Indexed OCR Text

Pages 541-560

کتاب التفسير - الطور ٢١
٩٠٢- بابُ المستَخْرَجِ من حديثِ عبدِ الله بن عباسٍ الذي
يرفعُه بعضُ رواتِهِ إلى النبيِّ {# ويوقفُهُ بعضُهم على ابنِ عباسٍ
في المراد بقولِ الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وأتْبَعْنَاهُم ذُرِّيَّاتِهِمْ بإيمانِ
أُلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّاتِهِمْ﴾(١).
٦٢٠٩- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، قال: حَدَّثْنَا أبو الوليدِ
الطيالسيُّ، قال: حَدَّثَنَا شعبةُ، قال: حَدَّثَنَا عمرو بنُ مرةً، قال: سألتُ
سعيدَ بنَ جبيٍ، عن هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَأَتْنَاهُمْ ذُرِبَاتِ مْ بإيمانٍ﴾
[الطور: ٢١] قال: قالَ ابنُ عباسٍ: المؤمنُ تُرْفَعُ له ذريته، ليُقِرَّ الله عَزَّ
وجَلَّ عينَهُ، وإن كانوا دُونَه في العملِ(٢).
(١) قرأ ابن كثير وعاصم وحمزة والكسائي: (وَاتَّبَعَتْهُم) بالتشديد (ذُرِيِّتُهم) على
واحدة وارتفعت الذرية بفعلها (ألحقنا بهم ذريتهم) على التوحيد أيضاً، وهي
مفعوله.
وقرأ نافع (وَتَّبَعَتْهُم ذرّيَّتُهم) واحدة ورفع التاء (بهم ذُرِّيَّاتِهِم) جمعاً.
وقرأ أبو عمر (وأتبعناهم ذُرِّيَّاتهم) (بهم ذُرِّيَّاتِهم) جمعاً في الموضعين.
وقرأ ابن عامر (واتَّعَتْهُمْ) بالتشديد (ذرّيَاتُهم) بالألف ورفع التاء (ألحقنا بهم
ذُرِّيَّاتِهم) جماعة وكسر التاء. انظر ((زاد المسير) ٥٠/٨، و(حجة القراءات)) ص٦٨٢.
(٢) إسناده صحيح، ورواه هناد بن السري في ((الزهد)) (١٧٩) عن وكيع،
والطبري ٢٤/٢٧ من طريق عبد الرحمن بن مهدي، و٢٥/٢٧ من طريق محمد بن
جعفر، ثلاثتهم عن شعبة، به.
ورواه الطبري ٢٤/٢٧ من طريق مُؤَمَّل بن إسماعيل ومهران، والحاكم ٤٦٨/٢
- ٥٤١-

كتاب التفسير - الطور ٢١
قال أبو جعفر: هكذا يحدثُ شعبةُ بهذا الحديثِ، عن عمرو بنِ
مرة، لا يتجاوزُ به ابنَ عباسٍ، وأما الثوريُّ: فكان يُحَدِّثُ به عن شيخٍ
لَهُ يُقالُ له: سَماعة، عن عمرو بنِ مرةً، فيروي محمدُ بنُ بشرِ العبديُّ
عنه أنه رَفَعَهُ إلى النِّنَ﴾. ويروي محمد بنُ يوسفَ الفِريابيُّ عنه أنه
أُوقَفَهُ على ابنِ عباسٍ.
٦٢١٠ - كما حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي داودَ، قال: حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ
شكيب الكُويُّ، قال: حَدَّثْنَا محمدُ بنُ بشرِ، عن سفيانَ، عن سَماعةً،
عن عمرو بن مُرَّةَ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، أن رسولَ الله
﴿، قال: «إِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ لِيَرفَعُ ذُرِّيَّةَ المُؤْمِن مَعَهُ في درجِهِ، وإن
كان لم يبلغْهَا في العمل لِيُقِرَّ بهم عَيْنَهُ، ثم قرأ: ﴿والذين آَمَنُوا وَأَتَبَعْنَاهُم
ذُرِيَاتِهِم ... ) الآية (١).
٦٢١١ - وكما حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ محمدِ بنِ سعيدٍ بن أبي مريم،
من طريق عبد الرزاق، ثلاثتهم عن سفيان الثوري، عن عمرو بن مرة، به.
وزاد السيوطي نسبته في ((الدر المنشور)) ٦٣٢١/٧ إلى سعيد بن منصور، وابن
المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في ((سننه)).
(١) سماعة لم يرو عنه غير سفيان الثوري، وذكره البخاري في ((التاريخ الكبير))
٢١٤/٤ وقال: سمع عمرو بن مرة، روى عنه الثوري، متقطع.
ورواه الطبري ٢٥/٢٧ عن موسى بن عبد الرحمن المسروقي، عن محمد بن بشر،
به. إلاّ أنه لم يرفعه.
- ٥٤٢ -

كتاب التفسير - الطور ٢١
قال: حَدَّثَنَا الفِريابيُّ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، قال: حدثني سَمَاعةُ، قال:
حدثني عَمرو بنُ مرةً، عن سعيدٍ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ - ولم يرفعْهُ-
قال: إنَّ الله عَّ وجَلَّ لَيَرْفَعُ ذُرِّيَّةَ المؤمنِ في درجاتِه لُيُقرَّ بِهِمْ عَيْنَهُ، وإِنْ
كانوا دونَه في العملِ(١).
قال أبو جعفر: وقد رَوى هذا الحديثَ أيضاً عن عمرو بنٍ مُرةً،
قيسُ بنُ الربيعِ الأسديُّ، فلمْ يتجاوزْ بِهِ ابنَ عباسٍ
٦٢١٢ - كما حَدَّثَنَا ابنُ أبي مريم، قال: حَدَّثْنَا الفريابيُّ، قال:
حَدَّثْنَا قيسُ بنُ الربيعِ، عن عمرو بنِ مرةً، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ
عباسٍ، ثم ذَكَرَ مثلَ حديثِهِ عن الفِريابيِّ، عن سفيانَ، عن سماعةَ، وزادَ
ثم قرأ: ﴿والذين آَمُوا وَأَّعْنَاهُمْ ذُرِِّ مْ بِمَانِ﴾ الآية(٢).
قال أبو جعفرٍ: وهذا الحديثُ فنحنُ نُحيطُ علماً لو لم نَحِدْ أحدٌ
من رواتِه رفعَهُ إلى النبي ﴿ّ أن ابنَ عباسٍ لم يأخذْهُ إلّ عن النبيِّ لَ﴿، إذْ
كانَ الذي فيه إخْبارٌ عن الله عَزَّ وجَلَّ بمرادِهِ في الآية المذكورةِ فيه،
وذلك فَما لا يُؤْخَذُ من غيرِ النِيِّ ◌ِ﴾.
ثم تأملنا نحنُ ما في هذا الحديثِ، فوجدنا فيه رَفْعَ الله عَزَّ وجَلَّ
(١) عبد الله بن محمد بن سعيد شيخ الطحاوي حدث عن الفريابي بالبواطيل،
قاله ابن عدي في ((الكامل)) ١٥٦٨/٤. ونقله الحافظ في «اللسان» ٣٣٧/٣.
(٢) ضعيف، رواه البزار (٢٢٦٠) عن سهل بن بحر، عن الحسن بن حماد
الورّاق، عن قيس بن الربيع، به. إلا أنه رفعه إلى النبي ﴾.
وزاد السيوطي نسبته في ((الدر)) ٦٣٢/٧ إلى ابن مردويه.
-٥٤٣-

كتاب التفسير - الطور ٢١
ذُرِّيَّةَ المؤمنِ الذين اتَّبِعُوهُ بإيمانٍ، بالمؤمنِ الذينَ هُمْ ذريته لِيُقِرَّ بهم عينَه
وإلحاقَهُ إياهم بِهِ. وَوَجَدْنا غيرَ النبيِّ :﴿ من المؤمنينَ قد دَخَل في ذلك،
فعقَلْنا بذلك أنَّ النبيَّ :﴿ أُدخلُ في ذلك منهم، وأنّه في إلحاقِ الله عَزَّ
وجَلَّ به ذُرِيتَه المتّبعَةَ له بالإِيمان به لْيُقِرَّ عينَه بذلك أوْلَى مِنْ سائرٍ
المؤمنينَ سِواهُ، وإنما كانَ ذلك لسائر المؤمنينَ سِواهُ لْيُقِرَّ بِه أعْنَهُمْ،
كان له في ذريتِهِ المَتْبِعَةِ له بالإِيمانِ أوْلى وكانوا بذلك منه أحْرَى، والله
نسألُهُ التوفيقّ.
-٥٤٤-

كتاب التفسير - القمر ١
٩٠٣ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ في انشقاقِ القمرِ في زمنٍ
رسولِ الله عليه السَّلامُ تَصديقاً لقول الله عَزَّ وجَلَّ:
﴿اقْتَرَبَتِ السَّعةُ وانْشَقَّ القَمَرُ﴾
٦٢١٣- حَدَّثَنَا عليٌّ بنُ عبد الرحمن بنِ محمدِ بنِ المغيرة
المَخْزُومِيِ الكُوبِيُّ، حَدَّثَنَا لُوَيْنُ، حَدَّثْنَا حُديجُ بن معاوية الجُعفي، عن
أبي إسحاق، عن أبي حُذيفة - قال أبو جعفر: وهو سلمةُ بنُ صُهيب
الأرْحَبي-، عن عليٍّ بنِ أبي طالب رضي الله عنه قالَ: انشَقَّ القَمَرُ
ونَحْنُ مَعَ رسول الله عليه السَّلامُ.
٦٢١٤ - وحَدَّثْنَا أحمدُ بنُ داود، حَدَّثْنَا سَهْلُ بِنُ بَكَّار، حَدَّثَنَا
أبو عَوانة، عن مُغيرةً، عن أبي الضُّحى، عن مَسروقٍ، عن عبدِ الله قالَ:
انشَقَّ القمرُ بمكةَ، فقالت قُريش: هذا سِحْرٌ سَحَرَكُم بِهِ ابنُ أبي
ءء
كَبْشَةُ(١).
٦٢١٥- وحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ داود، حَدَّثْنَا محمدُ بنُ يحيى بنِ أبي
عُمَرَ، حَدَّثَنَا سفيانُ، عن ابنِ أبي نجيح، عن مُجاهدٍ، عن أبي معمرٍ،
عن ابنِ مسعود قال: انشَقَّ القَمَرُ على عهدِ رسولِ اللهِ﴿. فقالَ النبيُّ
(١) إسناده صحيح، ورواه البيهقي ٢٢٦/٢، وأبو نعيم (٢١١) كلاهما في
((الدلائل)) من طريق سهل بن بكار، به.
ورواه الطيالسي (٢٩٥)، وابن جرير ٨٥/٢٧ من طريق أبي عوانة، به.
ورواه البيهقي ٢٦٦/٢-٢٦٧، وأبو نعيم (٢١٢) من طريق هشيم، عن مغيرة،
به. وعلقه البخاري في ((صحيحه)) بعد الحديث رقم (٣٨٦٩) فقال: وقال أبو
الضحى، عن مسروق، عن عبد الله ...
- ٥٤٥-

كتاب التفسير - القمر ١
عليه السَّلامُ: ((اشْهَدُو)(١).
٦٢١٦ - وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ أحمدَ بنِ عبد الله بن عُمر الواسطي
الجَوَاربي أبو عبد الله، حَدَّثْنَا عُبيدُ اللهِ بنُ مُعاذ العَنْبري، حَدَّثْنَا أبي،
حَدَّثَنَا شُعبةُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن أبي معمرٍ، عن عبدٍ للهِ
قالَ: انشَقَّ القَمَرُ على عهدِ رسولِ اللهِ﴿ فِلْقَتَيْنِ، فَسَتَرَ الجبلُ فَلقةٌ،
وكانت فِلْقَةٌ فوقَ الجبل، فقالَ النِيُّ مَ﴿: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ)(٢).
٦٢١٧- وحَدَّثْنَا محمدُ بنُ أحمد، حَدَّثْنَا عُبيدُ اللهِ بن معاذ، حَدَّثْنَا
أبي، حَدَّثْنَا شُعبةُ، عن الأعمشِ، عن مجاهد، عن ابنِ عمر، عن النبيِّ
عليه السَّلامُ .. مثلَ ذلك(٣).
٦٢١٨- حَدَّثْنَا فَهْد، حَدَّثْنَا مُحَوَّل بنُ إبراهيم بن مُحَوَّل بن
راشدٍ الكُوفِي، حَدَّثْنَا إسرائيلُ بِنَ يونس.
(١) إسناده صحيح، ورواه الترمذي (٣٢٨٧) عن ابن أبي عمر، به.
ورواه أحمد ٣٧٧/١، والبخاري (٣٦٣٦) و(٤٨٦٥)، ومسلم (٢٨٠٠) (٤٣)،
والترمذي (٣٢٨٧)، وأبو يعلى (٤٩٦٨)، والبيهقي في («الدلائل)) ٢٦٤/٢ من طرق
عن سفيان، به.
(٢) إسناده صحيح، ورواه مسلم (٢٨٠٠) (٤٥) عن عبيد الله بن معاذ العنبري،
به. ورواه أحمد ٤٤٧/١، والبخاري (٤٨٦٨)، وابن جرير ٨٥/٢٧، والبيهقي في
(الدلائل)) ٢٦٥/٢ -٢٦٦ من طرق عن شعبة، به.
(٣) إسناده صحيح، ورواه مسلم (٢٨٠١) عن عبيد الله بن معاذ العتبري، به.
ورواه الطيالسي (١٨٩١)، ومسلم (٢٨٠١)، والترمذي (٢١٨٢) و(٣٢٨٨)،
وابن حبان (٦٤٩٦)، والطبراني (١٣٤٧٦)، والبيهقي في ((الدلائل)) ٢٦٧/٢ من
طرق عن شعبة، به.
-٥٤٦-

كتاب التفسير - القمر ١
وحَدَّثَنَا ابنُ أبي مريم، حَدَّثْنَا الفريابي، حَدَّتَنَا إسرائيلُ - ثم
اجتمعا، فقال كل واحد منهما في حديثه -: حَدَّثْنَا سِماكُ بنُ حرب،
عن إبراهيمَ النّخَعي، عن الأسودِ بن يزيد، عن ابن مسعودٍ، قال: انشَقَّ
القَمَرُ، فَأَبْصَرْتُ الْجَبَلَ بِين فُرجِتِي القَمَرِ (١). "
٦٢١٩ - وحَدَّثْنَا عليُّ بن شَيبة، حَدَّثْنَا عبيدُ الله بنُ موسى
العَيْسي، أخبرنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن أبي معمرٍ، عن
عبدِ الله قال: انشَقَّ القمرُ، فانفَلَقَتْ فِرقةٌ منه خَلْفَ الْجَيَلِ، فجعلَ
الْنِيُّ ◌َ﴿ يقولُ: ((اشْهَدُو))(٢).
٦٢٢٠ - حَدَّثَنَا يوسفُ بنُ يزيد، حَدَّثْنَا يوفُ بنُ عَدِي، حَدَّثَنَا
أبو معاوية، عن الأعمش، عن إبراهيمَ، عن أبي معمرٍ، عن عبد الله
قال: كُنَّا مع رسول الله : ﴿ بِمِنىِّ، فانشَقَّ القمرُ، فَذَهَبَتْ فِلقةٌ مِنهُ
خلفَ الْجَلِ، فقالَ رسولُ اللهِ﴿: (اشْهَدُوا)).
٦٢٢١- حَدَّثَنَا أبو قُرة محمدُ بنُ حُميد الرُّعَيْنِي، وَفَهْدٌ قالا:
(١) رواه أحمد ٤١٣/١، والحاكم ٤٧١/٢ من طريقين عن إسرائيل، به.
ورواه بتحوه الطيالسي (٢٨٠) عن يزيد بن عطاء، والطيري ٨٥/٢٧ من طريق
أسباط، كلاهما عن سماك، به. وعند الطيالسي: عن علقمة أو الأسود.
قلت: والفُرجة بضم الفاء: الشق بين الشيئين، وفي حديث صلاة الجماعة: (ولا
تذروا فُرجات للشيطان).
(٢) رواه أحمد ٤٤٧/١، والبخاري (٣٨٦٩) و(٣٨٧١) و(٤٨٦٤)، ومسلم
(٢٨٠٠)، والترمذي (٣٢٨٥)، وابن حبان (٦٤٩٥)، والطبراني (٩٩٩٦)،
والبيهقي في «الدلائل» ٢٦٥/٢ و٢٦٦ من طرق عن الأعمش، به.
-٥٤٧-

كتاب التفسير - القمر ١
حَدَّثْنَا يحيى بنُ بُكَيْرٍ، عن بكر بنِ مُضَرَ، عن جعفرِ بنِ ربيعة، عن
عِراكِ بنِ مالك، عن عُبيدِ الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: انشَقَّ
القمرُ في زمانِ رسولِ اللهِ﴾(١).
٦٢٢٢- وحَدَّثَنَا ابنُ أبي داود، حَدَّثْنَا سعيدُ بنُ أبي مريم،
حَدَّثْنَا بكر، وابنُ لهيعة .. ، ثم ذكر بإسنادِه مثله.
٦٢٢٣ - وحَدَّثَنَا أحمدُ بن داود، حَدَّثْنَا هُدْبةُ بنُ خالد، حَدَّثْنَا
همامُ بنُ يحيى، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السُّلمي
قال: انطلقتُ مع أبي إلى الجمعةِ بالمدائنِ، وبينَنا وبينَها فَرْسَخٌ، وحذيفةُ
على المدائن، فَحَمِدَ الله وأثنى عليه، ثم قال: ﴿اقْتَريتِ السَّاعَةُ وَأْشَقَّ
القَمَرُ﴾ [القمر: ١]، ألّ وإنَّ الساعة قد اقتربت، ألا وإنَّ القمر قد
انشَقَّ.
٦٢٢٤- حَدَّثَنَا فهدٌ، حَدَّثَنَا محمد بن سعيد بن الأصْبَهاني،
حَدَّثَنَا شريكُ بنُ عبد الله النَّخَعِي، عن عطاءِ بنِ السائب، عن أبي عبد
الرحمن السلمي ... ثم ذكر عن حُذيفة مثلَه.
٦٢٢٥ - حَدَّثْنَا أحمدُ بن داود، حَدَّثَنَا مُسَدَّد، حَدَّثَنَا يحيى بنُ
(١) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٤٨٦٦)، والطبراني (١٠٧٣٤) عن يحيى
بن بکیر، به.
ورواه البخاري (٣٦٣٨) و (٣٨٧٠)، ومسلم (٢٨٠٣)، والطبراني (١٠٧٣٤)،
وابن جرير ٨٦/٢٧، والحاكم ٤٧٢/٢، والبيهقي في (الدلائل)) ٢٦٧/٢ من طرق
عن بکر ین مضر، به.
-٥٤٨-

كتاب التفسير - القمر ١
سعيد، عن شُعبةَ، عن قتادةَ، عن أنسِ: ﴿اقْتَرَتِ السَّاعَةُ وَأَنْشَقَّ القَمَرُ﴾
قالَ: قد انشق(١).
فكانَ فيما ذكرنا عن علي وابنٍ مسعود، وحُذيفةً، وابنٍ عمر،
وابنِ عباس، وأنسٍ تحقيقُه انشقاقَ القمر، فمنهم مَنْ قالَ في زمن رسولِ
الله ﴿، ومنهم مَنْ لم يَقُلْ ذلك، ومعناه في ذلك كمعناهم فيه، ولا
نَعْلَمُ رُوِيّ عن أحدٍ من أهلِ العلم في ذلك غيرُ الذي رُوِيَ عنهم فيه،
وهُمُ القُدوةُ والْحُجَّةُ الذينَ لا يَخْرُجُ عنهم إلا جاهلٌ، ولا يَرْغَبُ عَمَّا
كانوا عليه إلاّ خاسرٌ.
وقد زَعَمَ بعضُ مَنْ يدَّعي التأويل، ويستعملُ رأيه فيه، ويقتصِرُ
على ذلك، ويَتْرُكُ ذكرَ ما كان عليه مَنْ قَبْلَه فيه من صحابةٍ رسولٍ
اللّهَ﴿، ومِنْ تابعيهم أنَّه لم يَنْشَقَّ، وأنه إنما يَنْشَقُّ يومَ القيامة، وأنَّ معنى
قول الله تعالى: ﴿وَأَنْشَقَّ القَمَرُ﴾ إنّما هُو على صيلةٍ، قد ذُكِرَتْ بعدَ ذلك
في السورة المذكورِ ذلك فيها، وهي قوله تعالى: ﴿يومَ يَدْعُ الدَّاع إلى شيءٍ
نُكُرٍ﴾ [القمر: ٦]، أي: فيَنْشَقُّ القمرُ حينئذٍ، وجعلَ ذلك من
الأشياء التي تكونُ في القيامة، وذكرَ بجهلِه أنَّ ذلك لم يروه أنه قد كان
إلا ابنُ مسعود، وأنَّ ذلك لو كانَ ما قد مَضَى، كما رُوِيَ عنه
(١) رواه بنحوه البخاري (٤٨٦٨) عن مسدد، به.
ورواه الطيالسي (١٩٦٠)، وأحمد ٢٧٥/٣ و٢٧٨، ومسلم (٢٨٠٢)، وابن
جرير ٨٤/٢٧ و٨٥، والبيهقي في ((الدلائل)) ٢٦٤/٢ من طرق عن شعبة، به.
-٥٤٩-

كتاب التفسير - القمر ١
التّساوى فيه الناسُ، ولم يَحْتَجْ إلى إضافتِه إلى واحدٍ منهم دونَ مَنْ
سواه، فكَفَى بذلك جهلاً إذْ كانَ ما أضافَه إلى انفرادِ ابنِ مسعودٍ به قد
شَرِكَه فيه خمسةٌ سواه مِنْ أصحابِ رسولِ الله: ﴿ّ قد ذكرناهُم في
الآثار التي رويناها في أوَّل هذا الباب.
وأما ما ذكرَهُ من أن قولَ اللهِ تعالى: ﴿وَأَنْشَقَّالقَمَرُ﴾ إنما يَرْجِعُ إلى
ما كر أنه صلةٌ له مما ذكرناه عنه من السورةِ المذكور ذلك فيها، فإنَّ في
قولِ الله تعالى: ﴿وَأَنْ يَرَوَآَيَّةَ مُرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌ﴾ [القمر: ٢]
دليلاً على خلافٍ ما قالَه فيها، ودليلاً على أنَّ ذلك لم يَعْنِ به يومَ
القيامةِ، لأن الآياتِ إنما تكونُ في الدنيا قبلَ القيامة، كما قالَ الله تعالى:
أوما نُرْسِلُ بِلآيَاتِ إِلاَ تَخْرِفاً﴾ [الإسراء: ٥٩] وفي قوله تعالى: ﴿فتولَ
عَنْهُم﴾ أي: فأعرض عنهم، كما قال تعالى: ﴿فتولَّ عنهمـ حَتّى حين﴾
[الصافات: ١٧٤]، وكما قال: ﴿فَولَ عنهم فما أنْتَ بَعَلُوم﴾ [الذاريات:
٥٤] دليلٌ على تمامٍ ما ذكره قبل ذلك، واستقبالٍ غيره، وهو قولُه:
﴿يَوْمَ يَدْعُالدَّعِإلى شيءُنُكُرٍ﴾ ما هو ظرفٌ لما ذكره بعدَه من خُروجِهم
من الأحداثِ، كأنهم جَرادٌ مُنْتَشِرٌ، وانْتَفَى أنْ يكونَ ذلك صِلةٌ لِما قد
انقطع من الكلامِ الذي قد تَقَدَّمُه.
ثم قال هذا الشاذّ: وقد يحتملُ قولُ ابنِ مسعود - يعني الذي
حَكَاهُ هذا الشاذ عنه، وهو أنّه ذكر عنه أنه قالَ: وقد يحتملُ قولُ ابنِ
مسعود: كأنّي أنظرُ إليه فِلْقتين، وحِراءُ بينهما. أي: كأني أرَاهُ إذا
انشَقَّ كذلك، فكانَ كلامُه هذا فاسداً، لأنَّه قد نَفَى انشقاقَه في زمنٍ
- ٥٥٠-

كتاب التفسير - القمر ١
ابن مسعودٍ، وذكرَ أنَّ انشقاقَه يكونُ بعدَ ذلك، فإنْ كانَ كما قال،
فقدْ يجوزُ أن لا يراه ابنُ مسعود حينئذٍ، قال: وقد يجوزُ أن يَراهُ حيثُ
قال: ويجوزُ أن يراه في غيرِ ذلك المكان، وقد زَعَمَ هذا الشاذُّ أنَّ ذلك
إنَّما يكونُ في القيامةِ، لا في الدنيا، وحِراءُ - يومئذ -: جَبَلٌ من الجبال
التي قال الله تعالى خيراً عَمَّا يكونُ منه فيها يومئذٍ: ﴿ويسألونك عن الجبال
فَقُلَنْسِفُهَا رَبِي نَسْفَاً فَيَذَرُهَا﴾. الآية [طه: ١٠٥]، وقال: ﴿وَبَوْمَ تُسَيَّرُ
الجبال (١) وَرَى الأمْضَ بارزَةٌ﴾ [الكهف: ٤٧]، وقال: ﴿وَتُحَكُونُ الجبالُ
كَلِهْنِ المَنْفُوش﴾ [القارعة: ٥] فكيفَ يكونُ حِراءُ يومئذٍ بينَ فِلقت
القمرِ، ونعوذُ باللهِ مِنْ خلافٍ أصحابِ رسول اللهِ صَ ﴾، والخروجِ عن
مذاهبهم، فإنَّ ذلك كالاستكبارِ عن كتابِ الله، ومن استكبرَ عن
كتاب الله، وعن مذاهبِ أصحابِ رسولِ اللهلم﴾ وتابعيهم فيه، كان
حَرِيّاً أن يمنَعَه الله فهمَه.
كما حَدَّثْنَا ابنُ أبي عمران، حَدَّثْنَا إسحاقُ بنُ أبي إسرائيل قال:
سمعتُ سفيانَ بنَ عُيينةً يقولُ في قولِ اللهِ تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عن آيَاتِي الذين
٤
يَكَبُّرُونَ في الأرض بغيرِ الحَقّ﴾ [الأعراف: ١٤٦] قال: أمْنَعُهُم فَهْمَ
كتابي.
(١) كذا الأصل بالتاء ورفع الجبال، وهي قراءة أبي عمرو، وابن كثير، وابن
عامر، وقرأ نافع وعاصم وحمزة والكسائي (نُسيِّرُ)) بالنون والجبالَ نصباً. انظر («زاد
المسير)) ١٥٠/٥.
- ٥٥١-

كتاب التفسير - القمر ١
وسألَ سائلٌ عن معنى قولٍ قُريش عند انشقاق القمر: هذا سحرٌ
سَحَرَكُم بِه ابنُ أبي كَبْشَةِ، يُريدونَ رسولَ اللهِلَ﴿: ما كانَ مرادُهم
بذلك، ومن أبو كَبْشَةَ الذي نَسَبُوه إليه؟
فكان جوابُنا له في ذلك: أنَّ أحسنَ ما وجدناه مما قيلَ في ذلك
ما قد دخَلَ فيما أجازه لنا هارونُ بنُ محمد العسقلاني، عن المفضل بنِ
غسان الغَلابِي، قال: وَهْبٌ حَدُّ رسولِ اللهِ﴿ أبو أمِّه قيلة ابنة أبي
قَيْلَة، واسم أبي قيلة: وجزُ بنُ غالب، وهُو مِن خُزاعةَ، وهو أولُ من
عَبَدَ الشِّعرى العَبُورَ، وكانَ يقولُ: إنَّ الشِّعْرَى تَقْطَعُ السماءِ عَرْضاً،
ولا أُرَى في السماءِ شمساً، ولا قمراً، ولا نجماً يَقْطَعُ السماءِ عَرْضاً
غيرها، ووجزّ هذا: هو أبو كَبْشَةَ التي كانتْ قُرِيشٌ تَنْسُبُ رسولَ الله
﴿ إليه، وكانت العربُ تَظُنُّ أنَّ أحداً لا يَعْلَمُ شيئاً إلا بِعِرْقِ يَنْزِعُه
شبهُه، فلما خالفَ رسولُ اللهِ دينَ قُريش، قالت قريش: نَزَعَه أبو
كبشة؛ لأنَّ أبا كَبْشَةَ خالفَ الناسَ في عبادة الشِّعرى، فكانُوا يَنْسُبون
رسولَ اللهِ وَ﴿ إليه لذلك، وكانَ أبو كبشة سَيِّداً في خُزراعة لم يُعَيِّرُوا
رسولَ الله ﴿ به منْ تقصير كانَ فيه، ولكنْ أرادوا أنْ يُشَبِّهُوه بهِ في
الخِلافِ، لِما كان الناسُ عليه.
- ٥٥٢-

کتاب التفسیر - الرحمن ٦٨
٩٠٤- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوي عن رسول الله # مما یقضی
بينَ الفقهاءِ المختلفين في الرُّطَبِ هَلْ هُو من الفاكهَةِ، أم
ليس هو منها؟
قال أبو جعفر: قال أبو حنيفة، وكان تفرَّد فيما قد حَدَّثَنَا محمدُ
بنُ العباس بنِ الربيع، حَدَّثْنَا عليٌّ بنُ معبد، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ الحسن،
أُخبرنا يعقوبُ، عن أبي حنيفة، قال: لَيْسَ الرُّطَبُّ من الفَاكِهَةِ.
وحَدَّثَنَا سليمانُ بنُ شعيب، حَدَّثْنَا أبي، حَدَّثْنَا محمدُ بنُ الحسن،
عن أبي يوسفَ، عن أبي حنيفة، بمثل ذلك، وزاد أن قال: لأنَّ اللهَ عَزَّ
وجَلَّ قال: ﴿فِها فَاكِهَةٌ وَنَخْلُّ ورَانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨]، فأخبر أنَّ النخلَ
والرُّمان منها ما يكونُ مِن ثمارها لَيْسَ مِن الفاكِهَةِ.
قال محمدُ بنُ العباس، وسليمانُ جميعاً في روياتهما: وقال أبو
يوسف: هُوَ مِن الفاكهةِ، وقال محمدُ بنُ العباس في روايته، عن محمد
بن الحسن مثل ذلك.
وقال سليمانُ في روايته: ليس فيما احتجَّ به أبو حنيفة من الآية
التي تلاها ما يجبُ به أن يكونَ الرُّطَبُ خارجاً من الفاكهة، وإنما ذلك
على التوكيد له: أنّه مِن الفاكهةِ بدخوله في جملة الفاكهةِ، وبإعادة
ذكره بَعْدَ ذلك على الانفراد ما لا يجبُ خروجُه من الفاكهة كما قال
الله عَزَّ وحَلَّ: ﴿مَنْ كان عدوّاللَّهِ وملائِكَتِهِ ورُسُلِهِ وجِبرِيلَ ومِكائِيلَ!
[البقرة: ٩٨] ليس على أنّهما غيرُ الملائكة ولكن على توكيدِ أمرهما
بأن ذكرهما في جملةٍ الملائكة، ثم أفردهما بالذّكر بما ذكرهما به، ومثلُ
ذلك قولُه تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ الََّ مِيثَاقَهُم وِنْكَ ومِنْ نوحٍ﴾ [الأحزاب:
-٥٥٣-

کتاب التفسیر - الرحمن ٦٨
٧]، ثم ذكر مَنْ ذكره مَنْ سِواهُما صلى الله عليهم أجمعين للتوكيد
ولمكانهم من النبوة لا لما سوى ذلك، فمثلُ ذلك في الرُّطبِ من
الفاكهةِ قد يحتمل أيضاً أن يكونَ دخلَ في الفاكهة التي ذكرها اللهُ عَزَّ
وجَلَّ، ثم أفرده بالذكرِ، وكان في ذلك توكيدُ أمره أنَّه مِن الفَاكِهَةِ.
وكان مما يحتجُّ به مَنْ يذهب إلى قول أبي حنيفة الذي ذكرناه
عنه على المحتجين بهذه الحجة: أنَّ الذي احتجُّوا به منها قد قامت
الحجةُ فيها بما ذكروا، ولم تقم الحجةُ في الرُّطَبِ أَنَّه من الفاكهة بمثلٍ
ذلك، والحجةُ مطلوبةٌ في ذلك إلى الآن.
فكان مما احتجَّ به مَنْ ذَهَبَ إلى قولِ أبي حنيفة هذا أنه قد وُجدَ
عن عبدِ الله بن عباس ما يَدُلُّ على أن الرطبَ ليس من الفاكهة.
٦٢٢٦- كما قد حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حَدَّثْنَا عفانُ بنُ
مسلم، حَدَّثَنَا عبدُ الواحد بن زياد، حَدَّثْنَا عاصم بنُ كليب الْجَرْمِيُّ،
عن أبيه، قال: قال لي عبدُ الله بنُ عباس: كان عُمَرُ رضي الله عنه إذا
دعا الأشياخَ مِن أصحاب محمد ﴿ل دعاني معهم، فقال: لا تتكلّمْ حتّى
يَتَكُلِّموا، فدعانا ذاتَ يَوْمٍ أو ذات ليلَةٍ، فقال: إنَّ رسولَ اللهل:﴿. قال في
ليلةِ القَدْرِ ما قد عَلِمْتُم: ((الَتَمِسُوها في العَشرِ الأوَاخِرِ وتراً). ففي أيِّ
وترِ تَرَوْنَها؟ فقال رجلٌ من أَيَّةِ تاسعةٍ سابعةٍ خامسةٍ ثَالِثَةٍ. فقال لي:
مالَكَ لا تتكلّمُ؟ قلت: إنْ شئتَ تكلَّمْتُ. قال: إنما دَعَوْتُكَ لِتكلّمَ.
قلتُ: إنّي إنما أقول برأيي. قال: عن رأيك أسألُك. قلتُ: إني سمعتُ
الله تعالى يقول: ذكر السَّبْعَ، فذكر السماواتِ سبعاً، والأرضين سبعاً،
وما أنبتت الأض سبعاً، قال الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿ثم شَفَقْنَا الأرضَ شَقّاً، فأنبتنا
-٥٥٤-

کتاب التفسیر - الرحمن ٦٨
فيها حَّاً وعنباً وَقَضباً وريتونا ونخلاً وحدائق غُلباً وفاكهةَ وأنا﴾ [عبس: ٢٦].
فالحدائقُ: كلُّ ملتف حديقة، والأبُّ: ما أنبتت الأرضُ مما يأكلُ الناسُ.
قال عمر: أعجزتُم أن تقولوا مثلَ ما قال هذا؟!(١)
قالوا: ففي هذا الحديث ذكر عبدُ الله بنُ عباس ما أنبتت الأرض
أنَّه سبع، وفي الآية أنه ثمان، وكنا إذا تأمَّلنا هذا، عقلنا أن العنبَ مِن
الفاكهة، ولا اختلافَ بين أهلِ العلم في ذلك، فدخل العنبُ في
الفاكهة، وذكر منفرداً في هذه الآية، فعاد ما بقي في هذه الآية إلى
سبع، لا إلى أكثرَ منها، فعقلنا بذلك أنَّ النخلَ التي يكونُ عنها الرُّطَبُ
غيرُ الفاكهة، لأنا لو رددناها إلى الفاكهة، عادَ ما في الآية سِتّاً، فدلَّ
ذلك أن الرُّطَبَ غيرُ الفاكهة، وقد كان ذلك مِن عبدِ الله بنِ عباس،
بمشهدٍ من عُمَرَ بن الخطاب ومَنْ سِوَاهُ من أصحاب رسول الله مح ﴿ من
المهاجرين والأنصارِ، فلم يَدفعوا عبدَ الله بنَ عباس بما قاله مِن ذلك ولم
يُخالفوه فيه، فدَلَّ ذلك على متابعتهم إِيَّاه عليه، فكان هذا القولُ لو
خلينا وأَيَّاه أولى مما قيلَ في هذا الباب.
غير أنا لما وَجَدْنا مِنْ رسولِ اللهِلَ﴿ في العجوةِ أنَّها مِن فاكهة
الجنةِ مما قد روينا فيها في هذا البابِ قبل هذا الباب، وكان هو الذي لا
يحدث غيره، لأنّه مِن كلام رسول اللهلم﴿، وهو الحجةُ على الناسِ
جميعاً، وَجَبَ أن يحمل ذلك على أن الرُّطَبَ داخلٌ في الفاكهةِ، وعلى
(١) رواه دون القصة أبو يعلى (١٦٨)، والبزار (٢٠٩) من طريق عبد الله بن
إدريس. ورواه أبو يعلى (١٦٥)، والبيهقي ٣١٣/٤ من طريق محمد بن فضيل،
کلاهما عن عاصم، به.
- ٥٥٥-

کتاب التفسیر - الرحمن ٦٨
أن ما بقي من الفاكهة بعدَ الرطب وبعدَ العِنب هو الذي يتمُ به العددُ
حتى يكون المذكورُ في حديث ابن عباس، كما أراده حتى تكون
الفاكهة كما قال الذين قالوا: إنَّ الرطبَ منها، لا كما قال مَنْ خالفهم
في ذلك.
وقد رُوِيَ عن النِّ مَ﴿﴿ في هذا البابِ أيضاً حديث آخر، وهو
٦٢٢٧ - ما قد حَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، حَدَّثَنَا يحيى بنُ عبد الحميد
الحِماني، حَدَّثْنَا حُصينُ بنُ عمر الأحمسيُّ، حَدَّثَنَا مخارق، عن طارق،
عن عمر، قال: جاء ناسٌ من اليهودِ إلى النبيِّلَ﴿، قالوا: يا محمدُ، في
الجنةِ فاكهةٌ؟! قال: ((فيها فاكهةٌ، ونخلّ، ورُمَّان). قال: ويأكلونَ كما
يأكلونَ في الدُّنيا! قال: (نَعَمْ، وأضعافَ ذلك)). قال: فيقضون الحوائجَ؟
قال: ((لا، ولكنَّهم يَعْرَقُونَ وَيَرِشُحُونَ، فيُذْهِبُ الله تعالى ما في
بُطونهم من أذى)(١).
فكان في هذا الحديث: أن رسول الله ﴿ لما سُئِلَ: في الجنة
فاكهة؟ قال: ((فيها فاكهةٌ ونخلٌ ورُمَّان))، فاستحالَ أن يكون ﴾
أجابَ مَنْ سأله عن الفاكهة بذكره ما سوى الفاكهة، ولكنّه أجابَه
بذكره الفاكهة، وكان في ذلك ما قد دَلَّ أن النخلَ والرمان من
الفواكه، وبالله التوفيق.
(١) إسناده ضعيف جداً، حصين بن عمر الأحمسي الكوفي، قال البخاري: منكر
الحديث، وقال علي ابن المديني: ليس بالقوي، روى عن مخارق أحاديث منكرة.
والحماني ضعيف.
ورواه عبد بن حميد (٣٥)، ومن طريقه أبو نعيم في ((صفة الجنة)) (٣٣٥)
و(٣٤٨)، من طرق، عن يحيى بن عبد الحميد، به.
-٥٥٦-

كتاب التفسير - سورة الواقعة
٩٠٥- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ في قولٍ
الله عَزَّ وَجَلَّ: ﴿ثلّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ، وَقَلِيلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾
[الواقعة: ١٤/١٣]، وفي قولِهِ تَعَالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلِينَ، وَثُلَّةٌ
مِنَ الآخرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠/٣٩]
٦٢٢٨ - حَدَّثَنَا محمدُ بن علي بن داود البَغْداديُّ، حَدَّثْنَا سعيدٌ
بن سليمانَ الواسطي، حَدَّثْنَا شَرِيكٌ، عن محمدٍ بن عبد الرحمن مولى آل
طَلَحَة، عن أبيه، عن أبي هريرة قالَ: لما نَزَلَت: ﴿ثْلَةٌ مِنَ الأوَِّينَ، وَقَلِيلٌ مِنَ
الآخِرِينَ﴾ شَقَّ ذلك على المسلمينَ فنزلَتْ ﴿ثَّةٌ مِنَ الأَوَلِينَ، وَثَّةٌ مِنَ
الآخرينَ﴾، فقالَ رسولُ الله ﴿: «إِنِيِّ لأَرْجُو أَن تَكُونُوا ثُلُثَ أهلٍ
الجنةِ، شَطْرَ أهل الجنةِ)، وقالَ مرةً أُخرى: «نِصْفَ أهْل الجنّة،
وتُقَاسِمُوهُمُ النصفَ الباقي))(١).
فتأمَّلنا هاتين الآيتين فوجَدْنَا الأولى منهما قد تقدَّمَها قولُ الله
تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْرُوَجاً ثُلَاثَةَ، فَأَصْحَابُ الَْمَةِمَا أَصْحَابُ المَيْمَنَّةِ، وَأَصْحَابُ
المَشْتَةِمَا أَصْحَابُ المَشْتَةِ، وَالسَابِقُونَالسَّابِقُونُ، أُوْلِكَ الْغَرَّبُونَ﴾ [الواقعة:
١١/٧]، فجعل المقرِّبينَ أعلاهم رتبةٌ، وأشرفهم منزلةٌ، ووَصَفَهُم
بالسَّبق، ثم أخبر أنَّهم ثُلَّةٌ مِنَ الأوَّلين، كَأَنَّه حَلَّ وعَزَّ يعني مِمَّنْ
(١) إسناده ضعيف، ورواه أحمد ٣٩١/٢ من طريق شريك، عن محمد بياع
الملاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، وذكره الهيثمي في (المجمع) ١١٨/٧، ونسبه لأحمد،
وقال عن محمد وأبيه: لم أعرفهما، وبقية رجاله ثقات.
-٥٥٧-

كتاب التفسير - سورة الواقعة
تقدَّمهم من الأممِ، وقليلٌ مِنَ الآخرينَ.
ووجدنا الثانية منهما قد تقدَّمها قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأَنَا هُنَّ إِنْشَاءَ
فَجَمَلْنَا مُنَّأَبْكَامَاَ، عُرُباً أَتْرَاباً، لِأضْحَابِ الَمِينِ، ثٌُّ مِنَ الأوَّكِينَ، وَلَّةٌمِنَ
الآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ٤٠/٣٥]، وكانَ الذي في الأُولى فمن قوله تعالى:
﴿وَقَلِلٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ على الْمُقَرَّبِينَ، والذي سبق في الآية الثانية فمن
قولِهِ: ﴿وَثْلَةٌ مِنَ الآخِرِينَ﴾ على أصحابِ اليمينِ، وهمْ غيرُ المقربين.
ووجدناه تعالى قد بين ذلك في آخرِ السورة التي فيها هاتان
الآيتان بقوله: ﴿فَمَّ إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرِيَ، فَرَوَعٌ وَحَانَ وَنَّةُ نِيمِ، وَأَمَّا إنْ
كَانَ مِنْ أصْحَابِ الَِّ فِسَلامٌ لَكَ مِنْ أصْحَابِ الَمِينَ، وَمَّ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَذِبِنَ
الضَّيَ، فَُلْ مِنِ حَمِيمِ، وَصْلَهُ جَحِمٍ﴾ [الواقعة: ٩٤/٨٨].
فعقلنا بذلك أن المقربينَ هم غيرُ أصحاب اليمين، وأنَّهم أعلى
الثلاث الفرق رُتْبَةً، وأعلاهم منزلةً وأنَّهم في العدد أقَلُّ من أصحابِ
اليمين، وكانَ الزَّوْجَانِ جميعاً: المقربونَ، وأصحابُ اليمين هُمْ أَهْلَ الجنةِ
إلاّ أنَّ المقربينَ منهم أعلى فيها رتبةً، وأشرفُ فيها منزلةً من أصحاب
اليمين، ودلّنا ذلك أنَّ فرح أصحاب رسول الله عليه السَّلامُ بالآيةٍ
الثانيةِ كانَ لما عَلِمُوا بها أنَّ من أهل الجنة سوى المقربين منهم أصحابَ
اليمين، والله أعلم بما أراد به من ذلك.
ثم طلبنا ما رُوِيَ عن رسولِ الله:﴿ في أُمَّتِهِ التي تَدْخُلُ الجنةَ كم
هو ثَمّنْ يدخلُ الجنة سواها؟
-٥٥٨-

كتاب التفسير - سورة الواقعة
٦٢٢٩- فوجدنا يزيدَ بن سِنان قد حَدَّثْنَا قال: حَدَّثَنَا عبدُ
الصمد بن عبد الوارث التنورِيُّ، حَدَّثْنَا هِشامٌ الدَّسْتَوائي، عن قتادةً،
عن الحسن، عن عِمْران بن حُصين، عن ابن مسعود قال: تحدَّثْنا عندَ
النبيِّ عليه السَّلامُ ليلةً حَتَّى أَكْرَيْنا الحديثَ، ثُمَّ رَجْعَنا إلى أهلينا، فَلَمَّا
أصْبَحْنا، غَدَوْنَا على نبيِّ الله عليه السَّلامُ، فقالَ: ((عُرِضَتْ عَلَيَّ الأنبياءُ
بِأُمَمها، وأَتْبَاعِهَا مِنْ أُمَِّها، فَجَعَل النِِّيُّ يَمُرُّ وَمَعهُ الثَّلاَثَةُ مِن أُمَّتِهِ،
والنبيُّ مَعَهُ العِصابَةُ من أُمَّتِهِ والنبيُّ معه النَّفَرُ من أمَّتِهِ، والنبيُّ وما مَعَهُ
أحدٌ من أمَّتِهِ، حتى مَرَّ عليَّ موسى بنُ عِمران في كَبْكَبَةٍ مِنْ بَني
إسرائيلَ، فَلَمَّا رأيتُهم أعْجَبُوني، فقلتُ يا رَبِّ، مَنْ هؤلاء؟، قالَ:
هذا أخوك مُوسَى بنُ عِمران، ومَنْ تَعَهُ مِنْ بني إسرائيلَ، فقلتُ: یا
ربِّ، فأينَ أُمِّتي؟ قال: انظرْ عَنْ يَمِينِكَ، فَنظَرْتُ فإذا الظِّرابُ ظِراب
مكة تَهوَّشُ قَدْ سُدَّ بوجوهِ الرجالِ، قالَ: رَضِيتَ؟، قلتُ: رَبِّ
رضيتُ، مَنْ هؤلاء؟ قال: هؤلاءِ أُمَّتُكَ، أفَرضِيتَ؟، قلتُ: رَضِيتُ
ربِّ؛ ثمَّ قالَ: انظرْ عن يسارِكَ، فنظرتُ، فإذا الأفُقُ قد سُدَّ بوجوه
الرجالِ، قال: رَضِيتَ؟ قلتُ: رَبِّ رَضِيتُ، قال: فَإِنَّ مَعَ هؤلاء
سَبْعِينَ ألفاً يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ لاَ حِسَابَ عَلَيْهِمْ)) فأنشأ عُكَّاشَةُ بن مِحْصَن
أخي بني أسد بن حُزَيْمَةً فقالَ: يا نِيَّ الله ادْعُ اللهَ أنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُم؟
قالَ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُم)، ثم أَنْشَأَ رجلٌ آخَرُ، فَقَال: يا نبي اللهِ ادْعُ
اللَّهَ أنْ يَحْعَلَنِي منهم؟ قال: ((سَبَقَكَ بِها عُكَّاشَةُ)).
قال: وذُكِرَ لنا أنَّ نِيَّ اللهِ عليه السَّلامُ قال: ((إِن اسْتَطَعْتُم - فَدَّى
لَكُمْ أبي وأمي - أنْ تكُونوا مِنَ السبعينَ فَافْعَلُوا، فإِنْ عَجَزْتُم،
-٥٥٩-

كتاب التفسير - سورة الواقعة
وقَصَّرْتُمْ فَكُونوا من أهل الظّرابِ، فإِنْ عَجَزْتُم وقصَّرتُم، فكُنوا من
أهلِ الأُفُقِ، فإني قد رأيتُ عندَهُ ناساً يَتَهَوَّشُون كثيراً).
وذُكر لنا أنْ رجالاً من المؤمنين تَرَاجعوا فيهم، فقالوا: ما تَرَوْنَ
عَمِلَ هؤلاء السبعونَ ألفاً حتى صِيَّروا من أمرِهم؟ فقالوا: هؤلاءٍ وُلِدُوا
في الإِسلامِ فَلَمْ يزالوا يَعْمَلُون به حتَّى ماتُوا، قال: ليسَ كذلك،
ولكنْهم الذين لاَ يكْتَوُونَ ولا يَسْتَرْقُونَ، ولا يَتَطَّرُونَ، وعلى ربِّهم
بتو گِّلُون)).
قال: وذكر لنا أن نبي اللهلم﴿ قال: «إني لأرْجُو إن يكون معي
من أمَّتِي ربعُ أهل الجنة)) فكَّرنا ثم قال: ((إنّي لأرْجُو أن تكونوا
الثُّلُثَ) فكَّرنا، ثم قالَ: ((إِنّي لأرجو أنْ تَكُونوا الشَّطْرَ) فكَّرنا، ثم
قرأ هذه الآية: ﴿ثَلَّمِنَ الأَوَِّنَ، وَلَّمِنَ الآخِرِينَ﴾(١).
٦٢٣٠- ووَجَدْنا يزيدَ قد حَدَّثَنَا قال: حَدَّثَنَا خَلَفُ بن موسى
العَمِّي، حَدَّثْنَا أبي، عن قتادة، عن الحسن، والعلاء بن زيادٍ، عن
عِمرانَ، أنَّ ابنَ مسعودٍ قالَ: تحدَّثْنا ذات ليلة عند رسول الله ◌َ ﴿ ... ثُمَّ
ذكر هذا الحديث، غيرَ أنَّه ذكر فيه عند قوله: فإذا النبيُّ ليسَ معه
أحدٌ: وقد أنبأكم الله تعالى عن قوم لوط يعني فيما كان قاله لهم:
(١) رواه أحمد ٤٢٠/١ من طريق عبد الصمد، به.
ورواه ابن حبان (٢٦٤٤) من طريق معاذ بن هشام، عن أبيه، به.
ورواه أحمد ٤٠١/١ من طريق معمر، وابن حبان (٢٦٤٥)، والبزار (٣٥٣٨)
من طريق سعيد بن أبي عروبة، كلاهما عن قتادة، به.
- ٥٦٠-