Indexed OCR Text
Pages 261-280
كتاب التفسير - سورة آل عمران فاختلف سفيانُ، وعبدُ السلام فيمن بين خصيف وبينَ ابنِ عباس في إسناد هذا الحديث، فذكر سفيان: أنه عكرمة، وذكر عبدُ السلام: أنه مِقْسَم، وفي روياتهما جميعاً (يَغُلَّ) لا (ُيُغل). ٥٩٣٠- وحَدَّثْنَا محمد بن خزيمة، حَدَّثَنَا حجاجُ بنُ مِنهال، حَدَّثَنَا حمادُ بنُ سلمة، عن قيس بنِ سعدٍ، عن طاووس، عن ابنِ عباس، قال: كان يقرأ (وما كان لنبيّ أن يَغُلَّ). ٥٩٣١- وحَدَّثْنَا أحمدُ بنُ أبي عمران، حَدَّتَنَا خلفُ بنُ هشامِ، عن الخفاف، عن أبي بكر بن الحارث، عن عكرمة، عن ابنِ عباس، وعن حنظلة، عن شهر، عن ابنِ عباس (أَن يَغُلَّ). وكان من رجعت قراءةُ ابنِ عباس هذه إليه مِن القُرَّاء الذين كانوا بَعْدَهُ ممن دارت عليه القِراءة مِن عاصم بن أبي النجود وأبي عمرو بنِ العلاء لا نعلمُ أحداً مِن القُرَّاءِ قرأها كذلك غَيْرَهُما، فأمَّا مَنْ سِواهما منهم الأعمشُ، كما حَدَّثْنَا ابن أبي عمران، حَدَّثَنَا خلف قرأها (أن يُغَلَّ) برفع الياء، وحمزة كمثلٍ، ونافع كمثلٍ. وحكى لنا عليُّ بن عبد العزيز، عن أبي عُبيدٍ في القرآن جميعاً كذلك زاد فيمن قرأ (يَغُل)، فقال: وكذلك قرأ أبو جعفر وشيبة والكسائي، ثم قال: قال أبو عبيد بالقراءة الأولى فقرأ: (يَغْلَّ) لما قد روي فيها عن ابن عباس رضي الله عنه من قوله: كيف لا يُغل وقد وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب ... وروى بعضهم هذا الحديث عن خصیف، عن مقسم، ولم يذكر فيه ابن عباس. - ٢٦١- كتاب التفسير - سورة آل عمران يقتل؟ ولأن العرب أيضاً تقولُ للرجلِ إذا أتى ما لا يَكُونُ إتيانُه: ما كان له أن يَفْعَلَ، وإذا أتي إليه بما لا ينبغي أن يُؤتى: ما كان لهم أن يفعلوا ذلك، قال: فهذا وجهُ الكلامِ، والآخر أيضاً جائز غير ممتنع. فقال قائل: في هذا الحديث في سبب القطيفة المذكورة فيه ما يُخالِفُ ما قد رويته في الباب الذي قبلَ هذا البابِ فيه ما كانت قريشٌ ذكرت رسولَ الله :﴿ بالأمانةِ، وصدق اللهجة. فكان جوابُنا له في ذلك: أن ما ذكرته قبلَ هذا الباب فإنما كانت قريش ذكرت رسول الله 8# بالأمانة، وصدق اللهجة، کما ذکرناه فيه، والذي ذكرناه في هذا الباب، فإنما هو مما قيل فيه بالمدينة التي نزلت السورة التي فيها هذه الآية وهي (آل عمران) نزلت بالمدينة، فكان قائلو هذا القولِ هُمُ الذين كانوا يُنافقون رسول الله حض﴾، ويقولون فيه مثلَ هذا القول وأشباهه، ولم يَكُنْ القتالُ نزل بمكة، وإنما كان نزل بالمدينة وعنده، فكان النفاقُ، وكان الذين أقوالُهم في رسول الله مَ﴿ ما هو حدةٌ عليهم هُمْ أهلُ الكتاب بمكة، فصدقه كان عندهم وبخلافهم إِيَّاه مع ذلك، وأما الذين كانوا معه بالمدينةِ ممن بايعه، وأُسَرَّ له غير الذي أظهره له، فليسوا مِمن يُحْتَجُّ بأقوالهم فيه، لأنهم ليسوا مِنْ أَهلِ بلده، ولا مِنْ أهلِ الخبرة به، والله الموفق. - ٢٦٢ - كتاب التفسير - سورة آل عمران ٨٤٧- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله # في السبب الذي نزلت: ﴿لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ الآية [آل عمران: ١٨٨] ٥٩٣٢- حَدَّثْنَا يونس بن عبد الأعلى، قال: حَدَّثْنَا عبد الله بن وهب، قال: حدثني مالك بن أنس، عن زيد بن أسلم، عن رافع بن حَدِيج أنه كان هو وزيد بن ثابت عند مروان بن الحكم، وهو أمير المدينة، فقال مروان لرافع: في أيِّ شيءٍ أُنْزِلَتْ هذه الآيةُ: ﴿لاَتَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَنْوا وُحِبُونَ أنْ يُحْمَدُوا بِمَاَلَمْ يَفْعُوا﴾ الآية [آل عمران: ١٨٨]؟ قال رافع: نَزَلَتْ في ناسٍ من المنافقين، كانوا إذا خرج رسول الله ◌َ﴿ إلى سفر تخلّفُوا عنه، فإذا قَدِمِ رسول الله :﴿. وأصحابُه اعْتَذَرُوا، وقالوا: ما حَبَسَنا عنكم إلاَّ السُّقْمُ والشغل، ولوَدِدْنا أنَّ كِنَّا معكم، فأنزل الله عَزَّ وجَلَّ هذه الآية فيهم. فكأن مروانَ أنكَر ذلك فقال: ما هذا؟ فجَزِعَ رافع من ذلك، وقال: أنشُدُكُ الله، هلْ تَعلَمُ ما أقولُ؟ فقال زيد: نعم. فما خَرَجا من عند مروان، فقال له زيد وهو يمزَحُ معه: أما تَحمَدُني كما شهدتُ لك؟ فقال رافع: وأينَ هذا من هذا، أحمَدُك أَنْ تشهد بالحقِّ؟ قال زيد: نعم، قد حمد الله عَزَّ وجَلَّ على الحقِّ أهله(١). (١) رجاله ثقات، غير أنه مرسل، زيد بن أسلم لم يدرك رافع بن خديج وزيد بن ثابت. وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٤٠٤/٢، وفي (لياب النقول في أسباب النزول) ص٦٢-٦٣ عن زيد بن أسلم، ولم ينسبه إلا إلى عبد بن حميد في ((تفسيره)). -٢٦٣- كتاب التفسير - سورة آل عمران ٥٩٣٣- حَدَّثْنَا الحسينُ بن نصر، قال: حَدَّثْنَا سعيدُ بنُ أبي مريم، قال: حَدَّثْنَا محمد بن جعفر، قال: أخبرني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنَّ رجالاً من المنافقين على عهد رسول الله :﴿ كان إذا خرج النبيُّ /# إلى الغزو تَخَلِّفوا عنه، وفَرحوا بمقعدهم خلافَ رسول اللهمَ﴿، فإذا قدِمِ رسولُ الله ﴿، اعتَذَرُوا إليه، وحلَفوا، وأحبُّوا أن يُحْمَدُوا بِما لم يفعلوا، فأنزل الله عَّ وجَلّ: ﴿لَا تَحْسَبْقَ الَّذِينَيَغْرَحُونَ بِا أَنْ وُونَ أَنْ يُعْمَدُوا بِعَلَمْ يَفْعُوا فَلَ تَحْسَهُمْ بِسَقَارَةٍ مِنَ الَذَابِ﴾(١). ٥٩٣٤- حَدَّثْنَا يُوسف بنُ يزيد، قال: حَدَّثْنَا يعقوبُ بن إسحاق بن أبي عبَّاد، قال: حَدَّثَنَا مسلم بنُ خالد، عن ابن جُرَيج، قال: حدثني ابن أبي مُلَيْكَة أنَّ حُميد بن عبد الرحمن بن عَوْف أخبره، أنَّ مروان قال: اذهب يا رافعُ إلى ابنِ عباس فَقُلْ: لَئِن كان كلُّ امرءْ منّا فَرِحَ بما أتى، وأحبَّ أنْ يُحمَدَ بما لم يفعل مُعذّباً، لَنُعَذَّبَنَّ أجمعين. فقال ابنُ عباس: وما لكم ولهذه الآية؟! إنما أُنزلت هذه الآية في أهل الكتاب، ثم ونسبه ابن كثير في ((تفسيره)) ١٥٨/٢ إلى ابن مردويه من طريق مالك، به. (١) إسناده صحيح. ورواه البخاري (٤٥٦٧)، ومسلم (٢٧٧٧)، وابن جرير الطبري (٨٣٣٥)، والواحدي في ((أسباب النزول)) ص ٩١ من طرق عن سعيد بن أبي مريم، بهذا الإسناد. وأورده السيوطي في («الدر المنثور)) ٤٠٤/٢ وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في ((شعب الإيمان). - ٢٦٤- كتاب التفسير - سورة آل عمران تلا ابنُ عباس: ﴿وَذْخَذَالشُمِشَاقَ الذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ◌ََُِّهُلِنَاسِ﴾ الآية [آل عمران: ١٨٧]، ثم تلا ابن عباس: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَنْوا وُيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا﴾ قال ابن عباس: سألهم النِيُّ ﴿ عن شيء، فكَتَموه إِيَّاهُ، وأخبروه بغيره، فخرَجُوا وقد أُرَوْه أنْ أخبروه بما سألهم عنه، واستَحْمَدوا بذلك إليه، وفَرِحوا بما أتَوا(١) من كِتْمانِهم إياه ما سَأَلَهم عنه(٢). ٥٩٣٥- كما قد حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ داود بنِ موسى، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الرحمن بنُ صالح الأزدي، قال: حَدَّثْنَا يونُس بن بُكير، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد مَوْلى زيد بن ثابت أنَّه حدثه عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال أبو بكر رضي الله عنه لِفِنْحاص - وكان من علماء اليهود وأخْبَارِهم -: اتَّقِ الله وأسْلِمْ، فوالله إنّك لتعلمُ (١) في الأصل (المخطوط): أوتوا، والتصويب من مصادر التخريج. (٢) حديث صحيح، وهذا إسناده فيه ضعيف. ورواه أحمد ٢٩٨/١، والبخاري (٤٥٦٨)، ومسلم (٢٧٧٨)، والترمذي (٣٠١٤)، والنسائي في التفسير كما في ((التحفة)) ٣٨١/٤، وابن جرير الطبري (٣٨٤٩)، والطبراني (١٠٧٣٠) من طريق حجاج بن محمد، وابن جرير (٨٣٤٨)، والواحدي في ((أسباب النزول) ص ٩١ - ٩٢ من طريق عبد الرزاق، والحاكم ٢٩٩/٢ من طريق محمد بن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، ثلاثتهم عن ابن جريج، بهذا الإسناد. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي! ورواه البخاري (٤٥٦٨) عن إبراهيم بن موسى، عن هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن علقمة بن أبي وقاص، عن ابن عباس. -٢٦٥- كتاب التفسير - سورة آل عمران أنَّ رسول الله :﴿ رسولٌ من عند الله، جاءكم بالحقِّ مِن عنده، تجدُونه مكتوباً عندكم في التوراة والإنجيل. فقال فِنخاص: يا أبا بكر، والله ما بنا إلى الله عَزَّ وجَلَّ من فقر، وإِنَّهُ إلينا لَيفتقِرُ، وما نتضرَّعُ إليه كما يتضرَّع إلينا، وإِنَّا عنه الأغنياءُ، ولو كان عنا غنيّاً لما اسْتَقْرَضَنا أموالَنا كما يَزْعُمُ صاحبُكم، ينهاكم عن الربا ويُعطيناه! ولو كان عنّا غنّاً ما أعطانا الربا. فغضب أبو بكر، فضرب وجه فِنحاص، فأخبر فِنحاص رسولَ الله ﴿، فقال رسول الله:﴿ لأبي بكر: ((ما حَمَلَك على ما صَنَعْتَ؟) فأخبره، فجَحَدَ ذلك فنخاص، وقال: ما قلتُ ذلك. فأنزل الله: ﴿لَقَدْ سَمِعَاللّه قولَ الذِينَ قَالُوا إِنَّاللّه فَقِرُ وَحْنُ أَغْنِاءُ﴾ الآية، إلى قوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿عَذَابَ الْحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١]، وأنزل في أبي بكر رضي الله عنه وما بَلَغه من ذلك الغضب: ﴿ وَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَثْرَكُوا أذىَ كَيراً وَإنْ نَصِْرُوا وَتَقُوا فَإِنَّ ذِلِكَ مِنْ عَنْمِ الأُمُرِ﴾ [آل عمران: ١٨٦](١). (١) محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت لم يرو عنه غيرُ محمد بن إسحاق، ولم يوثقه غير ابن حبان، وقال الذهبي في («الميزان» ٢٦/٤: لا يعرف. ورواه ابن جرير الطبري (٨٣٠٠) عن أبي كريب، عن يونس بن بكير، بهذا الإسناد وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث عنده. وأورده من طريق ابن إسحاق ابنُ كثير في ((تفسيره)) ١٥٣/٢، وهو أيضاً في («سيرة ابن هشام)) ٢٠٧/٢ -٢٠٨ عن ابن إسحاق من غير إسناد. ورواه ابن جرير (٨٣٠١) عن ابن حميد، عن سلمة، عن ابن إسحاق، به. -٢٦٦- كتاب التفسير - سورة آل عمران وقال في ما قال فنخاص وأحبارٌ من اليهود معه: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللهُ مِشَاقِ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ◌َُِّنَّهُلِلَّاسِ وَلَكْتُونَهُ﴾ إلى قوله عَزَّ وجلّ: ﴿عَذابُ أليم﴾ [آل عمران: ١٨٧-١٨٨]، يعني فِنحاصاً وأشْيع وأشباهَهُما من الأحبار(١) الذين يفرحُون بما يُصِيبون من الدنيا على ما زَيِّوا للناس من الضلالة، ويُحُّون أن يُحمَدوا بما لم يَفْعلوا، وليقول الناسُ: لهم علمٌ، وليسوا بأهل علمٍ لم يحملوهم على هُدى ولا على خَيْرِ، ويُحبون أن يقولَ الناس، قد فعلوا، ولم يفعلوا. فقال قائل: في هذه الروايات تضادٌّ شديد، لأنَّ فيها: عن رافع بن خديج رضي الله عنه وعن أبي سعيد الخدري أنها نزلت في المنافقين الذين كانوا يعتذِرُون إلى رسول الله :﴿ بعدَ قُدُومه من غزوةٍ أنهم لم يُخَلِّفُهُمْ عنه أن يكونوا معه في غزوةٍ إلى السُّقمُ والشُّغلُ، ولأنَّ فيها عن ابن عباس ما يُخَالِفُ ذلك، وأنَّ المرادِينَ بها أهل الكتاب الذين أخبروا رسول الله : ﴿ بخلاف ما في كتابهم حين سألهم عنه، فأخبروه بخلافه، وهذا تضادٌّ شدید. وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٣٩٦/٢ وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم. (١) روى ابن جرير (٨٣١٨) و(٨٣١٩) من طريق ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت، عن عكرمة أنه حدثه عن ابن عباس: ﴿وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتابَ لتبينُنْه للناس ولا تكتمون﴾ إلى قوله: ﴿عذاب أليم)، يعني فنحاص وأشيع وأشباههما من الأحبار. -٢٦٧ - كتاب التفسير - سورة آل عمران فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أنَّه لا تضادّ في ذلك، لأنّه قد يجوز أن يكون الأمران جميعاً قد كانا، فكان من المنافقين إلى رسول الله 8# ما ذكره رافع وأبو سعيد، وكان مِن أهل الكتاب ما كان منهم إلى رسول الله ﴿ مِمَّا ذكره ابن عباس، فأنزل الله هذه الآية في ما كان من الفريقين جميعاً، فَعَلِمَ رافعٌ وأبو سعيد ما نزلت فيه مِمَّا كان من المنافقين، وعَلِم ابنُ عباس ما نزلت فيه مما كان من أهل الكتاب، ولم يَعْلَم واحدٌ من الفريقين ما علم الفريق الآخر ما نزلت فيه تحدث كل فريق من الفريقين بما علم به ثمّا كانت الآية نزلت فيه من السببين اللذين كان نزولها فيهما، وكان نزولُها في الحقيقة في السببين جميعاً لا في أحدهما دون الآخر. فَبَانَ بحمد الله ونعمته أنَّه لم يَينِ لنا في شيء من هذه الروايات تضادٌّ، والله نسألُه التوفيق. ٨٤٨- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ في السبب الذي في نزلت: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمواتِ والأرضِ واختلافٍ الليلِ والنّهارِ لآيَاتٍ لأولي الألبابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ٥٩٣٦- حَدَّثْنَا فهدٌ بنُ سليمان، حَدَّثْنَا يحيى بنُ عبد الحميد الحِمَّاني، حَدَّثْنَا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيدِ بنِ جُبير، عن ابنِ عباس، قال: أَتَتْ قُريشٌ اليهودَ، قالوا: ما جاءَكُمْ به موسى مِن الآيات؟ قالا: عصاه ويدُه بيضاء للناظرين، وأتُوا النّصارى، فقالوا: كَيْفَ كان عيسى فيكم؟ قالُوا: كان يُبْرِئُ الأكمةَ والأَبْرَصَ، ويُحيي الموتى، وأُتُوا النِيَِّ﴿َ، فقالُوا: ادْعُ لَنَا رَّك يَجْعَلْ لنا الصَّفَا - ٢٦٨- كتاب التفسير - سورة آل عمران ذهباً، فدعا به، فنزلت هذه: ﴿إِنَّ في خلق السَّمواتِ والأرض) الآية، فليتفكروا فيها(١). ففي هذا الحديث أن السَّبَبَ الذي نزلت فيه هذه الآية ما كان من سؤالِ قريشٍ رسولَ الله ﴿ أن يَدْعُوَ الله عَزَّ وجَلَّ، أن يَجْعَلَ لهم الصَّفا ذهباً، ودعاؤه بذلك، وأنَّ الله تبارك وتعالى أنزل عليه في ذلك هذه الآية. وقد رُوِيّ عن ابنِ عباس من وجهٍ آخر في ذلك: ٥٩٣٧- ما قد حَدَّثَنَا الحسينُ بنُ نصر، حَدَّثَنَا أبو نعيمٍ، حَدَّثْنَا سفيانُ، عن سلمة بنِ كُهيل، عن عِمْرَانَ السُّلَمِي، عن ابنِ عباسٍ، قال: قالت قريشٌ للنبيِّ:﴿: ادْعُ لنا رَبَّكَ يَجْعَلْ لنا الصَّفا ذهباً، فإنْ أصْبَحَ ذهباً اتَّبَعْنَاك، فدعا رَبَّه، فأتاه جبريلُ عليه السَّلامُ، فقال: إنَّ رَبك يَفْرَؤُكَ السَّلام، ويقول: إنْ شِئْتَ أصبحَ لهم ذهباً، ومن كَفَرَ بَعْدَهُ منهم عَذَّبْتُهُ عذاباً أليماً لم أُعَذِّبْهُ أحداً مِن العالمين، وإن شئت فتحتُ لهم بابَ التوبة والرحمة، قال: (بَلْ يا ربِّ التوبة والرحمة))(٢). (١) إسناده ضعيف لضعف يحيى الحماني، وقد خالفه الحسن بن موسى، فراوه عن يعقوب، عن جعفر، عن سعيد مرسلاً وهو أشبه. انظر ((فتح البارى) ٢٣٥/٨. ورواه الطبراني (١٢٣٢٢) عن الحسين بن موسى التستري، والواحدي في ((أسباب النزول)) ص٩٢ من طريق أحمد بن نجدة، كلاهما عن يحيى الحماني، بهذا الإسناد. (٢) إسناده صحيح. ورواه عبد بن حميد (٧٠٠)، والطبراني (١٢٧٣٦) من طريق أبي نعيم، بهذا الإسناد. -٢٦٩- كتاب التفسير - سورة آل عمران ففي هذا الحديثِ تخييرُ جبريل﴿ عن الله سبحانه وتعالى نبيه﴾ بَيْنَ الشيئين المذكورين في هذا الحديث، واختيار رسول الله /* منهما ما ذكر في اختياره منهما. فعقلنا بذلك أنَّ الذي كان مِنْ رسول الله :﴿ مما اختاره مِنْ هذين الشيئينِ اللذين خُيِّرَ بينهما، هو كراهيةُ أن يختارَ السَّببَ الآخِرَ منهما، فتكفر قريشٌ بعد ذلك، فيصيبهم العذابُ الذي أوعدهم الله به، إن فعل لهم ما سألوه، ثمَّ كفرُوا به بعدَ ذلك، كما فعله بمن تَقَدَّمَهم مِن الأُمم، بعد أن أراهم الآياتِ التي كانوا سألوها منه، وإنَّ اختيارَه لهم المعنى الآخر مِن المَعْنَيْنِ اللَّذِيْنِ خيَّره اللهُ بينهما، نظراً لهم ورأفة بهم، واختياراً لهم، خير لهم مما اختاروه لأنْفُسِهِمْ، ثم أنزلَ اللهُ تعالى على نبيه بَعْدَ ذلك، احتجاجاً عليهم، وتنبيهاً لهم، وإعلاماً منه إِيَّهم أنَّ ورواه أحمد (٢١٦٦) و(٣٢٢٣)، والبزار (٢٢٢٤)، والبيهقي في («السنن)) ٨/٩، وفي «الدلائل)) ٢٧٢/٢ من طرق عن سفيان الثوري، به. ورواه بنحوه أحمد (٢٣٣٣)، والبزار (٢٢٢٥)، والنسائي في («التفسير)) (٣١٠)، والطبري ١٠٨/١٥، والحاكم ٣٦٢/٢، والبيهقي في ((الدلائل)) ٢٧١/٢ من طريق جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. ورواه بنحوه البيهقي في ((الدلائل)) ٢٧٢/٢ من طريق المؤمل بن إسماعيل، عن حماد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس. ورواه كذلك البيهقي ٢٧٢/٢ من طريق مالك بن مغول، عن سلمة بن كهيل، عن رجل من بني سليم، عن بن عباس. -٢٧٠ - كتاب التفسير - سورة آل عمران معهم مِن آياته عَزَّ وجَلَّ ما هو أكبرُ مما سألوه من ذلك، وأدلُّ عليه، وأوجب عليهم معه الإيمان به والتصديق لرسوله بما جاءهم به مِن عنده، مِن خلقه السَّماوات والأرض، ومِن اختلافِ الليلِ والنهارِ، الذي يَرَوْنَهُ منذ خلقهم، ويراه مَنْ قَبْلَهم مِن آبائهم على ما يَرَوْنَهُ عليه، وعلى ما قامت الحجةُ له عَزَّ وجَلَّ، لِعجزِ الخلقِ عنه، وإذا كان معهم مِن آياته ما ذكرنا غَنُوْا به عما سواه، مِما هو دُونَه، لا سيما ما لو جَاءِهُمْ، فلم يُؤمنوا بعقبه تلاه هلاكُهم، كما قد كان منه عَرَّ وجَلَّ في أمثالهم لما سألوا أن يَرَوا ما أُرُوا، فلم يَرْعَوُوا عن ذلك، ولم يُؤْمِنُوا، فأصبهم من عذابه ما أصابهم به، وعاجَلَهم مِن عقوبته بما عاجلهم به، حتّى لا يرى لهم باقية. ٥٩٣٨- وقد حَدَّثَنَا أبو أُمية، حَدَّثْنَا محمد بنُ القاسم الأسديُّ، عن أبي جنابٍ الكلبيِّ، عن عطاء بن أبي رباح، قال: دخلتُ مع عبد الله بن عُمر وعُبَيْدِ بنِ عُمير على عائشة رضي الله عنهم وهي في خِدْرِها، فقالت: مَنْ هؤلاءِ، قلنا عبدُ الله بنُ عمر وعُبيد بن عمير، فقالت: يا عُيد بن عُمير، أنت كما قال الأوَّلُ: زُرْ غِبّاً تَزْدَهُ حُبّاً، فقال ابنُ عمر: دَعونا مِن باطلكم هذا، حدَّثينا بأعجب ما رأيتٍ من رسولٍ الله(َ﴿، فَبَكَتْ بُكاءاً شديداً، ثم قالت: كُلُّ أمره كان عجباً، أتاني ذاتَ ليلةٍ، وقد دخلتُ فراشي، فدخل معي حتّى لَصِقَّ جِلْدُه بحلدي، ثم قال: (يا عائشةُ الذني لي أتعبَّدْ لربِي عَزَّ وجَلَّ»، قالت: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إني لأُحِبُّ قُرْبَكَ، وأُحِبُّ هَوَاكَ، قالت: فقامَ إلى قِربة في البيت، فتوضَّأ منها، ثم قرأ القرآنَ، ثم بكى حتَّى ظننتُ أن دموعَهُ -٢٧١- كتاب التفسير - سورة آل عمران بَلَغَتْ حُبْوَتَه، ثم جَلَسَ، فدعا وبكى حتّى ظننت أن دُموعَه بَلَغَتْ حُجْزَتَهُ، ثم اضطّجع على يمينه، وجعل يَدَهُ الْيُمنى تحت خدِّه اليُمنى، ثم بكى حتّى ظننتُ أنَّ دموعَه قد بَلَغَتْ الأرضَ، ثم جاءه بلالٌ بعدما أَذِّنَ، فَسَلَّمَ، فلما رآه يبكي، قال: يا رسولَ اللهِ، تبكي وقد غفرَ اللهُ لك ما تَقَدَّم مِن ذنبك وما تأخّر، قال: ((ومَا لي لا أبكي وقد أُنْزِلَتْ عليّ الليلةُ: ﴿إنَّ فِي خَلْقِ السَّمواتِ والأَرْضِ وَاخْتِلافِالَّيِلِ وَالََّارِ﴾ الآية، وَيْلٌ لمن قرأها، ثم لم يَتَفَكَّر فيها، وَيْحَكَ يا بلالُ ألا أكونُ عبداً شَگُور))(١). وكان في هذا الحديثِ إنزالُ الله عليه هذه الآية في الليلة التي كان فيها عندَ عائشة، وكان منه فيما بينَه وبَيْنَ ربِّه عَزَّ وجَلَّ ما كان، وإخباره عائشة بما أنزل اللهُ عليه في ليلته تلك من هذه الآية، وإعلامه إيّاها أنه من لم يتفكر فيها فَوَيْلٌ له. (١) إسناده ضعيف، أبو جناب الكلبي -واسمه يحيى بن أبي حية- ضعفوه لكثرة تدليسه، لكن صرح بالتحديث عند أبي الشيخ، فرواه في ((أخلاق النبي)) ص١٧٧ - ١٧٨ من طريق أبي بكر الفريابي، أخبرنا الحسين بن عيسى القومسي، أخبرنا جعفر بن عون، أخبرنا أبو جناب الكلى، أخبرنا عطاء ... ورواه ابن حبان (٦٢٠)، وأبو الشيخ ص١٨٦ من طريقين عن يحيى بن زكريا بن إبراهيم بن سويد النخعي، حَدَّثْنَا عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، به، نحوه. وأورده السيوطي في ((الدر المنثور)) ٤٠٩/٢، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن أبي الدنيا في ((التفكر)، وابن المنذر، وابن مردويه، والأصبهاني في ((الترغيب)، وابن عساكر. - ٢٧٢- كتاب التفسير - سورة آل عمران فقال قائل: فهذا بخلافٍ حديثِ ابنِ عباس الذي رويته في هذا البابِ، لأن في حديث ابن عباس أن إنزالَ الله تعالى كان لهذه الآيةِ على رسوله للسببِ الذي ذكره ابنُ عباس في حديثه، وفي حديث عائشة رضي الله عنها هذا إنزاله إيّاها على رسول الله :8 عند الذي كان منه مِن صلاته ورِقَّةٍ قلبه عندها. فكان جوابُنا له في ذلك: أنّه لا اختلافَ في هذين الحديثين ولا تَضَادَّ، لأن الذي في حديث ابنِ عباس هو ذكر سؤال قريش رسول الله ﴿، ما ذكر من سؤالها إِيَّه فيه، وتخيير الله عَزَّ وجَلَّ أَيَّاه ◌َ﴿ بَيْنَ الشيئين المذكورين في ذلك الحديث، واختياره * لِسائليه ما هو في العاقبة أحمدُ، ومآلهم فيه السبب الذي يكون إيصالاً لهم إلى الجنة، وفوزاً لهم مِن عذابه، وكان إنزالُ الله عَزَّ وجَلَّ الآية التي أقام بها الحجةً عليهم في الليلة التي أنزلها فيها عليه، وهو في بيت عائشة، وكان ابنُ عباس قد تقدَّمَ علمُه بالسببِ الذي كان مِن أجله نزولُها، ولم يكن ذلك تَقَدَّم عندَ عائشة، فعادَ بحمد الله ونعمته جميعُ الآثارِ التي رويناها في هذا الباب إلى انتفاء التضادِّ لها، والاختلاف عنها، والله الموفق. -٢٧٣ - كتاب التفسير - سورة آل عمران ٨٤٩- بابُ بيانِ ما أشكل علينا ممَّا قد رُوِيَ عَنْهُ عليه السَّلامُ مِنَ العشْرِ الخواتِمِ مِنْ سورةٍ آلٍ عمرانَ التي تلاها في ليلةٍ عند استيقاظِه مِنْ نومِه، وما رُوِيَ عنه في ذلك ٥٩٣٩- حَدَّثْنَا يونسُ، أخبرنا ابنُ وهبٍ أنَّ مالكاً أخبرَهُ ... وما قد حَدَّثْنَا إسماعيلُ الْمُزَنِيُّ، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ إدريسَ الشافعيُّ، قال: أخبرنا مالكٌ، عن مخرمة بن سليمان، عن كريبٍ أنَّ ابن عباس أخبره: أنَّهُ بات عند مَيْمُونَةَ زوجِ النبيِ ﴿، وهي خَالَتْهُ، قال : ... فاضطجعتُ فِي عَرْضِ الوِسادَةِ، واضطجع رسولُ اللهِ وَ ﴿ وأهلَّهُ في طولها، فنام حتى إذا انتصف الليلُ - أو قبله بقليل، أو بعده بقليل - استيقظ رسولُ الله ﴿، فجعل يَمْسَحُ النَّوْمَ عن وجهه، ثم قرأ العشرَ الآياتِ الخواتِمَ مِنْ سورَةٍ آل عمران، ثم قام إلى شنٍّ معلقة، فتوضأ منها، فأحسن وضوءه، ثم قام يُصَلِّي. قالَ ابن عباس: فقمت، فصنعتُ مِثْلَ ما صنع، ثم ذهبتُ، فقمت إلى جنبه، فوضع رسولُ اللهِوَ ﴿ يدَه اليمنى على رأسي، وأخذ بأذني يفتِلُها، فصلَّى رَكْعَتَيْن، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم ركعتين، ثم أوتر، ثم اضطجع حتى جَاءهُ المُؤَذِّثُ، صلَّى ركعتين خفيفتينْ، ثم خَرَجَ، فصلَّى الصُّبْحَ (١). (١) إسناده صحيح وهو في (الموطأ) ١٢١/١-١٢٢، ومن طريقه رواه البخاري (١٨٣) و(٩٩٢) و(١١٩٨) و(٤٥٧٠) و(٤٥٧٢)، ومسلم (٧٦٣). وقد تقدم في کتاب الصلاة، ويأتي في الباب التالي. - ٢٧٤ - كتاب التفسير - سورة آل عمران فلم نَقِفْ بهذا الحديثِ على أولِ العشرِ الآياتِ الَّتي قرأها رسولُ الله :﴿، فاحتَجْنَا إلى الوقوفِ على حقيقتها إذْ كانَ القُرَّاءُ من أهلِ المدينةِ، ومِنْ أَهلِ الكُوفَةِ يذَهُبُونَ إلى أنَّ أوَّلَها هو قولُه: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهِ قِيَامَاً وَقُعُودًا﴾ [آل عمران: ١٩١]، وإذْ كانَ القُرَّاءُ مِنْ أَهْلِ الشامٍ يَعُدُّونها ﴿إِنَّ فِي خَلقِ السَّوَاتِ وَالأرضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]. فالتمسْنَا حقيقةَ ذلك: ٢٥٩٣٩- فوجدنا بَكَّارَ بن قُتَيْبَةَ قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثَنَا أبو أحمدَ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ الأسديُّ، ووجدنا عليَّ بنَ معبدٍ قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا شَبَابَةُ بنُ سَوَّار. ووجدنا فهداً قد حَدَّثَنَا، قالَ: حَدَّثْنَا أبو نُعَيمُ، قالوا: حَدَّثْنَا يونسُ بنُ أبي إسحاقَ، عن المنهالِ بنِ عمروٍ، عَنْ عليٍّ بنِ عبدِ اللهِ بنِ عباسٍ، عَنْ أبيهٍ، قال: أمرني العباسُ أن أبيتَ بآلِ رسولِ اللهِ الليلةَ، وتقدَّم إليَّ أن لا تنام حتى تَحْفَظَ لي صلاةَ رسولِ الله عليه السَّلامُ، قال: فصليتُ مَعَ رسولِ الله عليهِ السَّلامُ العِشاء، فلما قضى صلاته، وانصرف الناس، فلم يبق في المسجد أحد غيري، قال النبي: ((من هذا؟) فقال: (أعبد الله؟) قلت: نعم، قال: ((فَمَهُ؟)) قلت: أمرني العباسُ أن أبيتَ بكمُ الليلة، قال: ((فالحقْ إذاً)، قالَ: فدخلت مع النَّبِيَّ عليه السَّلامُ، فقال: ((افْرُشْ عبدَ اللهِ)، فأتيت بوِسادة من مُسوحٍ حَشْوُها ليف، فنامَ حتَّى سَمِعْتُ غطيطه أو خطيطه (١)، ثُمَّ استوى على فراشِهِ قاعداً، ثم رَفَعَ رأسه إلى السماء، وقال: ((سبحن الملك القدوس)) (١) قال في ((النهاية) ١٤٠/٢: الخطيط: قريب من الغطيط، وهو صوت النائم، والخاء والغين متقاربتان. - ٢٧٥ - كتاب التفسير - سورة آل عمران ثلاث مرات، وقرأ هذه الآية من آخرِ سورةٍ آل عمران ﴿إِنَّ ف خلق) حتى ختَّمَ السورةَ. ٥٩٤٠- ووجدنا أحمدَ بنَ داودَ البَصريَّ قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثَنَا أبو الوليدِ الطيالسيُّ، حَدَّثَنَا أبو عَوانَةَ، عن حُصَينٍ، عَنْ حَبِيبٍ بن أبي ثابت، عَنْ محمدِ بنِ علي، أخبرني أبي، عَنِ ابنِ عباس قال: بت عندَ النِّيِّ عليهِ السَّلامُ، فقامَ، فَأَخَذَ سواكه، ثم توضأ، ثم رفع رأسه إلى السماء وهو يَقُول: ﴿إِنَّ في خلق السَّموات والأرض ... الآية﴾، ثم صلَّى رَكْعَتَيْن، فأطَالَ فيهِما القِيامَ والرُّكُوعَ السُّحودَ، ثُمَّ نَامَ حتى نفخ، ثُمَّ قَامَ، فَأَخَذَ السِّاكَ، فاستاك، ثم رَفَعَ رأسه إلى السَّماءِ، فقالَ: ﴿إِنيْ خَلِقْ السموات والأرض .... ﴾ إلى آخر الآية، ففعل ذلك ثلاث مرات، ثم قَامِ، فَأَوْتَرَ بثلاثٍ رَكَعَات(١). ٥٩٤١ - ووجَدْنا صالحَ بْنَ عبد الرحمنِ الأنصاريِّ قد حَدَّثَنَا قال: حَدَّثَنَا سعيدُ بنُ منصورٍ، حَدَّتْنَا هشيمٌ، أخبرنا خُصَينٌّ، ثم ذكر بإسناده مثله. فوقفنا بهذا الحديثِ على أنَّ أوَّلَ العَشْرِ الآياتِ من آخِرِ سورةٍ آل عمرانَ، هو كما في عددِ الشاميين، وموافقة ابنِ عبَّاسٍ أَّاهم على ذلك. ثُمَّ وجدْنا في حديثٍ كُریب مِنْ روايةِ ابنِ إسحاقَ موافقةً ما في (١) إسناده صحيح. ورواه أبو داود (١٣٥٣) و(١٣٥٤)، ومسلم (٧٦٣) (١٩١)، وأحمد ٣٧٣/١ من طرق، عن حصين به. -٢٧٦ - كتاب التفسير - سورة آل عمران حديث عليٍّ بنِ عبدِ الله: ٥٩٤٢- كما حَدَّثْنَا محمدُ بنُ جعفرِ البغداديُّ المعروفُ بابنٍ الإِمامِ، حَدَّثْنَا عُبيد الله بنُ سعدِ الزهريُّ، حَدَّثَنَا عَمِّي يعقوبُ بْنُ إبراهيمَ، حَدَّثْنَا أبي، عن ابن إسحاقَ، عن سلمة بن كهيل، ومحمد بن الوليد بن نُوَيْفِعِ مولى آلِ الزُّبِ، كلاهما حدثني عن كُرَّيْبٍ، عن ابن عباس، قال: بعَثَني أبي العباسُ إلى رسول الله ﴿ أَحفَظُ لَهُ صلاتَهُ، قال: فهبَّ رسولُ الله :﴿ مِنَ الليلِ، فتعارَّ ببصره إلى السماء، ثم تَلاَ هؤلاء الآياتِ مِنْ سورةٍ آلِ عمرانَ: ﴿إِنَّ في خلق السماوات .... ) حتى انتهى إلى عشر مِنْها، ثم عادَ لمضحعِهِ، فَنَامِ، ثُمَّ هب، ففعل مِثْلَ ما فعل في المرَّةِ الأولى، ثم ذكر بقيةَ الحديث. فعاد ما رواه كريبٌ، عَنِ ابنِ عباس فيما ذكرْنَا إلى موافقةٍ مَا رَوَاه عليُّ بنُ عبدِ اللهِ، عَنِ ابنِ عباسٍ، عَنِ النبيِّ :﴿ بما وصفناه، والله نَسألُه التوفيقَ. ٨٥٠- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيّ عن رسول الله ﴾ فيما قرأه لما تعارً من اللیل مما رواه ابن عباس عنه من سورة (آل عمران) ٥٩٤٣- حَدَّثْنَا إبراهيم بنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا يحيى بن صالح الوُحَاظِي، قال: حَدَّثْنَا سليمان بن بلال، قال: حَدَّثَنَا شَرِيك بن أبي نُمِرٍ - يعني شريك بن عبد الله بن أبي نَمِرِ - أن كُرَيْباً مولى ابن عباس، أخبره: أنه سمع ابنَ عباس، يقول: بِتُّ ليلةٌ عند رسولِ اللهِ﴿ٍ، فلما انصرف من العِشاءِ الآخرةِ، انصرفتُ معه، فلما دخل البيتَ، رَكَعَ -٢٧٧- كتاب التفسير - سورة آل عمران ركعتين خفيفتين، ركوعُهما مثلُ سجودِهما، وسجودُهما مثلُ قيامِهما، وذلك في الشتاء، ورسولُ الله :﴿ في الحُجْرة، وأنا في البيتِ، قال: فقلتُ: والله لأرْمُقَنَّ الليلةَ رسول اللهلَ﴿، ولأُنْظُرَنَّ كيف صلاتُه، قال: فاضطجع مكانَه في مُصَلاّه حتى سمعتُ غَطِيطَه، قال: ثم تعَارَّ، فقام، فَنَظَرَ إلى السماءِ وفَكَّر، ثم قرأ الخمس الآيات من سورة آل عمران، ثم أخَذَ سِواكاً فاستَنَّ، ثم خرج فقضى حاجته، ثم رجع إلى شَنّ مُعَلَّقةٍ، فصَبَّ على يدِهِ، ثم توضأ ولم يُوقِظْ أحداً، ثم قام فَصَلَّى ركعتين، ركوعُهما مثل سجودِهما، وسجودُهما مثلُ قيامِهِما، قال: فأُراه صَلَّى مثل ما رَقَدَ، قال: ثم اضطجع مكانَه، فرَقَدَ، حتى سمعتُ غطيطَه، ثم صَنَعَ ذلك خمس مرارٍ، فصلى عشرَ ركعاتٍ، ثم أوْتّر بواحدة، وأتاه بلالٌ، فَآذَنَه بالصبح، فصلَّى ركعتي الفجر، ثم خَرَجَ إلى الصُبْحِ(١). قال أبو جعفر: ففي هذا الحديثِ أن الذي قرأه رسول الله 8 من سورة (آل عمران) خمس آياتٍ منها، وهي من آخرها، وإن كان لم يذكر ذلك في هذا الحديث، فإنه قد ذكره في حديث مالك الذي ذكرناه في الباب الثالث من كتابنا هذا عن مخرمة بن سليمان، عن كريب: أن ابن عباس، أخبره: أنه بات عند ميمونة زوج النبيِّ /*، وأن رسولَ اللهُّ قام حتى إذا انْتَصَفَ الليلُ أو بعده بقليلٍ أو قبل بقليلٍ، (١) إسناده صحيح. ورواه مختصراً البخاري (٤٥٦٩) و(٦٢١٥) و(٧٤٥٢)، ومسلم (٧٦٣) (١٩٠) من طريق محمد بن جعفر، عن شريك بن أبي نمر، بهذا الإسناد. وتقدم تخريجه فى كتاب الصلاة. وانظر الباب السابق. -٢٧٨ - كتاب التفسير - سورة آل عمران استيقظ ثم قرأ العشرَ الآيات الخواتم من سورة (آل عمران). وذكرنا في ذلك الباب أيضاً في حديث عليٍّ بن عبد الله بن العباس أنه قرأ: ﴿إِنَّ في خَلْقِ السَّاواتِ والأرضِ﴾ حتى ختم السورةَ. فَعَقَلْنا بذلك أن الذي كان قرأه من سورة (آل عمران) مما ذُكِرَ في الحديث الذي ذكرناه في هذا الباب هو: ﴿إِنَّ في خَلْقِ السَّماواتِ والأرض) إلى تمام الخمس الآيات منها، وهو قوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿إِنّكا تُخلف الميعاد﴾. فقال قائلٌ: من أين جاء هذا الاختلافُ؟ فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أن ذلك الاختلافَ إنما جاء مِن قِبَلِ رُواةِ هذه الأحاديث ممن دُونَ رسول الله *، وكان ما في الحديث أوَّل الذي رويناه في هذا الباب، هو الذي يَقَعُ في القلوبِ أنه كان الذي قرأه رسول الله، لأنه إنما قرأ ما قرأ الْتِماسَ الدعاء والتفكّرِ المذكورَيْن في تلك الآيات، وكان ما بعدَ الخمس الآيات المذكور ذلك فيها ليس من ذلك المعنى في شيء، وإنما هو ذِكْرُ ما كان من الله عَزَّ وجَلَّ من استجابته للمذكورين في تلك الآيات، ثم ما سوى ذلك من غير هذا المعنى إلى خاتمة السورة، والله أعلم بحقيقة ما كان منه عليه السَّلامُ في ذلك، وإياه نسألُه التوفيقَ. -٢٧٩- كتاب التفسير - سورة النساء ٨٥١- بابُ بیانِ مُشکل ما قرأه رسول الله څ من قوله تعالی: ﴿والأرحام) في أوَّلِ سورة النساء هل كان بالنّصْبِ أو الجَوّ؟(١) ٥٩٤٤- حَدَّثَنَا بِكَّار، حَدَّثْنَا أبو الوليد الطَّيالسيُّ، حَدَّثْنَا شعبةُ، حدثني عونُ بنُ أبيه جُحَيْفَةَ، قال: سَمِعْتُ منذِرَ بنَ جريرِ بنِ عبدِ الله يُحَدِّثُ، عن أبه، قال: كُنَّا عند النبيِّ عليه السَّلامُ في صدرِ النهار، فجاءه قَوْمٌ حُفَاة ◌ُرَاةٌ مجتابي النّمار، متقلِّدي السُّيوف، وعامتهم مِنْ مُضَرَ، بل كُلُّهُمْ مِن مُضَرَ، قال: فرأيتُ وَجه النبيِّ عليه السَّلامُ يتغيرُ لِمَا رَأَى بهم مِن الفَاقَةِ، ثم دخل بيته، ثم خرجٍ، فَأُمَرَ بلالاً فأذَّنَ، وأقام فصلّى الظهر، ثم قال: أوْ خَطَبَ: ﴿يَا أُهَا الَّاسُ أَنَّقُوا رَّكُمْ أَلَّذِي خَلَتَكُمْ مِنْنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى آخر الآية ﴿ وَنْظُرْ نَفْسُّ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ تَصَدَّقَ رَجُلٌ مِن دينارِه، مِن درْهمِهِ، من ثَوْبِهِ، من صَاعٍ بُرِّهِ، مِن صَاع تمرِه، حتى قال: مِن شِقِّ التمرَة))، قال: فجاء رجلٌ من الأنصَارِ بِصُرَّةٍ قَدْ كَادَتُ كَفُّه تَعْجِزُ عنها، بل قد عَجَزَتْ عنها، ثم تَتَابَعَ النَّاسُ حتى رَأَيْتُ كَوْمِيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَثَيَابٍ، ورأيتُ وجهَ رَسُولِ اللهِلَ﴿ يَتَهَلَّلُ كَانَّهُ مُدْهُنَةٌ، ثم قال: ((مَنْ سَنَّ فِي الإِسْلاَمِ سُنّةً حَسَنَةُ، كَانَ لَهُ أجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا مِنْ بَعْدِهِ لا يَنْقُصُ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيءٌ، وَمَنْ سَنَّ (١) انظر («الطبري) ٥١٧/٧-٥٢٣، و((معاني القرآن) للفراء ٢٥٢/١-٢٥٣، و«معاني القرآن) للزجاج ٢/٢، و(حجة القراءات) لزنجلة ص١٨٨ - ١٩٠، و(«البحر المحيط)) ١٥٧/٣. - ٢٨٠ -