Indexed OCR Text
Pages 141-160
كتاب المناقب - الصحابة فمن ذلك ما كان منه مما اختصَّ به عُمَرَ من قوله له: ((قد كانَ في الأُمَمِ مُحَدَّثُونَ -يعني مُلهمين- فَإِنْ يكُن في أمَّتي منهم أحداً، فَعُمَرُ)(١)، وهذه رتبةً لم يُطلقها في أحدٍ غيرِ عمر. ومثلُ ذلك ما اختص به عثمانَ إذ أُخبرَ باستحياء الملائكةِ منه(٢)، في ذلك رد الأحاديث الصحيحة بتوهمه المعارضة، مع أن الجمع بين القصتين ممكن، وقد أشار إلى ذلك البزار في مسنده فقال: ورد من روايات أهل الكوفة بأسانيد حسان في قصة علي، وورد من روايات أهل المدينة في قصة أبي بكر، فإن ثبتت روايات أهل الكوفة فالجمع بينهما بما دل عليه حديث أبي سعيد الخدري يعني الذي أخرجه الترمذي أن النبي * قال: «لا يحل لأحد أن يطرق هذا المسجد جنباً غيري وغيرك»، والمعنى أن باب علي كان إلى جهة المسجد ولم يكن لبيته باب غيره فلذلك لم يؤمر بسده، ويؤيد ذلك ما أخرجه إسماعيل القاضي في «أحكام القرآن» من طريق المطلب بن عبد الله بن حنطب «أن النبي # لم يأذن لأحد أن يمر في المسجد وهو جنب إلا لعلي بن أبي طالب لأن بيته كان في المسجد، ومحصل الجمع أن الأمر بسد الأبواب وقع مرتين، ففي الأولى استثنى علي لما ذكره، وفي الأخرى استثنى أبو بكر، ولكن لا يتم ذلك إلا بأن يحمل ما في قصة عليّ على الباب الحقيقي وما في قصة أبي يكر على الباب المجازي والمراد به الخوخه كما صرح به في بعض طرقه، وكأنهم لما أمروا بسد الأبواب سدوها وأحدثوا خوخاً يستقربون الدخول إلى المسجد منها فأمروا بعد ذلك بسدها، فهذه طريقة لا بأس بها في الجمع بين الحديثين، وبها جمع بين الحديثين المذكورين أبو جعفر الطحاوي في «مشكل الآثار». (١) حديث صحيح رواه مسلم (٢٣٩٨) وغيره من حديث عائشة رضي الله عنها. (٢) حديث صحيح رواه مسلم (٢٤٠١) من حديث عائشة رضي الله عنها. وقد - ١٤١ - كتاب المناقب - الصحابة وذلك مما لم يذْكُرْهُ لغيره. ومثلُ ذلك ما كان منه في طلحةَ بنِ عُبيد الله بإخباره أَنَّه ممن قضى نحبه ٦٤٥٠- كما حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، قال: حَدَّثْنَا عُبَيْدُ الله بنُ عبد المجيد الحنفي، قال: حَدَّثنَا إسحاقُ بنُ يحيى، قال: حدثني موسى بنُ طلحة، قال: دخلتُ على معاويةً، فلما خرجتُ دعاني، فقال: يا ابنَ أخي ألا أُضَعُ عندك حديثاً سمعتُه من رسول الله ◌ِ﴿؟ قلتُ: بلى، قال: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رسولَ اللهِلَ ﴿ يَقُولُ: «طلحةُ قَضَى نَحْئُ»(١). تقدم تخريجه في الأدب، وسيأتي في باب (٩٤٢). (١) إسناده ضعيف. إسحاق بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله القرشي: ضعفوه من جهة حفظه. ورواه ابن سعد ٢١٨/٣، والترمذي (٣٢٠٢) و (٣٧٤٠)، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (١٤٠١)، وابن ماجه (١٢٦)، وابن جرير ١٤٧/٢١ من طرق عن إسحاق بن یحیی، به. ورواه أحمد في ((فضائل الصحابة)) (١٢٩٧) من طريق وكيع عن طلحة بن يحيى، عن عيسى بن طلحة، مرسلاً. ورواه ابن سعد ٢١٩/٣ عن هشام أبي الوليد الطياليس، عن أبي عوانة، عن حصين، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: قال رسول الله : ((من أراد أن ينظر إلى رجل قد قضى نحبه فلينظر إلى طلحة بن عبيد الله)). قال حصين: قاتل طلحة عن رسول الله * حتى جرح يومئذ. - ١٤٢ - كتاب المناقب - الصحابة قال أبو جعفر: وهذا مما لا نعلمه أُطْلِقَ في غيره. ومثلُ ذلك ما کان منه في الزبير: ٦٤٥١- كما حَدَّثْنَا يونسُ، قال: حَدَّثْنَا سفيانُ، عن ابنِ المنكدرِ، عن جابر رضي الله عنه، قال: نَدَبَ رسولُ الله ﴿ النّاسَ يومَ الخندق، فانتدب الزبيرُ، ثم ندبهم، فانتدبَ الزبيرُ، ثم نَدَبَهم، فانتدَبَ الزبيرُ فقال النبيِ ﴿: (لِكُلِّ نَبِيِّ حَوَارِيٍّ، وحَوَارِيَّ الزُّبَيْرُ)(١). قال يونس: قال سفيانُ: الحواري: الناصرُ، ولا نعلم هذا أُطْلِقَ في غيره. ومثلُ ذلك ما كان منه في سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: ورواه أبو يعلى (٦٦٣)، والترمذي (٣٧٤٢) من طريق طلحة بن يحيى، عن موسى وعيسى ابن طلحة، عن أبيهما وفيه قصة. ورواه ابن سعد ٣١٨/٣، وأبو يعلى (٤٨٩٨)، وأبو نعيم ٨٨/١، والحاكم ٤١٥/٢ من طريق عائشة بنت طلحة، بسياق آخر. (١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ٣٠٧/٣ و٣١٤ و٣٣٨ و٣٦٥، وفي («فضائل الصحابة)) (١٢٦٤)، والبخاري (٢٨٤٦) و(٢٩٩٧) و(٣٧١٩) و(٧٢٦١)، ومسلم (٢٤١٥)، وأبو عوانة ٣٠١/٤، والنسائي في («الفضائل)) (١٠٧) و(١٠٨)، والترمذي (٣٧٤٥)، وابن ماجه (١٢٢)، وابن حبان (٦٩٨٥) من طرق عن محمد بن المنكدر، به. ورواه أحمد ٣١٤/٣، والنسائي في السير من (الكبرى) كما في ((التحفة)) ٣٨٨/٢، وابن أبي عاصم في ((السنة)) (١٣٩٣)، وأبو عوانة ٣٠١/٤ من طريق هشام بن عروة، عن وهب بن کیسان، عن جابر. -١٤٣ - كتاب المناقب - الصحابة ٦٤٥٢- كما حَدَّثْنَا إبراهيمُ بن مرزوق، قال: حَدَّثْنَا وهبُ بنُ جرير، عن شعبة، عن سعدٍ بنِ إبراهيم، قال: سَمِعْتُ عبدَ الله بن شداد بنِ الهاد يقولُ: سمعتُ علياً عليه السَّلامُ يقولُ: ما سَمِعْتُ رسولَ اللهِلَُّ جمع لأحدٍ أبويه غيرَ سعدِ بنِ مالكٍ، فإنَّه جعل يَوْمَ أحد يَقُولُ: ((ارْمِ فِدَاكَ أبي وأُمِّي))(١). ومثلُ ذلك ما كان منه في سعيد بن زيدٍ في إدخاله إِيَّه في العشرة الذين شَهِدَ أنَّهم في الجنَّةِ(٢). ومثلُ ذلك ما رُوِيَ في عبد الرحمن بنِ عوفٍ رضي الله عنه، عن عثمان مما نُحيط علماً أنَّه لم يَقُلْهُ إِلا توقيفاً. ٦٤٥٣- حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، قال: حَدَّثْنَا أبو عامر العقديُّ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بن جعفر، عن عبد الرحمن بنِ حميد، عن أبيه، قال: قال المِسْوَرُ: بينا أنا أُسِيرُ في ركبٍ بينَ عثمان وعبدِ الرحمن بن عوف وعبد الرحمن قُدَّامي عليه خَمِيصَةٌ سوداء، فقال عثمانُ: مَنْ (١) إسناده صحيح، ورواه أحمد في ((المسند) ٩٢/١ و١٣٦-١٣٧ و١٤٤، وفي (الفضائل)) (١٣٠٤) و(١٣١٤)، وابن أبي شيبة ٨٦/١٢-٨٧، وابن سعد ١٤١/٣، والبخاري (٢٩٠٥) و(٤٠٥٨) و(٤٠٥٩)، ومسلم (٢٤١١)، والنسائي في («اليوم والليلة)) (١٩١) و(١٩٢)، وابن ماجه (١٢٩)، وابن حبان (٦٩٨٨)، والبغوي (٣٩٢٠) من طرق عن سعد بن إبراهيم، به. (٢) حديث صحيح، رواه أحمد ١٨٨/١ و١٨٩، وأبو داود (٤٦٤٩) و (٤٦٥٠)، والترمذي (٣٧٥٨)، وابن ماجه (١٣٤) من حديث سعيد بن زيد، ورواه أحمد ١٩٣/١، والترمذي (٣٧٤٨) من حديث عبد الرحمن بن عوف. -١٤٤ - كتاب المناقب - الصحابة صاحِبُ الخميصةِ؟ فقالوا: عَبدُ الرحمن، فناداني: يا مِسْوَرُ، قلتُ: لبيك يا أميرَ المؤمنين، قال: مَنْ زَعَمَ أنَّه خيرُ من خالك في الهجرةِ الأولى وفي الهجرة الآخِرَةِ فَقَد كَذَبَ(١). ٦٤٥٤- وكما حَدَّثَنَا إبراهيمُ، قال: حَدَّثْنَا أبو عامر، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ جعفرٍ، عن أُمِّ بكر - يعني ابنةَ المِسْوَرِ-، أنَّ عبدَ الرحمن بنَ عوفٍ باع أرضاً له من عثمانَ بنِ عفان بأربعين ألفَ دينار، فقسم في فقراء بن زُهرة، وفي أُمهات المؤمنين، وفي ذي الحاجة مِن الناسِ، قال المِسْوَرُ: فدخلتُ على عائشة رضي الله عنها بنصيبها من ذلك، فقالت: من أرْسَلَ بهذا؟ قلتُ: عبدُ الرحمن، فقالت: إن رسول اللّه ◌َ﴿ قال: ((لا يَحْنُو عَلَيْكُنَّ بَعْدِي إلا الصَّابِرون) سقى اللهُ عَزَّ وحَلَّ ابنَ عوفٍ مِنْ سَلْسَبِيلِ الجنّةُ(٢). وهذا فما علمناه قيل فيه غيره. ومثلُ ذلك ما قاله النبيَُّ﴿ في أبي عبيدة بن الجراح مما قد ذكرناه مما تقدَّمَ منا في كتابنا هذا: ((لكل أمَّةٍ أمينٌ، وأمينُ هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح)). فهذه خصائص كانت مِن رسول الله﴿ لمن اختصَّهُ بها مِن (١) رواه ابن سعد في ((الطبقات) ١٢٥/٣ عن أبي عامر العقدي، به. (٢) رواه ابن سعد ١٣٢/٣-١٣٣، وأحمد ١٣٥/٦ عن أبي عامر العقدي، به. ورواه أحمد ١٠٣/٦-١٠٤ عن أبي سعيد، حَدَّثْنَا عبد الله بن جعفر والخزاعي، كلاهما عن أم بكر، به. وانظر ابن حبان (٦٩٩٥). - ١٤٥- كتاب المناقب - الصحابة أصحابه رضوان الله عليهم، وما فوقَ ذلك مما قد جاء به كتابُ الله عَزَّ وجَلَّ من قولِ الله عَزَّ وَلَّ: ﴿لا يَسْتَدِكُمْ مَنْ أَفَقَ مِنْ قَبلِ الفَضْحِ وَفَلَ أُوْلِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَعُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتُوا﴾ [الحديد: ١٠]، وكلُّ من ذكرناه فقد دخل في هذا المعنى، وبان عُلُوُّه فوقَ الناسِ وجلالةُ منزلته، وأن لا أحدَ مِن الناس ممن لم يَكُنْ منه ما كانَ منه مثلُه، ثم قال عَزَّ وجَلَّ موصولاً بذلك: ﴿وَكُلّ وَعَدَ اللهُالْحُسَنَى﴾ [الحديد: ١٠] فدخل المفضّلون بما ذكرنا في المعنى الأوَّلِ، ودخل من سواهم ممن صَحِبَ رسولَ اللهِ/# في المعنى الثاني. فثبت بذلك أن من صَحِبَ رسولَ الله * فمعه الفضلُ على الناس جميعاً، وأن من صحبه يتفاضلون بما كان منهم مما قد ذكرهم الله به في الآية التي تلونا. والله عَزَّ وجَلَّ نسأله التوفيق. -١٤٦ - كتاب المناقب - الصحابة ٩٤٠ - بابُ بيانِ مُشْكِل فساد من ذهب إلى أنَّ الشاب مَنْ کانت ◌ِنَّه أربعین سَنَّةً إلی ما دُونَها بعد بلوغه بما یرُوِي عن رسول الله ﴾، ممَّا يدفع ما قال في ذلك ٦٤٥٥- حَدَّثْنَا يونس، قال: حَدَّثْنَا أنس، عن حُميدٍ الطويل، عن أنس بن مالك [ح]، وحَدَّثْنَا علي بن مَعْبَد وبِكَّار بن قُتَيْبَة جميعاً قالا: حَدَّثَنَا عبد الله بن بكر السَّهْمِي، عن حُمَيْد، عن أنس [ح]، وحَدَّثَنَا نصر بن مرزوق، قال: حَدَّثْنَا علي بن مَعْبَد، قال: حَدَّثْنَا إسماعيل بن جعفر، عن حُمَيد، عن أنس رضي الله عنه، عن النبي ◌ِ#، قال: ((دخلتُ الجَنَّة فإذَا بقصر من ذهبٍ. فقلتُ: لَمَنْ هذا القَصْرُ؟ قالوا: لشابٌ من قريشٍ، فظننتُ أنّي هو، فقلتُ: مَنْ هُوَ؟ فقالوا: عُمر بن الخطاب))(١). ٦٤٥٦- وحَدَّثَنَا ابن أبي داود، قال: حَدَّثْنَا أحمد بن عبد الله بن يونس، قال: حَدَّثْنَا أبو شهاب، عن حُميد الطويل، عن أنس، عن النبي ﴾ مثله. ٦٤٥٧- وحَدَّثَنَا ابن أبي داود، قال: حَدَّثْنَا أبو نصر التَّمَّار، قال: حَدَّثَنَا حَمّاد بن سلمة، عن أبي عمران الجَوْنِي، عن أنس رضي الله عنه، قال: قال رسول الله ﴿: ((دخلتُ الجَنَّةَ فإذَا أنا بقصرٍ من ذَهَبٍ، (١) إسناده صحيح، ورواه الترمذي (٣٦٨٨)، والنسائي في ((فضائل الصحابة)) (٢٦) عن علي بن حُجر، وابن حبان (٦٨٨٧) من طريق يحيى بن أيوب المقابري، كلاهما عن إسماعيل بن جعفر، به. - ١٤٧ - كتاب المناقب - الصحابة فقلتُ: لِمَنْ هذا القصرُ؟ قالوا: لفتىّ من قريشٍ، فظستُ أَنَّه لي، فقلتُ: مَنْ هُوَ؟ فقالوا: عُمر بن الخطاب. فيا أبا حفصٍ، فلولا ما أعْلَمُ مِن غَيْرَتِكَ لَدَخَلْتُهُ)) فقال عُمر: مَنْ كنتُ أَغَار عليه يا رسول الله، فإنّي لم أكُنْ أغَارُ عليكَ. ٦٤٥٨ - وحدثني الحسن بن عبد الله بن منصور، قال: حَدَّثَنَا الهيثم بن جميل، قال: حَدَّثْنَا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن محمد بن الْنْكَدرِ، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﴿: ((دخلتُ الجَنَّةَ فرأيتُ قصراً أبيضَ بِفِنَائِهِ جَارِيَةٌ، فقلتُ: لِمَنْ هذا القصرُ؟ فقيل: لشابٌ من قريشٍ، فظننتُ أنّي أنا هو. فقلتُ: مَنْ هَوَ؟ فقالوا: عُمر بن الخطاب، فأردت أن أدخلَهُ لأنظرَ إليه. فذكرتُ غَيْرَتَكَ يا أبا حفصٍ)) فقال: بأبي وأُمِّي يا رسول الله، أوَ عَلَيْكَ أَغَارُ (١)! ففيما روينا ما قد دَلَّ على فسادٍ قول من ذهب إلى ما ذكرناه في ترجمة هذا الباب، ثم نظرنا بعدُ إلى حقيقة ما دُون الشابِّ وإلى الشاب وإلى ما فوقهما، فوجدنا الله عَزَّ وحَلَّ قد قال في كتابه: ﴿هُوَالَّذِي خَلَكُمْ مِنْ تُرَبِ ثُمَّمِنْنُطْفَةَِ مِنْ عَةٍثُمَّيَغْرِحُكُمْ طِفْلاَ﴾ [غافر: ٦٧] فأخبر عَزَّ وجَلَّ أنه يخرجهم طفلاً، ثم وجدناه عَزَّ وجَلَّ قد بَّن (١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ٣٧٢/٣ و٣٨٩ - ٣٩٠، والبخاري (٣٦٧٩)، والنسائي في ((فضائل الصحابة)) (٢٣)، والبغوي (٣٨٧٨) من طرق عن عبد العزيز بن أبي سلمة، به. ورواه ابن حبان (٦٨٨٦) من طريق عبيد الله بن عمر، عن محمد بن المنكدر، به. -١٤٨- كتاب المناقب - الصحابة نهاية الطفولية في آية أخرى وهي قوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُمَ فَلَيْنَاْدِوَاكَمَا اسْتَأْذَنَ الَّذِينَ مِنْ قَلِهِمْ﴾ [النور: ٥٩] فعَقَلْنا بذلك أن ما دون بلوغ الحُلُم حالُ طفولية، وأن ما بعد الحُلُم ضدٌّ لها، ولا شيء نعلمه يكون ثالثاً للطفوليّةِ غير الشباب. فعقلنا بذلك أنَّ من احتَلَمَ شابٌّ، ثم يكون كذلك إلى ما شاء الله أنْ يكون. وطلبنا المُدَّة التي كون فيها كذلك ثم يخرجُ منها إلى ضدِّها، فوجدنا الله قد قال في الآية التي بدأنا بتلاوتها في هذا الباب: ﴿ثُمَّكِتْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ [الحج: ٥] ولم يبيِّن لنا عَزَّ وجَلَّ فيها ما بلوغُ الأَشُدِّ، ثم وجدناه عَزَّ وجَلَّ قد بَّن ذلك لنا في آية أخرى بقوله: ﴿حَتّى إِذَا بَلَغَ اشُدَّ﴾ [الأحقاف: ١٥]. واحتجنا أن نعلم هل خرج بذلك من الشباب إلى غيره أمْ لا؟ فوَجَدْناه عَزَّ وجَلَّ قد بَّن لنا ذلك في آية أخرى بقوله: ﴿حَتَّى إِذَا كَ أْشُدَّهُ وَ أْرَعِينَ سَنَةٌ﴾ [الأحقاف: ١٥]، فعقلنا بذلك أنَّ مَنْ بلغ الأربعين سنةً فقد بلغ أشُدَّه. واحتجنا أنْ نعلمَ هل خرج بذلك من الشباب إلى غيره أم لا؟ فوجدنا الله عَزَّ وجَلَّ قد قال في التي بدأنا بتلاوتها بعَقِب قوله فيها: ﴿ثُمَّ كَشَلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّلَتَكُونُوا شُيُوخاَ﴾ [غافر: ٦٧]. فاحتمل أنْ يكون ما بعد الأربعين خروجاً من الشباب ودخولاً في الشيخوخة، فوجدنا الله عَزَّ وجَلَّ قد قال فيها: ﴿هُوَالَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَبِ ثُمَّمِنْ نُطْفَةٍ﴾ فكان بين الخلق من التراب وبين الخلق -١٤٩- كتاب المناقب - الصحابة من النظفة فاصلٌ، لأنَّ المخلوق من التراب هو آدمُ /، والمخلوقين من النطفة هم بنُوه، وبين الخَلْقِينْ من الزمان ما شاء الله أنْ يكون، فكان مثل ذلك قوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿ُثُمَّكِتَلُغُوا أَشُدَّحِكُمْ ثُمَِّتَكُونُوا شُيُوخَا﴾ يحتمل أن يكون بين بلوغهم الأشَدَّ وبين أنْ يكونوا شيوخاً مدَّةٌ، الله أعلم بمقدارها، وهي مدَّة شبابٍ، فيكون السِّنّ الذي كان رسول الله * فيها يوم رأى تلك الرؤيا هي فوق الأربعين ودون الحال التي يكونون فيها شيوخاً. والله أعلم بحقيقة الأمر في ذلك، والله تعالى نسأله التوفيق. - ١٥٠- كتاب المناقب - الصحابة ٩٤١- بابُ بيانٍ مُشْكِل ما رُوِيّ عن رسول الله ﴾ من قوله: ((قد كان في الأُمم قبلَكُم قومٌ مُحدَّثُون فإنْ يَكُنُ في أُمَّتي أحدٌ منهم، فهو عمرُ بنُ الخطّاب)» ٦٤٥٩- حَدَّثَنَا أبو القاسم هشام بن محمد بن قُرَّة ابن أبي خليفة، قال: حَدَّثَنَا أبو جعفر أحمدُ بنُ محمد بنِ سلامةَ الأزدي، قال: حَدَّثَنَا الربيعُ بن سليمان المرَادي، قال: حَدَّثْنَا شعيبُ بنُ اللّيث، قال: حَدَّثَنَا اللَّيثُ بن سعد، قال: حدثني ابن عَجْلاَن [ح]، وحَدَّثَنَا يوسف بن يزيد، قال: حَدَّثْنَا حامد بن يحيى البَلْخي، قال: حَدَّثَنَا سفيان، عن ابن عَجلان [ح]، وحَدَّثَنَا هارون بن کامل بن يزيد، قال: حَدَّثْنَا عبد الله بن صالح، قال: حدَّثْني اللّيث، قال: حدثني محمد بن عَجْلان، عن سعد بن إبراهيم، عن أبي سَلَمة بن عبد الرحمن، عن عائشة، عن رسول الله ﴿ أَنَّه قالَ: قَدْ كانَ يَكُونُ في الأُمَمِ قَبْلَكُمْ مُحَدَّثُونَ، فإن يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ مِنْهُمْ، فَعُمَرُ بنُ الخَطَّابِ))(١). (١) رواه الحاكم ٨٦/٣ من طريق بن سليمان المرادي عن شعيب بن الليث، عن اللیٹ، عن ابن عجلان. ورواه مسلم (٢٣٩٨)، والترمذي (٣٦٩٣)، والنسائي في ((فضائل الصحابة)) (١٨)، والقطيعي في زياداته على ((فضائل الصحابة)) لأحمد (٥١٦)، جميعهم عن قتيبة، عن اللّيث، به. قال الترمذي: هذا حديث صحيح، حدثني بعض أصحاب سفيان، قال: قال سفيان بن عيينة: محدثون: يعني: ملهمون. ورواه الحميدي (٢٥٣)، ومسلم، وابنُ حَّان (٦٨٩٤)، والقطيعي (٥١٧) من - ١٥١ - كتاب المناقب - الصحابة ٦٤٦٠- وحَدَّثَنَا الربيع بن سليمان الجيزي، قال: حَدَّثْنَا ابن أبي مريم، قال: حدثني ابنُ أيوب، قال: حَدَّثْنَا محمد بن عَجْلان، ثم ذكر بإسناده مثله. ٦٤٦١- وحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عبد الرحمن بن وَهْب، قال: حَدَّثَنَا عمي عبدُ الله بن وَهْب، قال: حدثني إبراهيمُ بن سعد بن إبراهيم الزُّهْري، عن أبيه، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هريرة، عن رسول اللهصل﴿و قال: (لَقَدْ كَانَ فِيمَنْ خَلاَ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الأُمَمِ نَاسٌ يُحَدَّثُونَ، فإن يَكُنْ فِي أُمَّتِي مِنْهُمْ أَحَدٌ، فهو عُمَرُ بن الخطّابِ)). قال إبراهيمُ بن سعد: وهم الذين يُلهَمُونَ(١). ٦٤٦٢- وحَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا عبدُ العزيز بن عبد الله الأُوَيْسِيُّ، قال: حدثني إبراهيمُ بن سعد .. ثم ذكرَ بإسنادِهِ مثلَه غير ما فيه من قول إبراهيم بن سعد: هُمُ الذين يُلْهَمُون. ٦٤٦٣- وحَدَّثَنَا الربيعُ بنُ سليمان المُرادِيُّ، قال: حَدَّثَنَا شُعيبٌ قال: حَدَّثَنَا اللَّيث، قال: حدثني ابنُ الهَاد، عن إبراهيم بن سعد، عن طریق سفيان، به. ورواه أحمد ٥٥/٦، والفسوي في ((المعرفة والتاريخ)) ٤٥٧/١ و٤٦١ من طريقين عن ابن عجلان، به. (١) إسناده صحيح، ورواه الطيالسي (٢٣٤٨)، وأحمد ٣٣٩/٢، والبخاري (٣٤٦٩) و(٣٦٨٩)، والنسائي في ((فضائل الصحابة)) (١٩)، والبغوي (٣٨٧٣) من طريق إبراهيم بن سعد، به. - ١٥٢- كتاب المناقب - الصحابة أبيه سعد بنِ إبراهيم، عن أبي سَلَمَة بنِ عبدِ الرحمن، عن عائشة، عن النيّڅ ... مثل حديث أبي داود. قال أبو جعفر: فاختلفَ إبراهيمُ بن سعد ومحمد بن عَجْلان على سعد بن إبراهيم فيمن ردَّ هذا الحديث إليه بعد أبي سَلَمة إلى رسولٍ اللهَ﴿ مِن عائشة ومن أبي هريرة على ما ذكرناهُ من اختلافهما عنه في ذلك. فتأملنا هذا الحديثَ لنقفَ على المُراد به ما هو إنْ شاء الله، فكان معنى قولِهِ ﴿: «مُحَدَّثُون)) أي: مُلْهَمُون. وكذلك يُحَدَّثَونَ: أيْ: يُلهَمُون حتى تَنْطِقَ ألسنتُهم بالحِكْمَةِ كما كان لسانُ عمر رضي الله عنه يَنْطِقُ بما كان ينطِقُ به منها، فمِنْ ذلك ما قد ذكرناه عنه في حديث إيلاءِ رسول الله :﴿ من نسائِه، لما قال لَهُنَّ: لَتُنْتَهُنَّ عن رسول الله وَ﴿ه أو ليُبدلِنَّهُ الله عَزَّ وجَلَّ أزواجاً خيراً منكنَّ على ما ذكره عَزَّ وجَلَّ في الآية التي أنزلها في ذلك، وأنَّ الله عَزَّ وجَلَّ أنزل بعد ذلك على رسولِه﴿ قولَه: ﴿عَسَى رَّبَهُ إِنْ طَلْقَّكُنَّ أنْ يُدِّلَهُ أنْواجاً خَيراً مِنكُنَّ﴾ الآية [التحريم: ٥] موافقةَ لِمَا قد كان قالَه هنَّ قبلَ ذلك(١)، وما قد رُوِيَ عن أنس بنِ مالك عنه من قوله: وافقتُ ربِّي عَزَّ وجَلَّ في ثلاثٍ، أو وافقن ربِّي في ثلاثٍ ٦٤٦٤- كما قد حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الله بن بكر السَّهْمِي، عن حُميد الطّويل، عن أنس بن مالك، قال: قال (١) صحيح، ورواه البخاري (٤٠٢) و(٤٤٨٣) و(٤٧٩٠) و(٤٩١٦). - ١٥٣- كتاب المناقب - الصحابة عمر بن الخطاب رضي الله عنه: وافَقَنِي رَبِّي عَزَّ وجَلَّ في ثلاثٍ أو وافَقْتُ رَبِّي عَزَّ وجَلَّ في ثلاث: قال: قلتُ: يا رسولَ الله لو اتَّخذتَ من مقام إبراهيمَ مُصلَّى، فأنزلَ الله عَزَّ وحَلَّ: ﴿وَتَخِذوا مِنْ مَقَامِ إبراهيمَ مُصلّى﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقلت: يدخلُ عليك البَرُّ والفاجِرُ، فلو حجَبْتَ أمَّهاتِ المؤمنين، فأنزل الله آيةَ الحجابِ، وبلغني شيءٌ من المعاتَبَةِ من أمَّهاتِ المؤمنين، فاستقرَيْتُهُنّ أقولُ: لَتَكُفْنَّ عن رسولِ الله ** أو ليبدلْه الله أزواجاً خيراً منكنَّ، فانتهيتُ إلى إحدى أمهاتٍ المؤمنين، فقالت: يا عُمر، أمَا في رسول الله :﴿ ما يَعِظُ نساءه حتَّى تَعِظَهُنَ أنتَ! فأنزل الله: ﴿عَسَى رَبُّهِ إِنْ طَلَقَكُنَّ أنْ يُبْدِلَهُ أخرواجاً خَيراً مكُنَّا. وقد رُوِيّ عن عبد الله بن عباس في تَوكيدٍ ما تأوَّلنا الحديثَ الأولَ الذي ذكرنا في هذا الباب عليه. ٦٤٦٥- ما قد حَدَّثْنَا يوسفُ بن يزيد، قال: حَدَّثَنَا نُعَيمُ بنُ حمّاد، قال: حَدَّثْنَا سفيانُ بن عُبَيَنة، عن عمرو - هو ابن دينار - عنِ ابن عَبَّاسِ أَنَّه كان يقرؤها: ((وما أرسلنا مِن قبلك مِن رسول ولا نبي ولا محدّث)). قال أبو جعفر: فكان المُحدَّث في هذا من الجنس الذين ذكرَهم رسولُ اللهِ/﴿ في الحديث الذي ذكرناه في أوَّل هذا الباب. فقال قائل: أفَيجُوزُ أن يُقَالَ لهؤلاء المُلْهَمِينِ: إِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ أرسلَهم كما قرأ ابنُ عباس الآية عليه على ما في حديثه هذا؟ - ١٥٤- كتاب المناقب - الصحابة فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أنَّ الرسالةَ المذكورةَ في هذه الآية إنَّما أُريد بها الأنبياءُ والرسلُ صواتُ الله عليهم لا المُلْهَمون المذكورون معهم. فقال: فكيف يكون ذلك وهو مذكورُون معهم بِمَا في أوَّل الآية وهو الرِّسَالة. فكان جوابُنا له في ذلك فيما ذهب إليه أهلُ العربية فيه أنهم جمعوا معهم بكتابة في الآية، كأنه أُريد: وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ ولا نبي ولا ألْهَمَنا من مُحَدَّثٍ إلَّ إذا تمنَّى الْقَى الشيطانُ في أُمْنِيَّتِه، وكانوا يُنشدون في ذلك بيتاً من الشِّعرِ: يا لَيْتَ زَوْجَكِ قَدْ غَدَا مُتَقَدِّداً سَيْفاً وَرُمحا والسيفُ فمِمَّا يُتلقدُ به والرمحُ ليس كذلك، إنما يُحمل، واستُعملت الكِنايَةُ في ذلك، فصار كَهُوَ لَوْ قال: متقلد سيفاً، وحامل رمحاً. والله أعلم بالحقيقة في ذلك وإَيَّاه نسأله التوفيق. -١٥٥- كتاب المناقب - الصحابة ٩٤٢- بابُ بیان مُشْکل ما روي عن رسول الله ﴾﴾ فیما کان منه عند دخولٍ عُثمان عليه بعدَ دخولٍ أبي بكرٍ وعُمَرَ علیه قبل ذلك، ومن تغييره من أحواله عند دخول عثمان علیه ما لم یُغِیره عند دخولهما -رضوان الله علیھما- قبل ذلك ٦٤٦٦- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثْنَا عُثمانُ بنُ عُمر بنٍ فارس، قال: أخبرنا ابنُ أبي ذِئب، عن الزُّهري، عن يحيى بنِ سعيد - يعني ابنَ العَاص - عن أبيه، عن عائشةَ أنَّ أبا بكر استأذنٌ على النبيِّ ◌َ ورسولُ الله ◌ِ﴿ لابسٌّ مِرْطَ أُمِّ المؤمنين فأذِنَ له، فَقَضَى إليه حاجَتَه، ثم استأذَنَ عليه عُمَرُ وهو على تلك الحالِ، فَقَضَى إليه حاجَتِه، ثم خَرَجَ فاستأُذَنَ عليه عُثمانُ، فاسْتَوَى جالساً وقال لعائشة: ((اجْمَعِي عليكِ ثِيَابَكِ) فَلَمَّا خَرَج، قالت له عائشةُ: مَالَكَ لْ تَفْزَع لأبي بكر وعُمر كما فَزِعْتَ لعثمان؟ فقال: ((إِنَّ عُثمانَ رجلٌ كثيرُ الحياءِ، ولوْ أَذِنْتُ له على تلك الحالِ، خشيتُ أنْ لا يبلغ في حاجتِهِ)(١). ٦٤٦٧ - حَدَّثْنَا إبراهيمُ بن مرزوق في مجلس آخر، قال: حَدَّثَنَا عُثمان بن عُمر، قال: حَدَّثَنَا مالك بن أنس، عن الزُّهري، عن يحيى بن سعيد، عن أبيه، عن عائشة ... مثله. ٦٤٦٨- وحَدَّثَنَا محمد بن عُزَير الأَيْلي، قال: حَدَّثَنَا سلامةُ بنُ رَوْحِ، قال: قال عُقِيلُ بنُ خالدٍ: حدثني ابنْ شِهَاب، قال: أخبرني يحيى (١) حديث صحيح، وتقدم تخريجه في كتاب الأدب. - ١٥٦- كتاب المناقب - الصحابة بن سعيد بنِ العاص، أن سعيد بن العاص أخبره أن أبا بكر رضي الله عنه استأذن على النِّ ◌ِ﴾ .. ثم ذكر مثلَه. ٦٤٦٩ - حَدَّثْنَا رَوْحُ بن الفرج، قال: حَدَّثْنَا يحيى بنُ عبد الله بن بُكَيْر، قال: حدثني اللَّيثُ بنُ سعد، قال: حدثني عُقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن يحيى بن سعيد بنِ العَاص أن سعيد بن العَاص أخبره أَنَّ عائشةَ زوجَ البي ﴿ وعثمان حدثاه أنَّ أبا بكرٍ استأذن على رسول اللهِ﴾ .. ثم ذكر مثله. فقال قائلٌ: فقد رويتَ هذا الحديثَ في البابِ الأول وذكرتَ فيه من قول رسول الله ﴿ في عُثمان: «ألا أُسْتَحِي مِمَّنْ تَسْتَخْبِي منه المَلاَئِكَةُ)، وبينَ ذلك وبينَ ما ذكرته في هذا الباب مِن الاختلاف مَا لا خفاء به على أحدٍ، وذكر في ذلك ٦٤٧٠ - ما قد حَدَّثْنَا عليُّ بن الحُسين أبو عُبيد، قال: حَدَّثَا الحسنُ بنُ أبي الربيع الجُرْجَاني، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الرزاق، قال: حَدَّثَنَا مَعْمر، عن الزُّهري، عن يحيى بن سَعيد - ولم يذكر أباه، عن عائشةَ، قالت: استأذن أبو بكر على النبيِّم﴿ وأنا معه في مِرْطٍ واحدٍ، فأذِنَ له، فقَضى إليه حاجتَه وهو معِي في المِرْط، ثم خرج، فاستأذنَ عُمر رضي الله عنه، فأذِنَ له، فقضى إليه حاجته على تلك الحال، ثم خرَج فاستأْذَن عليه عُثمان فأصلَح ثيابَهُ وجلسَ فقضَى إليه حاجته، ثم خرَج. قالتْ عائشةُ: فقلتُ: يا رسولَ اللهِ استأُذَنَ عليكَ أبو بكرٍ، فَقَضَى إليكَ حاجته على حالِكَ تلك، ثم استأُذَنَ عليكَ عُمَرُ، فَقَضَى إليك حاجته على حالك تلك، ثم استأُذَن عليك عُثمان، فكأنّك احتفظتَ؟ فقال: -١٥٧- كتاب المناقب - الصحابة (إنَّ عُثمانَ رجلٌ حَي وَلَوْ أَنّي أذِنْتُ له على تِلكَ الحالِ لَحَسِبْتُ أنْ لا يَقْضِي إِلِيَّ حاجَتَه)). قال الزُّهري: وليس كما يقولُ الكَذَّبُونَ أَلاَ أسْتَحِي مِنْ رجلٍ تستحيي منهُ المَلائِكَةُ. قال: ففي هذا الحديث نسبةُ الزُّهري راوي الحديث الأوَّل الذي ذكرته في الباب الذي قبل هذا الباب - وهو محمد بن أبي حَرْمَلَة- إلى الكذبِ في روايتهِ هذا الحديث على قول رسول الله مُ ﴾: «ألاَ أستحي مِمَّن تَستحيي منهُ الْمَلائِكَةُ)) فكيف يُحتج بحديثٍ مَنْ يُكَذِّبُهُ الزُّهري مع جلالَةِ مقدار الزُّهري. فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أنَّ الزُّهري بحمد الله ونعمتِهِ مِن الجلالة على ما ذكر، ولسنا نظنُّ به أطلقَ مثلَ هذا القول في محمد بن أبي حَرْمَلَة لجلالة مِقْدار محمد بن أبي حِرْمَلَة، ولقيه من أصحاب النبي ◌َ﴿ مَنْ لَقِيَّهُ، وموضعُه في الرضا في الأخذِ عنه، عن مَنْ أَخذَ عنه، فمنهم: إسماعيلُ بن جعفر، ومالك بن أنس قد حدَّث عنه ٦٤٧١ - ما قد حَدَّثْنَا يُونس، قال: أخبرنا ابن وَهْب أن مالكاً أخبره عن محمد بن أبي حَرْمَلَة مولى عبد الرحمن بن أبي سفيان بن حُوَيَطب، أنَّ زينبَ ابنة ابي سَلَمة تُوفِيت وطارق أميرُ المدينة فأُتِيَ بجنازتها بعدَ صلاةِ الصبحِ، فَوُضِعَتْ بِالبَقيع، قال: وكان طارقٌ يُغَلِّس بالصُّبْحِ، قال ابنُ أبي حَرْمَلَة: فسمعتُ عبدَ الله بنَ عمر يقول لأهلِها: إمَّا أنْ تُصلُّوا على جنازتكم الآنَ، وإمَّا أن تتركوها حتّى ترتفعَ -١٥٨- كتاب المناقب - الصحابة الشمسُ(١). ومنهم ابنُ عُيينة. ٦٤٧٢- كما قد حَدَّثْنَا عبدُ الغني بن أبي عقيل، قال: حَدَّثْنَا سُفيان بن عُيَيْنة، عن محمد بن أبي حَرْمَلة، عن كُرِيبٍ، عن ابن عباس قال: أخبرني الفضلُ أخي أنَّه رأى النبيَّ ◌َ﴿ لَّى حتَّى رمَى حَمْرَةً العقبة(٢). قال أبو جعفر: والذي عندنا -والله أعلم- فما نظنّه بالزُّهري في إطلاقه هذا القول فيمن روى هذا الحديث لم يُرِدْ به محمد بن أبي حَرْمَلة، لجلالة محمد، واستقامة حديثهِ، وإمامتِهِ عند أهلِ العلم الذين حدَّثُوا عنه واحتجُّوا بروايتِهِ، ولكنَّه أراد به رجلاً مجهولاً قد حَدَّث ابنُ جریج عنه بهذا الحديث، و کان یُكْنی أبا خالدٍ: ٦٤٧٣- كما حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثْنَا أبو عاصمٍ، عن ابن جُريج، قال: حدثني أبو خالد، عن عبد الله بن أبي سعيد المَدِيني، قال: حدَّتتني حفصةُ ابنة عمر، قالت: كان رسولُ اللهَمَ﴿ ذاتَ يومٍ قد وضع ثوبَه بَيْنَ فخِذَيه، فجاء أبو بكر، فاستأذَن [، فأذِنَ] له الِّيُّ * على هيئته، ثم جاء عُمر بمثل هذه الصفة، ثم أُناسٌ من أصحابه والنِيَُّ﴿ على هيئته، ثم جاء عُثمان فاستأذَن عليه، ثم أخذ رسول الله (١) إستاده صحيح، وهو عند مالك في ((الموطأ) ٢٢٩/١، ومن طريقه رواه ابن سعد في ((الطبقات) ٤٦١/٨ - ٤٦٢. (٢) إسناده صحيح، وهو في البخاري (١٦٧٠)، ومسلم (١٢٨١) من طريق محمد بن أبي حرملة، وانظر كتاب الحج. - ١٥٩ - كتاب المناقب - الصحابة ﴿ٌ ثوبَه، فتحلّلَهُ فتحدثوا ثم خرجوا، فقلتُ: يا رسولَ الله جاء أبو بكر وعُمر وعليٌّ وناسُ من أصحابك وأنت على حالك، فلما جاء عثمان، تَلِّلْت ثوبَك؟ قال: ((أَوَلاَ أُسْتَحْنِي مِمَّن تَسْتَحْنِي مِنْهُ المَلاَئِكَةُ))؟. قال: وسمعتُ أبي وغيرَه يحدِّثون نحواً من هذا (١). قال أبو جعفر: فكلامُ الزُّهري الذي ذكرته أنه المخاطب لنا هو عندنا على قصد الزُّهري به إلى أبي خالدٍ هذا أوْ إلى مَنْ سِواه وإلى عبد الله بن أبي سعيد وأمثالِه، لاَ إلى محمدٍ بن أبي حرمة وأمثالِه إنْ شاء الله. والذي نقولُه نحنُ أنْ نُصحِّحَ الحديثين جميعاً، فنجعلَهما كانا من رسول الله ﴿ في يومَين مختلفين، أوْ في مرَّتين مختلفتين، قال في كلِّ واحدٍ منهما واحدٌ من القولين المذكورين فيهما، وفي ذلك اجتماعُ الفَضِيلتين جميعاً لعثمانَ رضي الله عنه باستحياء الملائكةِ منه ويحيائِهِ في نفسه رضوانُ الله عليه. وبالله التوفيق. (١) رواه ابن أبي عاصم في (السنة)) (١٢٨٤)، والطبراني في ((الكبير)) ٢٣/(٤٠٠) من طريق محمد بن المثنى، عن أبي عاصم، به. - ١٦٠ -