Indexed OCR Text

Pages 241-260

كتاب التفسير - سورة البقرة
الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله
◌َّ: ( إِنَّ [الله عَزَّ وَجَلَّ] عَفَا لِي عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّقَتْ بِهِ أَنْفُسَها مَا لَمْ
يَعْمَلُوا بِهِ أَوْ يَتَكُلَّموا بِهِ).
قال أبو جعفرٍ: سمعتُ ابن أبي داود يقول: لا نعرفُ للأعمش
عن الأعرج غيرَ هذا الحديث، ولا يرويه عنه غيرُ جرير.
قال أبو جعفر: وكان الذي حَدَّثْنَا هؤلاء جميعاً هذا الحديث عليه
هو: حدَّثْت به أنْفُسَها - بالنصب- فكان ذلك على معنى حديثها به
أنفسها، وأهلُ اللغة يخالفونهم في ذلك، ويذكرون أنه حدَّثَتْ به
أَنْفُسُها - بالرفع-، وأنَّ أنفسها حديثها به عن غيرِ اختيارِها إِيَّاه ولا
اجتلابها له منها (١). قالوا: ومما يدلُّ على ذلك قولُ الله عَزَّ وجَلَّ:
﴿وَقَدْ خَلَقْنا الإنسانَ وَعَلَهُ مَا تُوَسَوسُ بِمَفْسُهُ وَحْنُ أَقْرَبُ إليهِ مِنْ حَبْلِ الَرِدِ﴾
[ق: ١٦) قالوا: ومما يدلُّ على ذلك فذكروا:
٥٩١٢- ما قد حَدَّثْنَا به أحمدُ بنُ شعيب، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ
بن منصورٍ، قال: حَدَّثْنَا عليٌّ بن عَثَّام، قال: حَدَّثَنَا سُعَير بن الخِمْس،
قال: حَدَّثْنَا مُغيرة، عن إبراهيم، عن عَلقمة، عن عبد الله، قال: جاء
(١) وفي ((الفتح)) ٣٠٥/٩: وقوله: ((ما حدثت به أنفسها)) بالفتح على المفعولية،
وذكر المطرزي عن أهل اللغة أنّهم يقولُونه بالضم، يُريدُون بغير اختيارها.
وعلق الإمام العيني في ((عمدة القارئ) ٢٥٥/٢٠ على قول المطرزي هذا، فقال:
قلت: قوله: بالضم، ليس بحيِّد، بل الصواب بالرفع، ولا تعلق له بأهل اللغة، بل الكلُّ
سائغ في اللغة، حدثت نفسي بكذا، وحدثتني نفسي بكذا.
- ٢٤١ -

كتاب التفسير - سورة البقرة
رجلٌ إلى رسول الله ﴿ فقال: إنّي أُحدِّثُ نفسي بالشيء لأنْ أخِرَّ من
السَّماءِ أحبُّ إليَّ مِنْ أنْ أتكلّمَ بِهِ، فقال: ((ذاكَ مَحْضُ الإِيمانِ)) أَوْ قال:
(صَرِيحُ الإِيمانِ))(١).
٥٩١٣- وذكروا ما قد حَدَّثْنَا عليُّ بن مَعْبَد، قال: حَدَّثْنَا رَوْحُ
بن عُبَادة، قال: حَدَّثَنَا شُعبة، قال: حَدَّثْنَا منصورٌ، عن ذرِّ، عن عبد الله
بن شداد بن الهاد، عن ابن عباس أنَّ أصحابَ النِيِ ﴿﴿ قالوا: يا رسولَ
الله، إنَّ أحدَنا يحدِّثُ نفسَه بالشيء لأن يكونَ حُمَمَةٌ أحبُّ إليه من أنْ
يتكلّم به، فقال: (الحمدُ لله الذي لم يَقْدِرِ مِنْكُمْ إلاَّ على الوَسوَسَةِ).
قال شعبة: وحَدَّثَنَا سليمانُ بهذا الإسناد، وقال في حديثه:
(الحمدُ لله الذي ردَّ أمرَه إلى الوَسْوَسَةِ)(٢).
٥٩١٤- وما قد حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثْنَا بشر بن
عمر الزَّهرانيُّ، قال: حَدَّثْنَا شُعبة، عن منصور وسليمان، عن ذرٌ، عن
عبد الله بن شداد، عن ابن عباس، قال: يا رسولَ الله كنَّا نُحدِّثُ
أُنْفُسَنا بالشيء لأن نكونَ حُمَمَةٌ أحبُّ إليْنَا مِنْ أن نتكلّمَ به. فقال
(١) إسناده صحيح. ورواه مسلم (١٣٣)، والطبراني في «الكبير)) (١٠٠٢٤) من
طريق يوسف بن يعقوب الصفار، وابن حبَّان (١٤٩)، وأبو عوانة ٧٩/١، وابن منده
في ((الإيمان)) (٣٤٧)، والبغوي (٥٩) من طريق محمد بن عبد الوهَّاب الفراء، كلاهما
عن علي بن عثّام، بهذا الإسناد.
(٢) إسناده صحيح. ورواه ابن منده في ((الإيمان)) (٣٤٦) من طريق عباس بن
محمد، عن روح بن عبادة، به.
وقوله: ((حُمَمَه) بضم الحاء وفتح الميمين: أي: فحمة.
- ٢٤٢-

كتاب التفسير - سورة البقرة
أحدُهما: ((الحمدُ لله الذي لم يَقْدِرْ منكم إلا على الوَسْوَسةِ)»، وقال
الآخر: (الحمدُ للهِ الذي رَدَّ أمرَهُ إلى الوسوسةٍ)(١).
٥٩١٥- وما قد حَدَّثْنَا بكارُ بنُ قُتيبة، قال: حَدَّثَنَا أبو أحمد،
قال: حَدَّثْنَا سفيانُ، عن منصور، عن ذر، عن عبد الله بن شداد، عن
ابنِ عباس قال: جاء رجلٌ إلى النِيِّ:﴿ فقال: إنّ أُحدِّثُ نفسي بشيءٍ،
ولأن أكونَ حُممةٌ أحبُّ إلى مِنْ أَنْ أتكلّمَ به. فقال: «الله أكبرُ الحمدُ
الله الذِي ردَّ أمرَهُ إلى الوسوَسِ)(٢).
قالوا: وهذا الحديثُ وإن كان قد قِيل فيه: ((وإنَّ أحدَنا يحدثُ
نفسَه)) وهو مما ذكره عنه ابنُ مسعود ((ذلك صَريحُ الإِيمانِ» أو «مَحْضُ
الإيمان)) أو لتوقيكم أنْ تقُولُوا ذلك بألسنتِكم، فتؤخذون به، فكان
(١) رواه الطيالسي (٢٧٠٤)، وأحمد ٣٤٠/١، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة))
(٦٦٩)، وابن منده في ((الإيمان)) (٦٤٥)، والطبراني في ((الكبير)) (١٠٨٣٨)،
والبغوي (٦٠) من طرق عن شعبة، بهذا الإسناد.
ورواه النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٦٦٧)، وابن أبي عاصم في «السنة»
(٦٥٨) عن عبد الرحمن بن إبراهيم جحيم، عن إسحاق بن يوسف، عن سفيان
الثوري، عن حماد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.
وقال النسائي: ما علمت أن أحداً تابع إسحاق على هذه الرواية، والصحيح ما
رواه عبد الرحمن، ثم قال (٦٦٨): أخبرنا عمرو بن علي، عن عبد الرحمن، عن
منصور والأعمش، به.
(٢) إسناده صحيح. ورواه أحمد ٢٣٥/١، وابن منده في ((الإيمان)) (٣٤٥) من
طرق عن سفيان، به.
ورواه أبو داود (٥١١٢)، وابن حبان (١٤٧) من طريق جرير، عن منصور، به.
-٢٤٣-

كتاب التفسير - سورة البقرة
توقيكم ذلك ومنعُ أنفسكم منه إيماناً وما ذكره عنه ابن عباس، وهو
(الحمدُ لله الذي لم يَقْدِرْ عليكم إلاّ على الوسوسةِ)، أو ((الحمدُ لله
الذي ردَّ أمرَه إلى الوسوسةِ التي لا تؤاخذون بها، بل تثابون على
توقيكم أن تُطلقوها))، قالوا: وهذا الحديثُ وإن كان قد قيل فيه: إِنَّ
أحدَنا تحدَّثُه نفسُه، أو إِنَّا نحدِّثُ أنفسَنا، فإن جوابَ رسول الله صَلّ
إيَّاهم في ذلك هو المعتمدُ عليه، وإليه قَصَدَ به وهو: «الحمدُ الله الذي لم
يَقدِرْ منكم إلاَّ على الوَسْوَسَةِ) أو: «الحمدُ لله الذي ردَّ أمره إلى
الوَسِوَسَةِ)) فعاد ذلك إلى وسواسِهِ أنفسَهم بما تُوسْوِسُهم به.
قال أبو جعفر: فتأملنا نحنُ هذا الحديثَ وهل يُحتمل خلاف ما
قالَ أهلُ اللغة فيه ثَمّا يوافق ما كان الذين أخذناهُ عنهم حدثونا به مما
يَعُودُ إلى ما حدَّثَتْ به أُنفسَها بالنصب أمْ لا، فوحدنا منه ذكرَ التجاوز
من الله عَزَّ وجَلَّ لِنبِّه في أمته عما تجاوز لها عنه، فكان التجاوزُ لا
يكون إلا عن ما لم يتجاوزْ عنه، لكأنُوا مُعاقَبين عليه، وذلك ثمّا قد
عقلناه أنه لا يكونُ مِن الخواطر المعفو عنها، وأنه إنما يكون من الأشياء
المحتلَبةِ بالهموم بها، فكان وجه ذلك عندنا - والله أعلم- على ما يَهُمُّ به
من المعاصي ليعملَها، فتجاوزَ الله لنبِّهِ ﴿ عنهم ذلك، فلم يؤاخذهم
به، ولم يعاقِيُهم عليه، ومن ذلك ما قد رُوِيَ عن رسول الله ◌ِ﴾.
٥٩١٦- مما قد حَدَّثْنَا يونس، قال: حَدَّثَنَا سفيان، قال: حَدَّثَا
أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي { /*، قال: «قال الله
عَزَّ وجَلَّ: إذَا هَمَّ عَبْدِي بِحَسَنِةٍ فَلَمْ يَعْمَلْها، فَاكْتُوُها حَسَنَةٌ، فَإِن
عَمِلَها، فَاكْتُبُوهَا عَشْراً، وإِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ، فَلَمْ يَعْمَلْها، فلا
- ٢٤٤-

كتاب التفسير - سورة البقرة
تَكُتُبوها، فإِنْ عَمِلها، فاكتبوها بمِثلها، وإِنْ هُوَ تَرَكها، فَاكْتُبوها
حَسَنٌ)(١).
قال أبو جعفر: سمعتُ يونس يقول: ثم قرأتُ هذا الحديثَ على
سفيان بعد أنْ حَدَّثْنَا به فزادَني في الحسنةِ: «فاكْتُبوها إلى سَبْعِ مِنِةٍ
ضِعْفٍ))، وزادني في السيئة: ((فإِنْ تَرَكَها مِنْ خَشْيَتِي)) فانتفى بذلك ما
ادَّعاه أهلُ اللغة على المحدِّثين في هذا الحديث مما قد ذكرناه معهم،
وعاد الحديثُ إلى ما حدَّثت به انفسَها بالنصب كما نقلوه إلينا لا
بالرفع، والله عَزَّ وجَلَّ نسأله التوفيق.
(١) إستاده صحيح. ورواه أحمد ٢٤٢/٢، ومسلم (١٢٨)، والترمذي (٣٠٧٣)
وابن حبَّان (٣٨٠) وابن منده في ((الإيمان)) (٣٧٥) من طرق عن سفيان، بهذا
الإسناد.
ورواه البخاري (٧٥٠١) عن قتيبة بن سعيد، عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي
الزناد به.
- ٢٤٥ -

كتاب التفسير - سورة البقرة
٨٤٣- بابُ بیانِ مشکل ما روي عن رسول الله ﴾ فیما کان
مِن أصحابه رضوانُ الله عليهم عندما يُتْلَى عليهم: ﴿آمَنَ
الرَّسولُ بِما أُنْزِلَ إلیه مِنْ رَبِّهِ﴾ ... إلى آخر سورة البقرة
[٢٨٥-٢٨٦] وما كان من الله ممَّا أنزله على
رسوله ے لذلك جواب لهم
٥٩١٧- حَدَّثْنَا أبو أميةَ، قال: حَدَّثْنَا محمد بن الصَّلت الأسدي،
قال: حَدَّثْنَا أبو كُدَيْنَة، عن عطاء بنِ السَّائب، عن سعيد بن جُبير، عن
ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أَنْزِلَ إِليهِ مِنْ رَبِّ ...
إلى قوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا إِنَ نَسِبِنا أو أخْطَأْا﴾، قالوا مِثْلَ ذلك، قال
الله: قد فعلْتُ، ﴿مَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ علينا إصْراً كَمَا حَتَكْتُهُ على الذِينَ مِنْ قِنَا﴾
قالوا مِثِلَ ذلك، قال: قد فعلتُ، ﴿مَنَا وَلَا تُحَمّنَا مَالا طَاقَةٌ لَا بِهِ﴾ قال
الله: قد فعلت، ﴿واغْفُ عُنَّا .... الآيةِ﴾ قالوا مثلَ ذلك، قال الله: قد
فعلتُ(١).
(١) حديث صحيح. عطاء بن السائب - وإن كان قد اختلط - قد توبع.
ورواه أحمد ٢٣٣/١، ومسلم (١٢٦)، والترمذي (٢٩٩٢)، والنسائي في
(التفسير)) كما في ((التحفة)) ٣٩١/٤، والطبري (٦٤٥٧)، وابن حبان (٥٠٦٩)،
والواحدي في ((أسباب النزول)) ص ٦٠، والحاكم ٢٨٦/٢، وأبو عوانة ٧٥/١،
والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) ص ٢١٠-٢١١ من طرق عن وكيع، عن سفيان،
عن آدم بن سليمان، عن سعيد بن جبير، بهذا الإسناد. مع اختلاف يسير في المتن.
-٢٤٦ -

كتاب التفسير - سورة البقرة
٥٩١٨- حَدَّثْنَا محمد بن عبد الرحيم الهَرَوي، قال: حَدَّثَنَا آدم
بن أبي إياس، قال: حَدَّثْنَا وَرْقَاءِ، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن
جُبير، عن ابن عباس، قال: لما نزلت هذه الآية على رسول الله ح/9:
﴿آَمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أَنْزِ إليهِ مِن رَبِّهِ﴾ قرأها رسولُ الله ﴿، فلمَّا قال:
﴿غُفْرَكَ مَرَا﴾ قال الله: قد غفرتُ لكم. فلما قال: ((﴿رَالَا تُؤَاخِذْنَا
إِنَّ نَيْنَا أَوْ أخْطَأْنا﴾) قال الله عَزَّ وجَالَّ: لا أُؤَاخِذُكم، فلما قال: ((﴿رَّنَا
وَلاَتَحْمِلْ عَلَا إِصْراً كَمَا حَمَتَهُ على الذِينَ مِنْ قَبْنَا﴾)) قال الله عَزَّ وَجَلَّ: لا
أحْمِلُ عليكم، قال: فلما قال عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلا تُحَمّلنا ما لا طَاقَةَ نَا بِهِ﴾
قال الله: لا أُحمّلُكم، فلما قال: ﴿واعْفُعَنَّا﴾ قال الله: قد عفوت
عنكم، فلما قال: ﴿وَاغْفِرْلَنَا﴾ قال: قد غفرتُ لكم، فلما قال:
﴿وَانْحَمْنا﴾ قال: قد رحمتُكم، فلما قال: ﴿وَأَنْصُرْنا على الْقَوْمِ
الكَافِرِينَ﴾ قال: قد نصرتُكم.
قال أبو جعفر: فسأل سائل عن المراد بقوله: ﴿رَبَّنَالا تَوَاخِذْنَا إنْ
◌َسيْنَا أَوْ أخْطَأنَا﴾ وقال: النسيان ليس ثَّا يَمْلِكُونه من أنفسِهم، فكيف
يسألون أنْ لا يُؤاخَذُوا به؟
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أنَّ النسيانَ
الذي لا يملكونه من أنفسهم هو النسيانُ من الأشياء التي هي أضدادٌ
للذّكْر لها، فذلك مما لا يُؤاخَذُونَ به، ومما لا يجوز منهم سؤالُهم ربَّهم
أن لا يؤاخِذَهُم به، وأما النسيانُ المذكورُ في هذه الآية، فإنَّما هو التركُ
-٢٤٧-

كتاب التفسير - سورة البقرة
على العمدِ بذلك كقول الله: ﴿نِسُوا الله فَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] في معنى
تركُوا الله فتركَهم.
قال: فما المُرادُ بقوله عَزَّ وجَلَّ حكاية: ﴿أَوْ أخْطَأْنا﴾ والخطأُ فَهُمْ
غَيرُ مأخوذين به، كما قال: ﴿وَيْسَ عَلِيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أخْطَأْتُمْ بِهِ
وَلَكِنْ مَا تَعَقَدَتْ قُلُكُمْ﴾ [الأحزاب: ٥].
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله وعونه: أنَّ الخطأ الذي في
الآية التي تلاها علينا الذي لا جُناحَ فيه هو ضِدُّ ما يتعمَّدُونه، كما قال
عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَكِنْ مَا تَمَّدَتْ قُلُكُمْ﴾ والخطأ الذي في الآية التي
تَلَوْناها نحن عليه: هو الخطأُ الذي يفعلُه مَنْ يفعلُه على أنه به مخطئٌ في
اختيارِه له، وفي قصده إليه، وفي عملهِ به، ومِنْهُ قِيل: خَطِئْتُ في كذا -
مهموز- أيْ عملت كذا خطيئة، فذلك ثَمّا عامِلُه مأخوذٌ به معاقَبٌ
عليه، أو معفوٌّ له عنه إن كان مما يجوزُ أنْ يُعفى له عن مثلِه. فبانَ بحمدٍ
الله أنّهم رِضوانُ الله عليهم سأُلُوا ربَّهم عَزَّ وجَلَّ في موضع سؤالٍ، وأنّه
عَزَّ وَجَلَّ غَفَرَ لهم في شيئين، قد كان له عَزَّ وجَلَّ أخذُهم بها
وعقوبتهم عليها، وهو المحمودُ على فضلِه في ذلك عليهم ورحمته لهم،
وإِيَّاه نسألُه التوفيق.
-٢٤٨-

كتاب التفسير - سورة آل عمران
٨٤٤- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِي عن رسول الله # في تأويل
قول الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آياتٌ
مُحْكَمَاتٌ .. إلى قوله: وما يَذَّكَّرُ إلَّ أُولُوا الأَلْبَابِ﴾ [آل
عمران: ٧]
٥٩١٩- حَدَّثْنَا الربيعُ بنُ سليمان المُرَادي، قال: حَدَّثَنَا أُسدُ بن
موسى، قال: حَدَّثَنَا الوليدُ بنُ مُسلم، قال: حدثني نافع بن عُمر
الجُمَحِي، عن ابنِ أبِي مُلَيْكَة، قال: حدثتني عائشة رضي الله عنها،
قالت: قال رسولُ اللهِلَ﴿: ((إذا رَأيْتُموهُمْ، فاحذرُوهم، وإذا
رأيتموهُم، فاحذَرُوهُمْ، ثُمَّ نَزَعَ: ﴿فَأَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِمْ مَرَضْ فَّعُونَ مَا
تَشَبَهَ مِنْهُ أْتِغَاءِ الفَِّةِ﴾ .... إلى قوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿أَّ الله وَالرَّاسِحُونَ في
العِلْمِ﴾ ثم قال رسول الله: ﴿: «الرَّاسِخِون في العِلْم هُمُ الَّذين آمنُوا
بمتشابهِه، وعَمِلُوا بُمُحْكَمِهِ)(١).
(١) حديث صحيح. ورواه ابن جرير (٦٦١٢) عن علي بن سهل بن قادم
الرملي، عن الوليد بن مسلم، بهذا الإسناد.
ورواه ابن جرير أيضاً (٦٦١٤) عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، عن خالد
بن نزار، عن نافع بن عمر، به.
ورواه الترمذي (٢٩٩٣) عن محمد بن بشار، عن أبي داود الطيالسي، عن أبي
عامر الخزاز، عن ابن أبي مليكة، به.
ورواه الطبري (٦٦١٣) من طريق شبيب بن سعيد، عن روح بن القاسم، عن ابن
أبي مليكة، به. ورواه سعيد بن منصور (٤٩٢) عن حماد بن يحيى الأبح، عن ابن أبي
-٢٤٩ -

کتاب التفسير - سورة آل عمران
٥٩٢٠- حَدَّثْنَا عُبيدُ بنُ رجالٍ، قال: حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ محمد
الشافعيُّ، قال: حَدَّثَنَا الحارثُ بنُ عُمَيْرِ، عن أيوب، عن ابنٍ أبي
مُلَيْكة، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قرأ رسول اللهرَّ: ﴿هُوَالَّذِي
أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتَ هُنَّ أُمُ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مَتَشَابَاتٌ﴾
فقال رسولُ الله ﴿: «إذا سَمِعْتَ الذين يَتَجَادَّلُونَ فيهِ، فَهُمُ الذين
عَنَى اللهُ عَزَّ وجَلَّ، أو هُمُ الذين قال الله عَزَّ وجَلَّ)(١).
قال أبو جعفر: وقد رَوَى هذا الحديثَ يزيدُ بنُ إبراهيم التّسْتَرِي
فأدخل في إسناده بَيْنَ عائشة وبَيْنَ ابنِ أبِي مُلَيكة، القاسمَ بنَ محمد.
٥٩٢١- كما حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود قال: حَدَّثَنَا أبو عُمَرَ
ملیکة، به.
وقوله: ((ثم نزع)) أي: قرأ أو استشهد، قال في ((اللسان): وانتزع بالآية والشعر:
تمثّل، ويقال للرجل إذا استنبط معنى آية من كتاب الله تعالى عَزَّ وجَلَّ: قد انتزع
معنی جیداً، ونزعه مثله، أي: استخرجه.
(١) رواه الطبري (٦٦٠٩) عن يونس، عن ابن وهب، عن الحارث، به. ولم
ينسب الحارث، ولم يقف العلامة أحمد شاكر - رحمه الله- على رواية الطحاوي هذه
التي تنص على أنه ابنُ عمير، فقال: هو ابن نبهان الجرمي، وضعف الإسنادَ به!
ورواه أحمد ٤٨/٦، والطبري (٦٦٠٥) من طريق إسماعيل بن علية، عن أيوب،
به. ورواه الطبري (٦٦٠٦)، وابن حبان (٧٦) من طريق المعتمر بن سليمان، عن
أيوب، به.
ورواه ابن ماجه (٤٧)، والطبري (٦٦٠٧) من طريق عبد الوهَّاب بن عبد المجيد
الثقفي، والطبري (٦٦٠٨) من طريق معمر، كلاهما عن أيوب، به.
- ٢٥٠ -

كتاب التفسير - سورة آل عمران
الحَوْضِيُّ، قال: حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ إبراهيم، قال: ابنُ أبي مُلَيْكة، عن
القاسم بن محمد، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: تَلاَ رسولُ اللهِ مَّ
هذه الآية: ﴿هَ الَّذِيْنِ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ أَبَاتٌ مُخْكَمَاتٌ ... إلى آخر
الآية﴾ قالت: فقال رَسُولُ اللهِ﴿: (إذا رَأيْتُمُ الذين يَتْعُونَ الذي
تشابه منه فأُولئك الذينَ سَّى اللهُ عَزَّ وجَلَّ، فَاحذَرُوهُمْ)(١).
٥٩٢٢- وكما حَدَّثْنَا محمدُ بن علي بنِ زيد المكيُّ، قال: حَدَّثْنَا
القَعْنَبِيُّ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ إبراهيم التُّسْتَرِي، عن عبدِ الله بن أبي
مُلَيْكة، عن القاسم بن محمد، عن عائشة رضي الله عنها، عن النبيِّ ◌َ﴿
مثله.
قال: فتأملنا هذا الحديث فوجدنا فيه قولَ الله عَزَّ وجَلَّ ﴿هُوَالَّذِي
أَنْزَلَ عَلَكَ الكِتَابَ مِنْهُآياتٌّ مُحْكَمَاتٌ مُنَّأُمُّ الِكِتَابِ﴾ فأعلمنا عَزَّ وَجَلَّ
أنَّ مِن كتابه آياتٍ محكمات بالتأويل، وهي المتفقُ على تأويلها
والمعقولِ المرادِ بها، وأنَّ منه آياتٍ متشابهاتٍ يلتمس تأويلها من الآياتِ
المحكمات اللاتي هنَّ أمُّ الكِتابِ، وهي الآيات المختلفة في تأويلها، ثم
قال عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَمَّا الّذِينَ فيْ قُلُوبِهِمْ رَيَغْ﴾ والزيغ: الجورُ عن الاستقامة،
(١) إسناده صحيح. ورواه من طرق عن يزيد بن إبراهيم، بهذا الإسناد: أحمد
٢٥٦/٦، والطيالسي (١٤٣٣)، والبخاري (٤٥٤٧)، ومسلم (٢٦٦٥)، وأبو داود
(٤٥٩٨)، والترمذي (٢٩٩٣) و(٢٩٩٤)، والدرامي ٥٥/١، والطبري (٦٦١٠)،
والبيهقي في ((دلائل النبوة)) ٥٤٥/٦، وصححه ابن حبان (٧٣). وقد تابع يزيد بن
إبراهيم في زيادة القاسم بن محمد حمادُ عند الطيالسي (١٤٣٢)، والطبري (٦٦١٥).
- ٢٥١ -

كتاب التفسير - سورة آل عمران
وعن العدل، وترك الإنصاف لأهلها، فيتْبُعُون ما تشابه منه، يَطْلُبُونَ
بذلك مثلَ الذي كان مِن الأمم الخالية فيما جاءتهم به رسلُهُم صلواتُ
الله عليهم ابتغاء الفتنة، وهي فسادُ ذات البَيْن حتى يكونَ عنها القتلُ
وما سِوَاه مما يَجْلَبُهُ مِن الْبَغْضاء والشَّحْنَاء والتفرق الذي تجري معه
الأمورُ بخلاف ما أمر الله عَزَّ وَلَّ به فيها بقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بحبل اللهِ
جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] ومن كان كذلك، خرج من
الإسلام، وصار من غيره، واستحقَّ النارَ.
وقد رُوِيَّ في تأويل هذه الآية عن أبي أُمَامَة الباهِلِي عن النبيِّ ◌َ*
في هذه المعاني زیادة علی ما [في] حديث عائشة منها
٥٩٢٣- كما قد حَدَّثَنَا بَكَّار بن قُتَيْبَة، قال: حَدَّثَنَا عبد الله (١)
بنُ حُمْران الحمرانيُّ، قال: حَدَّثَنَا عليٌّ بن مَسْعَدة البَاهِلِي، قال: حَدَّثْنَا
أبو غَالِب، قال: قدمتُ دمشق، فأتيتُ مسجدَها، فوجدت أبا أُمَامة في
المسجد، فسلمتُ عليه، وقعدتُ إليه، ثم نهضَ ونهضتُ معه حتى
انتهينا إلى بابِ المسجد، فإذا رؤوسٌ منصوبَةٌ على القناة قريب من
سبعين رأساً، فلما نظر إليها أبو أُمَامة ثَمَّ، وقف قال: یا سُبحانَ الله، یا
سُبحانَ الله - ثلاث مرات- ما يعملُ الشيطانُ بهؤلاء - ثلاثاً- ثم قال:
شَرُّ قتلى تحتَ ظِلِّ السماء - ثلاثاً- وخيرُ قتلى من قَتَلَهُ هؤلاء، وبكى،
فقلت له: يا أبا أُمَامَة تقول لهم هذا القول، ثم تبكي؟ فقال: رحمةً لهم،
إنّهم كانوا مِن أهل الإسلام فخرجُوا منه، ثم تلا هذه الآية التي في آل
(١) في الأصل (المخطوط): ((عبد الرحمن)).
- ٢٥٢-

كتاب التفسير - سورة آل عمران
عمران: ﴿هُوَالَّذِ أَنْزَلَ عَلَيْكَ الكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٍ مُحْكَمَاتٌ مُنَّ أُمُ الكِتَابِ
وَأُخَرُ مَشَابِهَاتٌ﴾ حتى ختم الآية، ثم قال: هُم هؤلاء، ثم تلا هذه
الآية: ﴿يَوْمَ نَيَضُّ وُجُوهُ وَتَسْوَدُّ وُجُوهُ ... ﴾ حتى ختم الآية [آل عمران:
١٠٦] ثم قال: هُمْ هؤلاء. قال: قلتُ: يا أبا أمامة هذا شيءٌ تحدِّثُ به
مِنْ رأيك، أو شيء سمعتَهُ من رسولِ اللهِ﴿؟ قال: يا سُبحانَ الله، يا
سُبحانَ الله - ثلاث مرات- إنّي إذً لجريٌّ- قال: ذلك ثلاثاً- لو لم
أسمعه إلاَّ مَرَّةٌ أو مرتين أو ثلاثاً أو أربعاً حتى بلغ سبعاً ما حدثتكُمُه،
ثم قال: مَنْ أنتم؟ قال: قلتُ: مِنْ أهلِ العراق. قال: أمَا إنّهم عندكم
كثيرٌ(١).
قال أبو جعفر: فدلَّ ما في هذا الحديث على ما ذكرنا، ثم أخبر
عَزَّ وجَلَّ في هذه الآية بعجز الخلق عن تأويل المتشابه الذي ذكره فيها
بقوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيُإلَ اله﴾، ثم أخبرَ عَزَّ وجَلَّ بما يقولُه
الراسخون في العلم في ذلك ليمتثلوه ويتمسَّكُوا ويقتدُوا بهم فيه وهو
قولُه عَزَّ وجَلَّ: ﴿ وَالرَّاسِخُونَ -يْ العِلْمِ يَقُولُونَ آَمَّا بِهِ كُلَّ مِنْ عِنْدِيرَِّا﴾
فهكذا يكونُ أهل الحق في المتشابه من القرآن يردُّونَه إلى عالِمِه وهو الله
(١) على بن مسعدة فيه مقال وقد توبع، وأبو غالب ليس بالقوي.
ورواه من طرق عن أبي غالب، بهذا الإسناد: عبد الرزاق (١٨٦٦٣)، وأحمد
٢٥٣/٥ و٢٦٢، والحميدي (٩٠٨)، والترمذي (٣٠٠٠)، وابن ماجه (١٧٦)،
والطبراني (٨٠٣٣) و(٨٠٣٣) و(٨٠٣٥) و(٨٠٣٧) و(٨٠٤٦) و(٨٠٤٩)
و(٨٠٥٦)، وقال الترمذي: حديث حسن.
- ٢٥٣ -

كتاب التفسير - سورة آل عمران
عَزَّ وجَلَّ، ثم يلتمسون تأويله من المحكمات اللاتي هنَّ أُمُّ الكتاب، فإنْ
وجدوه فيها، عَمِلُوا به كما يعملون بالمحكم، وإنْ لم يحدوه فيها لتقصير
علومهم عنه، لم يتجاوزوا في ذلك الإِيمانَ به، وردّ حقيقته إلى الله عَزَّ
وجَلَّ، ولم يستعملوا في ذلك الظنونَ التي حرَّم الله عليهم استعمالَها في
غيره، وإذا كان استعمالها في غيره حراماً، كان استعمالَها فيه أحرم،
ومن ذلك قولُ رسول الله:﴿: ((المِرَاءُ في القرآن كُفْرٌ)(١) وسنأتي
بذلك فيما بعد في موضع هو أوْلَى به من هذا الموضع في بقية كتابنا
هذا إن شاء الله تعالى، وبه التوفيق.
٨٤٥- بابُ بیانِ مُشْكِل احتمال السبب الذي نزلت فيه
﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]
٥٩٢٤- حَدَّثْنَا بِكْار، حَدَّثْنَا حسين بنُ مهدي، حَدَّثْنَا عبدُ
الرزاق، أخبرنا معمرٌ، عن الزُّهْري، عن سالمٍ، عن أبيه أنَّه سَمِعَ النبيّ
# في صلاةِ الصُبح حينَ رَفَعَ رأسه من الركوع قالَ: «رَبَّنَا وَلَّكَ
الحمدُ) في الركعةِ الآخرة، ثم قالَ: ((اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلاناً وفُلاناً) يدعو
على ناسٍ مِن المنافقينَ، قال: فأنزلَ الله أَلَيسَ لَكَ مِنَ الأمْرِشَيءُ﴾ الآية
[آل عمران: ١٢٨](٢).
(١) رُوِيَ ذلك من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وانظر ابن حبان (١٤٦٤).
(٢) حديث صحيح، وهذا إسناده حسن. ورواه أحمد ١٤٧/٢، والنسائي
٢٠٣/٢ من طريق عبد الرزاق، بهذا الإسناد.
-٢٥٤-

کتاب التفسير - سورة آل عمران
٥٩٢٥- حَدَّثْنَا عبدُ اللهِ بنُ محمدٍ بنِ سعيد بن أبي مريم، حَدَّثَنَا
جدِّي سعيدن حدثني يحيى بنُ أيوب، حدثني محمدُ بن عجلان، عن
نافعٍ، عن ابنِ عمر، قال: كانَ رسول الله عليه السَّلامُ يَدْعُو على رجالٍ
من المشركين، يُسَمِّيهم باسمائِهم حتى أنزلَ الله عليه: ﴿ليسَ لَكَ مِنَ الأمْر
شَيءُ﴾ الآية (١).
٥٩٢٦- حَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، حَدَّثْنَا محمدُ بنُ أبي بكر المقدَّمي،
حَدَّثَنَا سلمةُ بنُ رجاء، حَدَّثَنَا محمدُ بن إسحاق، عن عبدِ الرحمن بنِ
الحارث، عن عبدِ الله بن كعب، عن أبي بكر بن عبد الرحمن (٢) قال:
كانَ النبيُّ عليه السَّلامُ: إذا رَفَعَ رأسَهُ من الركعةِ الآخرةِ، قال: ((اللهم،
ورواه أحمد ١٤٧/٢، والبخاري (٤٠٦٩) و(٤٥٥٩) و(٧٣٤٦)، والنسائي في
التفسير كما في ((التحفة)) ٣٩٥/٥، والبيهقي ١٩٨/٢ و٢٠٧ من طريق عبد الله بن
المبارك، عن معمر، به.
ورواه الطبراني (١٣١١٣) من طريق إسحاق بن راشد، عن الزهري، به.
ورواه البخاري (٤٠٧٠) من طريق حنظلة بن أبي سفيان، عن سالم بن عبد الله
قال: كان رسول الله * يدعو على صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو، والحارث بن
هشام، فنزلت .. فذكر الآية.
(١) إسناده حسن.
ورواه الترمذي (٣٠٠٥) من طريق خالد بن الحارث، عن محمد بن عجلان، بهذا
الإسناد. وقال: هذا حديث حسن غريب صحيح، يُستغرب من هذا الوجه من
حدیث نافع، عن ابن عمر. وانظر البخاري (٤٥٥٩).
(٢) تحرف في الأصل (المخطوط) إلى: عبد الرحمن بن أبي بكر.
- ٢٥٥-

كتاب التفسير - سورة آل عمران
نجِّ الوليدَ بنَ الوليدِ، وسلمةَ بنَ هشامٍ، وعَيَّاشَ بنَ أبي ربيعة،
والمستضعفينَ من المؤمنين، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ على مُضَرَ، واجْعَلْها
عليهم سنينَ كَسِنِي يُوسُفَ، اللَّهُمَّ الْعَنْ لِحيان ورِعْلاً وذَكْوانَ
وعُصَيَّةَ عصتِ الله ورسوله)) فأنزلَ اللهُ: ﴿ليسَ لَكَ مِنَ الأمْرِ شَيءُ﴾ قال:
فما دَعَا رسولُ الله عليه السَّلامُ بِدُعَاءٍ على أحَدٍ (١).
(١) حديث صحيح، وهذا سند ضعيف، فإن أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث
بن هشام المخومي تابعي، فهو مرسل، ومحمد بن إسحاق مدلس وقد عنعن، وهو في
((شرح معاني الآثار) ٢٤٢/١.
وهو في ((جامع البيان)) للطبري (٧٨٢٠) من طريق يزيد، عن محمد بن إسحاق،
بهذا الإسناد إلى قوله فأنزل: وليس لك من الأمر شيء».
قال الحافظ في ((الفتح)) ٢٢٧/٨ تعليقاً على رواية البخاري (٤٥٦٠) من طريق
الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة: حتى أنزل
الله (ليس لك من الأمر شيء) فقال: تقدم استشكاله، في غزوة أحد ٣٦٦/٧، وأن
قصة رعل وذكوان كانت بعد أحد، ونزول (ليس لك من الأمر شيء) كان في
قصة أحد، فكيف يتأخر السبب عن النزول. ثم ظهر لي علة الخبر، وأن فيه إدراجاً،
وأن قوله ((حتى أنزل الله)) منقطع من رواية الزهري، عمن بلغه بين ذلك مسلم
(٦٧٥) في رواية يونس عن الزهري، فقال هنا: قال -يعني الزهري -: ثم بلغنا أنه
ترك ذلك لما نزلت «ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم) وهذا البلاغ لا يصح
لما ذكرته.
ورواه موصولاً البخاري (٨٠٤) عن أبي اليمان، عن شعيب - وهو ابن أبي
حمزة- عن الزهري قال: أخبرني أبو بكر بن عبد الرحمن وأبو سلمة بن عبد الرحمن
عن أبي هريرة قال: كان رسول الله # - حين يرفع رأسَه يقولُ: ((سمع الله لمن حمده،
- ٢٥٦ -

كتاب التفسير - سورة آل عمران
٥٩٢٧- حَدَّثْنَا محمدُ بنُ خُزيمة، حَدَّثْنَا حجاجُ بنُ مِنهال، حَدَّثَنَا
حَمَّدُ بن سلمة، وحَدَّثْنَا عبدُ اللهِ بنُ محمد بن خُشَيْش البَصْرِيُّ أبو
الحسن، حَدَّثْنَا القَعْنِيُّ، حَدَّثَنَا حَمَّاد بنُ سلمة، ثم اجتمعا، فَقَالا: عن
ثابتٍ عن أنّسِ أن رسولَ اللهِ﴿ كُسِرَت رَبَاعِيْتُهُ يوم أُحد، وشُجَّ،
فَجَعَلَ يَسْلُتُ الدمَ عن وجههِ، ويقولُ: ((كيفَ يُفْلِحُ قومٌ شَجُوا وجهَ
نبِّهم، وكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ وهو يدعوهم؟) فأنزلَ الله: ﴿ليسَ لَكَ مِنَ الأمر
شَيءٌ﴾(١).
٥٩٢٨- حَدَّثَنَا أبو شُريح محمدُ بنُ زكريا بنِ يحيى، وابن أبي
مريم، قالا: حَدَّثْنَا الفِريابيُّ، حَدَّثْنَا أبو بكر بن عياش، عن حُميد، عن
أنسٍ قالَ: لما كانَ يَوْمَ أحد، كُسِرَتِ رَبَاعِيَتُهُ، وشُجَّ في وجهِهِ، فقالَ
رسولُ الله ﴿ وهو يمسحُ الدَّمَ عن وجهِهِ: «كيفَ يُفْلِحُ قومٌ خَضْبُوا
ربنا ولك الحمد))- يدعو لرجالٍ فَيُسمِّيهم بأسمائهم، فيقول: ((اللّهم أنجِ الوليد بن
الوليد، وسلمةَ بن هشام، وعياشَ بن أبي ربيعة، والمستضعفين من المؤمنين، اللَّهمَّ
اشْدُدْ وطأتَك على مُضَر، واجعلها عليهم سِنين كسِنِيٍّ يوسف))، وأهل المشرق
يومئذٍ من مضر مخالفون له.
(١) حديث صحيح. رواه في ((شرح معاني الآثار)) ٥٠٢/١ عن عبد الله بن محمد
بن خشيش، بالإسناد الثاني.
ورواه مسلم (١٧٩١)، والبيهقي في ((دلائل النبوة) ٢٦٢/٣، والواحدي في
((أسباب النزول)) ص ١٠٣، من طريق القعني، وابن حبان (٦٥٧٥) من طريق هدية
بن خالد، ررواه أحمد ٢٥٣/٣ و٢٨٨ من طريق عفان، ثلاثتهم عن حماد بن سلمة،
به. وعلقه البخاري ٣٦٥/٧ عن ثابت، عن أنس.
-٢٥٧-

كتاب التفسير - سورة آل عمران
وَجْهَ نبِّهم بالدَّمِ وهو يدعوهم إلى ربِّهم)) فأنزل الله: ﴿ليسَ لَكَ مِنَ الأمْر
شَيءٌ أوَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْيُعَذَّهُم، فإنّ ظَالِمُونَ﴾(١).
فتأمَّلنا هذه الآثار وكشفناها لِنَقِفَ على الأوْلَى منها بما نزلت فيه
هذه الآيةُ من المعنّيين المذكورين فيها، فاحتملَ أن يكون نزولُها في
وقتٍ واحد يُرادُ بها السببان المذكوران في هذه الآثار، فوجدنا ذلك
بعيداً في القلوبِ، لأنَّ غزوةً أُحد كانت في سنةٍ ثلاثٍ، وفتحَ مكة كانَ
في سنةٍ ثمانٍ، ودعاء النبيِّ ﴿ كانَ لمن دَعَا له في صلاِه قبلَ فتحِ مكة،
فبعيدٌ في القلوبِ أن يكونَ السبيان اللّذان قيل: إن هذه الآية نزلتْ في
كل واحد منهما كانَ نزولُها فيهما جميعاً.
واحتملَ أن يكونَ نزولُها كان مرتين: مرةٌ فِي السّببِ الذي ذَكَرَ
عبدُ الله بن عُمر، وعبدُ الرحمن بن أبي بكر: أنَّ نزولَها كانَ فيه، ومرةٌ
في السببِ الذي ذَكَرَ أنسٌ أنَّ نزولَها فيه، فدخلَ على ذلك ما نفاهُ،
لأنه لو كانَ ذلك كذلك لكانت موجودةٌ في القُرآن في موضعينٍ، كما
وُجِدَتِ ﴿يَا أَنِهَا النّبيُّ جَاهِدِ الِكُفَاسَ وَالُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيهِمْ﴾ الآية في
موضعين: أحدُهما في سورة براءة [٧٣]، والآخر في سورة التحريم
[٩]، ولَمَّا لم يكنْ ذلك كذلك في الآيةِ الَتْلُوَّةِ في هذه الآثار، بَطَلَ هذا
(١) رواه الطبري (٧٨٠٨) عن يحيى بن طلحة اليربوعي، عن أبي بكر بن عياش،
به. ورواه أحمد ٩٩/٣ و١٧٨-١٧٩ و٢٠١ و٢٠٦، وابن جرير الطبري (٧٨٠٥)
و(٧٨٠٦) و(٧٨٠٧)، والترمذي (٣٠٠٢) و(٣٠٠٣)، وابن ماجه (٤٠٢٧)،
والواحدي في (أسباب النزول)) ص ٨٠ من طرق عن حميد، به.
- ٢٥٨ -

كتاب التفسير - سورة آل عمران
الاحتمالُ أيضاً.
واحتملَ أن يكونَ نزلتْ قُرآناً لواحدٍ من السببينِ المذكورينِ في
هذه الآثار، والله أعلمُ بذلك السبب أيُّهما هو؟ ثم أُنزلت بعدَ ذلك
للسببِ الآخر، لا على أنَّها قُرآنٌ لاحقٌ لِمَا نَزَلَ فيه من القرآن، ولكن
على إعلامِ اللهِ تعالى نبيَّه عليه السَّلامُ بها أنه ليسَ له من الأمرِ شيء،
وأن الأمورَ إلى اللهِ تعالى وحده، يُتُوبُ على مَنْ يَشاءُ، وَيُعَذِّبُ مَنْ
يشاءُ، ولم نَجِدْ من الاحتمالات لما في هذه الآثار أحسنَ من هذا
الاحتمال، فهو أوْلاَها عندنا بما قيلَ في احتمال نُزول الآية المتُلُوَّةِ فيها
بها، والله نسألُه التوفيقَ.
٨٤٦- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيّ فيما اختلف القراءُ في
قراءتهم إيَّاه من قوله: ﴿وما كان لِنبيّ أن يَغُلَّ﴾ أو يُغَلَّ [آل
عمران: ١٦١]، وفي السبب الذي نَزَلَتْ
٥٩٢٩- حَدَّثْنَا أبو أُمية محمدُ بنُ إبراهيمَ، قال: حَدَّثَنَا معاويةُ بنُ
عمرو الأزديُّ، حَدَّثْنَا أبو إسحاق الفزاريُّ، عن سفيانَ بنِ سعيدٍ، عن
خُصَيفٍ، عن عِكْرِمةً، عن ابنِ عباس، قال: فقدُوا قطيفةٌ حَمْرَاء مما
أُصِيبَ من المشركين يَوْمَ يَدْرٍ، فقالوا: لَعَلَّ رَسُولَ الله :﴿ أخذها،
فنزلت: ﴿وما كان النبيِ أنْ يَعْلَّ وَمَنْ يَغْلََّ يَأْتِ بِمَا عَلَ يَوْمَ القِيَامَةِ﴾ [آل عمران:
١٦١](١).
(١) خصيف سيئ الحفظ. ورواه ابن أبي حاتم في ((تفسيره) (١٧٦٠) من طريق
-٢٥٩-

کتاب التفسير - سورة آل عمران
قال خُصيف، فقلتُ لعكرمة: إن سعيداً يقرأ: (أن يُغَلَّ) قال: بَلَى
ويُقْتَلُ.
وحَدَّثَنَا إسماعيلُ بنُ إسحاق بن سهل الكوفي، حَدَّثْنَا أبو نعيم
الفضلُ بنُ دُكَيْنٍ، حَدَّثْنَا عبدُ السلام بنُ حرب، عن خصيفٍ، قال:
أخبرني مِقْسَمٌ، عن ابنِ عباسٍ، ثم ذكر مثله، غير أنه لم يذكر فيه.
فقلتُ له: إن سعيداً يقرأ (أن يُغَلَّ) إلى آخر الحديث(١).
المسيب بن واضح، عن أبي إسحاق الفزاري، بهذا الإسناد.
ورواه الطبراني (١٢٠٢٩) من طريق عبيد الله بن عبيد الرحمن الأشجعي، عن
سفيان الثوري، به.
ورواه الطبراني (٨١٣٩) من طريق زهير بن معاوية، والطبراني _١٢٠٢٨) من
طريق عبد الواحد بن زياد، وأبو يعلى (٢٤٣٨)، ومن طريقه الواحدي في ((أسباب
النزول)) ص٨٤ من طريق شريك بن عبد الله القاضي، ثلاثتهم عن خصيف، به.
ورواه الطبري (٨١٤٠) من طريق زهير، عن خصيف، عن عكرمة أو غيره، عن
ابن عباس.
ورواه الطبراني (١١١٧٤)، والواحدي في ((أسباب النزول)) ص٨٤، والخطيب في
(تاريخه)) ٣٧٢/١، من طريق مجاهد عن ابن عباس أنه كان ينكر على من يقرأ: (وما
كان لنبي أن يُغل))، ويقول: كيف لا يكون له أن يغل وقد كان له أن يُقتل قال الله
تعالى: (ويقتلون الأنبياء)، ولكن المنافقين اتهموا النبي ﴾ في شيء، فأنزل الله عَزَّ
وجَلَّ: (وما كان لنبي أن يَغُلَّ).
وانظر زاد المسير ٤٩١/١، وحجة القراءات ص ١٧٩.
(١) رواه الترمذي (٣٠٠٩)، وأبو داود (٣٩٧١) من طريق عبد الواحدّ بن
زياد، والطبري في ((تفسيره)) (٣١٣٨) من طريق عتاب بن بشير، عن خصيف، به.
- ٢٦٠ -