Indexed OCR Text
Pages 81-100
کتاب المناقب - بنات النبي وأزواجه
الله، جئْناكَ نسألُك عن أحبِّ أهل بيتِكَ إليكَ؟ قال: فقال: ((فاطمةٌ).
فقالا: لسنا نسألُكَ عن النساء، إنما نسألُك عن الرجال، قال: فقال:
((أسامة) فقال العباس شبه المُغْضَبِ: ثم مَنْ يا رسول الله؟ قال: ((ثمَّ
عليٌّ)، فقال: جعلت عمَّكَ آخرَ القومِ! فقال: ((يا عَبَّاسُ، إن عليّاً
سَبَقَكَ بالهِجْرِ)).
قال أبو جعفر: فكان في حديث إبراهيم بن مرزوق أنَّ سؤال
علي كان لرسول الله :﴿ عن أحبِّ الناس إليه، وفي حديث ابن أبي
داود سؤاله كان إيَّه عن أحبِّ أهل بيتِه إليه؟
فكان جوابُه عليه السَّلامُ له في ذلك ما ذكر من جوابه له في
ذلك إياه في هذين الحديثين، وفيها: أن أسامة كان أحبَّ الرجال إليه.
فقال قائل: فقد رويتم عنه# في موضع آخر أن أسامة كان من
محبته ما يخالفُ هذا، فذكر:
٦٣٨٨- ما قد حَدَّثَنَا يزيد بن سِنان، وفهدُ بن سليمان، قالا:
حَدَّثْنَا القعنيُّ، قال: قرأْتُ على مالكٍ، عن عبدِ الله بن دينار، قال: قال
ابنُ عمر: بَعَثُ النِيُّ ◌َ﴿ أسامة بن زيد، فطعن بعض الناس في إمْرته،
فقام رسولُ اللهِوَ﴿، فقال: ((إِنْ تَطْعُنوا في إمْرَتِهِ، فقد كنتُم تَطْعُنُونَ في
إِمْرةٍ أبيه مِن قَبْلُ، وايْمُ اللهِ، إنه كان خَلِيقاً لِلإمارةِ، وإنْ كان لَمِنْ
أحبِّ الناسِ إليَّ، وإِنَّ هذا لَمِنْ أَحَبِّ الناسِ إليَّ بعدَه))(١).
(١) رواه أحمد ١١٠/٢، والبخاري (٦٦٢٧)، ومسلم (٢٤٢٦)، والترمذي بإثر
الحديث (٣٨١٦)، وابن حبان (٧٠٤٤) من طرق، عن إسماعيل بن جعفر، به.
- ٨١ -
كتاب المناقب - بنات النبي وأزواجه .
٦٣٨٩- وما قد حَدَّثَنَا نَصْر بن مرزوق، قال: حَدَّثْنَا عليٌّ بن
مَعْبَد [ح]، وما قد حَدَّثَنَا يوسفُ بن يزيد، قال: حَدَّثَنَا حجاج بن
إبراهيم، ثم اجتمعا، فقال كلُّ واحدٍ منهما: قال: حَدَّثْنَا إسماعيلُ بنُ
جعفر، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: أن رسول اللهلن₪، ثم ذكر
هذا الحديث.
قال: ففي هذا الحديثِ من قول رسول الله و8 *: أن أسامة من
أحب الناس إليه، وفي الحديث الذي رويتّه قبله أنه أحبُّ الرجال إليه،
فهذان حديثان مَتضادَّانِ.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أنَّهما ليسا
بمتضادّيْنِ كما ظن، لأن الحديث الأول إنما كان فيه سؤالُ عليّ رسولَ
الله ﴿ عن أحب الناس إليه، وعن أحب أهل بيته إليه، وإخباره إياه
جوابًا له أنه فاطمة.
وفي الحديث الثاني قوله صلَّى الله عليه وسلَّم في أسامة: (إنه من
أحبِّ الناس إليه))، والناس فيهم فاطمةُ، فلما كانت فاطمة عليها
السَّلامُ في محبته عليه السَّلامُ فوقَ أسامةً من محبته، كان موضعُ أسامة
من محبته دونَ ذلك، فكان من أحب الناس إليه إذا كان في الناس النساءُ
والرجالُ، وكان أحب الرجال إليه إذ ليست فاطمةُ من الرجال،
ولكنها من النساء، وفي ذلك ما قد دَلَّ على أن لا تضادَّ في واحدٍ من
هذين الحديثين للآخر منهما.
قال: فقد رويتم من جوابه كان لعمرو بن العاص لما سأله عن
أحبِّ الناسِ إليه، فذكر:
- ٨٢-
کتاب المناقب - بنات النبي وأزواجه
٦٣٩٠- ما قد حَدَّثَنَا محمد بن إسماعيل بن سالم الصائغ، ومحمد
بن خُزيمة، قالا: حَدَّثَنَا مُعَلَّى بن أسد، قال: حَدَّثْنَا عبد العزيز بن
المختار، قال: حَدَّثَنَا خالد الحذَّاءُ، عن أبي عثمان، قال: حدثني عمرو
بنُ العاص: أن النبيِ﴿ بعثه على جيش ذاتِ السَّلاسِلِ، قال: فقلتُ:
أيُّ الناسِ أحبُّ إليكَ؟ فقال: ((عائشةُ)، فقلتُ: فمِنَ الرجال؟ قال:
((فَأَبُوها)، قلتُ: ثم مَنْ؟ قال: ((عمرُ بن الخطّابِ)) فعَدَّ رجالاً (١).
قال: فبهذا الحديث جوابُ رسول الله ﴿ عمراً بما أجابه به فيه،
وهو خلافُ ما أجاب به علياً في حديث أسامة الذي قد ذكرتَهُ في هذا
الباب.
وذكر في ذلك أيضاً:
٦٣٩١ - ما قد حَدَّثْنَا أحمدُ بنُّ شعيب، قال: أخبرنا عليُّ بن
(١) إسناده صحيح، ورواه البخاي (٣٦٦٢)، ومن طريقه البغوي (٣٨٦٩) عن
معلی بن أسد، به.
ورواه أحمد ٢٠٣/٤، والترمذي (٣٨٨٥)، والنسائي في ((فضائل الصحابة)) (١٦)
من طريق يحيى بن حماد، وابن حبان (٦٨٨٥) من طريق أبي كامل الجحدري،
كلاهما عن عبد العزيز بن المختار، به.
ورواه البخاري (٤٣٥٨)، ومسلم (٢٣٨٤)، وابن حبان (٦٩٠٠)، والبيهقي
٢٣٣/١٠ من طريق خالد بن عبد الله الواسطي، عن خالد الحذاء، به. وانظر ما
بعده.
وروى ابن حبان (٦٩٩٨) من طريق عبد الله بن شقيق، عن عمرو بن العاص
نحوه، وقال في آخره: قيل: ثم مَن؟ قال: ((أبو عبيده بن الجَرَّاح).
- ٨٣ -
كتاب المناقب - بنات النبي وأزواجه
سعيد بن مسروق، قال: حَدَّثْنَا علي بن مُسْهِر، عن إسماعيل - يعني ابن
أبي خالدٍ-، عن قيس -يعني ابن أبي حازم-، عن عمرو بن العاص،
قال: قلتُ: يا رسولَ الله، أيُّ الناس أحبُّ إليك فأُحِبَّه؟ قال: ((عائشةُ).
قلتُ: لست أسألُكَ عن النساء، إنما أسألُك عن الرجال. فقال: (أبو
بكرٍ))، أو قال: ((أبوها) رضي الله عنه(١).
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أنه قد
يحتملُ أن يكونَ عمرٌو عَلِمَ أنَّ لأهل بيت رسول اللهلم﴿ من محبته إياهم
ما ليس لغيرهم، فكان سؤالُه رسولَ اللهِ﴾ عن أحبِّ الناس إليه، يريدُ
به الناسَ الذين هم سوى أهل بيته، وعَلِمَ رسولُ اللهِ لَّ مُرادَه كان في
ذلك، فأجابه بالجواب الذي أجابه به مما ذُكِرَ في حديثه، وكان حديث
أسامة فيه ذكر سؤال علي عليه السَّلامُ إياه عما سأله عنه، وعلي من
أهل بيته، فأجابه بما أجابه به مما ذكر جوابه إياه في ذلك الحديث.
فقال قائل: فقد ذُكِرَ في ذلك أسامةُ، وليس من أهل بيته.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وَجَلَّ وعونه: أنه قد
يحتملُ أن يكونَ كان ذلك منه، وأسامةُ حينئذٍ من أهل بيته، لأنَّ أباه
(١) إستاده صحيح، ورواه ابن حبان (٧١٠٦) من طريق علي بن حُجْر
السعدي، عن علي بن مسهر، به.
ورواه أحمد في ((فضائل الصحابة)) (١٦٣٧)، والترمذي (٣٨٨٦)، والنسائي في
«الفضائل)) (٥)، وابن حبان (٤٥٤٠)، والحاكم ١٢/٤ من طرق، عن إسماعيل بن
أبي خالد، به. ورواية ابن حبان مطوَّلة. قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب من
هذا الوجه من حديث إسماعيل، عن قيس.
-٨٤-
کتاب المناقب - بنات النبي وأزواجه
قد كان يُدْعَى ابنه، فيقال: زيدُ بنُ محمدٍ
٦٣٩٢- كما حَدَّثْنَا رَوْحُ بن الفَرَج، قال: حَدَّثْنَا أبو زيد عبد
الرحمن بن أبي الغَمْر، قال: حَدَّثْنَا يعقوب بن عبد الرحمن الزُّهري، عن
موسى بن عقبة، عن نافع(١)، عن ابن عمر، قال: واللهِ إنْ كُنَّا لُسَمِّي
زيدَ بنَ حارثةً: زيدَ بن محمدٍ، حتى أنزل الله عَزَّ وحَلَّ: ﴿ادْعُوهُمْ
لآبائهم﴾ [الأحزاب: ٥](٢).
قال أبو جعفر: فكان أسامةُ حينئذٍ لرسول الله :﴿ ابنَ ابنٍ، فكان
بذلك من أهلِ بيته، وبذلك المعنى تَقدَّم في محبة رسول الله :﴿ مَنْ سواه
ممن ذكر في حديثه ذلك من أهل بيته، ثم نَسَخَ الله عَزَّ وجَلَّ ذلك بما
نسخه به مما قد تَلَوْنا، وبقوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿ما كان محمد أبا أحدٍ مِنْ
رجالِكُم﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وأعاد زيداً وأسامةَ وأمثالَهما إلى قوله
(١) كذا في الأصل (المخطوط): ((عن نافع)! وكلُّ من رواه إنما جعله: عن سالم
بن عبد الله بن عمر، وهو الصواب.
(٢) رواه مسلم (٢٤٢٥)، والترمذي (٣٢٠٩) و(٣٨١٤)، والنسائي في
((الكبرى)) (١١٣٩٦) عن قتيبة بن سعيد، عن يعقوب بن عبد الرحمن الزهري، عن
موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر. قال الترمذي: حسن صحيح.
ورواه أحمد ٧٧/٢، وابن أبي شيبة ١٤٠/١٢، وابن سعد ٤٣/٣، والبخاري
(٤٧٨٢)، ومسلم (٢٤٢٥)، والنسائي (١١٣٩٧)، وابن حبان (٧٠٤٢)،
والطبراني (١٣١٧٠)، والبيهقي ١٦١/٧ من طرق، عن موسى بن عقبة، عن سالم،
به.
- ٨٥ -
كتاب المناقب - بنات النبي وأزواجه
عَزَّ وجَلَّ: ﴿ادْعُوهُم لآ بائهم هو أقْسَطُ عندَ اللهِ فإنْ لم تَعْلَّمُوا آباءَهم
فأخواتُكُمفي الدّينِ وَمَوَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥].
وفي ذلك ما قد دَلَّ أن أسامة لما خَرَجَ عن الْنُبُوَّة التي كان فيها
مما استَحَقَّ به تقدُّمَ غيرِه من أهل بيت رسول اللهِلَ﴿ّ في محبة
رسول الله أن محبة رسول الله﴿ بعد ذلك قد عادَتْ إلى من كان
ذكره من محبته بمحبته بعده من أهلِ بيته.
وقال قائل آخر: قد رويتم عن رسول الله/* في هذا المعنى ما قد
رويتموه عنه فيه مما قد ذَكَرْ تموه في هذا الباب، وأنتم تّرْؤُونَ عنه ما
يخالف ذلك، فذكر:
٦٣٩٣- ما قد حَدَّثْنَا مالكُ بن يحيى الهمداني أبو غسان، قال:
حَدَّثَنَا عبدُ الوهّاب بن عطاءِ، قال: أخبرني الجُريري، عن عبد الله بن
شَقِيقٍ، قال: سألتُ عائشةَ: أيُّ أصحابِ رسول الله﴿ كان أحبَّ
إليه؟ قالت: أبو بكرٍ، قلت: ثمَّ مَنْ؟ قالت: ثم عمرُ، قلت: ثمَّ مَنْ؟
قالت: ثم أبو عبيدة بن الجَرَّاحِ، قال: قلتُ: ثم مَنْ؟ فسَكَّتَتْ(١).
قال: فالذي في هذا الحديثِ من هذا المعنى، يخالفُ ما قد
(١) صحيح، رجاله ثقات رجال الشيخين غير عبد الله بن شقيق، فمن رجال
مسلم. الجريري: هو سعيد بن إياس.
ورواه أحمد ٢١٨/٦، والترمذي (٣٦٥٧)، وابن ماجه (١٠٢)، والنسائي في
((فضائل الصحابة)) (٩٧) من طرق عن الجُريري، به.
قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
-٨٦-
كتاب المناقب - بنات النبى وأزواجه
رویتموه قبلَه في حديث أسامة بن زيد في هذا الباب.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أنه لا
خلافَ في شيءٍ مما قد رويناه في هذا الباب عن رسول الله مَ﴿، لأن
الذي رويناه عنه في حديث أُسامة على حقائق ما كان عنده* في
ذلك، لأنه كان مسؤولاً عنه ومحيباً لسائله عما أجابه به في حديث
أسامة، والذي في حديث عائشةً هو جوابُها عما سألت عنه عما كان
عليه، وذلك على ما يقع في قلبها مما كان عليه {﴿، وقد يكون على
خلاف ذلك.
قال: فقد رويتم عنها جوابُنا منها عن مثل هذا السؤال ما يخالف
هذا الجوابَ، وذكر:
٦٣٩٤ - ما قد حَدَّثْنَا أحمدُ بن شعيب، قال: أخبرنا محمد بن
آدم، قال: حَدَّتْنَا ابن أبي غَنِيَّة، عن أبيه، عن أبي إسحاق، عن جُمَّيْع
-وهو ابن عُمير-، قال: دخلتُ مع أبي على عائشة وأنا غلامٌ، فذكر
لها عليّاً، فقالت: ما رأيتُ رجلاً كان أحبَّ إلى رسول الله :﴿ منه، ولا
امرأةٌ أحبَّ إلى رسول الله مِ لّ من امرأتِهِ(١).
(١) إسناده تالف لضعف جميع بن عُمير - وهو ابن عفاق التيمي-، واتهمه
بعضهم بالوضع. وهو في ((الخصائص)) للنسائي (١١١). وفيه: دخلت مع أمي.
ورواه النسائي (١١٢)، والحاكم ١٥٤/٣ من طريق محمد بن إسماعيل بن رجاء
الزبيدي، عن أبي إسحاق الشيباني، به، وقال فيه: دخلت مع أمي. وصحح الحاكم
إسناده، لكن تابعه الذهبي بقوله: جميع متهم، ولم تقل عائشة هذا أصلاً.
ورواه بنحوه الترمذي (٣٨٧٤) من طريق عبد السَّلامُ بن حرب، عن أبي
-٨٧-
كتاب المناقب - بنات النبي وأزواجه
٦٣٩٥- وما قد حَدَّثَنَا الحسن بن عبد الله بن منصور البالِسي،
قال: حَدَّثَنَا الْهَيْثَم بن جَميل، قال: حَدَّثْنَا هُشَيم، عن العوَّامِ بن
حَوْشَب، عن جُمَيعٍ بن عُمير، قال: دخلتُ مع أمي على عائشة،
فقالت لها أمي: من كان أحب النساء إلى رسول الله:﴿؟ قالت:
فاطمةُ: فمن الرجالِ؟ قالت: زَوْجُها.
قال: فالذي عنها في هذا الحديث يخالفُ الذي عنها في الحديث
الذي ذكرتموه عنها قبلَه في هذا الباب.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أنه لا
خلافَ في ذلك كما ظنَّ، ولكن عائشة سُئِلَّت في حديثها الأول عن
أحبِّ الناس كان إلى رسول الله عَ﴾ٍ، وكان الذي عندَها أن أحداً لا
يذهبُ عنه أن أحداً لا يتقدَّمُ أهلَ بيته في محبته، كما لم يتقدم أحدٌ
سواهم إيَّاهم في التّبليغِ عنه في الموسم سورةَ براءةً، وفي قوله: (إنه لا
يُبَلِّغُ عنّ إلا رجلٌ من أهلِ بَيْتِي))، فأجابت بالجواب المذكور فيه عن
أُحبِّ الناس كان إليه سوى أهل بيته، وسُئِلت في حديثها الثاني عن
عليّ، وهو من أهل بيته، فأجابت فيه بالجوابِ الذي أجابَتْ به فيه،
وفي ذلك ما قد حَقِّقَ ما حَمَلْنا عليه معنى حديث أسامة، وحديث
عمرو عَلَى ما ذكرنا من معنى كل واحدٍ منهما الذي ذكرناه في هذا
الباب. وما حقّقَ ما ذكرنا فيما رويناه عن عائشة من سائر أهلِ بيتِ
-
الجَخَّاف داود بن أبي عوف، عن جميع بن عمير قال: دخلت مع عمَّتي على
عائشة ... وقال: حسن غريب!
-٨٨ -
كتاب المناقب - بنات النبي وأزواجه
رسول اللّه ◌ُ﴾ ومِنْ سواهم من الناس في محيِّتِه
٦٣٩٦- ما قد حَدَّثْنَا أبو أمية، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعيم، قال:
حَدَّثَنَا يونس بن أبي إسحاق، قال: حَدَّثَنَا العَيْزار بن حُرَيْث، قال: قال
النِّعمان بن بَشِير: استأذَنَ أبو بكرٍ رضي الله عنه على رسول الله و﴿،
فسَمِعَ صوت عائشة تقول: والله لقد عرفتُ أن عليّاً أحبُّ إليكَ من
أبي، مرتين أو ثلاثاً، فاستأذنَ أبو بكرٍ رضي الله عنه فدَخَلَ، فأهوى
إليها، وقال: يا بنتَ فُلانةَ، ألا أسمَعُكِ ترفعينَ صوتَكِ على رسول الله
صرفله (١)
.
فكان في هذا الحديثِ وقوفُ رسول الله﴿ على ما قالت عائشةٌ
من ذلك، فلم يُنْكِرْه عليها، وخرج جميعُ معاني كلِّ ما رَوَيْناه في هذا
الباب خروجاً على تضادّ فيه، ولم يكن ما ذكرناه من تقديم عليّ عليه
السَّلامُ في محبَّةٍ رسول اللهلَ ﴿ أبا بكر فيها، بمانع أن يكون أبو بكر
يتقدَّمُه بالفَضْلِ عندَ رسول اللهِ وَ﴿، ولكن كل واحد منهما له موضِعُه
من رسول الله ﴿ من محبَّةٍ، ومن فَضْلِ، رضوان الله عليهما، وعلى
سائرٍ أصحابه سواهما، والله نسألُه التوفيقَ.
(١) رواه أحمد ٢٧٥/٤ عن أبي نعيم، به.
ورواه بأطول مما هنا دون ذكر القصة التي من أجلها رفعت عائشة صوتها:
النسائي في ((عشرة النساء)) (٢٧٣) من طريق عمرو بن محمد العنقزي، عن يونس بن
أبي إسحاق، به.
ورواه كذلك أحمد ٢٧١/٤-٢٧٢ من طريق إسرائيل، وأبو داود (٤٩٩٩) من
طريق يونس بن أبي إسحاق، كلاهما عن أبي إسحاق، عن العيزار بن حريث، به.
-٨٩-
کتاب المناقب - بنات النبي وأزواجه
٩٣٢ - بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عَنْ رسول الله علیه السَّلامُ
فِيمَن كانَ یَنْزِلُ عليه الوحيٌ وهو في لِحَافِھا
٦٣٩٧- حَدَّثْنَا إبراهيم بن مَرْزوق، حَدَّثْنَا عَفَّان، حَدَّثْنَا حماد
بن سَلَمَة، عن هشام بن عروة، حدثني عَوْف بن الحارث، عن أخته
رُمَيْئَةَ ابنة الحارث، عن أمِّ سَلَمَةَ أنَّ النِّسَاءَ قُلْنَ لها: إنَّ النَّاسَ يَتَحَرَّوْنَ
بهداياهُم يومَ عائشةَ، وأَنَّا نُحِبُّ الخيرَ كما تُحِبُّهُ عائشةُ، فإذا جاءكِ
النبيُّ عليه السَّلامُ، فقولي له: إنَّ الناسَ يَتَحَرَّوْنَ بهداياهم يومَ عائشةً،
وإِنَّا نُحِبُّ الْخَيْرَ كما تُحبُّه عائشةُ، فلو أمرتَ الناسَ يَهْدُون لَكَ حيثُ
كُنْتَ، قَالَتْ: فلما جاء النبيُّ عليه السَّلامُ، قلتُ لهُ، فَأَعْرَضَ عَنّي، فلما
خَرَجَ، قُلْنَ لها: ما فَعَلْتِ؟ قالتْ: قد قُلْتُ له، فَأَعْرَضَ عَنِي، فَقُلْنَ:
عاوِدِيهِ، فعاوَدْتُهُ، فأعرضَ عنّي، ثم قال: (يا أمَّ سلَمَةَ لاَ تُؤْذِيني في
عَائِشَةَ، فَوَ اللهِ ما مِنْكُنَّ امرأةٌ يَنْزِلُ عليَّ الوَحْيُ وأنا في لِحَافِهَا لَيْسَ
عَائِشَةَ)، قالَتْ: قُلْتُ: لا حَرَمَ واللهِ لا أُوذِيكَ فيها أَبَدً (١).
فقال قائلٌ: فقد رُوِيَ عن أُمِّ سلمة في غير هذا الحديث ما يُضادُّ
ما في هذا الحديث.
(١) حديث صحيح. ورواه النسائي ٦٨/٧-٦٩ عن محمد بن آدم، عن عبدة،
عن هشام، به.
ورواه البخاري (٣٧٧٥)، والترمذي (٣٨٧٩)، والنسائي ٦٨/٧، وفي («فضائل
الصحابة)) (٢٧٦) من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.
- ٩٠-
کتاب المناقب - بنات النبي وأزواجه
٦٣٩٨ - وذكر ما قد حَدَّثْنَا إبراهيمُ بن مَرْزوق، حَدَّثْنَا أُبو داودَ
الطَّيالسي، عن صالح بن أبي الأخضر، عن الزُّهْرِي، عن عبدِ الرحمن بنِ
عبدِ الله بن كعب - وكان قائدَ كعبٍ حين عَمِيَ -، قالَ: سألتُ كَعْباً
عن حديثه حين تَخَلَّفَ عن رسول الله عليه السَّلامُ في غزوة تبوكَ،
فَذَكَرَ أَنَّهُ حدَّتَهُ إِيَّاهُ، وقالَ فيه: قال كعبٌ: وأُخْبَرَتْنِي أُمُّ سَلَمَة زوجُ
النبيِّ عليه السَّلامُ وكانت مُحْسِنَةً في شأني أنَّ رسولَ الله عليه السَّلامُ
كان عندَها تلك الليلةَ - تعني التي نَزَلَتْ فيها توبته- قالتْ: فَلَمَّا بِقِيَ
قُلُثٌ مِنَ الليلِ، نَزَلَتْ عليه تَوْبَتُنَا، فقالَ: (يا أُمَّ سَلَمَةٌ، تِيبَ عَلَى كَعْبٍ
وصَاحِبَيْهِ)) قالَتْ: فَقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، أفلا أرسِلُ إليهِ أُبَشِّرُهُ؟ قال:
(إذاً يَحْطِمُكُمْ النَّاسُ، ويَمْنَعُونَكِ النّوْمَ سائِرَ اللَّيْلَةِ)، وأُخْبَرَ رسولُ
الله صلَّى الله عَلَّيه وسلِّم بِتَوْبَةِ اللهِ عَلَيْنَا بَعْدَمَا صَلَّى الصُّبْحَ(١).
فكانَ جَوابُنا له عن ذلك بتوفيق اللهِ أنَّ ما في هذا الحديثِ غيرُ
مضادٌّ لِما في الحديث الأوَّل، لأنَّ الذي في هذا الحديث إنَّما هو إخبارُ
أُمِّ سلمةَ أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أُنزِلَتْ عليه توبةُ كعبٍ
وصاحبيهِ في بيتها، وفي ليلتها، لا ما سوى ذلك، وقد يجوزُ أنْ يَكونَ
(١) حديث صحيح. صالح بن أبي الأخضر: ضعيف، يعتبر به وقد توبع.
وحديث توبة كعب مطولاً ومختصراً روي من طرق عن الزهري به، في: البخاري
(٢٩٤٧) و(٢٩٤٨) و(٢٩٤٩) و(٢٩٥٠) و(٣٠٨٨) و(٣٥٥٦) و(٣٨٨٩)
و (٣٩٥١) و(٤٤١٨) و(٤٦٧٣) و(٤٦٧٧) و(٤٦٧٨) و(٦٢٥٥) و(٦٦٩٠)
و(٧٢٢٥)، ومسلم (٢٧٦٩).
- ٩١-
کتاب المناقب - بنات النبي وأزواجه
نزلَ ذلك على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو في غيرِ لِحَافِها.
وفي الحديث الأول إثباتُ أمِّ سلمة عن رسول الله صلَّى الله علَّيه
وسلَّم بقوله: ((واللهِ مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ يَنْزِلُ عَلَيَّ الوَحْيُ وأنا في لِحَافِها
لَيْسَ عائشةَ)). ففي ذلك إثباتُ أن نزول الوحي كان عليه وهو في
لِحَافِ عائشةَ، وليس ذلك في الحديثِ الثاني الذي ذكرناه في هذا
الباب، والله نسألُهُ التوفيقَ.
- ٩٢-
کتاب المناقب - بنات النبي وأزواجه
٩٣٣- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله علیه السَّلامُ
في أفضل بناته من هي منهن
٦٣٩٩ - حَدَّثْنَا الربيعُ الجيزيُّ، ويوسفُ بن يزيد أبو يزيد،
وفهد، قالُوا: حَدَّثْنَا سعيدُ بنُ أبي مريم، حَدَّثْنَا يحيى بنُ أيوبِ، حَدَّثَنَا
ابنُ الهادٍ، حدثني عُمَرُ بنُ عبد الله بن عُرْوَةَ، عن عُرْوَةً بنِ الزبير، عن
عائشة أن رسول الله صلَّى الله عَلَّيه وسلَّم لما قَدِمَ المدينة، خرجتِ ابنتُه
مِن مكة مع بني كِنانة فَخَرَجُوا في أثَّرِهَا، فأدركها هَبَّارُ بنُ الأسودِ (١)،
فلم يَزَلْ يَطْعُنُ بَعِيرَها حتى صَرَعَها، فألقت ما في بطنها وأهريقَتْ دمَاً،
فانطلق بها، واشتجر فيها بنو هاشم، وبنو أُمَيَّة، فقال بنو أمية: نحنُ
أحقُّ بها، وكانت تَحْتَ ابنِ عمهم أبي العاص بن ربيعة بنِ عبدِ
شمس(٢)، فكانت عند هندٍ بنتِ ربيعة، وكانت تقولُ لها مِنْد: هذا في
(١) هو هبار بن الأسود بن المطلب بن أسد القرشي، وقد أهدر النبيُّ صلَّى الله
عليه وسلّم دمه، فقال: ((إن ظفرتم بهبار بنِ الأسود، فأحرقوه بالنار)) ثم قال:
«اقتلوه، فإنه لا يعذب بالنار إلا رب النار» فلم يلقوه، ثم أسلم بعد الفتح، وحسن
إسلامه، وصحب النبي صلّى الله عليه وسلّم. انظر ((أسد الغابة) ٢٨٤/٥، و(الإصابة))
٥٦٥/٣-٥٦٧، والطبراني ٢٠٠/٢٢-٢٠١.
(٢) هو أبو العاص بن الربيع - أو ابن ربيعة القرشي - صهر رسول الله صلَّى الله
عليه وسلّم، زوج ينته زينب، وهو والد أمامة التي كان النبي صلِّى الله عليه وسلّم
يحملها في صلاته، أسلم قبل الحديبية بخمسة أشهر، ولما هاجر، ردًّ عليه النبي صلَّى الله
عليه وسلم زوجته زينب بعد ستة أعوام على النكاح الأول. انظر (السير)) ٣٣٠/١-
٣٣٤.
- ٩٣-
كتاب المناقب - بنات النبى وأزواجه
سبب أبيك، فقال رسولُ الله عليه السَّلامُ لِزَيْدِ بنِ حارثةَ: ((ألا تَنْطَلِقُ
فَتَجِيءٍ بِزَيْنَبَ؟)، قال: بلى يا رسولَ الله، قال: ((فَخُذْ خاتَمي هذا،
فأعطها إِيَّاه)، قال: فانطلق زيدٌ، فلم يَزَلْ يَلْطُفُ وَتَرَكَ بعيرَه حتى أتى
راعياً، فقال: لَمِنْ ترعى؟، فقال: لأبي العاصِ بنِ ربيعة، قال: فَلِمن
هذه الغنمُ؟ قال: لزينبَ بنتِ محمد عليه السَّلامُ، فسار معه شيئاً، ثم
قال له: هَلْ لك أن أُعطِيكَ شيئاً تُعطيها إياه، ولا تَذْكُرُهُ لأحد؟ قال:
نعم فأعطاه الخاتمَ، فانطلق الرَّاعي، فأدخل غَنَمَه، وأعطاها الخاتم
فَعَرَفَتْهُ، فقالت: مَنْ أعطاك هذا؟، قال: رجل، قالت: وأين تَرَكْتَهُ؟
قال: مكانَ كذا وكذا، فسكنت حتى إذا كان الليلُ خَرَجَتْ إليه، فقال
لها: اركبي بينَ يَدَيَّ، قالت: لا ولكن ارْكبْ أنتَ، فَرَكِبَ ورَكِبَتْ
وراءه حتى أُتَتِ النبيَّ عليه السَّلامُ، فكان رسولُ اللهِ عليه السَّلامُ يقول:
(هِيَ أَفْضَلُ بَنْاتِي أُصِيبَتْ في). فبلغ ذلك عليَّ بنَ حسين بن علي (١)،
فانطلق إلى عُروة بن الزبير فقال: ما حديثٌ بلغني عنك أنك تُحَدِّثُه
تَنْتَقِصُ فيه حَقَّ فاطمة، فقال عروةُ: ما أُحِبُّ أن لي ما بَيْنَ المشرق
والمغرب وإني أنتقِصُ فاطمة حقاً هو لَهَا وأما بعد، فلك عليَّ أن لا
أُحَدِّثَ به أبدً (٢).
(١) هو الإمام زين العابدين علي بن الحسين بن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب،
تُوفي سنة أربع وتسعين بالمدينة، ولا بقية للحسين بن علي إلا من قِبَلِ ابنه زين
العابدين هذا. مترجم في (السير)) ٣٨٦/٤-٤٠١.
(٢) رواه الحاكم ٤٣/٤-٤٤، والبزار (٢٦٦٦) من طريق سعيد بن أبي مريم،
- ٩٤-
كتاب المناقب - بنات النبي وأزواجه
قال أبو جعفر: فكان في هذا الحديثِ مما يَحبُ تأمُلُه، والوقوفُ
على المعنى فيه مِن قولِ رسولِ الله عليه السَّلامُ لزيد بن حارثة: ((ألا
تنطلِقُ فتجيئ بزينب؟))، وزيد ليس بمحرمٍ منها، ولا بزوجٍ لها، وقد
نهى صلَّى الله عليه وسلّم أن تُسَافِرَ امرأة إلا مع ذي مَحْرَمٍ.
ورُوِيَتْ عنه في ذلك آثارٌ بعضُها مُطْلِقٌ بلا ذكرِ وقتٍ معلومٍ
لذلك السفرِ، وبعضُها فيه ذكرُ مقدارِ ذلك السفرِ من الزمان، وفي
بعضِها: إلا ومعها زوجٌ أو ذو محرم منها.
وسنذكر هذا البابَ، وما رُوِيَ عن رسول الله صلَّى الله علِّيه
وسلَّم فيه فيما بعدُ مِن كتابنا هذا إن شاء الله.
غير أنّا تأملنا ما كان مِنْ رسول الله عليه السَّلامُ في هذا الحديثِ
من إطلاقه لزيدٍ السفر بزينب، فوجدنا زيداً قد كان حينئذٍ في تبني
رسولِ الله إياه، حتى كان يُقال له بذلك: زيدُ بنُ محمد، ولم يزل بَعْدَ
ذلك كذلك إلى أن نسخ الله ذلك، فأخرجه مِن بُنُوَّته، وردّه إلى أبيه في
الحقيقية بقوله: ﴿مَا كَانَ مُحمَّدْ أَبَ أحَدٍ مِنْ رِحِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللهِ
وَخَاَتَمَالنّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠]، وبقوله لزيد وأمثاله من الُتَِّّينَ
﴿ادْعُوهُمْ لِيَّتِهِمِ هَوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللهِ فَإِنَ لَّمْ تَغْلَمُوا آبَاء هُمْ فَإ ◌ِخْوَانُكُم في
به. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وقال البزار: لا نعلم
رواه عن عروة بهذا اللفظ إلا عمر، وقال الهيثمي ٢١٣/٩: رواه الطبراني في
(«الأوسط)) و(الكبير)) والبزار، ورجاله رجال الصحيح.
- ٩٥-
كتاب المناقب - بنات النبي وأزواجه
الدّينِ وَمَوَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥]، وبقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ
أدْعِيَاءكُمْ أَبَاءكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤]، وبما أنزل في زيدٍ خاصةً في
إباحته تزويجَ زينبَ بنتِ جحشِ التي كانت قَبْلَ ذلك زوجاً لزيد، وبما
أنزل في ذلك: ﴿فَلَا قَضَى نِهِدَ مِنْهَا وَطَرَاً مُرَّخْنَاكَهَا﴾ إلى قوله ﴿وَطَراً﴾
[الأحزاب: ٣٧].
فوقفنا على أنَّ ما كان أمر به عليه السَّلامُ زيداً قبلَ ذلك في
زينب وفي إباحته لها وله السَّفَرَ من كل واحدٍ منهما مع صاحبه، كان
على الحُكْمِ الأول، وفي الحالِ التي كان زيدٌ فيها أخاً لزينبَ، فكان
بذلك مَحْرَماً لها، جائزاً له السفُر بها، كما يجوزُ لأخ لو كان لها مِن
النَّسَبِ مِن السفر بها، فهذا وجه هذا المعنى من هذا الحديث، واللهُ
أعلمُ.
وأما ما ذُكِرَ فيه من تفضيل رسول الله عليه السَّلامُ زينبَ على
سائر بناتِهِ، فإن ذلك كان ولا ابنةً له يومئذٍ، فتستحِقّ الفضيلة غيرُها
لِما كانت عليه من الإيمانِ به، والاتباعِ له، ولِمَا نَزَلَ بها في بدنها مِن
أجله مما قد ذكرنا، ثم كان بعدَ ذلك مما وهبه الله له، وأقرَّ به عينَه في
ابنِهِ فاطمةً ما كان منه فيها من توفيقه إيّاها للأعمال الصَّالِحَةِ الزاكيةِ،
وما وَهَبَ لها مِن الولد الَّذينَ صاروا له ولداً وَذُرِّيَّةً مما لم يَشْرَكْهَا في
ذلك أحدٌ مِن بناته سواها، وكانت قبلَ ذلك في الوقت الذي استحقت
زينبُ ما استحقت مِن الفضيلة صغيرةً غيرَ بالغ ممن لا يجري لها ثوابٌ
بطاعاتها، ولا عقابٌ بخلافها، والدليلُ على ذلك مِن صغر سنها حينئذٍ،
-٩٦-
كتاب المناقب - بنات النبي وأزواجه
وتقصيرها عن البلوغ: ما حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ سهلِ الرازي، حَدَّثَنَا أبو عبدٍ
الله، حَدَّثَنَا موسى بنُ عبدِ الله بنِ موسى بنِ عبد الله بنِ حسن بنِ
حسن بن علي بن أبي طالب، حدثني أبي عبدُ الله بنُ موسى، حدثني
أبي موسى بنُ عبد الله، عن أبيه عبد الله بنِ حسن قال: دخلتُ أنا،
وابنُ شهابٍ الزُّهري على عبد الملك بن مروانَ، فسأله عن سِنِّ فاطمة،
فبدرني ابنُ شهاب بالجواب عن ذلك، فقلتُ له: سَلْ هذا عن أُمِّه،
وسَلني عن أُمِّي، ثم قُلتُ له: كان سِنّها - يعني الذي ماتت عليه- خمساً
وعشرين سنةً(١).
ثم تأملنا الوقتَ الذي كانت فيه وفاتها، أيَّ وقتٍ كان مِن
الزمان:
٦٤٠٠- فوجدنا أحمدَ بن عبد الرحمن بن وَهْبٍ قد حَدَّثَنَا قال:
حَدَّثْنَا عمِّي عَبْدُ الله بنُ وهب، وحَدَّثْنَا إبراهيم بن أبي داود، حَدَّثَنَا
عبد الله بن صالح ثم اجتمعا، فقال كُلُّ واحد منهما: حدثني الليثُ بنُ
سَعْدٍ، عن عُقِيلٍ، عن ابنِ شهاب، عن عُروة بن الزبير، عن عائشةً أنها
أخبرته أنَّ فاطمة بنتَ رسول الله عليه السَّلامُ أَرْسَلَتْ إلى أبي بكرٍ
تسألُه مِيرَاتَها من رسول الله صلَّى الله عَلَّيه وسلَّم بالمدينة، وفَدَك، وما
بقِي مِنْ خُمْسِ خَيْبَرَ، فقال لها أبو بكر: إن رسولَ الله صلَّى الله عِّيه
(١) أحمد بن سهل الرازي لا يعرف، ولم يرو له أبو جعفر سوى هذا الأثر، وكذا
شيخ شيخه، وشيخ شيخ شيخه، وموسى بن عبد الله، مترجم في («الميزان)) وثقه ابن
معين، وقال البخاري: فيه نظر.
-٩٧-
کتاب المناقب - بنات النبي وأزواجه
وسلَّم قال: ((لا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ)) إنما كان يأكلُ آلُ محمد في
هذا المال، وإني والله لا أُغَيِّرُ شيئاً مِن صدقة رسولِ الله عليه السَّلامُ عن
حالها التي كانت عليها في حياة رسولِ الله عليه السَّلامُ، ولأعملَن فيها
بما عَمِلَ به رَسُولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فأبى أبو بكر أن يدفعَ إلى
فاطمة منها شئاً، فَوَجَدَتْ فاطمةُ على أبي بكر في ذلك، فَهَحَرَتْهُ، فلم
تُكلمه حتى تُوفيت، وعاشت بَعْدَ رسولِ الله عليه السَّلامُ ستةَ أشهر،
فلما توفيت دفنها زوجُها علي بن أبي طالب ليلاً، ولم يُؤْذِنْ بها أبا
بكر، وصلى عليها علي(١).
قال أبو جعفر: ثُمَّ كان مِن رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم مِن
إبانته لِلنَّاسِ فَضْلَ فاطمةً على سائر بناتِه، وعلى سائرِ نساء المؤمنين
سواها وسواهُنَّ:
٦٤٠١ - ما قد حَدَّثَنَا بكارٌ، حَدَّثْنَا أبو داود صاحب الطَّيالسة،
وما قد حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حَدَّثْنَا يحيى بنُ حماد، ثم اجتمعا
فقال بكار: قال حَدَّثْنَا أبو عَوانة، وقال إبراهيمُ: قال حَدَّثْنَا أبو عَوَانَةَ،
عن فيراسٍ عن الشَّعِيِّ، عن مسروقٍ، حدثتني عائشة: أن النساء كُنَّ
اجتمعنَ عند رسولِ الله عليه السَّلامُ لم تُغَادِرْ منهن واحدة، فجاءت
فاطمةُ تمشي ما تُخْطِئُ مِشْيَتُهَا مِشْيَةَ رسولِ الله عليه السَّلامُ، فلما رآها
(١) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٣٠٩٢) و(٣٧١١) و(٤٠٣٥)
و(٤٢٤٠) و(٤٢٤١)، ومسلم (١٧٥٩)، وأبو داود (٢٩٦٨) و (٢٩٦٩)
و(٢٩٧٠)، والنسائي ١٣٢/٧، وأحمد ٤/١ و٦ و٩ من طرق، عن ابن شهاب، به.
- ٩٨ -
كتاب المناقب - بنات النبي وأزواجه
رَجَّبَ بها، وقال: (مرحباً بابنتي)) وأخذها، فأقعدها عن يمينه، أو عن
يسارِهِ، فسارَّها، فَبَكَتْ، ثم سارَّها الثانيةَ فضحِكَتْ، فلما قامَ رسولُ
الله عليه السَّلامُ، قلتُ لها: إنَّ لك مِن بين نسائه فضلَ رسول الله صلَّى
الله علِّيه وسلَّم مِن بيننا بالسِّرارِ، وأنتِ تَبْكِينَ!، عزمتُ عليكِ بما لي
عَلَيْكِ مِن حقٌّ مم بَكَيْتِ ومِمَّ ضَحِكْتِ، فقالت: ما كُنْتُ لأُغْشِيَ سِرَّ
رسولِ الله صلّى الله عَلَّيه وسلَّم، فلما تُوفّيَ رَسُولُ الله صلَّى الله عَلَّيه
وسلّم، قلتُ لها: عَزَمْتُ عليكِ بما لي عليكِ من حَقُ إلا أخبرتني، قالت:
أما الآن، فنعم، إنه لما سَارَّني في المرة الأولى قال: ((إن جبرِيلَ كان
يَعَارِضُنِي بِالقُرآنِ في كُلِّ عَامٍ مَرَّةً، وإِنه عَارَضَنِي العَامَ مَرَّتَيْنِ، وإِنّي
لا أظن إلاَّ أجلي قد حضر، فاتّقِ اللهَ، فِعْمَ السَّلَفُ لكِ أنَا)، قالت:
فَبَكَيْتُ بُكائي الذي رأيْتٍ، ثم سارَّني الثانية، فقال: ((أَمَا تَرْضَيْنَ أنْ
تُكُونِي سَيِّدَةَ هذه أُمَّةٍ، أو سَيِّدَةَ نِسَاء الْمُؤْمِنِينَ)؟ قالت: فضحكت(١).
٦٤٠٢- وما قد حَدَّثَنَا فَهْدٌ، حَدَّثْنَا أَبُو نُعيم، حَدَّثْنَا زكريا بنُ
أبي زائدةً، عن فِراسٍ، عن الشعبيِّ، عن عائشةَ قالت: أُقْبَلَتْ تَمْشِي -
تعني فاطمةَ- كأن مِشْيتَها مِشْيَهُ رسولِ الله عليه السَّلامُ، ثم ذَكَرَ بقية
هذا الحديثِ، كما في حديث بَكَّار، وإبراهيم سواء، ولم يَذْكُرْ ما في
حديثهما قبل ذلك.
٦٤٠٣- وما قد حَدَّثْنَا يوسفُ بنُ يزيد قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ
(١) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٣٦٢٣) و(٦٢٨٥) و(٦٢٨٦)، ومسلم
(٢٤٥٠)، وابن ماجه (١٦٢١)، والبغوي (٣٩٦٠) من طرق عن فراس، به.
-٩٩-
کتاب المناقب - بنات النبي وأزواجه
أبي مريم، عن نافعٍ بِنِ يزيدَ، حدثني ابنُ غَزِيَّةَ - يعني عُمارة - عن محمدٍ
بنِ عبد الله بنِ عمرو بن عثمان، أنَّ أُمَّه فاطمةً بنت الحسين حدثته، أن
عائشةَ كانت تقولُ: إن رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم قال في مرضه
الذي قُبِضَ فيهِ لِفاطمة: (يا بُنِيَّة أحْنِي عليَّ))، فأحْنَتْ عليه، فناجاها
ساعةٌ، ثم انْكَشَفَتْ عنه وهي تبكي، وعائشةُ حاضِرةٌ، ثم قال رسول
الله صلّى الله عليه وسلَّم بعدَ ذلك بساعة: ((احْنِي عليَّ يا بُنَيَّةُ)، فأحنت
عليه، فناجاها ساعةً ثم كشفت عنه تَضْحَكُ، فقالت عائشة: أيْ بُنِيَّةُ،
ماذا ناجاكِ أبوك؟، قالت فاطمة: أُوشِكُ أُبَيِّنُهُ، ناجاني على حالِ سِر
*
ثم رأيتِ أني ◌ُخبرك بِسِرِّه وهو حي؟! فَشَقَّ ذلك على عائشةَ أن يكونَ
سِرٌّ دونَها، فلما قبضه الله، قالت عائشةُ لِفاطمة: ألا تُخبريني ذلك
الخبرَ؟، فقالت: أما الآن، فَنَعَمْ، ناجني في المرة الأولى، فأخبرني أن
جبريل عليه السَّلامُ كان يُعارِضُه القرآنَ في كُلِّ عام مرةً، وإنه عارضني
العامَ مرتين، وأخبرتني أنه أخبرها أنه لم يكن نبيٌّ كان بعدَه نبيٌّ إلا عاش
نصفَ عمر الذي كان قبله، وأخبرني أن عيسى عليه السَّلامُ عاش
عشرين ومئة سنة، ولا أُرانيٍ إلا ذاهبٌ على سِتّينَ، فأبكاني ذاك،
وقال: (يا بُنَّةُ إِنَّه لَيْسَ مِن نساء المسلمين امرأةٌ أعظمُ رزيةً منك، فلا
تكوني أدنى امرأةٍ صبراً)»، ثم ناجاني في المرةِ الأُخرى، فأخبرني أنّي
أوَّلُ أهله لُحوقاً به، وقال: (إِنَّكِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أهْلِ الْجَنَّةِ إلا ما كَانَ مِنَ
البُتُولِ مَرْيَمَ ابنةِ عِمْرَان))، فضحكتُ لذلك(١).
(١) إسناده ضعيف لضعف محمد بن عبد الله بن عمرو بن عثمان.
- ١٠٠ -