Indexed OCR Text

Pages 41-60

كتاب الذكر والدعاء
٥٦٢٦- كما قد حَدَّثْنَا بكارُ بنُ قتيبة، قال: حَدَّثْنَا أبو داود
صاحبُ الطَّيَالِسَةِ، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الرحمن بنُ أبي الزناد، عن أبيه، عن
أبانَ بن عثمان بن عفان، قال: سمعتُ عثمانَ بنَ عفان رَضِيَ الله عنه،
يقولُ: سمعتُ رسولَ اللهِ :﴿ يقول: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَقولُ في صَباحِ كُلِّ
يَوْمِ ومَساءِ كُلَّ لَيْلَةٍ: بسم اللهِ الذي لا يَضُرُّ مَعَ اسِهِ شيءٌ في الأرضِ
ولا في السَّماءِ وهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ثلاثَ مرَّاتٍ فَيضرُّهُ شيءٌ).
قال: وكان ابانَ قد اصابه طَرَفٌ من الفالج، فجعل الرجلُ ينظرُ
إليه، فقال له أبان: لا تَنْظُرْ، أما إنَّ الحديثَ كما حدثْتُك، ولكن لم أقُلْهُ
يومئذٍ، لِيَمْضِيَ قَدَرُ اللهِ عَزَّ وجَلّ(١).
قال أبو جعفر: فتأملنا هذا الحَديثَ، فوجدنا أولى ما حُمِلَ عَلَيْهِ
وصُرِفَ معناه إليه المعنى الذي حملنا عليه الآثار التي رويناها في الباب
الذي قَبْلَ هذا الباب، وكان فيما ذكرنا فيه كفايةٌ لنا عن الكلامِ في
هذا الباب بالمعنى الذي ذكرنا أنه أولى المعاني به، والله عَزَّ وجَلَّ نسأله
التوفيقَ.
(١) حديث حسن، وهو في ((مسند الطيالسي)) (٧٩).
ورواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٦٦٠)، والترمذي (٣٣٨٨)، والنسائي في
((عمل اليوم والليلة)) (٣٤٦)، وابن ماجه (٣٨٦٩) من طريق أبي داود الطيالسي، به.
ورواه أحمد ٦٢/١ ٦٦، والحاكم ٥١٤/١ من طرق عن عبد الرحمن بن أبي
الزناد، به، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وقال الترمذي: هذا حديث حسن
غريب صحيح، وقال الدارقطني في (العلل)) ٩/٣: وهذا متصل وهو أحسنها إسناداً.
- ٤١ -

كتاب الذكر والدعاء
٨٠٢- بابُ بیانِ مُشْكِل مما رُوِيَ عَنَّهُ علیه السَّلامُ أن ابن آدم
خُلِقَ على ثلاث مئة وستين مَفْصِلاً، فإذا كبَّر الله تعالى، وهلَّلَه،
وحَمِدَه، واستغفره، وسبَّحه، وعَزَلَ العَظْمَ، والحَجَرِ، والشَّوْكَ
عن طريق الناس، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر عَدَّ
ذلك ثلاث مئة مَفْصِلِ
٥٦٢٧- حَدَّثْنَا جعفرٌ الفِريابي، حَدَّثَنَا هُدْبَةُ، حَدَّثَنَا أبانُ العطارُ،
حَدَّثَنَا يحيى بنُ أبي كثير أن زيداً حدَّثه - يعني ابنَ سلام- أن أبا سلام
حدَّثه أن عبد الله بن فروخ حدثه -قال أبو جعفر: وهو مولى أبي
طلحة-، أن عائشة حَدَّثته أن رسولَ الله عليه السَّلامُ قال: ((خُلِقَ ابنُ
آدَمَ على ثَلاثٍ مِنَةٍ وَسِتِينَ مَفْصِلاً، فَإِذَا كَبَّرَ اللهَ، وهَلْلَهُ، وحَمِدَ اللهَ،
واسْتَغْفَرَ اللهَ، وسَّحَ اللّهُ، وَعَزَلَ العَظْمَ عَن طَرِيقِ النَّاسِ، والحَجَرَ
والشَّوكَ عَنْ طَرِقِ النَّاسِ، وأَمَرَ بِالَعْرُوفِ وَنَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ عَدَّ ذلِكَ
ثَلاثَ مِئَة))-قال أبو جعفر: وأراه سَقَطَ من الحديث: و((ستين
مفصلاً- أمسی يومئذٍ وقد زحزج نفسه عن النار))(١).
قال أبو جعفر: فتأملنا ذلك لِنقف على المعنى الذي جَعَلَ به
الثوابَ لِكُلِّ مَفْصِل من هذه المفاصلِ، وهل نَجدُ ذلك مثلاً فيما قد
رُوِيَ عنه عليه السَّلامُ فيما سوى هذا الحديث.
(١) إسناده صحيح. ورواه مسلم (١٠٠٧) من طريقين عن زيد بن سلام، بهذا
الإسناد.
- ٤٢ -

كتاب الذكر والدعاء
٥٦٢٨- فوجدنا يونس قد حَدَّثْنَا قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، أخبرنا
ابنُ أبي ذئبٍ، عن الحارث بنِ عبد الرحمان، عن أبي سلمة، عن أبي
هُريرة أن رسولَ الله عليه السَّلامُ قال: «كَتَبَ الله على كُلِّ عُضْوِ حَظْهُ
مِنَ الرِّنِى، فَالعَيْنُ تَزْنِي وزِنَاهَا النَّظَرُ، واللّسَانُ يَزْنِيٍ وَزِنَاه الكَلاَمُ،
والَيَدُ تَزْنِي وَزِنَاهَا الْبَطْشُ، والرِّجْلُ تَزْنِي وَزِنَاهَا الَشْيُ، وَالسَّمْعُ
يَزْنِي وَزِنَاهُ الاسْتِمَاعُ، وَيُصَدِّقُ ذلِكَ الْفَرْجُ أَوْ يُكَذِّبُهُ)(١).
وإذا كانَ ما في هذا الحديث في الأمرِ المذمومِ معموماً به كُلُّ
الأعضاء كان الأمرُ المحمودُ أيضاً معموماً به كُلّ الأعضاء، فاتَّفق بما
ذكرنا معنى هذين الحديثين، وبان به المرادُ فيهما، والله أعلمُ.
ثم وجدنا عن رسولِ الله عليه السَّلامُ حديثاً فيه بيانٌ معنى
الحديث الذي ذكرناه في أول هذا الباب، وهو ما:
٥٦٢٩- حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ عبدِ المؤمن المَرْوَزِي، حَدَّثَنَا عليُّ بِنُ
الحسن بن شقيق، أخبرنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن عبد الله بن بُرَيْدَةَ قال:
سمعتُ أبي يقول: [سَمِعْتُ رسَولَ الله صلَّى الله عليه وسلم يقول:] ((في
الإِنْسَانِ سِتُونَ وَثَلاثُ مِنَةٍ مَفْصِلٍ، فَعَلَيْهِ أنْ يَتَصَدَّقَ عَنْ كُلِّ مَفْصِلِ
مِنْهُ صَدَقَةَ، قَالُوا: ومَنْ يُطِيقُ ذلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قال: «النّخَاعَةُ في
(١) حديث صحيح، وهذا إسناده حسن. ورواه ابن أبي عاصم (١٩٣) عن أبي
بكر بن خلاد، حَدَّثْنَا يحيى بن سعيد، عن ابن أبي ذئب، بهذا الإسناد.
ورواه البخاري (٦٣٤٣) و(٦٦١٢)، ومسلم (٢٦٥٧)، وأحمد ٢٧٦/٢ و٣٤٣
و٣٧٩ و٥٣٦، والحاكم ٤٧٠/٢ من طرق، عن أبي هريرة.
-٤٣ -

كتاب الذكر والدعاء
المَسْجِدِ تَدْفِئُها، أو الشَّيءُ تُتَحِّهِ عَنِ الطّرِيقِ، فإنْ لَم تَقْدِرْ، فَرَكْعَتَا
الضُّحَى تُجْزِتُكَ))(١).
فوقفنا بهذا على أن المرادَ في الحديث الأول هو الصَّدَقَةُ عن كل
مَفْصِلٍ من تلك المفاصلِ المذكورةِ فيه لما ذُكِرَ في هذا الحديثِ الثاني،
والله نسألُه التوفيق.
٨٠٣- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عَنْ رسول عليه السَّلامُ في
اسمِ اللهِ الأعظمِ أيُّ أسمائِه هُوَ
٥٦٣٠- حَدَّثْنَا أبو أمية، حَدَّثْنَا أسودُ بنُ عامرٍ، قال: حَدَّثَنَا
شَرِيكُ بنُ عبدِ الله، عن أبي إسحاق، ومالك بن مِغْول، عن ابْنِ بُريدةً،
عن أبيه: سَمِعَ النِّيُّ عليه السَّلامُ رجلاً يقول: اللَّهُمَّ إِنّي أسْألُكَ بأنّي
أَشْهَدُ أن لا إله إلا أنْتَ الأَحَدُ الصَّمَدُ الذي لم يَلِدْ ولم يُولد ولم يَكُنْ
لَهُ كُفُواْ أحَدٌ، فقال: ((لَقَدْ سَأَلَ اللّهَ عَزَّ وجَلَّ باسْمِهِ الَّذِي إذا دُعِيَ به
أَجَابَ، وإذا سُئِلَ به أعطى))(٢).
(١) إسناده صحيح. ورواه أبو داود (٥٢٤٢)، وأحمد ٣٥٤/٥ و٣٥٩ من طرق
عن حسين بن واقد، بهذا الإسناد. وصححه ابن حبان (١٦٤٣) و(٢٥٤٠).
(٢) حديث صحيح. شريك بن عبد الله: سيئ الحفظ، لكنه توبع. ورواه أبو داود
(١٤٩٣) من طريق يحيى بن سعيد، والترمذي (٣٤٧٥)، وابن ماجه (٣٨٥٧)، وابن
أبي شيبة ٢٧١/١٠، وأحمد ٣٦٠/٥ من طريق وكيع، والبغوي (١٢٥٩) من طرق
عمرو بن مرزوق، ثلاثتهم عن مالك بن مغول، بهذا الإسناد.
- ٤٤-

كتاب الذكر والدعاء
٥٦٣١- حَدَّثْنَا إبراهيم بن أبي داود، حَدَّثَنَا محمدُ بنُ عبد الله بن
نُمَيْرِ الهَمْدَاني قال: حَدَّثَنَا یونُس بن بُکیر، حدثني محمدُ بنُ إسحاق،
حدثني عبدُ العزيز بنُ مسلمٍ، عن إبراهيم بنِ عُبيدِ بنِ رَفاعة، عن أنسِ
قال: مَرَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم بِرَجُلٍ يُصلي، وهو يقولُ: اللَّهُمَّ لَكَ
الحَمْدُ لا إلهَ إلاَّ أنْتَ، يا مَنَّاثُ يا بَدِيعَ السَّماواتِ والأَرْضِ، يا ذا الجلالِ
والإِكْرَامِ، فقالَ رسولُ الله عليه السَّلامُ لِنَفَرِ من أصحابه: (تَدْرُونَ ما
دَعَا الرَّجُلُ؟) قالُوا: الله ورسولُه أعلمُ، قال: «دَعَا رَبَّهُ باسْمِهِ الأعْظَمِ،
الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أجَابَ، وإذا سئل به أعطى).
٥٦٣٣/٥٦٣٢ - حَدَّثْنَا فهد، حَدَّثْنَا سعيد بن منصور، حَدَّثَنَا
خَلَفُ بنُ خليفة، عن حفصِ بنِ عُمَرَ، عن أنسٍ قال: كنتُ قاعداً مع
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في حلقة، فقامَ رَجُلٌ يُصلي، فلما رَكَع،
وسَحَدَ، وقَعَدَ، فتشهد، دعا، فقال: اللَّهُمَّ إنيِّ أسألُكَ بأَنَّ لَكَّ الحمدَ لا
إله إلا أنْتَ بديع السَّمواتِ والأَرْضِ، يا ذا الجلال والإ كرام، يا حيُّ يما
قُّوم، فقال رسولُ الله عليه السَّلامُ: ((أَتَدْرُونَ ما دعَا؟) قالوا: اللهُ
ورسولُه أعلم، قال: «إنّه دعا باسمه العَظِيمِ الذي إذا دُعي به أجابَ،
وإذا سُئِلَ به أعطى))(١).
وقال الترمذي: حسن غريب، وصححه ابن حبان (٨٩١)، والحاكم ٥٠٤/١،
ووافقه الذهبي.
(١) رواه أبو داود (١٤٩٥)، والنسائي ٥٢/٣، وابن حبان (٢٣٨٢)، والحاكم
٥٠٣/١-٥٠٤، والبغوي (١٢٥٨)، والبيهقي في ((الأسماء والصفات)) ص٢٠ من
طرق عن خلف بن خليفة، به.
٣
- ٤٥-

كتاب الذكر والدعاء
قال أبو جعفر: فهذه الآثارُ قد رُوِيتْ عن رسول الله صلَّى الله
علِّيه وسلَّم مُوتَفِقَةً في اسْمِ اللهِ الأعظمِ أنه اللهُ جَلَّ وعَرَّ.
وقد رُوِيّ عن أبي حنيفةً في هذا شيء نحن ذاكروه في هذا
الباب، وهو ما أجاز لنا محمدُ بن أحمد بن العباس الرَّازي، وأعلمنا أنه
سمعه من موسى بن نصر الرازي، وأنَّ موسى بنَ نصر حَدَّثْنَا به عن
هشام بنِ عُبيد الله الرازي قال: حَدَّثَنَا محمد بنُ الحسن، عن أبي حنيفة
قال: اسْمُ الله عَزَّ وجَلَّ الأكبر: هو الله.
قال محمد: لا ترى أن الرحمن اشتُقَّ من الرحمة، والربَّ من
الرُّبوبية، وذكر أشياء نحو هذا، والله غيرُ مشتق من شيء.
قال هشامُ بن عُبيد الله الرازي: فما أدري، أفسر محمد هذا من
قوله أم مِن قول أبي حنيفة.
فقال قائل: فقد رُوِيَ عن رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلّم في غيرِ
هذه الآثار ما يدل على خلاف ما في هذه الآثار، فذكر:
٥٦٣٤- ما قد حَدَّثْنَا محمدُ بن سنان الشیزري، حَدَّثْنَا هشامُ بن
عمار، حَدَّثْنَا الوليدُ بنُ مسلم، حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ العلاء أنه سَمِعَ
القاسم أبا عبد الرَّحمن يُحَدِّثُ، عن أبي أمامة يرفعُه قال: ((اسْمُ اللهِ
الأَعْظَمُ الْذِي إذا دُعِيَ بِهِ أجَابَ في سُوَرِ ثَلاثٍ: البَقَرَةِ، وآل
عِمْرانَ، وطَم)(١).
٥٦٣٦/٥٦٣٥ - حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حَدَّثَنَا أبو
(١) إسناده حسن. القاسم أبو عبد الرحمن -وهو ابن عبد الرحمن -: صدوق.
-٤٦-

كتاب الذكر والدعاء
حفصٍ عمرُو بنُ أبي سَلَمَة الدمشقي، قال: سَمِعْتُ عيسى بن موسى
يقولُ لابنِ زبرٍ: يا أبا زَبْرِ سَمِعْتُ غيلانُ بنَ أنسٍ، قال: سَمِعْتُ القَاسِمَ
أبا عبد الرحمن يُحدِّثُ، عن أبي أُمَامَة، عن النبيِّ عليه السَّلامُ قال: ((إِنَّ
اسْمَ اللهِ الأَعْظَمَ لَفِي ثَلاثِ سُوَرٍ مِن القُرآنِ: الْبَقَرةِ، وآلِ عِمران،
وطق)(١).
قال أبو حفص: فنظرتُ في هذه السور الثلاثِ فرأيتُ فيها أشياء
ليس في القُرآنِ مِثْلُها: آيةُ الكرسي ﴿الهلا إلَهَإلاَّ مُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة:
٢٥٥]، وفي آلِ عِمْرَانَ: ﴿اللهلا إله إلاَّ هُوَ الحَيُّالْقُومُ﴾ [٢]، وفي طه:
﴿ وَنَتِ الْوُجُلِلحَميِّالقَّوْمِ﴾ [١١١].
قال أبو جعفر: وكان جوابُنا له في ذلك بتوفيقِ اللهِ أن ما
استخرجه أبو حفصٍ مِن سورة البقرة فيه: (الله)، والذي استخرجه من
آل عمران كذلك أيضاً فيه: (الله)، فلم يكن ذلك خارجاً مِن الآثار
التي رويناها عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم في هذا الباب، ولا
مخالفاً لِما فيها، وكان ما استخرجه مما في (طه) قد يجوزُ أن يكونَ كما
استخرجه، فثبت بذلك أن اسمَ اللهِ الأعظم هو: الحيُّ القَيُّومُ.
وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ هو ما في (طه) سوى ذلك، وهو قولُ
(الله) فيها: ﴿وَنَ تَّجْهَرِلَوْلِ فَإنّهُيَعْلَمُ السّرَ وَأَخْفَى اللهَ إِلَهَ إلَهُوَ﴾ [طه:
(١) رواه ابن ماجه (٣٨٥٦)، والطبراني (٧٧٥٨)، والبيهقي في («الأسماء
والصفات)) ص١٩ من طريق عمرو بن أبي سلمة، به.
-٤٧-

كتاب الذكر والدعاء
٧] .. الآية، فيرجع ما في طه إلى مثلٍ ما رجع إليه ما في سورة البقرة،
وما في سورة آل عمران أنه الله تعالى.
وقد رُوِيَ عن أسماء بنتِ يزيد الأنصارية، عن النبيِّ عليه السَّلامُ
في ذلك ما يُخَالِفُ الحديثَ الذي استخرج منه أبو حفص ما استخرجَ.
٥٦٣٨/٥٦٣٧- كما حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حَدَّثَنَا مَكيُّ
بنُ إبراهيم، حَدَّثْنَا عُبَيْدُ الله بن أبي زياد، عن شهرِ بنِ حوشبٍ، عن
أسماء بنتِ يزيد أنّها سَمِعَتْ رسولَ الله عليه السَّلامُ يقول: ((إِنَّ في
هَاَتَيْنْ الآيَتَيْنِ اسْمَ اللهِ الأَعْظَمَ)) ﴿وَالْحُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إلَلاَ مُوَ﴾
[البقرة: ١٦٣]، و﴿آم اللها إِشْمَإلاَّ هُوَ الحِيُّ القَيُومُ﴾ [آل عمران: ٢/١](١).
٥٦٤٠/٥٣٦٩- وما قد حَدَّثَنَا أبو أُمَيَّةَ، حَدَّثْنَا أبو عاصمِ
النِّبيل، عن عُبيد الله بن أبي زياد، عن شهرٍ، عن أسماء أن رسولَ الله
#
عليه السَّلامُ مثلَه.
فكان في هذين الحديثينِ موضعُ اسمِ اللهِ مِن سُورةِ الْبَقَرَةِ، وَمِنْ
سُورةٍ آل عمرانَ بما ليس في إحداهما ذكرُ الحي القيوم، وفيهما جميعاً
الله عَزَّ وجَلَّ.
--
فكان في ذلك ما يَجِبُ به أن يُعْقَلَ أنَّ الذي في («سُورة طه)) هو
ذلك أيضاً، لا ما ذكره أبو حفص، وكان فيما ذكرنا ما قد وافقه ما
(١) إسناده ضعيف، ورواه أحمد ٤٦١/٦، وأبو داود (١٤٩٦)، والترمذي
(٣٤٧٨)، وابن أبي شيبة (٩٤١٢)، وابن ماجه (٣٨٥٥)، والبغوي (١٢٦١)،
کلهم من طریق ◌ُبيد الله بن أبي زياد، به.
-٤٨-

كتاب الذكر والدعاء
ذَهَبَ إليه أبو حنيفة.
فكان قولُهم: ((اللَّهُمَّ)، إنما كان الأصل فيه: يا الله، فلما حذفُوا
الياء من أوَّل الحرف زادوا الميم في آخره ليرجع المعنى الذي في يا الله،
وفيما روينا عن رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم تصديقُ بعضه بعضاً،
وانتفى الاختلافُ منه.
٨٠٤- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عَنْ رسول الله علیه السَّلامُ
من دعائه: «اللَّهُمَّ قَوَّ في طاعتِك ضَعْفِي)
٥٦٤١- حَدَّثَنَا أبو أمية، قال حَدَّثْنَا عليُّ بنُ عبدِ الحميد المَعْنِيُّ،
قال: حَدَّثَنَا مِنْدَلُ بنُ علي، عن العلاءِ بنِ الْمُسيَّب، عن أبي داود
الَمْدَانِي، عن بُرَيْدَةً قال: قَالَ لي رَسُولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلّم: ((ألا
أَعَلِّمُكَ كَلِمَاتٍ مَنْ أَرَادَ اللهُ بِهِ خيراً عَلِّمَهُ إِيَّاها، ثُمَّ لَمْ يَنْسَهُنَّ أَبَداً:
اللَّهُمَّ إنِّي ضَعِيفٌ، فَقَوِّ فِي رِضَاكَ ضَعْفِي، وَخُذْ إلى الخَيْرِ بِنَاصِيَتَّى،
واجْعَلِ الإِسْلاَمَ مُنْتَهَى رِضَايَ، اللَّهُمَّ إني ضَعِيفٌ فَقَوِّننٍ، وإنّي
ذَلِيلٌ، فَأَعِزَّنِيٍ، وإِنّي فَقِيرٌ فَأَغْنِ))(١).
(١) إسناده ضعيف جداً. مندل بن علي: ضعيف، وأبو داود الهمداني الأعمى -
واسمه نفيع بن الحارث -: متروك، وكذبه ابن معين.
ورواه الحاكم في «المستدرك)) ٥٢٧/١ من طريق العلاء بن المسيب، به. وقال:
صحيح الإسناد، ورده الذهبي بقوله: أبو داود الأعمى: متروك الحديث.
-٤٩-

كتاب الذكر والدعاء
٥٦٤٢- حَدَّثْنَا محمدُ بنُ علي بنِ داود، حَدَّثْنَا عاصِمُ بنُ علي
بنِ عاصمٍ، حَدَّثْنَا مِنْدِلُ بن علي، حَدَّثْنَا العلاءُ بنُ المسيَّب، عن أبي
داود الهَمْدَاني، عن بُرَيْدَةَ الأسْلَمِيِّ، ثم ذكر مِثْلَه، إلا أنه قال: ثم لم
يَسْأَلْهُنَّ إِيَّه أبداً(١).
فتأملنا ما في هذين الحديثين عن رسول الله عليه السَّلامُ، فوجدنا
الضعفَ لا يكونُ قوةً أبداً، ووجدنا القوةً لا تكونُ ضعفاً أبداً، لأنَّ كُلَّ
واحد منهما ضِدُّ لصاحبه، ولا يكونُ الشيء ضِداً لنفسه أبداً، إنما
يكونُ ضِداً لغيره وكان الضعفُ والقوةُ لا يقومان بأنفسهما إنما يكونان
حالَّينْ في أبدان الحيوان من بني آدَمَ، ومما سواهم، فيعودُ ما يَخُلُّ فيه
الضعفُ منهما ضعيفاً، وما يَحُلُّ فيه القوةُ منهما قوياً.
فعقلنا بذلك أن دعاءه صلَّى الله عليه وسلم اللّهَ عَزَّ وحَلَّ أنْ يجعلَ
ضعفه قوياً، إنما مرادُه فيه - والله أعلم - أن يجعلَ ما فيه الضعفُ منه -
وهو بدنه- قوياً.
فهذا أحسنُ ما وجدناه في تأويل هذا الحديثِ، والله نسألُه
التوفيق.
(١) إسناده تالف، وهو مكرر ما قبله.
- ٥٠-

كتاب الذكر والدعاء
٨٠٥- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عَنْهُ عليه السَّلامُ مِن قوله
للذي حَلَف عنده لخصمه الذي کان خاصمه إليه فیما کان
ادَّعى عليه: «إِمّا إِنَّكَ قد فعلت فادْفَعْ إلیه حَقَّهُ،
وسَتُكَفِّرُ عَنْكَ لا إله إلا اللهُ ما صنعتَ))
٥٦٤٣- حَدَّثْنَا ابنُ مرزوق، حَدَّثْنَا حَبَّان بنُ هلال، حَدَّثَنَا حَمّاد
بن سلمة، حَدَّثَنَا عطاءُ بنُ السائب، عن أبي يحيى، عن ابن عباسٍ، أن
رجلين اختصما إلى النبيِّ عليه السَّلامُ، فسأل رسولُ الله صلَّى الله علَّيه
وسلَّم الطالبَ البَيِّنَة، فلم تكن له بينةٌ، فاستحلف المطلوبَ [فحلف]
باللهِ الذي لا إله إلا هُوَ، فقال رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلّم: ((إنّكَ
قَدْ فَعَلْتَ، وَلَكِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لك بِقَوْلِكَ لا إلهَ إلاّ اللّه)(١).
٥٦٤٤- وحَدَّثْنَا أحمدُ بن شعيب، أخبرنا محمد بنُ إسماعيل بن
سَمُرَةَ الكوفي، عن وكيعٍ، عن سُفيان، عن عطاء بنِ السائب، عن أبي
يحيى، عن ابن عباس، قال: جاء رجلان يختصمان إلى النبي عليه السَّلامُ
في شيء، فقال للمدعي: ((أَقِمِ البَيَّنَةَ) فلم يُقِمْ، فقال للآخَر: ((احْلِفْ)
فحلف بالله الذي لا إله إلا هُوَ، فقال له النبي عليه السَّلامُ: ((ادْفَعُ إِلَيْهِ
حَقَّهُ، وسَتُكَفِّرُ عَنْكَ لا إله إلاّ الله مَا صَنَعْتَ).
ففي هذا الحديثِ أن لا إله إلا الله قد غَفَرَ بها للحالف بها يمينه
على ما قد كان في الحقيقة بخلافٍ ما حلَفَ بها عليه.
(١) تقدم تخريجه في كتاب الأيمان والنذور.
- ٥١ -

كتاب الذكر والدعاء
فقال قائل: فكيف تقبلون هذا عن رسول الله عليه السَّلامُ، وقد
رویتم عنه، فذکر:
ما حَدَّثْنَا المزنيُّ، حَدَّثَنَا الشافعيُّ، عن سفيانَ، عن جامعٍ، وعبدٍ
الَذِكِ، سمعا أبا وائلٍ يُخبر، عن ابنِ مسعودٍ، قال: سمعتُ رسولَ الله
صلَّى الله عليه وسلّم يقولُ: (مَنْ حَلَفَ على يَمِينِ لِيَقْتَطْعَ بِهَا مَالَ
امرئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ الله تعالى، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ) ثم قرأ علينا النبيُّ
صلّى الله عليه وسلّم مِن كتاب الله ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونِ بِعَهْدِ اللّهِمَاِ مْ تَأْ
قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧] الآية(١).
٥٦٤٥- وما قد حَدَّثْنَا محمدُ بنُ إبراهيم بن يحيى بن جَنَّاد،
حَدَّثْنَا سهلُ بنُ بَكَّارٍ، حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ إبراهيم، حَدَّثْنَا حُمَيْدُ بن هلال،
عن أبي الأحوص، عن ابنِ مسعود، عن النبيِّ عليه السَّلامُ قال: ((مَنْ
حَلَفَ عَلَى يَمِينِ لِيَقْتَطِعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ الله عَزَّ وجَلَّ، وهُوَ
عَلَيْهِ غَضْبَانُ)(٢).
(١) إسناده صحيح. وهو في ((مسند الشافعي)) ٥١/٢. ورواه البخاري (٢٣٥٦)
و (٢٤١٦) و(٢٦٦٦) و(٢٦٦٩) و(٢٦٧٣) و(٢٦٧٦) و(٤٥٤٩) و(٦٦٥٩)
و(٦٦٧٦) و(٧١٨٣) و(٧٤٤٥)، ومسلم (١٣٨)، وأبو داود (٤٢٤٣)، والترمذي
(١٢٦٩)، وابن ماجه (٢٣٢٣)، وأحمد ٣٧٧/١ و٣٧٩ و٤٢٦ و٤٤٢ و٤٦٠،
والبغوي (٢٥٠٠) من طرق عن أبي وائل، به. وقد تقدم في الأيمان والنذور.
(٢) إسناده صحيح. ورواه النسائي في ((الكيرى) كما في ((التحفة) ١٢٢/٧ من
طريق سهل بن بكار، عن يزيد بن إبراهيم التَّسْتَرِي، عن أيوب، عن حُميد بن هلال،
بهذا الإسناد.
-٥٢-

كتاب الذكر والدعاء
٥٦٤٦- وما قد حَدَّثْنَا ابنُ مرزوق، حَدَّثْنَا عُمَرُ بن يونس
اليمامي، حَدَّثْنَا عكرمةُ بنُ عمار، حدثني طارقُ بن عبد الرحمن، قال:
سمعتُ عبد الله بن كعب بن مالك - وأبوه كعب، أحد الثلاثة الذين
تخلَّفوا- قال: حدثني أبو أمامة، وهو متسْنِدٌ ظهرَهُ إلى هذه السارية
الساريةٍ من سواريمسجدِ الرسولِ عليه السَّلامُ، قال: كُنْتُ أنا، وأبوك
كعبُ بن مالك، وأخوك محمدُ بنُ كعب قُعوداً عند هذه السارِيَةِ، ونحن
نَذْكُرُ الرجلَ يَحْلِفُ على مالِ الرجل، فَيَقْتَطِعُهُ بيمينه كاذباً، فقال
رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم عند ذلك: (أَيُّمَا رَجُلٍ حَلَفَ على مَالِ
رَجُلٍ كَاذِباً فَاقْتَطَعَهُ بِيَمِينِهِ، فَقَدْ بَرِنَتْ مِنْهُ الْجَنَّةُ، وَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ)).
فقال أخوك محمد بن كعب: يا رسول الله، وإن كان قليلاً؟ قال: فَقَلَّبَ
سِوَاكاً بَيْنَ أَصْبُعَيْهِ، فَقَالَ: ((وَإِنْ كَانَ سِوَاكاً مِنْ أَرَاكٍ، أَوْ وَإِنْ كَانَ
عُوداً مِنْ أَرَاكٍ)).
٥٦٤٧- وما قد حَدَّثَنَا أبو أُمية، حَدَّثَنَا عُمَرُ بن يونس، حَدَّثْنَا
عِكرمة، حدثني طارق، قال: سمعتُ عبدَ الله بن كعب بن مالكٍ، قال:
حدثني أبو أمامة، قال: قال رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم في الذي
يَحْلِفُ على مالِ آخرَ، فَيَقْتَطِعُهُ بِيمينه: (قَدْ وَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، وَبَرِثَتْ
مِنْهُ الجَنَّةُ)).
٥٦٤٨- وما حَدَّثْنَا فهدٌ، حَدَّثَنَا عُمَرُ بنُ عبد الوهَّابِ الرّياحي،
حَدَّثَا يزيدُ بن زُريع، حَدَّتْنَا روحُ بنُ القاسم، عن إسماعيل بن أُمَيَّةً، عن
عُمَرَ بنِ عطاء بن أبي الخُوَارِ، عن عُبَيْدِ بن جُرِيحٍ، عن الحارثِ بن
البَرْصاء، قال: سمعتُ رسولَ الله عليه السَّلامُ، وهو يَقُولُ، وهُوَ يَمْشِي
- ٥٣-

كتاب الذكر والدعاء
بَيْنَ جِمرَتَينْ من الجمَارِ: (مَنْ أَخَذَ شَيْئًا مِنْ مَالِ أَخِيهِ بِيَمِينِ فَاجِرَةٍ،
فَلَْوَّأَ بَيَْاً في النَّاسِ)(١).
٥٦٤٩- وما حَدَّثَنَا ابنُ خُزيمة، حَدَّثَنَا الرماديُّ إبراهيمُ بنُ بشارِ،
حَدَّثْنَا ابْنُ عُبَيْنَةً، عن إسماعيل بنِ أُمية، عن [ابن أبي] الخُوَارِ عن عُبيد
ابن ◌ُریج.
عن [الحارث بن] مالِكِ البَرَصاء أن النبي عليه السَّلامُ قال: «مَنِ
اقْتَطَعَ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِ كَاذِبَةٍ، لَقِيَ اللهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَائُ)).
٥٦٥٠- حَدَّثَنَا المزنيُّ، حَدَّثَنَا الشافعيُّ، عن مالكٍ، عن العلاء
بنِ عبد الرحمن، عن معبدِ بنِ كعبٍ، عن أخيه عبدِ الله، عن أبي أمامة
أن رسولَ اللهِ عليه السَّلامُ قال: ((مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ حَرَّمَ الله
عَلَيْهِ الْجَنّةَ، وَأَوْجَبَ لَهُ النَّارَ)، قالُوا: وإنْ كان شيئاً يسِيراً يا رسولَ
الله؟ قال: (وَإِنْ كَانَ قَضِيباً مِنْ أَرَاكٍ)) قالها ثلاثاً(٢).
٥٦٥١- وما قد حَدَّثْنَا محمدُ بن إبراهيم بن جناد، حَدَّثْنَا إبراهيمُ
بنُ بشَّار، حَدَّثْنَا سفيان، عن محمد بن إسحاق، عن معبد بن كعب،
(١) تقدم في كتاب الأيمان والنذور.
(٢) إسناده صحيح. وهو في ((مسند الشافعي)) ٥١/٢ عن مالك، وهو في ((الموطأ)
٧٢٧/٢. ورواه مسلم (١٣٧)، والنسائي ٢٤٦/٨، والدارمي /٢٦٦، وأحمد
٢٦٠/٥ من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، بهذا الإسناد.
ورواه مسلم (١٣٧)، وابن ماجه (٢٣٢٤)، والدولابي في «الكنى)) ١٢/١ من
طريق الوليد بن كثير، عن محمد بن كعب أنه سمع أخاه عبد الله بن كعب أن أبا أمامة
الحارثي حدثه أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقول ...
- ٥٤-

کتاب الذكر والدعاء
عن أبيه، أو عن عمّه - شَكَّ سفيانُ - أن النبيَّ عليه السَّلامُ قال: «مَنِ
اقْتَطَعَ مَالَ امرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِ كَاذِبَةٍ لَقِيَ اللهَ، وهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ،
وَهُوَ لَهُ مَاقِتٌ)، قالوا: يا رسولَ الله وإنْ كان شيئاً يسيراً؟ قال: ((وإن
كانَ سِوَاكاً مِنْ أَرَاكٍ)).
فقال هذا القائل: ففي هذه الاثار مِن وعيد الله تعالى مَنْ حَلَفَ
على يمين كاذبةٍ ليقتطِعَ بها مالَ امرئ مسلم ما فيها، والحالف بها، فقد
وَخَّدَ اللهَ في حَلِفِهِ بها، ونفى أن يكونَ إله غيره فلم يرفع ذلك الوعيدُ
عندَ المذكورِ ذلك الوعيدَ فيها، وقد تقدَّم ذلك وعيد الله إيَّاه في كتابه
بقوله: ﴿إِنَّ الذِينَ يَشْتَرُون بَعَهْدِ اللهِ﴾ الآية، فكيفَ يَجُوزُ أن تقبلوا عن
رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم ما في حديثِ ابنِ عباس، يعني الذي
رويناه في صدر هذا الباب، هذه الأحاديث التي ذكرها هذا، وكل
صنفٍ مِن ذلك الحديث، ومِن هذه الأحاديث ضِدٌّ للصنفِ الآخرِ.
فكان جوابُنا له بتوفيق اللهِ أن حديثَ ابنِ عباس الذي بدأنا
بذكره في هذا البابِ غَيْرُ مضادٍ للأحاديثِ التي عارَضَنَا بها، وذلك أن
الحديثَ الأُول إنما فيه أنَّ رجلين اختصما في شيءٍ، فَدَعًا المدَّعي بالبينة،
فلم يأتِ بها، فاستحلف المُدَّعَى عَلَيْهِ فَحْلَفَ.
وقَدْ يحتملُ أن يكونَ حلف على ما قد كان عندَهُ، كما قد
حَلَفَ عليه، لأنه ذهب عنه ما قد كان تقدَّم منه فيه، وما في الحقيقة
على غيرِ ما كانت يمينُه عليه، ثم أعلمه رسول الله 8#: أنه قد كان منه
غير ما حلف عليه، وأن الذي كان في الحقيقة مما حلّفَ عليه خلاف ما
حَلَفَ علیه، وأمره بدفع حقٌّ خصمه إلى خصمه، ثم أعلمه أنه یکفر
- ٥٥-

كتاب الذكر والدعاء
عنه ما كان منه مِنَ الحَلِفِ بتوحيدِ الله تعالى.
فقال هذا المُعَارِضُ: وكيف يكونُ ما ذكرتم كما وَصَفْتُمْ مِن
احتمال ما في حديثِ ابنِ عباس هذا من حَلِفِ هذا المدَّعى عليه على ما
حَلَفَ عليه مما هَو في الحقيقة بخلاف ذلك، ومما هو نَاسٍ له.
وقد رَوَيْتُمْ فيه أن رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلّم قد اخبره أنه
يكفر عنه ما كان مِنْهُ مِن يمينه التي حَلَفَ عليها في ذلك، والكفارةُ إنما
تَكُونُ لِيكفر بها عمن يُكفر بها عنه ما قد كان منه مِن معاصي اللهِ
تعالى، والخروج من طاعاته إلى أضدادها لا بما سوى ذلك، والحالفُ
على النسيان فخارجٌ مِن هذا المعنى لا شَكَّ، لأَنَّه لم يَعْمَدْ حَلِفاً على ما
لا يحل له الحَلِفُ عليه.
فكان جوابُنا له في ذلك أن الكفارات قد تجب في الأشياء التي لا
آثام فيها على مَنْ كانت منه، مِن ذلك قولُ اللهِ في كتابه: ﴿وَمَنْ قَتَلَ
مُؤْمِناً خَطَأَ﴾ إلى قوله: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللهِ﴾ الآية [النساء: ٩٢]، ولم يكن ذلك
لأنه كان بقتله آئماً.
ومثل ذلك ما رُوِيَ عن رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فيمن
نَسِيَ صلاةٌ أو نام عنها:
٥٦٥٢- كما قد حَدَّثْنَا عليُّ بنُ معبدٍ، حَدَّثْنَا عَبْدُ الوهَّاب بنُ
عطاء، أخبرنا ابنُ أبي عَرُوبَةَ، عن قتادة، عن أَنَس أن النبيَّ عليه السَّلامُ
قال: ((مَنْ نَسِيَ صَلاةٌ أَوْ نامَ عَنْهَا، فَإِنَّ كَفَّارَتَها أنْ يُصَلِّيَهَا إِذَا
-٥٦-

كتاب الذكر والدعاء
ذَكَرَها»(١).
٥٦٥٣- وكما قد حَدَّثْنَا فهد، وأحمدُ بنُ داود قالا: حَدَّثْنَا أبو
الوليد، حَدَّثْنَا هَمَّامٍ، عن قتادة، عن أنس أنَّ رسولَ الله عليه السَّلامُ،
قال: ((مَنْ نَسِيَ صَلاَةٌ فَلْيُصَلّها إذَا ذَكَرَها).
وفي حديثِ أحمد خاصة، قال همَّم: ثم سَمِعْتُ قتادةَ يُحدث به
من بعد ذلك، فقال: ﴿أَقِمِ الصَّلاةِلذِڪري) وفي حديث فهد ((لاَ
كَفَّارَةَ لَهَا إِلَى ذَلِكَ)).
فكان ما في هذا الحديث أن ما قد أُمِرَ به الناسي للصلاة، والنائم
عنها كفارةٌ لهما مما ذكرنا عنهما فيه، وقد كانا قبل مأتُومِينَ.
وقبلَ ذلك ما في الآية التي تَلَوْنَا في القاتل خطأً، مما قد جَعَل عليه
فيها مِن الكفارة، وإخبار الله عنها أن ذلك توبةٌ مِن الله، يعني عن
القاتل.
وفيما ذكرنا من هذا ما قد دَلَّ على أن الكفارات قد تَجبُ مع
ارتفاع الآثام.
فمثل ذلك ما رويناه عن ابنِ عباس في أوَّل هذا الباب، وما كان
(١) إسناده صحيح. ورواه البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤)، وأبو داود
(٤٤٢)، والترمذي (١٧٨)، وابن ماجه (٦٩٦)، والنسائي ٢٩٣/١، والدارمي
٢٨٠/١، وأبو عوانة ٢٦٠/٢-٢٦١، وأحمد ١٠٠/٣ و٢١٦ و٢٤٣ و٢٦٧
و٢٦٩ و٢٨٢، والبيهقي ٢١٨/٢، والبغوي (٣٩٣) و(٣٩٤) و(٣٩٥) من طرق
عن قتادة، به.
-٥٧-

كتاب الذكر والدعاء
من الحالِفَ الذي كان فيه غيرَ مأثوم، وكان الذي كان منه مِن توحيده
الله تعالى، ومِن تفيه أن يكونَ إله سواه، كفارة عما حلف عليه،
وكيف يُظَنُّ برسول الله صلَّى الله عليه وسلم أن يَقِفَ من رجل على
كبيرة مِن الكبائر التي قد وعَدَ الله تعالى عليها النار، ثم لا يأمُرُهُ بالتوبة
إلى الله منها، والعمل بَعْدَهَا بما عسى أن يستنقذه الله به من النار؟
وفيما ذكرنا من هذا دليل وَاضِحٌ أن الحَلِفَ الذي كان مِن ذلك
الحالف على ما وصفنا مِن ذهابٍ ما حلف عليه أنه لم يفعله مما قد كان
فعله عنه، وأن الأحاديثَ الآخَرَ المذكورة فيها الوعيدُ الموافق للوعيدِ
المذكور في كتاب الله هو على من حَلَف كاذباً قاصداً بيمينه إلى
اقتطاع ما حَلَفَ عليه.
فقد بانَ بحمدِ اللهِ أن كُلَّ صنفٍ من هذين الصنفين من الآثار التي
ذكرناها في هذا الباب عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مُنْصَرِفٌ إلى
معنى غيرِ المعنى الذي يَنْصَرِفُ إليه الصِّنْفُ الآخَرُ منهما غَيْرُ مُخَالِفٍ
له.
وقد رُوِيَ عن ابنِ عمر، عن رسولِ الله عليه السَّلامُ مما يَدْخُلُ في
هذا المعنى:
٥٦٥٤- ما حَدَّثَنَا يزيد بنُ سِنان، حَدَّثْنَا موسى بن إسماعيل،
حَدَّثَنَا حمادُ بن سلمة، عن ثابت، عن ابنِ عُمَرَ، أن رسولَ الله عليه
السَّلامُ، قال الرجل: ((أَيْ فُلاَثُ، أَفَعَلْتَ كَذَا وَكَذَا؟)) قال: لا والذي لا
إله إلا هُوَ ما فَعَلَّتُهُ، فجاءه جبريلُ عليه السَّلامُ، فقال: ((قد فَعَلَ، ولكن
الله قَدْ غَفَرَ له بالإخلاص قول لا إله إلاَّ الله).
-٥٨-

كتاب الذكر والدعاء
فهذا محتمل أن يكون حَلِفُه على أن الأمر كان عنده کما حَلَفَ
عليه، وذهب عنه أنه قد كان فَعَلَهُ، وقد فَعَلَهُ في الحقيقة فرفع الله تعالى
عنه الإِثمَ في ذلك، فلم يُعَاقِبْهُ عليه، وجعل توحيدَه إياه وإخلاصَه له
كفارةٌ لما هو في الحقيقة محظورٌ عليه، والله نسألُهُ التوفيق.
٨٠٦- بابُ بیانِ مُشکل ما في كتاب الله تعالی مما ذکر
الرحمة بالريح وبالرِّياح مما قد رُوِيّ عن رسول الله علیه
السَّلامُ مما يدل على الأولى في ذلك من تَيْنِكَ القراءتين
حَدَّثْنَا عليُّ بنُ عبد العزيز، حَدَّثَنَا أبو عُبيد قال: القراءةُ التي
نَتْبِعُهَا في الريح والرياح أن ما كان منها من الرحمة، فإنّه جَمَاعٌ، وما
كان منها من العَذابِ، فإنه على واحدة. قال: والأُصلُ الذي اعتبرنا به
هذه القراءة حديثُ النِيِ ﴿ أنه كان إذا هاجتِ الريحُ، قال: «اللَّهُمَّ
اجعلها رِياحاً، ولا تجعلها ريحاً)(١)، فكان ما حكاه أبو عُبيد من هذا
عن رسول الله :﴿ قَمّا لا أصلَ له، وقد كان الأولى به لِجلالة قدره،
ولِصدقه في روايته غيرَ هذا الحديثِ، أن لا يُضِيفَ إلى رسول الله مُ﴿ ما
لا يَعْرِفُهُ أهلُ العلم بالحديثِ عنه.
ثم اعتبرنا ما في كتاب الله مما يدل على الوجه في هذا المعنى،
(١) ضعيف جداً، ورواه أبو يعلى (٢٤٥٦) وغيره من حديث ابن عباس، وفي
سنده حسين بن قيس الرحبي، وهو متروك.
- ٥٩-

كتاب الذكر والدعاء
فوجدنا الله قد قال في كتابه: ﴿هَوَلَّذِي يُسَبِّرُكُم ◌ِ البَرِ والبَخْرِ حَتَّى
إذا كُنتُمْ فِ الفُلْكِ وَجَرَيْنَبِهِمْ بِرِيحٍ ◌َِةٍ وَفَرِ هوابها جَاء ◌ُها رِيحٌ عَاصِفٍ
وبَجَاءَهُمُ المَوْجُ مِنْ كُلِ مَكَانٍ﴾ [يونس: ٢٢] وكانت الريحُ الطيبةُ من
الله رحمةٌ، والريحُ العاصفِ منه عَزَّ وجَلَّ عذاباً، ففي ذلك ما قد دَلَّ
على انتفاء ما رواه أبو عُبَيْدٍ مما ذكرناه عنه والله يَغْفِرُ له.
ثم اعتبرنا ما يُرْوى عن النبيِّ عليه السَّلامُ مما يدخل في هذا المعنى.
٥٦٥٥- فوجدنا أبا أمية قد حَدَّثَنَا قال: حَدَّثَنَا عليٌّ بنُ المديني.
ووجدنا أحمدُ بنُ شعيب قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثْنَا إسحاقُ بنُ
إبراهيمٍ بن حبيب بن الشهيد، قالا: حَدَّثَنَا محمدُ بنُ فُضِيلِ، حَدَّثْنَا
الأعمشُ، عن حبيب بن أبي ثابتٍ، عن ذر، عن سعيد بن عبد الرحمن
ابن أبزى، عن أبيه، عن أُبيِّ بنِ كعب قال: قال رسولُ اللهِ ﴿: (لا
تَسُبُّوا الرِّيحَ إذا رأيتُم منها ما تكرَهُونَ، قولُوا: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسألُكَ مِنْ
خَيْرِ هذه الرِّيحِ، وخيرِ ما فيها، وخيرٍ ما أُمِرَتْ به، ونعوذُ بك من
شَرِّ هذه الريح، وشرِّ ما فيها، وشرٍّ ما أمرت ب)(١).
٥٦٥٦- ووجدنا أحمدَ بنَ شعيب قد حَدَّثْنَا قال: حَدَّثْنَا إسحاقُ
(١) الحديث في «عمل اليوم والليلة» للنسائي (٩٣٤).
وروه الترمذي (٢٢٥٢)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٢٩٩) من طريق
إسحاق بن إبرهيم، به. ورواه أحمد ١٢٣/٥، والنسائي (٩٣٤) من طريقين عن
محمد بن فضيل، به. وانظر (٩١٩) و(٩٢٥).
- ٦٠ -