ: ((لَكَأنَّ أصواتَ هذا من
أصواتِ آلٍ داود».
قال أبو جعفرٍ: ففيما روينا من هذه الأحاديثِ إضافةُ ما أُوتِيه أبو
موسى من صوتِه إلى مزمارٍ من مزامير آل داودَ، فأُضيفتِ المزاميرُ في
ذلك إلى آلٍ داودَ، لا إلى داودَ {﴾.
فسألَ سائلٌ عن المعنى في ذلك.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيقِ الله وعونِهِ: أنَّ الله عَزَّ وَجَلَّ ذَكَرَ
داودَ ﴿ في كتابِهِ، فقالَ: ﴿وَقَدْ آَنَا دَاوَدَ مِنََّ فَضْلاَيَا حِبَالُ أَوْبِي مَعَهُ﴾ إلى
(١) صحيح، شريك توبع، ورواه عبد الرزاق (٤١٧٨)، وأحمد ٣٤٩/٥ و٣٥١
و٣٥٩، وابن سعد ٣٤٤/٢ و١٠٧/٤، وابن أبي شيبة ٤٦٣/١٠، ١١٢/١٢،
والدرامي ٤٧٣/٢، ومسلم (٧٩٣) (٢٣٥)، والنسائي في ((فضائل القرآن)) (٨٣)،
والبيهقي ٢٣٠/١٠ من طرق عن مالك بن مِغْول، به.
- ٢٤١ -

كتاب المناقب - الصحابة
قوله جل وعز: ﴿اعْمَلُوا آلَ داودَ شُكْراً﴾ [سبأ: ١٠]، فكانَ الذي
يقولُهُ أهلُ العِلمٍ في تأويلِ قولِهِ: ﴿يَا جِبَالُ أوّبِي مَعَهُ﴾.
ما حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، قال: حَدَّتَنَا أبو عاصم، عن عيسى
بنٍ ميمون، عن ابن أبي نجيحِ، عن مجاهدٍ.
وما حَدَّثْنَا ابنُ أبي مريمَ، قال: حَدَّثَنَا الفِريابيُّ، قال: حَدَّثَنَا
ورقاءُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ، في قوله: ﴿يَا جِبَالُ أوّبِي مَعَهُ﴾، قال:
سبِّحي.
وأمَّا أهلُ العربيةِ، فمنهُمْ مَنْ كانَ يذهبَ في ذلك بأنَّ المرادَ أُوْبِي
مَعَهُ: ارجِعِي مَعَهُ من الإيابِ، منهم أبو عبيدةَ مَعْمَرُ بنُ المثنّى، كما قد
حدثناهُ وَلَأَدّ النّحْوِيُّ، عن أبي جعفرِ المصادِرِيِّ عنه، ويجعلُ ذلك من
الآياتِ من الأنبياءِ. ومنهم الفَرَّاءُ يحيى بنُ زيادٍ (١)، فقالَ في ذلك معنى
أُوِّنِي، سَبِّحي، ثم ذكرَ بعد ذلكَ عن بعضِهم أنه كانَ يقولُ فيهِ يمثلٍ
الذي ذكرناهُ عن أبي عبيدةً، وكان ما يقولُه أهلُ العملِ مِمَّا يُوافِقُهم
عليهم مَنْ يُوافِقُهم عليه مِنْ أهلِ العربيةِ أُوْلَی.
ولَّا كانَ ذلك كذلكَ، وكان التسبيحُ سَبَبُهُ داودَ عليه السَّلامُ،
وكانت تلكَ الأشياءُ مأمورةٌ بالتسبيحِ مَعَهُ، كان كلُّ مُسَبِّحِ مَعَهُ آلاَّ لَهُ،
كقول الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿ادْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦] فسَمَّاه
(١) في ((معاني القرآن)) له ٣٥٥/٢ ونص كلامه: اجتمعت القراءُ الذين يعرفون
على تشديد (أوِّبي)، ومعناه: سبِّحي، وقرأ بعضهم: (أُوبِي معه) من آب يؤوب: أي
تصر في معه.
-٢٤٢-

كتاب المناقب - الصحابة
الله آلاَّ لَهُ، لاَتْبَاعِهِم إِيَّاهُ، ولِعَمَلِهِم بعملِهِ حتَّى استحقُّوا بذلكَ من
العذابِ مثلَ ما يستحقُّه هو بكفرِه. ومِنْهُ قيلَ: آلُ محمدٍ﴾، فصُلِيَ
عليهم معَهُ، بقول: «اللهمَّ صلِّ على محمدٍ وعلى آلٍ محمدٍ، كما
صليتَ على إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ، أو كَمَا صليتَ على آلِ إبراهيمَ))
على ما قَدْ رُوِيَ عن النبيِّ ﴿ في ذلك فيما نحنُ ذاكرُوهُ مِنْ بَعْدُ في
كتابنا هذا في موضِعِهِ منه إنْ شاءَ الله.
فكانَ ما ذُكِرَ في ((الآلِ)) من المعنى مِنْ هذه المعانِي، إنَّما ذُكِرَ
منهم لِمَكانِهِمْ ثَمّن هُم آلٌّ لَهُ. ولَّا كانُوا قد استحقُّوا ذلك بهِ، كانَ هو
بِهِ في الاستحقاق لما استحقُّوه به فوقَهم، فمثل ذلك: ((لقد أُوتيَ أبو
موسَى مزماراً من مزامِيرِ آلِ داودَ» ومزاميرُهم تسبيحُهم الذي کان
يكونُ منهم ◌َمّ داودُ سبَّبُهُ، فمعقولٌ أَنَّ داودَ ﴿ سبَبُهُ في ذلكَ أوْكَدُ
مِنْ أَسْبَابِهم، وأنَّ ما أُضِيفَ مِنَ المزاميرِ إليهم مضافةٌ إليهِ﴿، وأنَّ ما
روينا عن رسولِ اللهِ:﴿ من قولِهِ: «لَقَدْ أُوتِيَ أبو موسى مِزماراً مِنْ
مزامير آل داودَ في معنى قولِهِ {﴿ مزماراً من مزامير داودَ ﴿)، والله
نسأله التوفيقَ.
- ٢٤٣-

كتاب المناقب - الصحابة
٩٥٥- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عَنْهُ عليه السَّلامُ في صِدْقٍ
أبي ذَرُّرَضِيَ الله عنه
٦٥٦٩- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أحمد بن مروان أبو إسحاقَ
الْوَاسِطِيُّ، حَدَّثْنَا جعفرُ بنُ محمد بن إسحاقَ الأَزْرَقُ الوَاسِطِيَّ، حدثني
جَدِّي إسحاقُ بنُ يوسف، حدثني شريكٌ النّخَعِيُّ، عن الأعمشِ قال:
سَمِعْتُ أبا وائل يحدِّثُ عن حَلامِ بنِ جَزْلٍ، عن عليّ بن أبي طالب،
قالَ: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ ﴿ يقولُ: ((ما أظَلِّتِ الْخَضْرَاءُ، ولا أقلَّتِ
الغَبْراءُ على ذِي لَهْجَةٍ أَصْدَقَ مِنْ أبي ذَرِ)(١).
٦٥٧٠- حَدَّثْنَا فَهْدٌ، حَدَّثْنَا أبو بكر بنُ أبي شيبة، حَدَّثْنَا عبدُ
الله بنُ نُمير، حَدَّثْنَا الأعمشُ، عن عثمان أبِي الْيَقْظَان، عن أبي حَرْبٍ
بنِ [أبي] الأسود، قال: سمعتُ عبدَ اللهِ بنَ عَمْروٍ يقول: سمعتُ رسولَ
الله عليه السَّلامُ يقولُ. ثم ذكرَ مثلَه(٢).
(١) رواه بحشل في (تاريخ واسط)) ص ١٤١، والحاكم ٤٧٩/٤ -٤٨٠ من طريق
جعفر بن محمد الواسطي، به.
ورواه أبو نعيم في ((الحلية) ١٧٢/٤ من طريق بشر بن مهران، عن شريك، عن
الأعمش، عن زيد بن وهب، عن علي به.
الخضراء: السماء، والغبراء: الأرض.
(٢) إسناده ضعيف، وهو في ((مصنف ابن أبي شيبة)) ١٢٤/١٢.
ورواه أحمد ١٦٣/٢ و١٧٥ و٢٢٣، والترمذي (٣٨٠١)، وابنُ ماجه (١٥٦)،
وابن سعد ٢٢٨/٤، والدولابي في («الكنى والأسماء)) ١٤٦/١، والحاكم ٣٤٢/٣ من
طريق الأعمش، به.
-٢٤٤ -

كتاب المناقب - الصحابة
٦٥٧١- حَدَّثْنَا أبو أمية، حَدَّثَنَا الحسنُ بن موسى الأشيبُ،
حَدَّثَنَا حَمَّاد بن سَلَمة، عن عليٍّ بنِ زيد، عن بلالِ بن أبي الدَّرْدَاءِ،
عن أبيه، عن النبيِّل﴿ٌ مثله(١).
فتأمَّلْنا هذا الحديث لِنَقِفَ على المعنى الذي أُرِيدَ به ما هُو؟
فوجدْناه قد أُخْبَرَ فيه أنَّ الخضراءَ ما أظَلَّت، وأنَّ الغبراءَ ما أقلَّتْ من
ذِي لَهْجَةٍ أصدقَ من أبي ذَرِّ، فكان ذلك عندنا - والله أعلم- على أنه
كان رضي الله عنه في أعلى مراتبِ الصِّدقِ، ولم يكن في ذلك ما يَنْفي
أن يكونَ قد كان في أصحابِ رسول الله لَ﴿ مَنْ هُو في الصِّدْقِ مثلُه،
فكانَ الذي في هذا الحديث إثباتَ أعلى مراتبِ الصدق لأبي ذر،
وليسَ فيه نفيُ غيره من تلك المَرْتَبَةِ، إنَّما فيه نفيُ غيره أنْ يكون في
مرتبةٍ من مراتب الصدق أعلى منها، والله نسأله التوفيق.
(١) رواه أحمد ٤٤٢/٦، وابن أبي شيبة ١٢٥/١٢، وابن سعد ٢٢٨/٤، والبزار
(٢٧١٣) والحاکم ٣٤٢/٣ من طريق حماد بن سلمة، به.
وفي الباب عن أبي ذر نفسه عند الترمذي (٣٨٠٢)، وابن حبان (٧١٣٢)
و(٧١٣٥)، والحاكم ٣٤٢/٣.
- ٢٤٥-

كتاب المناقب - الصحابة
٩٥٦- بابُ بيانٍ مُشْكِل ما رُوِيّ عن رسول الله ﴾ من قولِه
لعمرو بن العاص: «نعمًا بالمَالِ الصَّالحِ لِلمَرْءِ الصَّالِحِ»
٦٥٧٢- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حَدَّثْنَا أبو عامر العقَدِيُّ،
حَدَّثَنَا موسى بنُ عُلي، عن أبيه، قال: سمعتُ عمرو بن العاص، قال:
أرسلَ إليَّ البِيُّ ◌َ﴿، فقال: ((خُذْ عَلَيْكَ ثيابَكَ وسِلاحَكَ، ثم انْتِني)).
ففعلتُ ثم أتيتُه وهو يتوضأ، فَصَعَّدَ فيَّ البَصرَ، ثم طأطأُه، ثم قال: (إني
أُرِيدُ أن أَبْعَثَكَ على جيش، فيُسَلِّمُكَ اللهُ وَيُغْنِمُكَ، وأزْعَبُ إليكَ
زَعْبَةً مِن الْمَالِ صَالِحِةٌ)). قلتُ: يا رسولَ الله، ما للمالِ هاجرتُ، ولكن
هاجرتُ رغبةً في الإسلامِ وأن أكونَ مع رسولِ الله. فقال: ((يا عَمْرُو،
نِعِمَّا بِالمالِ الصَّالِحِ لِلِمَرْءِ الصَّالخ)(١).
٦٥٧٣- وحَدَّثْنَا بحرُ بنُ نصر، عن شعيب بنِ الليث، عن موسى
(١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ١٩٧/٤ و٢٠٢، والبخاري في ((الأدب المفرد))
(٢٩٩)، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) (١٣١٥)، وأبو يعلى (٧٣٣٦)، وابن
حبان (٣٢١٠) و(٣٢١١)، والحاكم ٢/٢ و٢٣٦، والبغوي (٢٤٩٥) من طرق،
عن موسى بن علي، به.
وقوله: ((وأُزْعَبُ إليك زَعْيَةٌ من المال))، قال الأصمعي: أي: أعطيك دفعة من
المال، والزعب: هو الدفع، يقال: جاءنا سيل يزعَبُ زعباً، أي: يتدافع.
وقوله: ((نعمًا بالمال))، أصل: ((نعمًا)): نعم ما، و((ما)) هذه في موضع رفع فاعل
((نعم)، والباء في قوله: (بالمال)) زائدة، والمال هو المخصوص بالمدح، أي: نعم الشي
المال الحلال، وقال ابن جني: ((ما)) في ((نعمًا) منصوبة لا غير، والتقدير: نعم شيئاً،
أي: المال الصالح، والباء زائدة مثلها في ((وكفى بالله شهيداً).
-٢٤٦ -

كتاب المناقب - الصحابة
بن علي، ثم ذکر یإسناده مثله.
قال أبو جعفر: فقال قائلٌ: ففي هذا الحديثِ ذكر رسولُ اللهِ مَ﴿
ما ذكره به لِعمرو، ليكون ذلك رغبةً له فيها يبعثُه عليه، وهذا ضد ما
في الآثار.
فكان جوابنا له في ذلك: أن هذا الحديثَ ليس بخلافٍ لما في
الآثار الأُول، وهو ما في حديث ابنِ مسعود: (أو غنى عاجلٍ))، وهذا
على المال الذي يكونُ قِواماً له فيما هُو بسبيله، وحقّق ذلك بقوله:
((نعمًا المالُ الصَّاخُ لِلمرءِ صالح)، والمال لا يكونُ صالحاً إلا وهو
مفعولٌ به ما أمَرَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بفعله فيه، ومن يفعلْ ذلك فيه بحقِّ ملكه
إِيَّاه فهو صالح، فبان بحمدِ اللهِ ونعمته أن لا تضادَّ في شيءٍ من ذلك،
ولا اختلاف.
- ٢٤٧-

كتاب المناقب - الصحابة
٩٥٧- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ من قوله
في أهل بدرٍ رضوان الله عليهم: ((إنّهم أفضلُ الناس)، ومن
قوله: «خیرُ أُمَّتی قرني الذین بُعِثْتُ فیھم»، وأنہ لیس
واحدٌ منهما مخالفاً للآخر
٦٥٧٤ - حَدَّثَنَا إسماعيل بن إسحاق بن سَهْلٍ الكوفي، قال:
حَدَّثْنَا عليٌّ بن قادِمٍ، قال: حَدَّثْنَا سفيان، عن يحيى بن سعيد - يعني أبا
حَيَّن التِّيْمي، عن عَبَايَةَ بن رِفَاعَةً، عن رافع بن خَدِيج، قال: أتى النبيَّ
# جبريلُ﴿، أو قال: مَلَكٌ عظيمٌ، فقال: كيف أهلُ بدرٍ فيكم؟ فقال
رسول الله ﴿: ((هم عندنا أفضَلُ الناسِ)). فقال الملَكُ: كذلك من
شَهِدَ عندنا بدراً من الملائكة(١).
قال قائل: في هذا الحديث ما يجبُ به الفضلُ لأهل بدرٍ من
الملائكة على الناس جميعاً، وقد رَوَيْتَّ فيما تقدَّم من كتابِكَ هذا عن
الْبِيِ ﴿ أنه قال: ((خيرُ أُمَّتي القرنُ الذي بُعِثْتُ فيهم))، ومن ذلك
القرن مَنْ شَهِدَ بدراً، ومنهم من لم يَشْهَدْها، ففي هذا ما يجبُ أنهم
جميعاً قد دخلوا فيما في هذا الحديث، مَنْ شهد منهم بدراً، ومن لم
يَشْهَد، وفي الحديث الأول: فَضْلُ أهلِ بدرٍ على من سواهم من أهل
القرن الذين هم منھم، وهذا تضادٌّ شدید.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أن لا تَضادَّ في ذلك،
(١) رواه أحمد ٤٦٥/٣، وعبد بن حميد (٤٢٥)، وابن ماجه (١٦٠) من طريق
وكيع، عن سفيان، به.
-٢٤٨-

كتاب المناقب - الصحابة
لأن القرن الذي بُعِثَ فيهم ◌َّ خيرُ القرون جميعاً، وهم في أنفُسِهم
متفاضلون بأسبابٍ يتبيَّنُ بها الفاضلون على المفضولين منهم، كما
الأنبياءُ صلواتُ الله عليهم أفضلُ الناس وهم متفاضلون في أنفُسِهم
بالأسبابِ التي يَفْضُلُ بها بعضُهم بعضاً كما قال الله جل ثناؤه في
كتابه: ﴿وَكَقَدْ فَضَّلْنَا بِعضَ النّبِينَ على بعض﴾ [الإسراء: ٥٥].
فمثل ذلك القرنُ الذي بُعِثَ فيهم رسولُ اللهِ:﴿ هم خيرُ القرونِ
وأفضلُ القرونِ، فهم مع ذلك متفاضلون في أنفسهم بمعانيهم التي يبين
بها بعضُهم من بعضٍ، ويفضُل بها بعضُهم على بعضٍ، فمثلُ ذلك أهلُ
بدرٍ يتبيَّنونَ من أهل القرن الذين منهم بالفضل عليهم، ويتبيَّنونَ هم
وسائرُ أهل ذلك القرن الذين هم منهم عن سائر القرون من هذه الأمة
بالخير والفضل، فيعودُ أهلُ بدرٍ أفضلَ أهلِ الذين هم القرنُ الذين هم
خير القرون بمعانيهم التي فيهم بما ليس في سواهم من أهل القَرْن الذين
هم منهم.
فقد بان بحمد الله ونعمتِه أن لا تضادَّ في شيءٍ من هذه الآثار،
وأن لكلِّ وجهٍ منها معنى سوى معنى الوجه الآخر منها، والله عَزَّ
وجَلَّ نسأله التوفيقَ.
-٢٤٩-

كتاب المناقب - الصحابة - الأنصار
٩٥٨- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ من قوله:
((لولا الهجرةُ لكنتُ امرءاً من الأنصارِ»
٦٥٧٥- حَدَّثَنَا المُزَنِي، قال: حَدَّثْنَا الشافعي، قال: حَدَّثْنَا
الدَّرَاوَرْدِي، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي
هُريرة رضي الله عنه، أنَّ رسولَ الله ﴿ قال: «لَوْلاَ الهِجرةُ لكنتُ امرءاً
مِنَ الأنْصَارِ، وَلَوْ أَنَّ النَّاسَ يَسْلُكُونَ وادِياً أو شِعْباً، لسلكتُ وادِيَ
الأنصارِ أو شِعْبَهُم))(١).
فتأمَّلْنا هذا الحديث، فوجدنا النَّصرة سُمِّي أهلُها بها لاستحقاقهم
إِيَّاها بنَصْرِهم الله ورسوله، ويقتالهم عن الدِّين الذي قاتَلُوا عليه حتى
بَلْغُوا منه ما بَلِغُوا، وكانت الهجرةُ التي كانت قبل ذلك استحقَّها أهلُها
بمثل ذلك وبهجرتهم دارَهم التي كانوا من اهلِها لله عَزَّ وجَلَّ ولرسوله
** إلى الدَّار التي اختارها اللهُ عَزَّ وجَلَّ لرسولِهِمَ﴿ ولهم، فجعلها
لرسوله# موطناً ولهم منازلَ، وكان رسولُ اللهِ ﴿ أُوْ لِى الفريقين
بالسَّبين جميعاً وأعْلاَهُمْ فيها منزلةٌ، وكان مع ذلك :﴿ يُخَيِّرُ مَنْ
جمعهما معه بينهما ليختار إحداهما فيجعله من أهْلِها ويكتفي بها من
الأُخرى، ولو لم يكن ذلك منه ﴿ إلا والمخَّر منهما فيه المعنى الذي
يستحقُّ به أنْ يكون من أهلِ كلِّ واحدٍ منهما، فَمِن ذلك ما كان منه
في حُذَيفة بنِ الْيَمَانَ.
(١) رواه البخاري (٣٧٧٩) و(٧٢٤٤)، وأحمد ٤١٠/٢ و٤١٤ و٤١٩
و ٤٦٩، وابن حبان (٧٢٦٩).
- ٢٥٠-

كتاب المناقب - الصحابة - الأنصار
٦٥٧٦- كما حَدَّثْنَا محمد بنُ إبراهيم بن يحيى بن جناد
البغدادي، قال: حَدَّثْنَا مُسلم بن إبراهيم الأزْدِي، قال: حَدَّثَنَا حَمّاد بن
سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيِّب، عن حُذيفة بن اليمان،
قال: خَّرَنِي رسولُ الله ﴿ بين الهجرة والنَّصْرة، فاخترتُ النصرةَ(١).
قال أبو جعفر: وكان رسولُ الله ◌ْ# لو اختار لنفسه النصرة
وترك الهجرة صار الناسُ جميعاً أنصاراً، ولم يَبْقَ أحدٌ منهم مُهاجراً، فلم
يجعل نفسَه من الأنصار، لتبقى الهجرةُ، ولتبقى النصرةُ جميعاً.
ومثل ذلك ما قد رُوِيَ عن النَّوَّاس بن سَمْعان:
٦٥٧٧- كما حَدَّثْنَا فهد بنُ سُليمان، قال: حَدَّثَنَا عبد الله بن
صالح، قال: حَدَّثْنَا معاوية بن صالح، عن عبد الرحمن بن جُبَيْر بن نُفير
[عن أبيه]، عن نَوَّاس بنِ سَمْعان، قال: أقمتُ مع رسولِ الله ◌ُ﴿ بالمدينة
سنةً ما يَمنَعُني من الهجرةِ إِلَّ المسألةُ، فإنَّ أحدَنا كان إذا هاجر لم
يَسألُ رسولَ الله ﴿ عن شيءٍ.
وفي ذلك ما قد دَلَّ أنه قد كان يستحقُّ الهجرة، وفي ذلك ما قد
دَلَّ أنه اختار النصرة على الهجرة، وكذلك نَسَبَّهُ حُبَيْرِ بنِ نُفَيْر في هذا
الحديث.
٦٥٧٨- كما حَدَّثْنَا نصر بن مرزوق وفهد جميعاً، قالا: حَدَّثْنَا
(١) إسناده ضعيف لضعف علي بن زيد ابن جدعان.
ورواه البزار (٢٧١٨) عن محمد بن معمر، والطبراني (٣٠١١) عن أحمد بن محمد
الخزاعي الأصبهاني، كلاهما عن مسلم بن إبراهيم، به.
- ٢٥١ -

كتاب المناقب - الصحابة - الأنصار
عبد الله بن صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح أنّ عبد الرحمن بن
جُبَيْر حدثه عَزَّ وجَلَّ أبيه، عن نوَّس بن سَمْعَان الأنصاري، عن رسول
الله ◌َ﴿ أَنَّه قال: ((ضَرَبَ اللهُ مثلاً صراطاً مستقيماً) ثم ذكر بقية
الحدیث.
قال أبو جعفر: والنَّوَّاس فإنما هو رجلٌ من بني كِلاب ودخل في
الأنصار بالنصرة، وكذلك حُذيفة هو رجل من بني عَبس ودخل في
الأنصار بالنصرة، فثبت بما ذكرنا أنَّ في مَن يُعدُّ مِن الأنصار مَنْ ليس
مِن الأوس ولا من الخزرج. واللّهَ عَزَّ وجَلَّ نسأله التوفيق.
- ٢٥٢ -

كتاب المناقب - الصحابة - الأنصار
٩٥٩ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ فِي دُعائِه
للأنصار، هل دخل في ذلك أبناؤهم أم لا؟
٦٥٧٩- حَدَّثَنَا محمدُ بنُ علي بن زيد المكيُّ، حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ
المنذر الحِزامي، حَدَّثْنَا محمدُ بنُ فليحِ بن سُلَيْمَانَ، عن موسى بنِ عُقبة،
حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ الفضل، عن أنس بنِ مالكٍ، قال: حَزِنْتُ على مَنْ
أُصِيبَ مِنْ قومِي يومَ الحَرَّةِ، فكتب إلى زيدُ بنُ أرقم: أنه سَمِعَ رسولَ
الله ﴿، يقولُ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ للأنصارِ ولأبناءِ الأنْصَارِ)) شكَّ [ابن]
الفضل: (ولأبناء أبناء الأنصارِ))(١).
٦٥٨٠- وحَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حَدَّثْنَا عمرو بنُ مرزوق،
أخبرنا شُعْبَةُ، عن قتادَة، عن النضرِ بنِ أنس، عن زيدٍ بن أرقم، قال:
قال رسول الله ﴿: ((اللَّهُمَّ اغْفِرِ للأنْصارِ، ولأبناءِ الأنصارِ))(٢).
٦٥٨١- وحدثني القاسمُ بنُ جعفر بنِ محمد البصريُّ، حَدَّثَنَا
محمدُ بنُ يحيى الصَّنعاني، حَدَّثْنَا عبدُ الرزاق، أخبرنا مَعْمَرٌ، عَن قتادة،
عن أنس بنِ مالك - رَضِيَ الله عنه - عن رسول الله ◌ُ ﴿، مثلَه(٣).
(١) رواه البخاري (٤٩٠٦) من طريق موسى بن عقبة، به.
(٢) رواه الطيالسي (٦٨٠)، وأحمد ٣٦٩/٤ و٣٧٢، ومسلم (٢٥٠٦)،
والطبراني (٥١٠١) من طرق عن شعبة، به.
(٣) الحديث في ((مصنف عبد الرزاق)) (١٩٩١٣)، ومن طريقه رواه أحمد
١٦٢/٣. وأبو يعلى (٣٠٣٢)، به.
ورواه النسائي في ((الكبرى)) (٨٣٥٠)، وابن حبان (٧٢٨٠) من طريق يزيد بن
زريع، عن قتادة، به.
- ٢٥٣ -

كتاب المناقب - الصحابة - الأنصار
٦٥٨٢ - وحَدَّثْنَا عليُّ بنُ شيبةَ، حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ هارون، حَدَّثْنَا
حمادُ بنُّ سَلَمَةَ، عن ثابت البناني، عن أبي بكر بنِ أنس، قال: كَتَبَ
زيدُ بنُ أرقم إلى أنس بنِ مالكٍ يُعَرِّفُهُ بمن أُصِيبَ مِنْ وَلَدِهِ وقومِه يَوْمَ
الحَرَّةِ، وكتب إليه: وأُبَشِّرُكَ بُشْرى مِنَ اللهِ: سمعتُ رسولَ الله ◌َِّ
يقولُ: ((اللَّهُمَّ اغْفِرْ للأنصارِ ولأبناءِ الأنْصَارِ، ولابناء أبناءِ الأنصارِ،
ولِنساء الأنصارِ، ولِنسَاء أبناءِ الأنصارِ، ولِنساء أبناء أبناء
(١)
الانصار))
٠
٦٥٨٣- وحَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حَدَّثَنَا عليُّ بنُ الجعدِ،
أخبرنا مباركُ بنُ فَضالة، عن ثابت، عن أنسٍ، قال: قالَ رسولُ الله ◌ِّ:
((اللَّهُمَّ اغْفِرْ للأنصارِ ولأبناءِ الأنْصَارِ، ولأبناء أبناءِ الأنصارِ)).
٦٥٨٤- وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ حُميد بن هشام الرُّعييُّ، حَدَّثْنَا أبو
صالحِ الْحَرَّانِيُّ، حَدَّثَنَا يوسفُ بنُ عبدة، حَدَّثْنَا ثابتٌ، وحُمَيْدٌ، عن أنسٍ
بنِ مالكٍ، عن النبيِّ ◌َ# مثلِه.
ورواه عبد الرزاق (١٩٩١٤)، وعنه أحمد ١٦٢/٣ عن معمر، عن أيوب، عن
أبي قلابة، عن أنس.
ورواه أحمد ١٥٦/٣ و٢١٣ و٢١٦-٢١٧ و٢١٧، ومسلم (٢٥٠٧)، والترمذي
(٣٩٠٩)، وابن حبان (٧٢٨٢)، والطبراني (٧٣٥) من طرق، عن أنس نحوه.
(١) رواه ابن أبي شيبة ١٦٠/١٢، ومن طريقه ابن حبان (٧٢٨١)، والطبراني
(٥١٠٤)، عن يزيد بن هارون، به.
ورواه أحمد ٣٧٤/٤، والطبراني (٥١٠٥) من طريق يزيد بن هارون، عن حماد
بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أبي بكر بن أنس، به.
- ٢٥٤ -

كتاب المناقب - الصحابة - الأنصار
فقال قائِلٌ في هذه الآثار ما قد دَلَّ على أنَّ أبناءَ الأبناءِ لم يدخلوا
في الأنصارِ، ولولا أنَّ ذلك كذلك، لما احتاجَ رسولُ الله :﴿ُّ بَعْدَ ذلك
أن يقولَ: ((ولأبناءِ الأنصارِ)).
فكان جوابُنا له في ذلك: أنه قد يحتمل أن يكونَ أبناءِ الأنصارِ قد
كانوا دَخَلُوا في الأنصارِ الذين دعا لهم رَسُولُ اللهِ﴿ بما دعا لهم به في
هذا الحديثِ، ثم وَكَّدَ أمرَ أبنائهم فقال: ((ولأبناءِ الأنصارِ»، كما ذكر
الله تعالى النبيِّين صلواتُ الله عليهم بقوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإِذْ أَخَذْناً من النّينَ
ميثاقَهم﴾، ثم قال: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحِ﴾ [الأحزاب: ٧]، وذكر معهما مَنْ
ذكر منهم ممن قد كانوا دخلوا في النبيِّين المذكورينَ قبلَ ذلك، فكان
مثلُ ذلك ما قد ذكرناه من دُعائه للأنصار قد دَخَلَ في ذلك أبناؤُهم،
ثم وَكَّدَ ذكرَ أبنائِهِم بإعادة ذكرِهم، فقال: ((ولأبناءِ الأنصارِ)).
فقال هذا القائلُ: وما دليلُك على دخولِ أبناءِ الأنصارِ في دعاءِ
النبيِّ عليه السَّلامُ الذي كان للأنصارِ، ولم يكن منهم نصرةٌ، وإنما
كانت النصرةُ من آبائهم لا منهم؟
فكان جوابُنا له في ذلك ما قد رُوِيَ عن رسولِ اللهِ﴿ مِنْ قوله
عند تَلَمُّظِ عبدِ الله بنِ أبي طلحة: ((حِبُّ الأنصارِ التمرُ).
٦٥٨٥- كما حَدَّثَنَا بكارُ بن قتيبة، حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ بكر
السَّهمي، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ الطويلُ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: وَلَدَتْ أُّ
سُليم عبدَ الله بن أبي طلحة ليلاً، فكَرِهَتْ أن تُحَنِّكَهُ حتى يكونَ
رسولُ الله:﴿ يُحَنِكُهُ، فغدوتُ ومعي تمراتُ عجوةٍ، فأتيتُ النِيَّلِ﴾
- ٢٥٥ -

كتاب المناقب - الصحابة - الأنصار
وهو يَهْنَأُ أَباعِرَ له يَمْسِحُها. فقلتُ: يا رسولَ اللهِ، وَلَدَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ،
فكَرِهَتْ أن تُحَنِّكَهُ حتى تكونَ أنتَ تُحَنِّكُهُ، فقال: ((أَمَعَكَ شيءٌ؟)
قلتُ: تمراتُ عجوة، فأخَذَ من بعضِ ذلك التمرِ، فمَضَغَهُ فجمعهُ بريقه
فأوْجَرَهُ، فَتَلَمَّظَ الصَّبِيُّ، فقال: ((حِبُّ الأنصارِ التَّمْرُ)، قال: سَمِّه يا
رسولَ اللهِ، قال: (هُوَ عبدُ الله).
فكان في هذا الحديثِ ذكرُ رسول الله:﴿ عبد الله بن أبي طلحة
بأنّه من الأنصار، لأنه من أبناءِ الأنصارِ، فدلَّ ذلك على دخولِ ابناءٍ
الأنصارِ معهم في دعاءِ البِيِّ ◌َ# الذي كان دعا به لهم.
فقال هذا القائِلُ: فقد وجدنا المهاجرينَ لا يُقال لأبنائِهم:
مهاجرون، لأنهم لم يُهاجروا، وإنما كانت الهجرةُ لآبائهم، فكذلك
أبناءُ الأنصارِ لا يُقَالُ لهم: أنصارٌ، لأنهم لم يكن منهم نُصْرَةٌ، وإنما كان
لآبائهم دونَهم.
فكان جوابُنا له في ذلك: أن أبناءَ المهاجرينَ كما ذكر، لأن
إسلامَ آبائِهم كان في دارِهم، ثم هاجَرُوا بعدَ ذلك من دارِهم إلى الدَّارِ
التي هاجَرُوا إليها لِوقوع هذه الاسم نصّاً، والأنصارُ لم يكونوا كذلك،
لأنّهم إنما كانوا أتوا النبيَّ عليه السَّلامُ إلى مكة، فبايعوه على أن يمنعوه
مما يمنعون منه أنفُسَهُمْ وأبناءَهُم، وذلك على عهدهم له النصرةَ على
أنفسهم، ولِمَنْ بعدَ موته عليه ممن لم يكن حاضراً معهم تلك البيعةَ التي
كانت بينّهم له على ما بايعوه عليه من ذلك، وكانت تلك البيعةُ قد
دَخَلَ فيها أبناءُهم لِدخولهم بأنفسهم فيها، ولِدخول مَنْ سِواهم مِنْ
أهلِ دارهم فيها كما يَدْخُلُ أبناءُ أهلِ الحربِ فيما يُصالحُ إمامُ المسلمين
-٢٥٦-

کتاب المناقب ۔ الصحابة - الأنصار
إَيَّهم على ما يُصالِحُهم عليه مما تجري عليه أمورُهم في المستأنَفِ،
وكما يجري مثلُ ذلك فيمن سواهم مِنْ أهلِ دارِهم الذين وقع ذلك
الصلحُ علیهم معهم.
ومثلُ ذلك ما كان صُلْحُ عُمَرَ - رضي الله عنه- نصارى بني
تغلب على ما كان صالحهم عليه مِن تضعيف الصدقة عليهم يدخل في
ذلك من كان حَضَر صلحه منهم، ومَنْ سِواهم من أمثالِهم ممن لم
يحضر ذلك الصُّلح منهم لِمثلهم، ودخل فيه أيضاً مَنْ يُولَدُ منهم بعدَ
ذلك إلى يومِ القِيامَةِ ممن يكونُ على مثلِ ما كانوا عليه من الذين
استحقوا ما صُولِحُوا عليه مما لو لم يُصالحوا عليه، لأُخِذُوا بغيره مِن
الجزية التي يؤخذ بها مَنْ سِواهم، فمثلُ ذلك الأنصارُ المصالحون على
النصرة للنبيِّ® بعد قدومه عليهم دارهم دَخَلَ في ذلك من كان
حضره منهم، ومَنْ كان غائباً عنه منهم، ومَنْ سِواهُم ممن يُولَدُ بعدَ
ذلك منهم إلى يومِ القيامَةِ، وكانوا بذلك كآبائهم وكمن سِوى آبائِهم
ممن كان عقد ذلك الصلح الذي استحقَّ رسولُ الله ◌ِ﴿ النصرةَ إلى يومٍ
القيامةِ، فاستحقوا بذلك اسم النَّصرة، كما استحقه مَنْ سِواهُم ممن
دخل الصلحَ، وبالله التوفيق.
-٢٥٧-

كتاب المناقب - الصحابة - الأنصار
٩٦٠- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِي عن رسول الله ﴾ من دعائِهِ
لأهلِ مدينَتِهِ أن يُبَارَكَ لهم في صاعِهِم ومُدِّهِم
٦٥٨٦- حَدَّثْنَا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ
وهبٍ، أنَّ مالكَ بِنَ أنسِ أخبرَهُ عن إسحاقَ بنِ عبدِ الله بنِ أبي طلحةً،
عن أنسِ بنِ مالكٍ، أنَّ رسولَ اللهِعَ ﴿، قالَ: «اللهمَّ بارِكْ لهمْ في
مِكْيَالِهِم، وبَارِكْ لَهُمْ فِي صَاعِهِم، وفي مُدِّهم)) يعني أهْلَ المدينةِ (١).
٦٥٨٧- حَدَّثْنَا عليُّ بنُ معبدٍ، قال: حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ إسحاقَ
الحضرميُّ، قال: حَدَّثَنَا وهيبُ بنُ خالدٍ، قال: حَدَّثْنَا عمروُ بنُ يحيى
المازنيُّ، عن عبادِ بنِ تميمٍ، عن عبدِ الله بن زيدٍ، قالَ: قالَ رسولُ
الَّه ◌َ: «إبراهيمُ حرَّمَ مَكَةُ، وَدَعَا لَهُمْ، وإِنِّي حرَّمْتُ المدينةَ، ودَعَوْتُ
لَهُمْ بِمِثْلِ ما دَعَا بهِ إبراهيمُ﴿ لأهلِ مكةَ أنْ يُبَارَكَ لَهُمْ فِي مُدِّهم
وصَاعِهِم))(٢).
٦٥٨٨- حَدَّثْنَا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ أنَّ مالكاً أخبرَهُ،
عن سُهَيلٍ بنِ أبي صالحٍ، عن أبيهٍ، عن أبي هريرةَ، قال: كانَ الناسُ إذا
رأوا الثّمَرَ، جَاؤُوا بِهِ إلى النبيِّلَ﴿، فإذا أخَذَهُ النبيُّ﴿ّ قال: «اللهمَّ
بارِكْ لنا في ثَمَرَنَا، وبارِكْ لنا في صاعِنَا، وباركْ لنا في مُدِنَا، اللهمَّ إِنَّ
(١) إسناده صحيح، وهو في (الموطأ) ٨٨٤/٢-٨٨٥، ومن طريقه رواه ابن
حبان (٣٧٤٥).
(٢) إسناده صحيح، وهو في ((شرح معاني الآثار)) ١٩٢/٤ بإسناده ومتنه.
ورواه أحمد ٤٠/٤ عن عفان، والبخاري (٢١٢٩)، ومسلم (١٣٦٠)، والبيهقي
١٩٧/٥ من طريق وهيب بن خالد، به.
-٢٥٨-

كتاب المناقب - الصحابة - الأنصار
إبراهيمَ عبدُكَ وَخَلِيلُكَ ونبيُّكَ، وإِنِّي عبدُكَ ونِبُّكَ، وإنَّه دعا لمكةَ،
وإني أدْعُوكَ للمَدِينةِ بمثلٍ ما دَعَاكَ بهِ لمكةً ومثلَهُ معهُ))، قال: ثم
يدعُوا أصْغَرَ وليدٍ يَرَاهُ، فُيُعطِيهِ ذلكَ الثَّمَرَ (١).
قال أبو جعفر: فتأمَّلْنَا هذِهِ الآثارَ وما فيها مِن قصدِ رسول الله
* بدعائِهِ بالبركَةِ إلى الصَّاعِ والْمُدِّ والمكيال، فكانَ ذلكَ عندنا منه -
والله أعلمُ - إرادةٌ منه به البَرَكَةَ فيما يُكَالُ بالصَّاعِ والمدِّ والمكيالِ من
الثمارِ التي هي أموالُ أهلِ المدينةِ، ومنها عَيْشُ ساكِنِيها، وكانَ قصدُهُ
بذلكَ إلى الصاعِ والمدِّ والمكيالِ قصداً منه إلى المَكِيلِ بهذِهِ الأشياءِ،
ومثلُ هذا من كلامِ العربِ قولُ الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَسْألِ القَرَبَةَ التِي كُنَّا
فِهَا وَالَِالتِي أَقْنَ فِها﴾ [يوسف: ٨٢]، وكانتِ المدينةُ دارَ الثمارِ لا مَا
سِواها، فقَصَدَ رسولُ الله:﴿ بالدعاءِ لأهلِ تلك الثمار بالبركةِ فيما
يعتبرونَ ثمارَهُم وفيما يِبِيعُونَها بِهِ، وفيما يَقْضُونَ دَيْنَهم مِنْها بِهِ، وفيما
يعولُونَ بِهِ مَنْ يَعُلُونَهُ، ولم تكنْ دار ما يُستعملُ فيه سِوَى المكاييلِ مِنَ
الموازين، فيحتاجُوا إلى الدُّعاءِ لهم بالبركةِ في موازينهم، كما احتاج إلى
الدعاء لهم بالبركةِ في مَكايِيلِهِمْ، والله نسألُهُ التوفيقَ.
(١) إسناده صحيح، وهو في (الموطأ) ٨٨٥/٢.
ومن طريق مالك أخرجه مسلم (١٣٧٣)، والترمذي (٣٤٥٤)، والنسائي في
((عمل اليوم والليلة)) (٣٠٢)، وابن السني في ((عمل اليوم والليلة)) (٢٨٠)، وابن حبان
(٣٧٤٧)، والبغوي (٢٠١٢).
ورواه الدارمي ١٠٦/٢-١٠٧، ومسلم (١٣٧٣) (٤٧٤)، وابن ماجه (٣٣٢٩)
من طرق عن عبد العزيز الدراوردي، عن سهيل بن أبي صالح، به.
-٢٥٩ -

كتاب المناقب - المدينة
٩٦١- بابُ بیانِ مُشْکِل ما رُوي عن رسول الله ﴾ من قوله:
((أُمِرتُ بقريةٍ تأكل القُرَى))
٦٥٨٩- حَدَّثْنَا يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: أخبرنا عبدُ الله بنُ
وَهْب، أن مالكَ بنَ أنسٍ حدَّثْه عن يحيى بن سعيد قال: سمعتُ أبا
الحُبَاب سعيد بن يَسَار يقول: سمعتُ أبا هريرة رضي الله عنه يقول:
قال رسولُ الله ﴿: ((أُمِرْتُ بقريةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى يقولون: يَثرِبُ، وهي
المدينةُ، تَنْفِي الناسَ كَمَا يَنْفِي الكِيرُ خَبَثَ الحَدِيدِ)(١).
٦٥٩٠- حَدَّثَنَا أحمد بنُ عبد الرحمن بن وَهْب، قال: حَدَّثَنَا
عمِّي عبدُ الله بنُ وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث ومالكُ بن
أنس، أنَّ يحيى بن سعيد الأنصاري حدثهما، أنَّ أبا الحُباب سعيد بن
يسار حدَّثْه، أنَّه سَمِعَ أبا هريرة يقول: إنَّ رسول الله ﴿ قال: (أُمِرْتُ
بقريةِ تَأْكُلُ الْقُرَى يقولون: يَثرِبُ، وهي المدينةُ، تَنْفِي خَبَثَها كَمَا
يَنْفِيِ الكِيرُ الَخَبَثَ)). إلّ أن مالكاً قال: قال أبو هريرة: سمعتُ رسول
قال أبو جعفر: فتأملنا هذا الحديث، فوجدنا قولَهُ﴾: «أُمِرتُ
بقريةٍ) على معنى: أُمِرت بالهجرة إلى قرية، ووجدنا قوله﴿: «تأكلُ
الْقُرَى)) بمعنى قوله: يأكل أهلُها القرى، كما قال عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَضَرَبَ
(١) إسناده صحيح، وهو في (الموطأ) ٨٨٧/٢، ومن طريقه رواه البخاري
(١٨٧١)، وابن حبان (٣٧٢٣).
- ٢٦٠ -