Indexed OCR Text

Pages 21-40

كتاب الذكر والدعاء
الاختلافُ.
فقيل له: وهل دخلَ ما يجبُ به صحَّةُ ما روى ابنُ المبارك
وسقوطُ ما روى غيرُه، لئن كان ابنُ المبارك في إيقافِهِ إياه على عمر
حجةً، كان الليثُ وعبدُ الله بنُ وهبٍ، وأبو صفوانَ أحْرَى أن يكونوا
في رفعهِ حُجَّةً، لا سيما وهم ثلاثةٌ رووه عن يونسَ مرفوعاً، وثلاثةٌ
أولى بالحفظِ من واحدٍ.
فقال: فقد رواهُ معمرٌ، عن الزهريِّ فأوقفهُ أيضاً على عمر.
٥٥٩٣- وذكر ما قد حَدَّثْنَا أحمد بنُ شعيب، قال: أخبرنا محمد
بنُ رافعٍ، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الزراقِ، عن معمر، عن الزهري، عن عروةً
بنِ الزبير، عن عبد الرحمن بنِ عبدٍ القاريّ، أن ابن الخطاب رضي الله
عنه قالَ : ... فذكر نحوه، ولم يرفَعْهُ إلى النبيّ (١).
قال: فهذا ثَبَّتَ لابنِ المبارك إيقافَ هذا الحديثِ.
فقيل له: إن معمراً -وإنْ كانَ قد أوقفَهُ على عمر رضي الله
عنه - فقد رفعَه عن عمر إلى النِيِّلَ﴿ْ عُقَيلُ بنُ خالدٍ.
٥٥٩٤ - كما حَدَّثَنَا محمد بن عُزَيزِ الأَيْلِيُّ، قال: أخبرنا سلامَةُ
بنُ رَوْحٍ، عن عُقيل بن خالد، قال: قال ابنُ شهاب: أخبرني السائب
(١) إسناده صحيح، وهو عند النسائي ٢٥٩/٣- ٢٦٠، وعبد الرزاق (٤٧٤٨).
ورواه مالك ٢٠٠/١، ومن طريقه النسائي ٢٦٠/٣، والبيهقي ٤٨٤/٢ و ٤٨٥
عن داود بن الحصين، عن الأعرج، عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري، أن عمر بن
الخطاب قال: من قاته حزبه من اللّيل، فقرأه حين تَزولُ الشمسُ إلى صلاة الظهر، فإنه
لم يفته، أو كأنه أدر كه.
- ٢١ -

كتاب الذكر والدعاء
بنُ يزيد ابن أخت نَمِرٍ، وعبيدُ الله بنُ عبد الله، عن عبد الرحمن بنِ
عبدٍ، قال: سمعتُ عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقولُ: قال رسولُ الله
48*، ثم ذكر مثله سواء.
فعادَ هذا الحديثُ مرفوعاً إلى رسول الله ﴿ٌ من حديث عقيل بنِ
خالد، وفي أحاديث الأكثرِ عن يونس بن يزيد وكان الذي يخالفهما في
رفعِهِ ويوقفُه على عمر واحدٌ وهو معمرٌ، واثنان بالحفظِ أولَى من
واحدٍ، لا سيما وكلُّ واحدٍ منهما لو رَوى حديثاً فتفرَّد بروايتِهِ كان
مقبولاً منه، وإذا كانَ ذلك كذلكَ، فزادا في حديثٍ زيادةً من رفعٍ له
على غيرهما، وجَبَتْ أن تكونَ تلك الزيادةُ مقبولةً منهما، والذي يُرادُ
من هذا الحديثِ ما يجبُ علينا تِبْيَانُه في هذا البابِ، وذلك أن قيامَ الليلِ
قد كان فرضاً على رسولِ اللهِ فَ﴿ وعلى المسلمينَ بقولِ الله عَزَّ وجَلَّ:
﴿يَاأَ المُرَّلُ قُمِ الليِلَّقَلِلاَنِصْفَهُ أَوَانْقُص مِنْهُ قَلِلاً ومِدْ عَلَيْهِ ومِقْلِ القُرْآنَ
ترتيلاً﴾ [المزمل: ١- ٤]، قال عَزَّ وجَلَّ: ﴿إِنَّ رَكَ بَعْلَمُ أَنْكَ تَقُومُ أَذْنى من
تْلَِ الَّيلِ وِنِصْفَهُ وُلَكُ وطَاِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ سَمَكَ﴾ [المزمل: ٢٠]، فكان هذا هو
فرضهم فيه، ثم نسخ الله عَزَّ وجَلَّ ذلك بقولِه عَزَّ وجَلَّ: ﴿عَلِمَ أنْ لَنْ
تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠] فكانت توبتهُ عَزَّ وجَلَّ عليهم في
ذلك رفع ذلك المفروض عليهم عنه.
ورُويَ في ذلك:
٥٥٩٥- ما قَدْ حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثْنَا عمرو بن
أبي رَزِينٍ، عن هشام - يعني الدَّسْتُوائي- عن قتادةً، عن زرارةَ بنِ
-٢٢ -

كتاب الذكر والدعاء
أَوْفَى، أنَّ سعد بن هشام سألَ عائشةَ، فقال: يا أمَّ المؤمنينَ، أخبرينا عن
قيامِ رسولِ اللهِ ﴿ل. قالتْ: أَسْتَ تقرأُ ﴿َ أَنِها الْمُرَمَلُ﴾ قال: قلتُ: بَلَى.
قالت: فإنّه أنزل أوَّل السورةِ، فقامَ رسولُ اللهِلَّ وأصحابُه حَتَّى
انتفخَتْ أقدامُهم وحُبِسَتْ خَاتِمَتُها اثْنَى عشَرَ شهراً في السماءِ، ثم
نزلتِ الرخصةُ فكان قيامُ الليلِ تطوُّعاً بَعْدَ فريضةٍ(١).
قال أبو جعفر: ثم قال عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَاقْرَؤُوا مَا نَسََّ مِنَ القُرآنِ)
[المزمل: ٢٠] فكان ذلكَ عندنا - والله أعلم- على أنه عَزَّ وخَلَّ لم
يُخْلِهِمْ من الحضِّ على الأخذِ بحظٌ من قيامِ الليلِ لفضلِهِ، ولما يُنالُ به
من الثوابِ منه عَزَّ وجَلَّ، وبَيَّنَ عَزَّ وجَلَّ في ارتفاع فَرْضِهِ عنهم ذلك
في آية أُخرى، وهو قولُه عَزَّ وحَلَّ لنبيِّهِ بَ﴾: ﴿وَمِنَ الَيِلِ فَتَهَجَّدْ بِهِنَا فِلَةٌ لَكَ
عَسَى أنْ يَبْعَنَكَ مِرْتُكَ مَقَامَا مَحْمُوداً﴾ [الإسراء: ٧٩] وذلك أجَلُّ ثَوابٍ،
وإذا كان قِيَامُ الليل لَهُ ﴿ُ نافلةٌ، كان لأُمَّته أحْرَى أنْ يكون كذلك.
ولما ردَّ الله عَزَّ وجَلَّ ما حَضَّ عليه من قيامِ الليلِ إلى ما رَدَّهُ إليه،
زادَ نبَّهِ مَ﴿ٌ وأمَّتَه في السَّعَةِ في ذلك، إذ كان قد يجوزُ أن يَقْطَعَهُمْ عن
(١) حديثٌ صحيح. عمرو بن محمد بن أبي رزين الخزاعي توبع.
ورواه عبد الرزاق (٤٧١٤)، وأحمد ٥٣/٦-٥٤، ومسلم (٥٧٤٦)، وأبو داود
(١٣٤٢) و(١٣٤٣) و(١٣٤٤) و(١٣٤٥)، والنسائي ١٩٩/٣، والدارميّ
٣٤٤/١-٣٤٦، وأبو عوانة ٣٢١/٢-٣٢٢ و٣٢٣-٣٢٥، وابن خزيمة (١٠٧٨)
و(١١٢٧) و(١١٧٠)، وابن حبان (٢٥٥١)، والبيهقي ٤٩٩/٢ -٥٠٠ من طرق
عن قتادة، بهذا الإسناد.
-٢٣ -

کتاب الذكر والدعاء
ذلك مرضٌ أو سفرٌ أو ما سواهما مما يقطعُ عن مثل ذلك طائفة من
النهار، فجعلَ القراءة فيها كالقراءةِ في الليلِ امتناناً منه عليهم، ورحمةً
منه لهم، وزيادة منه إيَّاهم إلى ما يُوصِلُهم إلى وعدِهِ المحمودِ لهم، وإلى
ما يُؤتيهم من الثوابِ. والله نسأله التوفيقَ.
٧٩٩- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوي عن رسول الله ﴾ من قولٍ
أيوب نبي الله عليه السَّلامُ: تعلم أنِّي كُنْتُ أمُرُّ على الرجلين
يتنازعان، فيذكران الله عَزَّ وجَلَّ، فأرجع إلى بيتي، فأُكَفُر
عنهما کراهة أن یذکرا الله إلا في حق
٥٥٩٦- حَدَّثْنَا يونس، أخبرنا ابنُ وهب، أخبرني نافع بنُ يزيد،
عن عُقَيْلِ بنِ خالد، عن ابنِ شهاب، عن أنس بنِ مالكٍ أن رسولَ الله
﴿* قال: (إنَّ نبيَّ اللهِ أيوبَ عليه السَّلامُ لَبِثَ به بلاؤهُ ثَمانَ عشرةَ
سنةً، فرفضه القريبُ والبعيدُ إلا رجلين من إخوانه كانا مِن أخصِّ
إخوانِه، كانا يغدوان إليه ويروحان، فقال أحدهما لِصاحبه: تعلّمُ
واللهِ، لقد أذنب أيوبُ ذنباً ما أذْتَبَهُ أحدٌ مِن العالَمِينَ، فقال له
صاحبُه: وما ذاك؟ قال: مِن ثَمان عشرة سنةٌ لم يَرْحَمْهُ الله، فيكشف
ما به، فلما راحا إليه، لم يَصْبِرِ الرجلُ حتى ذكر ذلك له، فقال
أيوبُ صلواتُ الله عليه: لا أدري ما تَقُولُ غيرَ أن الله قد رآني كُنْتُ
أمرُّ على الرجلين يتنازعَان، فيذكران الله تعالى، فأرجع إلى بيتي،
فأُكَفِّرُ عنهما كراهيةً أن يذكرا الله إلا في حَقِّ، و کان یَخْرُجُ في
حاجته، فإذا قضاها، أمسكت امرأتُه بيده حتى يَبْلُغَ، فلما كان ذات
- ٢٤-

كتاب الذكر والدعاء
يوم أبطأ عليها، فأوحى الله تعالى إلى أيوب في مكانه أن (ارْكُفْ
برجلكَ هذا مغتسلٌ باردً وشرابُ﴾ [ص: ٤٢]، واسْتَبْطَأَتْهُ فَتَلَقْتْه تَنْظُرُ،
وأقبل عليها قد أذهبَ الله تعالى جَدُّه ما بِهِ مِن البلاءِ وهو على
أحسن ما كان، فلما رأته قالت: أيْ بَارَكَ الله فيك، هل رأيتَ نبيَّ
الله هذا الْمُبْتَلَى؟ واللهِ على ذلك ما رأيتُ أحداً أشبه به منك إذ كان
صحيحاً، قال: فإنّي أنا هو، وكان له أندران: أندرٌ للقمح وأندرٌ
للشعير، فبعث الله تعالى سحابتين، فلما كانت إحداهما على أندرٍ
القمح أفرغت فيه القمح ذهباً حتى فاض، وأفرغت الأخرى فى
أندر الشعيرِ الوَرِقَ حتى فاضَ)(١).
٥٥٩٧- وحَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان، حَدَّثْنَا سعيدُ بنُ أبي مريم،
حَدَّثْنَا نافعُ بنُ يزيد، أخبرني عُقَيْلٌ، عن ابنِ شهاب، عن أنس بنِ
مالك، عن رسول الله ﴿، فذكر مثله، إلا أنَّه قال مكان ((يتنازعان)).
(ریتزاغمان»(٢).
(١) رواه ابن جرير ١٦٧/٢٣ عن يونس بن عبد العلى، به.
ورواه ابن حبان (٢٨٩٨) من طريق حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، به.
والأندر: البيدر أو كُدس القمح.
(٢) رواه أبو يعلى (٣٦١٧)، والبزار (٢٣٧٥)، والحاكم ١٨١/٢-١٨٢، وأبو
نعيم ٣٧٤/٣-٣٧٥ من طرق عن سعيد بن أبي مريم، به. وصححه الحاكم، ووافقه
الذهبي، وقال أبو نعيم: غريب من حديث الزهري، لم يروه عنه إلا عقيل، ورواته
متفق على عدالتهم، تفرد به نافع.
وأورده الهيثمي في («المجمع» ٢٠٨/٨، ونسبه إلى أبي يعلى والبزار، وقال: ورجال
البزار رجال الصحيح.
- ٢٥ -

کتاب الذكر والدعاء
٥٥٩٨- وحَدَّثْنَا يزيد، قال: حَدَّثَنَا أبو صالح عن نافع، ثم ذكر
بإسناده مثله.
٥٥٩٩- قال أبو جعفر: فسألتُ أنا إبراهيمَ بن أبي داود عن هذا
الحديثِ، وقلتُ له: هل رواه عن عُقَيْلٍ غَيْرُ نافع بن يزيد؟ قال: نعم،
حَدَّثَنَا نعيمُ بنُ حماد، قال: حَدَّثَنَا ابنُ المبارك، عن يونس بن يزيد، عن
عُقيل، عن ابنِ شهابٍ، عن النبيِّ ◌َ﴿، ولم يذكر فيه أنس بن مالك.
قال أبو جعفر: فتأمَّلْنا ما في هذا الحديثِ من قولِ أيوبَ عليه
السَّلامُ للرجل الذي قال له ما قال: واللهِ ما أدري ما تَقُولُ غَيْرَ أَنّي
كُنتُ أمُرُّ بِالرَّجُلَيْنِ يتنازعانِ فيذكرانِ الله عَزَّ وجَلَّ، فأرجع إلى بيتي،
فَأُكَفّرُ عنهما كراهية أن يذكرا الله إلا في حقّ، فكان محالاً أن يكونَ ما
كان منه ## في ذلك كفارة عن يمينٍ كانت منهما، أو من أحدهما،
لأنه لا يجوزُ أن يُكفر عن حالفٍ بيمينِ غيره بعد حِنثه فيها، ولا قَبْلَ
حِنثه فيها وهو حي، ولكنه عندنا - والله أعلم- على كفارة عن الكلامٍ
الذي ذكر الله عَزَّ وحَلَّ فيه مما لم يكن يصْلُحُ أن يُذكر، ثم عدنا إلى
الكفارات عن الأشياءِ ما هي؟ فرأيناها هي التغطيةُ لِما كفرت به عنه،
وكانت التغطيةُ للأشياء قد يكونُ منها فناءُ تلك الأشياء، كمثلٍ ما
يَبْذُرُه الناسُ في أرضهم، يزرعونه فيها، فيُغطونه بما يُلقون عليه مِن
الطين، فَسُمُّوا بذلك كفاراً لِتغطيتهم إيّاه، ومنه قولُ الله تعالى:
وأورده السيوطي في («الدر المنثور)) ٦٥٩/٥ - ٦٦٠، وزاد نسبته إلى ابن أبي الدنيا
و ابن مردويه.
-٢٦ -

كتاب الذكر والدعاء
﴿كَلَ غَيْثِ أعْجَبَ الكِفَّارَ بَبَاتَهُ﴾ [الحديد: ٢٠]، يعني الزُّرَّاعَ له، لا
الكفارَ بالله تعالى، ولا يكون نباته إلا بعدَ فناء ما كان زُرِع في مكانه،
وقد يكونُ مع ذلك بقاؤهما وظُهورهما بعدَ ذلك، كمثل ما قيل في
لَيْلَةٍ كَفَرَ النَّجومَ غَمَامُها.
أي: غطَّى نجومَها التي قد ظهرت. وكان أحسنَ ما حضرنا في
تأويلِ ما قال أيوبُ صلواتُ الله عليه مما ذكر عنه في هذا الحديثِ: أنَّه
لما كان مِن خطاب ذينك الرجلين ما كان مما خَلَطًا ذكرَ الله بما لا
يَصلُحُ ذكرُهُ عَزَّ وحَلَّ فيه، كان ذلك خطيئةً قد ظهرت، وما ظهر مِن
الخطايا، فلم تغير، عَذَّبَ الله تعالى عليه الخَاصَّة والعَامَةَ
٥٦٠٠- كما قد حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، حَدَّثَنَا عمرو بنُ
أبي رزين، حَدَّثْنَا سيف بن أبي سُليمان المكيُّ، عن عدي بن عدي -
قال أبو جعفر: وهو ابنُ عميرة-، عن أبيه، قال: قال رسولُ الله ◌ُ﴿ ..
(إِنَّ اللّه تعالى لا يُهْلِكُ العَامَّةَ بعملِ الخَاصَّةِ، ولكن إذا رأوا الُنكَرَ بَيْنَ
ظهرانَيهِمْ، فلم يُغَيِّرُوا، عَذَّبَ الله تعالى العامَّة والخاصَّة)).
قال أبو جعفر: فلما عاد ما كان مِن ذينك الرجلين إلى ما يُؤخذ
به العامة، تلافاه أيوبُ بما يدفع وقوعَ عذابِ الله مِن الصدقة التي تُكفر
الذنوبَ، وتَدْفَعُ العقوباتِ من غير أن يكونَ ذينك الرجلين قد كانت
لهما في ذلك كفارة، فكانت تلك الكفارةُ تغطي تلك المعصية تغطيةً
فيها فتاؤُها، وإن كان الرجلان اللذان اكتسباها لم يدخلا في ذلك،
ومثلُ ذلك قوله لنبيه مع/: ﴿وما كان الله لِيُعَذَّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وما كانَ
-٢٧ -

كتاب الذكر والدعاء
الله مُعَذََّهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرِونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]، فأعلمه ﴿ أنه يرفع
مے
العذاب عنهم، وإن كانوا يستحقونه، باستغفارهم إيّاه، وكان ذلك
الاستفغارُ - والله أعلم - مما يقع في القلوبِ أنه لم يكن كان من
جميعهم، ولكنه كان مِن بعضهم، فرفعت به العقوبة عمن كانت منه
تلك المعاصي، وعمن لم تكن منه، فهذا أحسنُ ما حضرنا من المعاني
التي يحتمِلُها ما قد ذكرناه عن أيوب عليه السَّلامُ، والله أعلمُ بالحقيقة
كانت في ذلك، والله نسأله التوفيق.
٨٠٠- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عَنْهُ فِيمَا يُقَالُ عِنْدَ المَسَاء مِمَّا
لا يَضُرُّ معه قائلَه لَدْغَهُ حُمَةٍ (١) حتَّى يُصْبحَ
قالَ أبو جعفرٍ: فَمِمَّا رُوِيَ في ذلك من حديث أبي صالحِ السَّمانِ
الذي رواه عنه ابنه سهيلٌ مما قد اختلف عليهِ فيمنْ ذكرَهَ في إسنادِهِ بَعْدَ
أبيهِ، فرواه بعضُهم عنْهُ أنه أبو هريرة:
٥٦٠١- كما حَدَّثَنَا يونُسُ، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهب، أخبرنا مالكٌ، عن
سهيل، عن أبيه، عن أبي هُريرةً أنَّ رَجُلاً مِنْ أسْلَمَ قال: ما نِمْتُ هذه
الليلة، فقال النبي عليه السَّلامُ: ((مِنْ أَيِّ شَيءٍ؟)، فقال: لدغتني عَقْرَبّ،
فقال رسولُ الله صلَّى الله عَلَّيه وسلّم: ((أمَا إِنَّكَ لو قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ:
(١) الحُمة - بالتخفيف- السَمُّ، وقد يُشدد، وأنكره الأزهري، ويُطلق على إبرة
العقرب للمجاورة، لأن السم منها يخرج، وأصلها: حُمَوّ، أو حُمَيٌ، بوزن صُرَدٍ،
والهاء فيها عوض من الواو المحذوفة أو الياء.
-٢٨ -

کتاب الذكر والدعاء
أعُوذُ بكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقٍ، لم يَضُرَّك إنْ شَاء الله)(١).
٥٦٠٢- وَمِنْ ذلك ما حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، حَدَّثَنَا أبو
ے
حذيفةَ، حَدَّثَنَا سفيانُ الثوريُّ، عَنْ سهيلٍ، عن أبيه، عن أبي هُرَيْرَةً
قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ عليه السَّلامُ، فقال: إني لُدِغْتُ الْبَارِحَةَ، فَلَمْ
أَنَمْ حَتّى أصْبَحْتُ، فَقَال له: ((أَمَا إِنَّكَ لو قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ: أعُوذُ
بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لم تَضْرَّ بِكَ لَدْغَةُ عَقْرَبٍ حَتَّى
تُصْبحَ)(٢).
(١) إسناده صحيح، وهو في (الموطأ) ٩٥١/٢، ورواه من طريقه مسلم
(٢٧٠٩)، وأبو داود (٣٨٩٩)، وأحمد ٣٧٥/٢، والبغوي (٩٣)، والنسائي في
((اليوم والليلة)) (٥٨٩).
(٢) قال الحافظ في «أمالي الأذكار» فيما نقله عنه ابن علان في «الفتوحات
الربانية» ٩٥/٣ بعد تخريجه: هذا حديث صحيح، أخرجه النسائي في «الكبرى» من
طريقين، وأخرجه ابن حبان في أوائل «صحيحه»، وقال هو والنسائي فيه: في إحدى
طريقيه: «ثلاث مرات»، ولم يقولا: «كلها». وكذا أخرجه النسائي أيضاً من رواية
حماد بن زيد، عن سهيل، وقال فيه: «ثلاثاً»، ومن هذا الوجه أخرجه ابن السني عن
النسائي.
واختلف عن سهيل في صحابي هذا الحديث، ففي رواية النسائي: عن سهيل، عن
أبيه، عن رجل من أسلم، عن النبي صلّى الله عليه وسلم قال: «من قال حين
يمسي ... )» فذكر مثل لفظ الحديث قبله، لكن قال: « لم تضرَّ لدغة عقرب حتى
يُصبح»، ولم يذكر قصة الجارية. وفي رواية مالك، وأخرجه النسائي أيضاً، وابن
ماجه: أنه أبو هريرة، لكن ليس في «ثلاثاً»، وكلهم لم يذكروا «كلها»، والأول رواه
سهيل، عن وهيب بن خالد، وشعبة، وابن عيينة في آخرين، ورجحه الدارقطني، قال
-٢٩ -

کتاب الذكر والدعاء
٥٦٠٣- وَمِنْ ذلك ما حَدَّثْنَا أبو إسحاق إبراهيمُ بنُ أبي داودَ،
حَدَّثْنَا محمدُ بنُ المنهال، حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ زريعٍ، حَدَّثَنَا رَوْحُ بنُ القاسمِ،
عَنْ سهيل، عَنْ أبيه، عَنْ أبي هريرةَ، عَنْ رسولِ الله مِثل حديثٍ يونُسَ
الذي روينَاهُ في هذا البابِ غيرَ أَنَّه لَمْ يقل فيه: ((إن شاء الله).
ومثلُ حدیثِ مالِكٍ:
٥٦٠٤- حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شعيب أبو عبدِ الرَّحمنِ، قال: قرأتُ
على لوين، عن حمادٍ بِنِ زَيْدٍ، عَنْ سهيلٍ، عَنْ أبيهِ، عَنْ أبي هُرَيرةً: أن
رجلاً من أصحابِ النِّيَّ عليه السَّلامُ لُدِغَ، فَلَغَ منه ما شَاءِ اللهُ فبلغ
ذلك النبي فقال: «أما إنه لو قال: أعوذُ بكلمات الله التامةِ من شر ما
خلق ثلاثاً لم يَضُرَّهُ))(١).
٥٦٠٥- وَمِنْ ذلكَ ما حَدَّثْنَا أحمدُ أيضاً، أخبرنا محمدُ بنُ عبدِ
اللهِ بن المبارك، أخبرنا يزيدُ، أخبرَنا هِشَامٌ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أبيهِ، عن
أبي هُريرةً أنَّ رَسُولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((مَن قال حين يمسي
الحافظ: وكأنه رجح بالكثرة، لكن يُعارضه كونُ مالك أحفظَ لحديث المدنيين من
غيره، وقد رواه أبو هاشم الصراف، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة.
قال الحافظ: والذي يظهر لي أنه كان عند سهيل على الوجهين، فإنَّ له اصلاً من
رواية أبي صالح، عن أبي هريرة، كما تقدم في رواية مسلم، وقد أخرجه النسائي من
وجه آخر، عن أبي هريرة مع الاختلاف في الواسطة بين الزهري، وبين أبي هريرة،
وذلك كله يدل على أن له عن أبي هريرة أصلاً.
(١) صحيح، ورواه النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٥٨٨).
- ٣٠ -

كتاب الذكر والدعاء
-
ثلاث مرات: أعوذ بكلمات الله التامةِ من شر ما خلق لم يضره لسعة
تلك الليلة)(١).
٥٦٠٦- وَمِنْ ذلكَ ما حَدَّثْنَا يونُسُ، حَدَّثْنَا ابْنُ وَهْب، حَدَّثَنَا
جرير بن حازم، عَنْ سهيل، عن أبيهِ، عن أبي هريرة، عن النبي مثله،
وقالَ فيهِ: ثلاث مرات(٢).
٥٦٠٧- وَمِنْ ذلكَ ما حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ شُعِيبٍ، أخبرَنَا محمدُ بنُ
عثمانَ العقيلي، حَدَّثَنَا عبد الأعلى - يعني: السَّاميَّ- عَنْ عبيد الله بنِ
عُمَرَ، عَنْ سُهَيْلٍ، عَنْ أبيهِ، عَنْ أبي هُريرةً: أنَّ رجلاً من أصحابِ النّيِّ
تغيبَ عنه ليلةٌ، فسأل عنه، فلما أصبح أتى رسولَ الله صلَّى الله علَّيه
وسلَّم، فقال: ((ما حَبَسَكَ؟) قال: يا رسولَ اللهِ، لَدَغَتْنِي عَقْرَبٌ، قال:
((لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ: أعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّمَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ
ثَلاثَ مَرَّاتٍ لَمْ يَضُرَّكَ)(٣).
(١) رجاله ثقات، وهو في ((عمل اليوم والليلة)) (٥٩٠).
ورواه أحمد ٢٩٠/٢، والترمذي (٣٦٠٠) في الدعوات، من طريق يزيد بن
هارون، به. وقال الترمذي: حسن.
(٢) أخرجه ابن حبان (١٠٢١) من طريق حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، به.
ورواه مسلم (٢٧٠٩) في الذكر، باب: التعوذ من سوء القضاء، من طريقين، عن
ابن وهب، به. ورواه ابن حبان (١٠٢٣) من طرق شيبان بن أبي شيبة، عن جرير
بن حازم، عن سهيل.
(٣) رجاله ثقات، وهو في ((عمل اليوم والليلة)) (٥٩١) وصححه ابن حبان
(١٠٣٧) من طريق محمد بن بشار، عن عبد الوهّاب الثقفي، عن عبيد الله بن عمر، به.
- ٣١-

كتاب الذكر والدعاء
٥٦٠٨- وَمِنْ ذلكَ ما حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ شُعيبٍ، أخبرَنا إبراهيمُ بنُ
يوسُفَ الكوفيُّ، حَدَّثْنَا الأَشْجعي، عَنْ سُهيلٍ، عَن أبيه، عن أبي هُريرة،
قال: لَدَغَتْ رَجُلاً عَقْرَبٌ، فجاء النبيَّ، فأخبره، فقال له: ((أما إنّكَ لَوْ
قُلْتَ حِينَ أمْسَيْت: أعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ ما خَلَقَ لَمْ
يُصِبْكَ شَيءٌ)(١).
غيرَ أن الأشْجعيَّ قد خُولِفَ عَنْ سفيانَ في شيءٍ مِنْ إسناد هذا
الحديثِ، فقيل له مكان أبي هريرة: عن رجل من أسْلَمَ، ونحنُ ذاكروهُ
في بقيةِ هذا البابِ.
وَمِنْ ذلِكَ مَنْ قَد رُوِيَ عن سهيلٍ هذا الحديث، عن رجلٍ من
أُسْلَمَ.
٥٦٠٩- كما قد حَدَّثَنَا عيسى بنُ إبراهيمَ الغافقيُّ، حَدَّثْنَا
سفيانُ بنُ عيينةَ، عَنْ سُهِيلٍ، سِمَعَ أباهُ يُخبِرُه، عنْ رجلٍ مِنْ أَسْلَمَ قال:
كنتُ عند النبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فأتاه رجل من الأنصار، فقال:
لُدِغْتُ البَارِحَةَ، فلم أَنَمْ حَتَّى أصْبَحْتُ، قَالَ النّبيُّ صلَّى الله عليه وسلّم:
((أمَا إِنَّك لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ: أعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ
ما خَلَقَ، ما ضَارَّكَ إنْ شَاءِ الله)).
٥٦١٠- وكما حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مَرْزوق، حَدَّثْنَا وهب بنُ
(١) رواه النسائي في ((اليوم والليلة)) كما في ((التحفة)) ٤٠٥/٩ عن إبراهيم بن
يوسف الكوفي، وابن ماجه (٣٥١٨) في الطب عن إسماعيل بن بهرام، كلاهما عن
عُیید الله الأشجعي، به.
- ٣٢-

کتاب الذكر والدعاء
جريرِ، حَدَّثْنَا شعبةُ، عن سُهيلٍ، عَن أبيه، عن رجل مِنْ أَسْلَمَ، عن النبيِّ
عليه السَّلامُ أنه قال: ((مَنْ قَالَ حِينَ يُمْسِي: أعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ
التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، لَمْ يَضُرَّهُ حُمَّةٌ تِلْكَ اللَّيْلَةَ).
٥٦١١- وكما قَدْ حَدَّثَنَا فهد، حَدَّثْنَا أبو غسَّانَ، حَدَّثَنَا زُهيرُ
بنُ معاويةَ، عِنْ سهيلٍ، عن أبيه، عَن رجل من أسلم، قال: كنت
جالساً عندَ النبيِّ عليه السَّلامُ، فجاءَ رجل من أصحابه، فقالَ: لدغت
البارحة، ثم ذكرَ نحوَه(١).
٥٦١٢- وكما قد حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ داودَ، حَدَّثْنَا سَهْلُ بنُ بكار،
حَدَّثَنَا أبو عوانةَ، عَنْ سُهيلٍ، عن أبيه، عن رجل من أسلم، عن النبيِّ ..
ثُمَّ ذکرَ مثلَه.
وقد روى هذا الحديثَ أسدُ بنُ موسى، عَنْ شعبةَ، عَنْ سُهِيلٍ،
وأخيه، عن أبيهما، عن رجل من أُسْلَمَ.
٥٦١٣- كما حَدَّثَنَا الربيع المرادي، حَدَّثْنَا أسد. وحَدَّثْنَا يُونُسُ،
حَدَّثْنَا أسدٌ، حَدَّثَنَا شعبة، عن سُهيلٍ، وأخيه، عن أبيهما، عَن رجلٍ مِنْ
أُسلَمَ: أنه لُدِغَ، فَأَتَى النِّيَّ عليه السَّلامُ ... ثُمَّ ذكرَ مثلَه.
وقد روى هذا الحديثَ عن سهيل وهيب بنُ خالد، فخالفهم
جميعاً في إسناده.
٥٦١٤- كما قد حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ شعيبٍ، أخبرَنا إسحاق بنُ
منصور، أخبرَنَا حَّاتُ، حَدَّثْنَا وُهَيْبٌ، عن سُهيلٍ، عن أبيه، عن رَجُلٍ
مِنْ أسْلُّمَ ... ثم ذكرَ نحوَه.
(١) رواه أبو داود (٣٨٩٨) من طريق أحمد بن يونس، عن زهير، به.
-٣٣-

كتاب الذكر والدعاء
قال أبو جعفر: وَلَمَّا اختلفوا علينا في إسنَادِ هذا الحديثِ، عن
سُهيلٍ كما قد رويناه من اختلافهم عليه في هذا الباب، طلبتاهُ من غيرِ
روايةِ سُهيلٍ، مِنْ حديثِ مَن رواه عَنْ أبي صالحٍ سواه، وسِوی أُخيه،
لِنَقِفَ بذلك على حقيقته، هل هو عن أبي هريرة، أو عن رجلٍ من
أ
سْلَم؟
٥٦١٥- فَوَجَدْنَا يونُسَ قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا ابنُ وهب،
أخبرني عمرو بن الحارثِ، عن أبيه، ويزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عَنْ يعقوبَ
بنِ عبدِ اللهِ - يعني: ابنَ الأشجّ - عَنِ القعقاعِ بنِ حَكيمٍ، عن ذكوانَ
أبي صالح، عن أبي هريرة أنّه قال: جاء رجلٌ إلى رسول الله صلَّى الله
عليه وسلّم، فقال: يا رَسُولَ اللهِ ما لقيتُ مِنْ عَقْرَبٍ لدغتني البَارِحَةَ،
فَقَالَ له رسولُ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: (أَمَا إِنْكَ لَوْ قُلْتَ حِينَ
أمْسَيْتَ: أَعُوذُ بكَلِمَاتِ اللّهِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقٍ، لَمْ يَضُرَّكَ)(١).
٥٦١٦- ووجدنا بَحْرَ بنَ نصرٍ قَدْ حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثْنَا ابنُ وهبٍ
مثله.
٥٦١٧- ووجدنا الرَّبيعَ المراديَّ حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثَنَا شعيبُ بن
الليث، أخبرنا الليثُ، عَن يزيدَ بنِ أبي حبيبٍ، عَن جَعفرٍ، عَن يَعْقوبَ
أنه ذكر له أنَّ أبا صالحٍ مولى غطفان أخبرَ أنَّه سَمِعَ أبا هريرة يقولُ:
(١) إسناده صحيح، وهو عند مسلم (٢٧٠٩) في الذكر والدعا: باب التعوذ من
سوء القضاء ودرك الشقاء وغيره.
ورواه النسائي في «اليوم والليلة)) (٥٨٧) من طريق ابن وهب، به.
-٣٤-

كتاب الذكر والدعاء
قَالَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم: لدغتني عَقْرَبُ، فقال له
رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم: (لَوْ أَنَّكَ قُلْتَ حِينَ أمْسَيْتَ: أعُوذُ
بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرَّكَ)(١).
فَتَسَب أبا صالح في هذا الحديث في ولائه إلى غَطَفَانَ، وقد
حُولِفَ في ذلك.
فذكرَ محمدُ بنُ سعدٍ صاحبُ الواقديِّ في كتابه في ((الطبقاتِ)
قالَ: وأبو صالح السمانُ مولى جُوَيْرِيَةَ امرأةٍ مِنْ قيس.
قال: وقد كُنَّا ذكرْنا في هذا الباب أنَّ الأشجعيَّ قَدْ خُولِفَ عَنْ
سفيانَ في إسنادِهِ حديثَ سهيلٍ، عَنْ أبيه، عن أبي هريرةً الذي قد
رَوَيْنَاه فيما تقدم، والذي خالفَهُ فيه عن سفيانَ محمدُ بنُ يوسُفَ.
٥٦١٨- كما قد حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ شعيبٍ، أخبرَنا إسحاقُ بنُ
منصورِ، أخبرنا محمدُ بنُ يوسُفَ، عَنْ سفيانَ، عَنْ سُهيلٍ، عَنْ أبيه، عن
رجلٍ مِنْ أُسْلَم، ثم ذَكَرَ نحوَ حديثِ الأشجعيِّ.
وقد رَوى هذا الحديثَ أيْضاً عَنْ أبي هُريرةَ غَيْرُ أبي صالحٍ
السمانِ، وهو طارقُ بنُ مُخَاشِيٍ:
٥٦١٩- كما قد حَدَّثْنَا فهدٌّ، حَدَّثَنَا زيد بنُ عبدِ اللهِ، حَدَّثْنَا
بقيةُ، حدثني الزّبيديُّ، عَنِ الزهريِّ، عَن طارقٍ بنِ مخاشِن، عن أبي
هريرةَ، عن النبيِّ عليه السَّلامُ: أَنَّ أُتي بلديغِ لَدَغَتْهُ عقرب، فقال: (لَوْ
(١) ٣٠١/٥، ونص كلامه: أبو صالح السمان، وهو الزيات، واسمه ذكوان مولى
غطفان، ويقال: مولى جويرية امرأة من قيس.
- ٣٥ -

كتاب الذكر والدعاء
قَالَ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، لَمْ يُلْدَغْ أَوْ لَمْ
يَضُرَّهُ)(١).
وَلَّا وجدْنَاهُ مِنْ روايةِ القَعْقَاعِ، عَن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةً،
لا عَنْ رجلٍ مِنْ أَسْلَمَ، قَوِيَ في قلوبِنا أنَّ أَصْلَ هذا الحديثِ عَنْ أبي
صالحٍ، عَنْ أبي هُريرةَ، لا عَنْ رَجُلٍ مِنْ أسلمَ، وكان الذين في هذا
الحديثِ لَّا صُحِّحَتْ هذهِ الرواياتُ فيه يَرْجِعُ ما فيه إلى أنَّ قائلَ هذِهِ
الكلماتِ المحفوظاتِ فيه يكونُ بقولِهِ إِيَّها محفوظاً حتى تنقَضي تلكَ
الليلةُ التي قالها فيها، لا زيادة عَلَيها، غيرَ أنَّا قَدْ وَجَدْنا عَنْ رسول الله
عليه السَّلامُ ما يزيد على ما يكونُ قَائِلُها محفوظاً بها مِنَ الزمانِ على ما
في ذلِكَ الحدیثِ.
٥٦٢٠- وهو ما حَدَّثْنَا يونُسُ، وَبَحْرٌ، قالا: حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ
وَهْبٍ، أخبرني عمرو بنُ الحارثِ، عَنْ يزيدَ بن أبي حبيبٍ، والحارث
بنِ يَعقوبَ، عن يعقوبَ بن عبدِ اللهِ الأشج، عن بُسْر بنِ سعيدٍ، عَنْ
سعدِ بنِ أبِي وَقَّاصٍ، عن خَوْلَةَ بنتِ حكيمِ السُّلَمِيَّةِ أَنّهَا سَمِعَتْ رسولَ
اللهِ عليه السَّلامُ يَقُولُ: (إِذَا تَزَلَ أحَدُكُمْ مَنْزِلاً، فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِكَلِمَاتٍ
اللهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ، فإِنَّه لا يَضُرُّه شيءٌ حَتَّى يَوْتَحَلَ مِنْه))(٢).
(١) ورواه أبو داود (٣٨٩٩) من طريق حيوة بن شريح، حَدَّثْنًا بقية، حدثني
الزبيدي، عن الزهري، عن طارق -ولم ينسبه- به.
وله طرق أخرى عند النسائي في («اليوم والليلة)) (٥٩٨).
(٢) رواه مسلم (٢٧٠٨)، والترمذي (٣٤٣٧)، وأحمد ٣٧٧/٦ و٣٧٨،
- ٣٦-

كتاب الذكر والدعاء
٥٦٢١- وما قد حَدَّثْنَا يونُسُ، حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ يوسفَ
الدمشقيُّ، حَدَّثَنَا الليثُ بنُ سعدٍ، وكما قد حَدَّثَنَا الربيعُ المُرادي،
حَدَّثَنَا شُعَيبٌ، حَدَّثَنَا الليثُ، عن يزيدَ بن أبي حبيبٍ، عن الحارثِ بنِ
يعقوبَ: أنَّ يعقوبَ بنَ عبدِ اللهِ حدَّثَّهُ: أَنَّهُ سَمِعَ بسر بن سعيدٍ يقول:
سمعتُ سعدَ بنَ أبِي وَقَّاصٍ يقول: سمعتُ حَوْلَةَ بنتَ حكيمِ السُّلَمِيَّةَ
تقول: إنّها سَمِعَتْ رسولَ اللهِ عليه السَّلامُ يقولُ: ((من نزل منزلاً،
فقال: أعوذُ بكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ من شر ما خلق، لم يَضُرَّه شيء
حتی یرتحِلَ مِن منزِلِهِ ذلك».
٥٦٢٢- وما قد حَدَّثْنَا نصرُ بنُ مرزوق، حَدَّثْنَا الْخَصيبُ بن
ناصحٍ، حَدَّثْنَا وُهَيْبُ بنُ خالدٍ، حَدَّثْنَا ابْنُ عَجْلانَ، عن يعقوبَ بن عبدٍ
اللهِ بنِ الأَشَجِّ، عن سعيدِ بنِ المسِّبِ، عن سعدِ بنِ مالكٍ، عن خَوْلَةً
بنتِ حكيمٍ قالت: قال رَسُولُ الله صلَّى الله عَلَّيه وسلَّم: (لَوْ أنَّ
أَحَدَكُمْ إِذَا نُزَلَ مَنْزِلاً، قال: أعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التاماتِ مِنْ شَرِّ مَا
خَلَقَ، لَمْ يَضُرَّه في ذلك الَنْزِلَ شيَءٌ حَتَّى يَرتحل مِنْهُ))(١).
والنسائي في «عمل اليوم والليلة)) (٥٦٠)، وابن السني (٥٣٣)، والطبراني في «الكبير))
٢٤/(٦٠٣)، والبيهقي ٢٥٣/٥ من طرق عن يزيد بن أبي حبيب، به. وقال
الترمذي: غریب صحيح.
ورواه مالك في ((الموطأ)) ٩٨٧/٢ عن الثقة عنده، عن يعقوب بن عبد الله بن
الأشج، به.
ورواه البغوي (١٣٤٧) عن مالك، من رواية أبي مصعب أنه بلغه عن يعقوب بن
عبد الله الأشج، به. وانظر ((تحفة الأشراف)) ٢٩٨/١١ -٢٩٩.
(١) رواه أحمد ٤٠٩/٦، وابن ماه (٣٥٤٧) من طريق وهيب بن خالد، به.
-٣٧-

کتاب الذکر والدعاء
فخالفَ محمدُ بنُ عجلانَ الحارثَ بن يعقوبَ، ويزيدَ بن أبي
حبيب في مَنْ بعدَ يعقوبَ في إسنادِ هذا الحديثِ، فقال: عن سعيدِ بنِ
الُسَيِّب، مکان قول الحارث فیه: عَنْ بسر بن سعيدٍ، ولم یکُنْ في هاتين
الروايتين اللتين رَوَيْناهما عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما يكونُ
به قائلُ هذهِ الكلماتِ محفوظاً بها فيه مِن الزمان، وحاشَ الله أن يَكُونَ
فيهما اختلافٌ، ولكنَّ تَصحيحَهما أنَّ ما في حديثِ أبي هُريرةً على
قولٍ مَنْ هو مقيمٌ في منزلِهِ غيرُ مسافرٍ، وما في حديثِ خولَةً على قول
مَنْ هُوَ مسافرٌ، والمُسافرُ ممخفّف عنه لمكانِ السَّفَرِ، مرفوع عنه طائفةٌ
مِنْ صلاتِهِ، مُخَفّفٌ عنه في صيامِه المفترضِ عليهِ، مُباحٌ له تأخيرُه إلى
خروجِه مِنْ سفرِهِ ورجوعهِ إلى وطنِهٍ، والمقيمُ ليسَ كذلك، وكانَتْ
هذه الكلماتُ التي ذكرْنا للمسافرِ مدفوعاً عنه بها في وقتٍ أوسعَ مِنَ
الوقتِ الذي يُدْفَعُ بها عَنِ المُقيم ما يُدفَع عَنِ الْمُسافرِ بها للَّخفيفِ،
وعَنِ المسافرِ في سفرِه الذي ليسَ للمقيمِ مِنَ التّخفيفِ في إقامتِه مثلُه،
والله نسألُه التوفيقَ.
ورواه عبد الرزاق (٩٢٦٠) من طريق ابن عجلان، عن سعيد بن المسيب قال:
قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم .. وهو مرسل.
-٣٨ -

كتاب الذكر والدعاء
٨٠١- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِي عن رسول الله ﴾ فیما يدفع
عن الإنسان بقوله حين يُصبِحُ وحين يُمْسِي: بسم الله الذي لا
يَضُرُّ مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء وهو السميع
العليم
٥٦٢٣- حَدَّثَنَا يونس، قال: أخبرني أنسُ بنُ عياض الليثي، عن
أبي مودود -قال أبو جعفر: وهو المَدِيني-، عن رجلٍ -قال يونس: لا
أعلمه إلا محمد بن كعب-، عن أبانَ بنِ عثمان - ولم يتجاوز بعدُ به-
أن رسولَ اللهِ ﴿ قال: «مَنْ قالَ: بِسْمِ اللهِ الَّذي لا يَضُرُّ مَع اسمه
شيءٌ في الأرضِ ولا في السَّماءِ وهُوَ السَّميعُ العَليمُ ثلاثَ مرات، لم
تَفْجَاهُ فاجئةُ بلاء حتی اللیل ومَنْ قال حِينَ يُمسي کان کذلك»(١).
قال أبو جعفر: هكذا حدثناه يونس عن أنس على ما ذكرناه في
هذا الإسناد.
٥٦٢٤ - وحَدَّثْنَا الربيعُ بنُ سليمان المُرادي، قال: حَدَّثَنَا أسدُ بنُ
موسى، قال: حَدَّثْنَا أنسُ بن عياض، قال: حدثني أبو مودودٍ، عن محمد
بنِ كعب القرطي، عن أبانَ بنِ عثمان، عن عثمان رَضِي الله عنه، عن
البي 8# قال: ((مَنْ قَالَ: بِسْمِ اللهِ الذي لا يَضُرُّ مَعَ اسِهِ شيءٌ في
الأَرْضِ ولا فِي السَّماءِ وَهُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ، فقالها حينَ يُمسي، لم
تفجأه فاجئَةُ بلاء حتى يُصْبِحَ، وإن قالها حِينَ يُصبِحُ لم تفْجَأْهُ فَاجِئَةُ
(١) مرسل وسيرد موصولاً في الرواية الآتية.
ورواه أبو حاتم في («العلل)) ١٩٧/٢ عن يونس بن عبد الأعلى، به.
-٣٩-

كتاب الذكر والدعاء
بلاٍ حتّى يُمْسِيَ)).
وإن أُبَانَ أصابه فالْجٌ، فقيل له: أينَ ما كنتَ حدَّثْتنا؟ قال: واللهِ ما
كَذَبْتُ ولا كُذِبتُ، ولكن حين أرادَ الله عَزَّ وجَلَّ ما أرادني به،
أنساني ذلك الدعاء (١).
٥٦٢٥- حدثناه أيضاً أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: أنبأنا قتيبةُ بنُ
سعيدٍ، قال: حَدَّثْنَا أنسُ بنُ عياضٍ، عن أبي مودودٍ، عن محمد بن
كعب، عن أبان بنِ عثمانَ، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، عن
النبيِّ ◌َ﴿، ثم ذكر مثلَه، غير أنه لم يَذْكُرْ ما فيه مِنْ أن أبانَ أصابه فاتجٌ
إلى آخر الحديث(٢).
قال أبو جعفر: قد رُوِيَ هذا الحديثُ من غير طريق محمد بن
كعب، عن أبانَ بنِ عثمان، [عن أبيه]، عن رسولِ الله ◌ِص﴾.
(١) رواه عبد الله بن أحمد في ((زائد المسند) ٧٢/١، وأبو داود (٥٠٨٩)، وابن
حيان (٨٥٢)، والبزار في ((البحر الزخار)) (٣٥٧)، وابن السني في ((عمل اليوم
والليلة)) (٤٤)، والبغوي (١٣٢٦) من طرق عن أنس بن عياض، به.
ورواه ابن أبي شيبة ٢٣٨/١٠ عن زيد بن الحباب العكلي، وأبو داود (٥٠٨٨)
عن عبد الله بن مسلمة القعني، قالا: حَدَّثْنَا ابو مودود، قال: حدثني من سمع أبان بن
عثمان، قال: حدثني أبي عثمان.
ورواه النسائي في «عمل اليوم والليلة)) (١٦) عن محمد بن علي، حَدَّثْنَا القعنبي،
حَدَّثَنَا أبو مودود عن رجل، قال: حَدَّثَنَا من سمع أبان ...
ورواه أبو حاتم في «العلل)) ١٩٧/٢ عن عبد الرحمن بن مهدي وأبي عامر
العقدي، كلاهما عن أبي مودود، حدثني رجل، قال: حدثني من سمع أبان بن عثمان ..
(٢) هو في ((عمل اليوم والليلة)) للنسائي (١٥).
- ٤٠-