Indexed OCR Text

Pages 281-300

1
كتاب التفسير - سورة النساء
في الإِسْلاَمِ سُنَّةٌ سَيِّئَةً كَانَ عليه وِزْرُهُ، وَوِزْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ
لا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شيءٌ)(١).
٥٩٤٥- حَذَّثَنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حَدَّثَنَا سَهْلُ بنُ بَكَّار،
حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا رَقَبَةُ بنُ مَصْقَلَةَ العَبْدِي، عن عَوْنِ بنِ أبيٍ
جُحَيْفَةَ، عن الْنْذِرِ بن جرير، عن جريرِ بنِ عَبْدِ الله، قال: كنتُ جالساً
عند رسولِ الله ﴿، ثم ذكر مثلَه، إلا أنه قال فيه: ثم قَالَ لبلال: عَجِّلِ
الضَّلاةَ(٢).
٥٩٤٦- حَدَّثَنَا عليٌّ بنُ معبدٍ، حَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ عمر الواسطي،
حَدَّثَنَا المَسْعُودِيُّن عن عبدِ الملكِ بنِ عُمَيْر، عن ابن جرير، عن أبيه، قا:
قَدِمَ ناسٌ على النِّ :﴿ُ من مُضَرَ، متقلّدِي السُّيُوفِ، مُجْتَبِي النَّمَارِ -
قال المسعودي: النّمارُ: الصُّوفُ - بِهِمْ ضُرّ شَدِيدٌ وحَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، فقام
النِيُّ عليه السَّلامُ فَحَمِدَ الله، وأثنى عليه، ثم قال: ﴿اتّقُوا الله الذي تَسَاءُلُونَ
بِهِ وَالأرْ حَامَ إِنَّ اللَّهُ كَانَ عَلَيْكُمْ مِرَقِيبًا﴾ تَصَدَّقُوا قَبْلَ أنْ لا تَصَدَّقُوا،
(١) حديث صحيح. ورواه مسلم (١٠١٧)، والنسائي ٧٥/٥-٧٧، والطيالسي
(٦٧٠)، وأحمد ٣٥٧/٤ و٣٥٨ و٣٥٩، والبغوي (١٦٦١)، والبيهقي ١٧٥/٤ -
١٧٦ من طريق شعبة، بهذا الإسناد.
وقوله: (مجتابي النمار) قال النووي في ((شرح مسلم) ١٠٢/٧: التمار -بكسر
النون -: جمع نمرة - بفتحها -: وهي ثياب من صوف، فيها تنمير، والبعاء -بالمد
والفتح -: جمع عباءة وعباية، لغتان، وقوله: ((مجتابي النمار)) أي: خرقوها وقوروا
وسطها.
(٢) رواه مسلم (١٠١٧)، والبيهقي ١٧٦/٤ من طريق أبي عوانة، عن عبد
الملك بن عمير، عن المنذر بن جرير، عن أبيه، به.
- ٢٨١ -

كتاب التفسير - سورة النساء
لِيَتَصَدَّقِ الرَّجُلُ مِنْ دِينَارِهِ، وَلَيَتَصَدَّقِ الرَّجُل من دِرْهَهِ، وَلَيَتَصَدَّق
الرَّجُلُ مِن بُرِّه، وَلَيَتَصَدَّقِ الرَّجُلُ مِن شعِيرِهِ، وَلَيَتَصَدَّقِ الرَّجُلُ مِنْ
تَمْرِه))، قال: فجاء رجلٌ بصدقةٍ لَهَا مِزٌّ(١) فَوَضَعَها فِي يَدِهِ، فَسَرَّهُ ذلك
وأعْجَبَهُ، ثُم تَسَارَعَ النَّاسُ بَعْدُ، فَقَالَ رَسُولَ اللهِلَ: «مَنْ سَنَّ سُنّةً
حَسَنَةٌ، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرٍ مَنْ عَمِلَ بها مِنْ غَيْرِ أنْ
يَنْقُصَ مِنْ أجُورِهم شيءٌ، ومَنْ سَنَّ سُنّةٌ سَيِّئَةٌ، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كَان
عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرٍ مَنْ عِمِلَ بِهَا مِن غيرِ أن يَنقُصَ من أوزارهم شيءٌ).
قال أبو جعفر: فكان في هذه الروايات قِراءَةً رسول الله لَ﴿ٌ على
الناس ﴿أَُّوا الّ الَّذِي ◌َسَاءُونَ بِهِ وَالأَرْ حَامَ إِنَّاللّه كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾
عند حَضِّه إِيَّهم على صِلَةِ أرحامهم لِمَا رأى مِنْ أهلِها مِن الجَهْدِ،
والضُّرِّ، والحَاجَةِ.
فكان ذلك دليلاً أنه قرأها بالنِّصْبِ بمعنى: اتّقُوا الأرحامَ أن
تَقْطَعُوهَا، وكان ما حَملها عليه مَنْ قَرَأَها بالجرِّ على تَساؤُلِهم كان
بَيْنَهم باللهِ تعالى والأرْحَامِ، ولم تكن تلاوةُ رسولِ اللهِلَ﴿ إِيَّها عى مَنْ
تلاها عليه على التّساؤل، وإنما كان على الحَضِّ على التواصُلِ، وتَرْكِ
قطيعةِ الأَرْحَامِ، وفي ذلك ما قد دَلَّ على أنه قرأها بالنَّصْبِ لا بالجر،
وكذل رُوِيَ عن ابن عباس أنه كان يقرؤُها كذلك.
٥٩٤٧- كما حَدَّثَنَا يحيى بنُ عثمان، حَدَّثْنَا يُوسُفُ بنُ عديٍ
الكوفي، حَدَّثَنَا عَثَامُ بن علي، عن الأعمش، قال: سَمْعْتُ مجاهداً يقول:
(١) (لها مِنِّ) أي: فضل وقدر.
- ٢٨٢-

كتاب التفسير - سورة النساء
كان ابنُ عَبَّاسٍ يقرأ هذه الآية ﴿اَلَّذِي تَسَاءُونَ بِهِ وَالأرْحَامَ﴾ منصوبةً،
يقول: أَتَّقُوا الله والأرْحَامَ وقد قرأها كذلِكَ أكثرُ القُرَّاءِ.
كما قد حَدَّثْنَا ابنُ أبي عمران أحمدَ أبو جعفرٍ، حَدَّثَنَا خَلَفُ بنُ
هشام، قال: قرأْ عَاصِمٌ ﴿والأرحامَ﴾ نصب، ونافع كَمِثْلٍ، وأبو عمرو
کَمِثْل.
وكما حَدَّثْنَا أحمدُ، حَدَّثْنَا خَلَفٌ، عن الخَفَّافِ، عن سعيدٍ، عن
قتادة، عن الحسن ﴿والأرحامَ﴾ بالنصب، يقولُ: والأرحام لا
تقطعوها.
وكذلك قال الكلبي: قال خلف: وهي القَرَاءةُ.
وسَمِعْتُ ابن أبي عمرانَ، يقولُ: سمعتُ خَلَفاً، يقول: أخذت
قراءةَ عَاصِمٍ، عن يحيى بنِ آدم، عن أبي بكر بن عياش، عنه.
قال أبو جعفر: وأخذْنا نحنُ بعدَ ذلك قراءةً عاصمٍ سماعاً من
روحِ بنِ الفرجِ، حَدَّثْنَا بها حَرْفاً حرفاً عن يحيى بن سليمان الجعفي،
عن أبي بكرِ بن عياش نفسِهِ، عن عَاصِمٍ.
-٢٨٣ -

كتاب التفسير - سورة النساء
٨٥٢- بابُ بيانِ مُشْكِل قوله الله تعالى: ﴿وإن خِفتُم ألا
تُقْسِطوا في اليتامى﴾ الآية [النساء: ٣] مما رُوِيّ عن
رسول الله # وأصحابه في ذلك
٥٩٤٨- حَدَّثْنَا يونسُ، حَدَّثَنَا ابنُ وهب، حَدَّثْنَا يونسُ بنُ يزيد،
عن ابنٍ شهاب، أخبرني عُروة بنُ الزبير: أنَّه سألَ عائشة عن قول الله
تعالى: ﴿وإن خِفْتُم ألا تُفْسِطوا فى اليتامى فأنْكِحُوا ما طابَ لِكُمْ مِنَ
النّساءِ﴾ [النساء: ٣].
قالت: يا ابنَ أُختي، هي اليتيمة تكونُ في حجر وَلِّها تُشاركُهُ في
مالِهِ، فُيُعجبه مالُها، وجمالُها، ويُريدُ أن يتزوجَها بغيرِ أن يُقْسِطَ في
صَدَاقها، فُيُعطيها مثلَ ما يُعطيها غيره، فَنُهوا أن ينكحوهن إلا أن
يُقسطوا لَهنّ، ويبلغوا بهن أعلى سُنتهن من الصَّداق، وأمروا أن
يَنْكِحُوا مِن النساء سِواهُنَّ.
قال عروة: قالت عائشةُ: ثم إنَّ الناس استفتوا رسولَ الله ﴿ بَعْدَ
هذه الآية، فأنزل الله تعالاً: ﴿ يَسْتَغْتُونَكَ -ف النساء قُلِ الْهُفِتِهِكُمْ فِيهِنَّ﴾
الآية [النساء: ١٢٧]، إلى قوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَتَرْغَبُونَ أن تَكِحُوهُنَّ﴾
[النساء: ١٢٧]، قالت: والذي ذَكَرَ اللهُ أَنَّه يُتلى عليكم في الكِتاب،
الآية الأولى التي فيها: ﴿وإن خِفْتُم ألا تقسطوا في اليتامى فأنككِحُوا ما طابَ
كُمْ مِنَ النّساءِ﴾ [النساء: ٣].
قالت عائشةُ: وقولُ اللهِ تعالى في الآية الأخرى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أنْ
-٢٨٤-

كتاب التفسير - سورة النساء
تَكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧] رغبة أحدكم عن يتميته التي تكونُ في
حجره حينَ تكونُ قليلة المالِ، والجمال، فتُهُوا أن يَنْكِحوا ما رَغِبُوا في
مالِها وجمالِها مِن يتامى النساءِ إلا بالقسطِ مِنْ أجْلِ رغبتهم عنهن (١).
٥٩٤٩- وحَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حَدَّثْنَا عبدُ العزيز بنُ عبد
الله الأويسي، حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ سعد الزهريُّ، عن صالح بن كيسان،
عن ابن شهابٍ، عن عُروة، عن عائشة، مثلَه، وزاد في آخره: إذا كُنَّ
قليلاتِ المال.
وقد رُوِيَ هذا الحديث عن عائشة من ناحية الزهري كما قد
ذ کرنا.
وقد رُوي عنها من ناحية هشام بن عروة بدون ذلك.
٥٩٥٠- كما حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ الحسن الكوفيّ، حَدَّثْنَا وكيعُ بنُ
الجراح، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة: ﴿وما يُتلى عليكم
في الكِتابِ في ◌ِسَامَى النساء اللَّتِي لَا يُؤُوَهُنَّ مَا كُتِبَ لهَنَّ وَتَرْغَبُونَ أن
(١) رجاله ثقات. ورواه النسائي ١١٥/٦-١١٦، والطبري (٨٤٥٧)
و(١٠٥٥٤) من طريق يونس بن عبد الأعلى، بهذا الإسناد، وقرن النسائي بيونس
سليمان بن داود.
ورواه مسلم (٣٠١٨) (٦)، وأبو داود (٢٠٦٨)، وابن حبان (٤٠٧٣)،
والبيهقي ١٤٢/٧، والواحدي في ((أسباب النزول)) ص١٢٣ من طرق، عن ابن
وهب، به.
ورواه البخاري (٥٠٤٦)، والطبري (٨٤٥٩) و(١٠٥٥٥) من طريقين، عن
يونس بن یزید الأيلي، به.
- ٢٨٥-

كتاب التفسير - سورة النساء
تَكِحُوهُنَّ﴾ [النساء: ١٢٧]. قالت عائشةُ: هذا في اليتيمِةِ، تكونُ عندَ
الرجل يعلَمُ أن تكونَ شريكته في ماله، وهو أولى به فَيَرْغَبُ عنها لِمالها
ان ینکِحها غیرُه کراهیةً ان یشرکه في مالها.
وقد رُوِيَ عن عبدِ الله بن عباس في تأويلها أيضاً مثلُ الذي رُوِيَ
عن عائشة رضي الله عنها من ذلك.
٥٩٥١- كما حَدَّثْنَا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حَدَّثْنَا عليُّ بنُ
معبد. وكما حَدَّثَنَا روحُ بنُ الفرجِ، حَدَّثْنَا عمرو بنِ خالد، قالا:
حَدَّثْنَا عبيدُ الله بنُ عمرو، عن عبد الكريم الجزريِّ، عن سعيد بنِ
جُبير، عن ابنِ عباس رضي الله عنه في قوله: ﴿وإن خِفْتُمَ الَا تُقْسِطُوا في
اليتامى فأنْكِحُوا ما طابَلَكُمْ مِنَ النّساء مَشْنى وثلاث وربَاع فإنْ خِفْتُم الا
تَعْدِلُوا فَوَحِدَةً أَوْ مَا مَلَ كَتَ أْمَانُكُمْ ذلك أْذَنَى أَ تَعُولُوا﴾ [النساء: ٣]. قال
ابنُ عباس: فكما خِفْتُمْ أنْ لا تَعدِلوا في اليتامى فخافُوا فِي النّساء إذا
اجْتَمَعْنَ عندكم ألا تعدِلُوا.
٥٩٥٢- وكما حَدَّثْنَا روحٌ، حَدَّثْنَا حامدُ بنُ يحيى، حَدَّثَنَا
سفيانُ، حَدَّثْنَا أبو سعدٍ، عن محمد بن أبي موسى، عن ابنِ عباسٍ في
قوله: ﴿وإن خِفْتُم ألا تُقْسِطوا في اليتامى فأنْكِحُوا ما طابَلَكُمْ مِنَ
النّساء﴾ [النساء: ٣]. قال: إنْ خِفْتُم عَلَيْهِنَّ الزِّنى فانْكِحُوهُنَّ(١).
محمد
(١) أبو سعد - واسمه سعيد بن المرزبان البقال- ضعيف ومدلس، ومحمد بن أبي
موسى لم يوثقه غير ابن حبان، وقال الذهبي في (الميزان): لا يعرف.
-٢٨٦-

كتاب التفسير - سورة النساء
ففيما روينا عن عائشةَ، وعن ابنِ عباس ما قد دَلَّ على إباحةٍ
تزويجٍ اليتامى، وهُنَّ اللاتي لا أبَ لهن، وهذا يُؤكِّدُ ما كان أبو حنيفة
وأصحابُه يذهبون إليه في إجازةٍ تزويج أولياء اليتامى قَبْلَ بُلوغِهنَّ مِن
أنفسهم وغيرهم مِن الناسِ.
فقال قائل: هؤلاء اليتامى المذكوراتُ في الآيتين اللتين تَلَوْنَا في ما
رويتم هُنَّ اليتامى اللاتي قد بَلَغْنَ قبل ذلك، فسُمِّين بذلك لِقربهن كان
مِن اليُتْم، واحتُوا لِذلك بما قد رُوِيَ عن رسولِ الله ◌ِ ﴾.
٥٩٥٢م- كما قد حَدَّثْنَا عبدُ الرحمن بن عمرو الدمشقي أبو
زرعة، حَدَّثْنَا أبو نعيم الفضلُ بنُ دُكَيْنٍ، حَدَّثْنَا يونسُ بنُ أبي إسحاق،
عن أبي بُرْدة بن أبي موسى، عن أبيه، قال: قالَ رسولُ الله ◌َّ:
(تُسْتَأْمَرُ اليتيمَةُ فِي نَفْسِها، وإن سَكَنْتْ فقد أذِنَتْ، وإن أنكَرَتْ، لم
تُکره(١).
وأورده السيوطي ٤٢٨/٢، ونسبه إلى ابن أبي حاتم.
(١) إسناده صحيح. وهو في ((شرح معاني الآثار) ٢٦٤/٤ بإسناده ومتنه.
ورواه البيهقي ١٢٠/٧ من طريق الحسن بن ميمون، عن أبي نعيم، بهذا الإسناد.
ورواه ابن أبي شيبة ١٣٩/٤، وأحمد ٣٩٣/٤ و٤١١، والدارمي ١٣٨/٢،
والبزار (١٤٢٣)، وأبو يعلى (٧٣٢٧)، وعنه ابن حبان (٤٠٨٥)، والدراقطني
٢٤١/٣-٢٤٢، والحاكم ١٦٦/٢-١٦٧، والبيهقي ١٢٢/٧ من طرق، عن يونس
بن أبي إسحاق، سمع أبا بردة، به.
ورواه أحمد ٤٠٨/٤، والبزار (١٤٢٢)، والدراقطتي ٢٤٢/٣ من طريق إسرائيل،
عن أبي إسحاق، به.
-٢٨٧ -

كتاب التفسير - سورة النساء
٥٩٥٣- وكما حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ داود بن موسى، حَدَّثْنَا عُبَيْدُ الله
بنُ محمد التيميُّ، أخبرنا حمادُ بنُ سلمة، عن محمد بنِ عمرو -يعني ابنَ
علقمة- عن أبي سلمة، عن أبي هريرة: أن رسولَ اللهِ وَ﴿، قال:
«الْيَتيمةُ تُسْتَأْمَرُ، فإن رَضِيَتْ، فلها رِضَاهَا، وإن أنكرَتْ، فلا جَوَازَ
عَلَيْها))(١).
٥٩٥٤- وكما حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ،
حَدَّثْنَا يحيى بنُ سعيد، عن محمد بن عمرو، حدثني أبو سَلَمَة، عن أبي
هُريرة، عن رسولِ الله ﴿، مثلَه.
قالوا: والاستئذانُ والاستثمارُ، فلا يكونُ إلا لمن بلغ، وفي ذلك
ما قد دَلَّ على أنّه قد يجوزُ أن يُطلقَ اسمُ اليتيم على مَنْ بلغ قَبْلَ ذلك،
فمثلُ ذلك من أطلق عليه اسمُ اليتيم لِقربه كان منه في الآثارِ التي
رويتموها في البابِ هو أيضاً على من بَلَغَ ممن قد كان يتيماً قبلَ ذلك،
فأطلق عليه اسم اليتيم لِقربه كان منه.
ورواه ابن أبي شيبة ١٣٨/٤ من طريق سلام، عن أبي إسحاق، عن أبي بردة،
*
مرسلاً.
(١) حديث حسن، ورواه عبد الرزاق (١٠٢٩٧)، وابن أبي شيبة ١٣٨/٤،
وأحمد ٢٥٩/٢ و٤٧٥، وأبو داود (٢٠٩٣) و(٢٠٩٤)، والترمذي (١١٠٩)، وأبو
يعلى (٦٠١٩) و(٧٣٢٨)، وابن حبان (٤٠٧٩) و(٤٠٨٦)، والبيهقي ١٢٠/٧
و ١٢٢ من طرق عن محمد بن عمرو، به.
ورواه سعيد بن منصور (٥٤٤) عن هشيم، عن عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن
أبي هريرة.
-٢٨٨ -

كتاب التفسير - سورة النساء .
فكان جوابُنا له في ذلك: أن الأمرَ في ذلك ليسَ كما ذكر، وأن
في الآيتين اللتين تلوناهما في هذه الآثار التي قد روينا ما قد دَلَّ أنه أُريدَ
بذلك اليتامى غير البالغاتِ، لأن فيهما: أن أولياءهُنَّ نُهُوا أن يَنْكِحُوهُنَّ
إلا أن يبلغوا بهنَّ أعلى نسائهن في الصدَّاق، ولو كُنَّ بالغاتٍ، لكان
أَمْرُهُنَّ فِي صَدَاقِهِنَّ إنَّما يَرجِعُ فيه إلى ما يرضين به مما قَلَّ ومما كَثُرَ لا
إلى ما سوى ذلك، لأنَّ الله تعالى قال: ﴿وَآتُوا النّساءِ صَدَّقَاتِنَّ نَحْلَةَ فَإِنْ طِبِنَ
◌َكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهَفْساً فَكُلُهِنَاْ مَرِيبًا﴾ [النساء: ٤]، وإذا كان لَهُنَّ
أن يَطِيْنَ به نفساً لأزواجهنَّ بعد وجوبِ صدقاتهنَّ عليهم، كان لَهُنَّ
ذلك قبل وجوب صدقاتهنَّ عليهم بأن يعقد التزويج بينهن وبينهم على
ما قد رَضِينَ به في ذلك أحرى، وكان في منع الله أَيَّاهُنَّ من ذلك في
الآيتين اللتين تلونا ما دَلَّ أَنْهُنَّ اليتامى اللاتي لا رِضى لهن، وهُنَّ غيرُ
بالغاتٍ.
ثم قد وَكَّدَ ذلك ما قد رويناه عن رسول الله:﴿ٍ مما قد تَقدَّمَ
ذكرُنا له فيما مضى من كتابنا هذا في: باب بيان مشكل لا طلاقَ إلا
بَعْدَ نِكاحٍ (١)، من قوله: ((لا يُتْمَ بَعْدَ الخُلُم)»، فنفى بذلك أن يكونَ بعدَ
الحلم يُتْمٌ.
فقال هذا القائلُ: فما معنى حديثي أبي موسى وأبي هريرة اللذين
قد ذكرتَ بعد انتفاءِ البلوغ عن اليتامى المذكورات فيهما، وفيهما
تحقيقُ الاستئذانِ والاستثمارِ؟
(١) تقدم في كتاب النكاح باب (٣٢١).
- ٢٨٩ -

كتاب التفسير - سورة النساء
فكان جوابُنا له في ذلك: أنه قد يَحْتِمِلُ أن يكونَ أُرِيدَ بما فيهما
اليتامى اللاتي قد عَقَلْنَ، وعرف منهن ما تميلُ قلوبُهن إليه مما فيه
صلاحُهن، أو بعدُ قلوبهن مما سوى ذلك مما لا صَلاحَ لهن فيه، وإن
كُنَّ لم يَبْلُغْنَ، وعسى أن يكونَ مع بعضِهنَّ - وإن كن لم يبلغن- من
حُسْنِ الاختيارِ أكثر مما مع غيرهن ممن بَلَغَ من ذلك، ولكنه لا يُحاوَزُ
فِيهنَّ، وفي مَنْ سِواهُنَّ أمرُ اللهِ تعالى الذي أمر به في خلقه، ويكونُ مما
ينبغي لأوليائهن أن يفعلوه فيهنَّ إذا كُنَّ كذلك، وأرادوا تزويجَهُنَّ
الاعتبارِ ما عندَهُنَّ في ذلك من ميلٍ إليه، وفي رغبةٍ عنه، لأنَّهن يَعْرِفْنَ
مِن أنفُسِهِنَّ ما لا يعرِفُهُ منهن غَيْرُهُنَّ، فيكونُ ما أمر به رسولُ الله ◌ِ *
في هذين الحديثين فيهنَّ على هذا المعنى لا على ما سِواه، وإذا انتفى
ذلك، ثبتَ جوازُ تزويج الأولياءِ اليتامى اللاتي لم يَبْلُغْنَ، كما قال مَنْ
ذَهَبَ إلى ذلك من أهل العلم ما قد ذكرناه عنه فیه.
وقد دَلَّ على هذا المعنى أيضاً ما قد رُوِيَ عن علي بن أبي طالب
رضي الله عنه فيه مِن مذهبه في تزويجِ الأيتامِ قبلَ البلوغ مما قد دَلَّ: أن
تأويل الآيتين اللتين تلونا كانَ عندَه على ما كان تأويلها عليه عندَ
عائشة، وابنِ عباس
٥٩٥٥- كما حَدَّثْنَا يحيى بنُ عثمان بنُ صالح، حَدَّثْنَا نعيمُ بنُ
حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ المباركِ، أخبرنا يحيى بنُ أبي الهيثم، أخبرنا أبو
داود يزيدُ الأودي، قال: كنتُ عندَ عليّ بعدَ العصر، إذ أُتِي برجلٍ،
فقالوا: وَجَدْنَا هذا في خربة مُراد، معه جارية مخضَّبٌ قيمصُهَا بالدَّمِ،
فقال له: وَيُحَكَ ما هذا الذي صنعت؟ قال: أصلح الله أميرَ المؤمنين
- ٢٩٠-

كتاب التفسير - سورة النساء
كانت بنتُ عمي يتيمةٌ في حجري، وهي غنيةٌ في المال، وأنا رجلٌ قد
كبِرْتُ وليس لي مالٌ، فخشيت إن هي أدركت ما يُدْرِكُ النساءُ تَرْغَبُ
عَنِي، فتزوجتها. قال: وهي تبكي. فقالَ: أتزوجتيه؟ فقائل مِنَ القَوْمِ
عنده يقولُ لها: قولي ((نعم)، وقائل يقول لها: قولي (لا). فقالت: نَعَمْ،
تزوجتُه. فقال: خُذْ بيدِ امرأتك(١).
فَيَدُلُّ ما كانَ مِن علي رضي الله عنه في هذا الحديثِ على أن
تأويلَ الآيتين اللتين تَلَوْنا كمثل الذي كان تأويلُهما عليه عندَ عائشة،
وابنِ عباس مما ذكرنا عنهما، وفي ذلك ما قد دَلَّ على جوازِ نكاحٍ
الرجلِ من نفسِه من هو وليُّه، كما يقولُه أبو حنيفة، ومالك،
وأصحابُهما في ذلك، وبخلاف من يقولُ: إنَّ الرَّجُلَ لا يكونُ مُزَوَّجَاً
مِن نفسه کما لا یکونُ بائعاً من نفسه، وفي حديث علي الذي ذكرنا
ما قد دَلَّ أن قولَ من إليه عقدُ تزويجٍ قد كُنْتُ عقدتُه مخبراً بذلك: أن
القولَ فيه قولُه كما يقولُ ذلك مَنْ يقولُه من أهلِ العِلْم، منهم: أبو
يوسف، ومحمد، وبخلاف ما كان أبو حنيفة يقولُه فيه، إنَّ ذلك لا يُقْبَلُ
منه إلا ببينةٍ تَقومُ عليه فيه.
(١) نعيم بن حماد مختلف فيه، وفي «التقريب»: صدوق يخطئ كثيرا.
- ٢٩١ -

كتاب التفسير - سورة النساء
٨٥٣- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله # في المراد
بقول الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿ذلك أدنى ألا تعولُوا﴾ [النساء: ٣]
٥٩٥٦- حَدَّثْنَا صالحُ بنُ عبد الرحمن الأنصاري، حَدَّثْنَا عبدُ
الرحمن بنُ إبراهيم - يعني دُحيماً - حَدَّثْنَا محمد بنُ شعيب بنِ شابور،
عن عُمَرَ بنِ محمد، عن هشام بنِ عُروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله
عنها، عن النبيِّ ◌َ# في قوله تعالى: ﴿ذلك أدنى ألا تعولُوا﴾ [النساء: ٣].
قال: ((لا تَجُورُو))(١).
ولا نعلمُ أحداً روى هذا الحديثَ إلا من هذا الوجه وهو وَجْهٌ
محمودٌ، لأن عُمَرَ بنَ محمد الذي دارَ عليه معه مِن الجلالة ما لا خَفَاء به
عندَ أهل العلم، وقد حدَّث عنه مالك وغيرُ واحدٍ من أمثاله، وما
حَدَّث ابنُ وهب عن أحد من أهلِ المدينةِ أجلّ منه، وهو عُمَرُ بنُ محمدٍ
بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب.
وقد رويناه عن ابنِ عبَّاسٍ في تأويلها أيضاً هذا القول بعينه في
البابِ الذي قبل هذا الباب، وهذا مما لا يُقال بالرأي، وإنما يقالُ
(١) إسناده حسن، لكن قال أبو حاتم أن الصواب وقفه.
رواه ابن حبان (٤٠٢٩) من طريق ابن أسلم، عن عبد الرحمن بن إبراهيم، بهذا
الإسناد.
ومن طريق دحيم أيضاً رواه ابن أبي حاتم، وابن مردويه، كما ذكر الحافظ ابن
كثير في تفسيره ١٨٥/٢، ثم نقل عن ابن أبي حاتم في تفسيره قوله: قال أبي: هذا
خطأ، والصحيح عن عائشة موقوف.
- ٢٩٢ -

كتاب التفسير - سورة النساء
بالتوقيف.
وقد رُوي عن ابنِ عباس من وجه آخر
٥٩٥٧- كما قد حَدَّثَنَا ابنُ أبي داود، حَدَّثْنَا أبو عمر الحوضيُّ،
حَدَّثْنَا خالد بنُ عبد الله، عن عطاء - يعني ابنَ السائب-، عن عامر،
عن ابنِ عباسٍ: ﴿ذلك أدنى ألا تعولُوا﴾ [النساء: ٣]. قال: لا تَمِيلُوا(١).
ولا نعلمُه روي عن أحدٍ من أصحابِ رسول الله {/ في تأويلها
غيرَ هذا القولِ.
وقد رُوِيَ عن غير واحد من التابعين في تأويلها مثلُ ذلك أيضاً
كما حَدَّثْنَا محمد بن خزيمة، حَدَّثْنَا حجاج بن مِنهال، حَدَّثَنَا
حماد بن زيد، عن الزبير بن الخِرِّيتِ، عن عكرمة في هذه الآية: ﴿ذلك
أدنى ألا تعولُوا﴾ [النساء: ٣]. قال: ألا تميلوا. قال: وأنشدنا بيتاً من شعرٍ
زعم أن أبا طالب قاله:
بميزان قِسْطٍ لا يُخِسُّ شعيرةٌ ومِيزان صِدْق وزنُه غيرُ عائِلٍ(٢)
(١) حسن لغيره. ورواه الطبري (٨٥٠٠) عن المثنى، عن عبد الله بن صالح، عن
معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طالب، عن ابن عباس.
ورواه ابن أبي شيبة ٣٦١/٤ عن إسحاق بن منصور، عن هُريم بن سفيان، عن
الشعبي، عن ابن عباس.
وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٤٣٠/٢، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور،
وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طرق، عن ابن عباس.
(٢) رجاله ثقات. ورواه الطبري (٨٤٩١) من المثنى، حَدَّثْنَا ابن متهال، به.
-٢٩٣-

كتاب التفسير - سورة النساء
وكما حَدَّثَنَا يوسفُ بنُ يزيد، حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ منصورٍ، حَدَّثْنَا
هُشَيْمٌ، أخبرنا مغيرةُ، عن إبراهيم: ﴿ذلك أدنى ألا تعولُوا﴾ [النساء: ٣]،
قال: لا تَمِيلوا(١).
وكما حَدَّثْنَا يوسفُ، حَدَّثْنَا سعيدٌ، حَدَّثْنَا هُشَيْمٌ، أخبرنا حُصين،
عن أبي مالكٍ، مثلَه(٢).
ولا نعلمُ أحداً مِن التابعين رُوِيَ عنه في تأويلها غيرُ هذا التأويل
غيرَ زيدِ بنِ أسلمَ، فإنّه رُوِيَ عنه في تأويلها أنَّ ذلك على أن لا يَكْثُرَ
عيالُهم، وهذا قولٌ يزعمُ أهلُ اللغة: أنه قولٌ فاسدٌ، وأنّه لو كان على
ما قالَ زيدٌ في تأويلها لكان: ((ألا تُعِيلُوا)). وبالله التوفيق.
وأورده السيوطي في («الدر المنثور)) ٤٣٠/٢، وزاد نسبته إلى سعيد بن منصور،
وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
والبيت في («سيرة ابن هشام)) ٢٩٦/١ من القصيدة المنسوبة إلى أبي طالب التي
واجه بها قريشاً في أمر رسول الله *، وقال فيها: إنه غير مُسَلِّم رسولَ الله ◌ِ﴾، ولا
تاركه لشيء أبداً حتى يَهْلِكَ دونه.
(١) رجاله ثقات. ورواه الطبري (٨٤٩٢) عن يعقوب بن إبراهيم، عن هشيم،
به.
(٢) رواه ابن جرير (٨٤٩٥)، وابن أبي شيبة ٣٦١/٤ من طريق غنام بن علي،
ومحمد بن فضيل، عن إسماعيل، عن أبي مالك.
- ٢٩٤-

كتاب التفسير - سورة النساء
٨٥٤- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله# في المراد
بقول الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وأُولِي الأمْرِ مِنكُمْ﴾ [النساء: ٥٩]
٥٩٥٨- حَدَّثْنَا بِكَّار بن قُتَيبةَ ويزيد بن سِنان وإبراهيم بن
مرزوق، قالوا: حَدَّثْنَا عمر ابنُ القاسم اليَمَامِي، قال: حَدَّثْنَا عكرمة بن
عمّار، عن سِمَاك أبي زُمَيْل، قال: حدثني عبد الله بن عباس، قال:
حدثني عمر بن الخطاب رضي الله عنه في حديث حَلِفِ رسول الله ﴿
على نسائِه أنْ لا يدخلَ عليهنَّ شهراً، قال: قلتُ: يا رسول الله إنْ
كنتَ طلقتَهنَّ، فإنَّ الله عَزَّ وجَلَّ وملائكَتَه وجبريلَ وميكائيلَ معَك،
وأنا وأبو بكرٍ والمؤمنونَ معَك، وقُلِّما تكلمتُ، وأحمدُ الله بكلامٍ إلاّ
رجوتُ أن يكونَ الله عَزَّ وجَلَّ يُصَدِّقُ قولي، قال: فنزلت آيةُ التخيير:
﴿ عَسَى رَبّه إِنْ طَلَقَّكُنَّأَنْ يَبْدِلَهُأَنْواجاً خيراً منكن﴾ [التحريم: ٥]، ﴿وَإِنْ
تَظَاهَا عليهِ فإنَّ اللّه هُوَ مَوْلاَهُ وَجْهِلُ﴾ الآية [التحريم: ٤] ونزلت فيَّ هذه
الآية: ﴿ وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرَّ ◌ِنَ الأْنِ أَوِالْحَوْفِ أَذَاعُوا بِ وَلَوْ مَدُّوهُإِلَى الرّسولِ وإلى
أُوِي الأمر منهم لَعَلِمَهُالَّذِينَ يَبْطَوَنَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] قال: فكنت أنا
الذي استنبطَ ذلك الأمرَ، وأنزل الله عَزَّ وحَلَّ آية التخيير (١).
(١) حديث صحيح. ورواه بأطول مما هنا مسلم (١٧٤٩) (٣٠)، وأبو يعلى
(١٦٤)، ومن طريقه البيهقي ٤٦/٧ عن أبي خيثمة زهير بن حرب، وابن حبان
(٤١٨٨) عن الحسن بن سفيان، عن محمد بن المثنى، كلاهما عن عمر بن يونس،
عن عكرمة، بهذا الإسناد.
- ٢٩٥ -

كتاب التفسير - سورة النساء
قال أبو جعفرٍ: ففي هذا الحديثِ إخبارُ عمر أنه المستنبطُ لما ذكر
استنباطه إيّاه في هذا الحديثِ، وأنَّ المرادَ بالمستنبطينَ المذكورين في الآية
المذكورة فيهم هم أُولو الخير والعلم الذين يُؤخذُ عنهم أمورُ الدِّين.
وقد رُوِيَ مثلُ ذلك عن جابر بن عبد الله الأنصاري:
٥٩٥٩- كما قد حَدَّثَنَا فهدُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعيم،
قال: حَدَّثْنَا حسن بن صالح، عن عبد الله بن محمد بنِ عقيل، عن جابر
في قولِ الله: ﴿ وَأُولِ الأَمْسِنْكُمْ﴾ قال: أولي الخَيرِ(١).
وقد رُوِيّ مثلُ ذلك أيضاً عن مَنْ بعدَهم من التابعين:
كما حَدَّثَنَا يوسفُ بن يزيد، قال: حَدَّثْنَا سعيد بن منصور، قال:
حَدَّثْنَا هُشيم، قال: حَدَّثْنَا منصور - يعني ابنَ زاذَان-، عن الحسن.
وعبدُ الملك، عن عطاء في قوله الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وأُولِي الأمْر ◌ِكُمْ﴾
قالا: أولي الفقهِ والعلم(٢).
حَدَّثْنَا عليُّ بنُ شيبة، قال: حَدَّثْنَا محمد بن عبد الله بن كُناسة
(١) عبد الله بن محمد بن عقيل فيه ضعف، ورواه الطبري في ((جامع البيان))
(٩٨٦٢)، والحاكم ١٢٢/١-١٢٣ من طريقين عن وكيع، عن عليٍّ بن صالح، عن
عبد الله بن محمد بن عقيل، بهذا الإسناد.
وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٥٧٥/٢، وزاد نسبته لابن أبي شيبة، وعبد بن
حميد، والحكيم الترمذي في ((نوادر الأصول)، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
(٢) رواه الطبري في ((جامع البيان)) (٩٨٦٩) و(٩٨٧٠) من طريقين عن هشيم،
عن عبد الملك، عن عطاء.
ورواه (٩٨٧١) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن الحسن.
-٢٩٦ -

كتاب التفسير - سورة النساء .
الأسديُّ، قال: حَدَّثَنَا جعفر بن بَرقَانَ، عن ميمون بن مهران في قول
الله عَرَّ وجَلَّ: ﴿فَإِنْ تَانَعْتُمْ يْ شَيءٍ فَرُدُّوه إلى اللهِوَالرَّسُولِ﴾ [النساء:
٥٩] قال: الردُّ إلى الله عَزَّ وجَلَّ: إلى كتابه، والردُّ إلى الرَّسولمَ﴿ إذا
قُبِضَ: إلى سُنّتِهِ(١).
وكما حَدَّثْنَا أحمد بن داود بن موسى، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الله بن
محمد بنِ أسماء، قال: حَدَّثَنَا عبد الله بن المبارك، عن عبد الملك، عن
عطاء: ﴿وَأَوِلِي الأَمْرِكُمْ﴾ قال: أهلُ الفقهِ والعلم، وطاعةُ الله
والرسولِ: أَتْباعُ الكتابِ والسنَّةِ(٢).
قال أبو جعفر: فقال قائلٌ: فقد رُوِيَ عن عبد الله بنِ عباس ما
يُخَالِفُ هذا: وذكر
٥٩٦٠- ما قد حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شُعيب، قال: حَدَّثَنَا الحسن بن
محمد الزَّعفَراني، قال: حَدَّثْنَا حجاج، قال ابن جُريجٍ: أخبرني عن يَعْلى
بن مسلم، عن سعيد بن جبير، عن ابنِ عباسٍ ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعُوا الله
وأطِيعُوا الرَّسُولَ وَأَوْلِ الأمْرِمِنْكُمْ﴾ قال: نزلت في عبدِ الله بنِ حُذَافَةً
(١) رواه الطبري (٩٨٨٣) من طريق أبي نعيم، عن جعفر بن برقان، بهذا
الإسناد، وزاد نسبته السيوطي في ((الدر المنثور)) ٥٧٩/٢ لابن المنذر.
(٢) رواه الطبري في ((جامع البيان)) (٩٨٥٤) من طريق سويد بن عبد العزيز، عن
ابن المبارك، بهذا الإسناد.
ورواه (٩٨٥٢) من طريق هشيم، و(٩٨٥٣) من طريق يعلى بن عبيد، كلاهما
عن عبد الملك، به.
-٢٩٧ -

كتاب التفسير - سورة النساء
بنٍ قيس بنِ عَدِي إذْ بعثهُ رسولُ الله :﴿ في السَّرِّيَّةِ (١).
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أنَّ هذا غيرُ
مخالف لما قد رُوِيَ عن عمر رضي الله عنه، فيما تقدم ذكرُنا له، إذ
كان عبد الله بن حُذَافة من أهل الخير والصحبة لرسول الله {﴿، ومِن
أهل الفقه، ولولا أنه كذلك لما ولاَه رسولُ اللهَلَ﴿ ما ولاَّه عليه، إذ
كان ما ولاَّه لله فيه أحكام لا يُدرِكُها إلاَّ أهلُ الفقه الذين يعلمون
أمثالَها. وقد دَلَّ على ما ذكرنا من هذا التأويل ما قد رُوِيَ عن عبد الله
بن عباس في حديث آخر:
٥٩٦١- كما قد حَدَّثَنَا محمد بن الحجاج الحضرميُّ، ومحمد بن
خزيمة البَصريُّ، وعلي بن عبد الرحمن الكوفي، قالوا: حَدَّثَنَا عبد الله بن
(١) إسناده صحيح. وهو عند النسائى ١٥٤/٧-١٥٥، وفي السير والتفسير من
«الكبرى» كما في «التحفة)) ٤٥٧/٤.
ورواه ابنُ الجارود في ((المنتقى)) (١٠٤٠) عن الحسن بن محمد الزعفراني، بهذا
الإسناد.
ورواه أحمد ٣٣٧/١، والبخاري (٤٥٨٤)، ومسلم (١٨٣٤)، وأبو داود
(٢٦٢٤)، والترمذي (١٦٧٢)، والطبري (٩٨٥٧)، والواحدي في ((أسباب النزول)
ص ١٠٥ - ١٠٦، والبيهقي في ((دلائل النبوة) ٣١١/٤ من طرق عن حجاج، به.
وقال الترمذي: حسن صحيح غريب لا نعرفه إلاّ من حديث ابن جريج.
ورواه الطبري (٩٨٥٨) من طريق حجَّج عن ابن جريج، عن عبد الله بن مسلم
-وهو أخو يعلى بن مسلم - عن سعيد بن جبير، به.
وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٥٧٣/٢، وزاد نسبته لإبن المنذر، وابن أبي
حاتم.
- ٢٩٨ -

كتاب التفسير - سورة النساء
صالح، قال: حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن
عَبَّاس: ﴿أَطِيعُوا اللّه وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِيِ الأمْرِمِنكُمْ﴾ قال: أُولي الأمر:
أهلُ طاعة الله عَزَّ وجَلَّ الذين يُعلِّمون الناسَ معانِيَ دينهم، ويأمرونَهم
بالمعروف وينهَوْنهم عن المنكر، فأوجبَ الله طاعتهم على العبادِ(١).
أفلا ترى أنَّ ابنَ عباس قد وصف أولي الأمر بطاعة الله عَزَّ وجَلَّ
وتعليم الناسِ معانيَ دينهم وأمرِهم بالمعروفِ ونهِيهم عن المنكر، فدلَّ
ذلك على ما ذكرنا، وقد رُوِيَ عن أبي هريرة في تأويل ذلك أيضاً:
٥٩٦٢- ما قد حَدَّثْنَا فهدُ بن سليمان، قال: حَدَّثَنَا عمر بن
حفص بنِ غِيات، قال: حَدَّثَنَا أبي، قال: حَدَّثَنَا الأعمَش، عن أبي
صالح، عن أبي هُريرةً في قوله الله عَزَّ وحَلَّ: ﴿أطيعُوا الله وأطيعُوا الرَّسُولَ
وَأُولِي الْأمْسِكُمْ﴾ قال: أُمَرَاءُ السَّرايا(٢).
٥٩٦٣- وما قد حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ داود، قال: حَدَّثْنَا مُسدَّد، قال:
حَدَّثَنَا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هُريرةً ﴿وَأُولِى
الأمرينِكُمْ﴾ قال: همُ الأُمَرَاءُ (٣).
(١) رواه الطبري في ((جامع البيان)) (٩٨٦٧)، والحاكم ١٢٣/١ من طريقين عن
عبد الله بن صالح، بهذا الإسناد. وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٥٧٥/٢، وزاد
نسبته لإِبْن المنذر، وابن أبى حاتم.
(٢) إسنادهُ صحيحٌ. ورواه ابن أبي شيبة ٢١٢/١٢-٢١٣ عن وكيع، عن
الأعمش، بهذا الإسناد. وانظُر ما بعده.
(٣) رواه الطبري في ((جامع البيان)) (٩٨٥٦) من طريق سلم بن جنادة عن أبي
-٢٩٩-

كتاب التفسير - سورة النساء
قال أبو جعفر: فدلَّ ذلك أنَّ أُولي الأمر المأمور بطاعتهم هُمْ مَنْ
هذه صفته أمراء كانوا أو غيرَ أمراء. والله نسأله التوفيق.
٨٥٥- بابُ بیانِ مُشْکِل تأويل قوله الله عزَّ وجلّ: ﴿فما لَكُمْ
في المُنافِقین فِئْتَینِ﴾ الآية [النساء: ٨٨] بما رُوِيّ عن رسول
الله # في ذلك
حَدَّثَنَا أبو القاسم هشام بن محمد بن قُرَّة بن أبي حَلِيفة الرُّعَيْني،
قال: حَدَّثْنَا أبو جعفر أحمدُ بن محمد بن سَلَامَة الأزْدي، قال:
٥٩٦٤- حَدَّثَنَا أبو أُمية محمد بن إبراهيم، قال: حَدَّثْنَا شَبابة بن
سَوَّار، قال: حَدَّثْنَا شعبة، عن عدي بن ثابت، عن عبد الله بن يزيد،
عن زيد بن ثابت، قال: ذُكِرَ المنافقونَ عند رسول اللهِمَ ﴿، فقال فريقٌ:
نَقْتَلَهم، وفريقٌ: لا نَقْتُلُهُم، فأنزل الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَمَاَ لَكُمْ في المنافِقِين
فَتَيْنِ﴾ الآية(١).
محے
معاوية، به. وذكره الحافظ في ((الفتح)) ٢٥٤/٨ من رواية الطبري، وصحح إسناده.
وأورده السيوطي في («الدر المنثور)) ٥٧٤/٢، وزاد نسبته لسعيد بن منصور، وعبد
بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.
(١) إسناده صحيح. ورواه ابن جرير الطبري في ((تفسيره)) (١٠٠٥١) مين زريق
بن السخت، عن شبابة بن سوار، عن عدي بن ثابت، بهذا الإسناد. فأسقط منه
شعبة!
- ٣٠٠ -