Indexed OCR Text
Pages 441-460
كتاب العلم الأمَمُ أنبيائهم من الآياتِ (١). قال: ومعنى ما رُوِيَ في ذلك عن عِكرمة قد وافقَ بعضَ ما قد تقَدَّمتْ روايتنا له في هذا الباب. وأما ما رُوِيَ عن سعيد بن جُبير، فمعناه عندنا - والله أعلمُ - من جنسِ المعاني التي رويناها فيما تقدَّم منّا في هذا الباب، لأنَّ الذين كانوا يفعلون الأشياء التي كانوا يسألون رسولَ الله /ج عنها من تلك المعاني، كانوا أبناء بعضِ السامعين للجوابات عنها، وكان بعضُ مَنْ يَحْضُرُه سواهم أبناءً لبعض الفاعلين لها المُخْبُرِ بموضِعهِم منها ٥٤٧٢- كما قد حَدَّثْنَا يونسُ بن عبد الأعلى، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ يوسف، قال: حَدَّثْنَا اللَّيثُ بنُ سعد، قال: حدثني يزيدُ بنُ عبد الله بنِ أسامةَ بنِ الهادٍ، عن ابنٍ شهابٍ، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ﴿ يقول: «رأيتُ عمرو بنَ عامٍ ١- ◌ُزَاعِيَّ يَجُرُ قُصْبَهُ(٢) في النَّارِ، وكانَ أوَّلَ مَنْ سَيّبَ السُّيَّبَ) قال ابنُ المسيب: والسائبةُ: التي كانت تُسيَّب، فلا يُحْمَلُ عليها شيء، والبحيرةُ: التي يُمنَعُ دَرُّها للطواغِيتِ فلا يَحْلُها أحدٌ، والوَصِيلَةُ: النّاقةُ البكرُ تُبَكِّرُ في أولِ نتاجٍ الإبلِ بأنثى ثم تُشْني بأنثى، فكانوا يُسَمُّونها (١) رواه الطبري في ((جامع البيان)) (١٢٨١٢) عن ابن وكيع، قال: حَدَّثْنَا يزيد بن هارون، عن ابن عون، عن عكرمة. وذكره السيوطي في (الدر المنثور)) ٢٠٨/٣، ونسبه لأبْنٍ أبي حاتم وأبي الشيخ من طريق عبد الكريم عن عكرمة. (٢) القُصْبُ: اسم للأمعاء كلها، وقل هو ما كان أسفل البطن من الأمعاء. - ٤٤١- کتاب العلم للطواغيت يَدْعُونَها الوَصِيلَةَ التي وصَلَت إحداهما بالأخرى. والحامي: فحلُ الإبلِ يَضْرِبُ العشرَ من الإبلِ، فإذا قضى ضِرابَهُ يَدَعُونَهُ للطواغيتِ، وأعفَوْهُ من الحملِ، فلم يحملُوا عليه شيئاً، وسَمَّوْه الحامي(١). وكما سمعت يونسَ يقول: حَدَّثَنَا ابنُ وهب، عن مالكٍ، قال: وكانوا يجعلونَ عليه رِيشَ الطَّواوِيسِ. قال أبو جعفر: فكان المضافة إليه هذه الأشياءُ التي كانوا يسألون عنها قدْ يكونُ جدَّ السائل عنها، أو يكونُ مَّن يلحق سمعه الجواباتُ عنها فيسوؤه ذلك، فدخلَ ذلك فيما نُهُوا عنه بهذه الآية، والله عَزَّ وجَلَّ نسأله التوفيقَ. ٧٨٢- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيّ عن رسول الله ﴾ من قوله: ((إنَّ أعظمَ المسلمين في المُسلِمينَ جُرماً مَنْ سألَ عن أمرٍ لم یکنْ حَراماً فحُرِّمَ مِنْ أجلٍ مسألتِهِ» ٥٤٧٣- حَدَّثَنَا يونسُ بنُ عبد الأعلى، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ وهب، قال: أخبرني يونسُ بنُ يزيد، عن ابنِ شهابٍ، عن عامر بنِ سعدٍ، أنه سمعَ سعدَ بنَ أبي وقّاصٍ رضي الله عنه يقولُ: قال رسولُ الله *: (إنَّ أعظَمَ الُسلِمِينَ في الْمُسلِمِينَ جُرْماً، مَنْ سَألَ عن شَيءٍ لَمْ (١) رواه أحمد ٣٦٦/٢، وابنُ أبي عاصم في ((الأوائل)) (٤٤)، والطبري في ((جامع البيان)) (١٢٨١٩) و(١٢٨٤٤)، والطبراني في (الأوائل)) (١٩)، وابن حبان (٦٢٦٠)، والبيهقي ٩/١٠-١٠ من طرق عن اللَّث بن سعد، بهذا الإسناد. - ٤٤٢- كتاب العلم . يَكُنْ حَراماً فَحُرِّمَ مِنْ أجْلِ مَسْأَلَتِهِ)(١). ٥٤٧٤- حَدَّثْنَا أبو أميةَ، قال: حَدَّثَنَا سليمانُ بنُ داود الهاشميُّ، قال: حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ سعد، قال: حَدَّثَنَا ابنُ شهابٍ، عن عامر بنِ سعد، عن أبيه، قال: قال رسولُ اللهِعَ﴿ ... ثم ذكر مثلَه(٢). فتأملنا هذا الحديثَ لِنَقِفَ على المرادِ به إنْ شاء الله، فوجدنَا مَنْ كان يسألُ رسولَ اللهِ ﴿ عن شيءٍ، فإنّما كان يطلُبُ الجوابَ مِنَ الله فيه؛ لأنَّ الذي كان يُجِيبُهم عنه به إنَّما هو الذي يُوحِيهِ الله عَزَّ وجَلَّ إليه. وقد أنزل الله عَّ وجَلَّ عليه: ﴿وَلاَتَعْجَلْ بالقُرآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْصَى إليكَ وَحْيُهُ﴾ [طه: ١١٤]، فأمره عَزَّ وجَلَّ بالانتظارِ لما يَنْزِلُ عليه مِنْ أحكامِهِ حتَّى يُنْزِلَه عليه، وما نهاه عنه من ذلك كانت أمَّتُه منهيّةٌ عنه، وإنْ كانَ قد يكونُ ما يأتيه مِنَ الله عَزَّ وجَلَّ جواباً عمَّا يسألُ عنه قد يكونُ غيرَ قرآن، فإنَّه في معنى القرآن أيضاً، وكان فيما أنزل عليه: ﴿مَا فَرَّطَا في الكِتَابِ مِنْ شَيءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨]، وكان القرآنُ ينزل بعد ذلك كما كان ينزلُ قبلَهُ. فعقلنا بذلك أن قولَه عَزَّ وحَلَّ: ﴿مَا فَرَّطْنَا في الكِتَابِ مِنْ شَيءٍ﴾ بمعنى: ما نُفَرِّطُ في الكتاب من شيءٍ والله أعلم. وعمّا يدلُّ على ما ذكرنا ما كان مِنْ عُمرَ بنِ الخطاب رضي الله (١) صحيح. ورواه مسلم (٢٣٥٨) عن حرملة بن يحيى، عن ابن وهب، به. (٢) صحيح. ورواه الشافعي ١٥/١، ومسلم (٢٣٥٨) (١٣٢)، والبغوي (١٤٤) من طريق إبراهيم بن سعد، به. - ٤٤٣- کتاب العلم عنه لَّا نزلَ تحريمُ الخمر قوله: اللهمَّ بِيِّنْ لنا في الخمر بَيانَ شفاءِ، فنزلت: ﴿يَسْأُوَكَ عَن الَخِْ وَالَيْسِ قُلْ فِهِمَا إِنْدُ كَيِْ وَمَافِعُلَّاسِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٩]، فقال عمرُ: اللهمَّ بَّن لَنَا في الخمر بيانٌ شفاء، فنزلت: ﴿يَا أُهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلَهَ وَأَنتُمْ سُكَارِى حَتّى تَعَلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ١٣]، فدُعِي عمرُ، فقرئت عليه، فقال: اللهمَّ بِّن لنا في الخمر بَيَان شفاء، فنزلت: ﴿يَا أُها الَّذِينَ آَمُوا إِنَّ الْخَمْسُ والَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأْلامُ رجْسُ مِنْ عَمَل الشَّيْطَانِ ... إلى قولِهِ عَنَّ وَجَلَّ فهل أنتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]، فدُعي عمرُ فقرئت عليه، فقال انتَهَيْنَا انْتَهِينَا. ٥٤٧٥- حَدَّثْنَاه الربيعُ بنُ سليمان المُراديُّ ويوسفُ بنُ یزید، قالا: حَدَّثْنَا أسدُ بنُ موسى، قال: حَدَّثَنَا إسرائيلُ بنُ يونس، عن أبي إسحاق، عن عمرو بنِ شُرحبيلٍ - وهو أبو ميسرةً- عن عمر ... ثم ذكر هذا الحديث(١). (١) رواه أحمد ٥٣/١، ومِنْ طريقه الواحدي في ((أسباب النزول)) ص ١٣٨- ١٣٩ عن خلف بن الوليد، وأبو داود (٣٦٧٠) من طريق إسماعل بن جعفر، والترمذي (٣٠٤٩)، والنسائي ٢٨٦/٨-٢٨٧، والحاكم ٢٧٨/٢، وعنه البيهقي ٢٨٥/٨ من طريق عُبيد الله بن مُوسى، والطبري في ((جامع البيان)) (١٢٥٢١) و(١٢٥١٥) من طريق وكيع، كلهم عن إسرائيل، بهذا الإسناد. وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. ورواه الطبري (١٢٥١٣) و(١٢٥١٤) و(١٢٥١٦) من طرق عن زكريا بن أبي زائدة، وابن مردويه، وابن أبي حاتم كما في ((تفسير ابن كثير)) ٣٧٢/١ من طريق سفيان الثوري، كلاهما عن أبي إسحاق، به. وزاد النحاس، والطبري في الرواية، -٤٤٤- کتاب العلم وكان قولُه عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ يريد به السؤال عن مثل هذا حتى يكونَ الله عَزَّ وجَلَّ يُنزله على رسولِه ابتداءً؛ لأنَّ الكتابَ الذي هو فيه لا يفرِّطُ فيه حتّى يجمعَ فيه الأشياءَ كلَّها، ولما كان السُّؤَالُ عمَّا ذكرنا قد منعَ منه النّاس، كان مَن سألَ عنه منهم ظالماً لنفسه؛ لأَنَّه قد تقدم سؤالُه ذلك أمرَ الله، يعني الذي لا ينبغي له أن يتقدَّمَهُ، وكان جلَّ وعزَّ قد ذكر فيما عاقبَ به اليهودَ بظلمهم قولَه عَزَّ وجَلَّ: ﴿فَظْمِ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرََّنَا عليهِمْ طَِبَاتِ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ الآية [النساء: ١٦٠]، فكان مَنْ عاد سؤاله ظالماً، غيرَ مأمون عليه أن يحرمَ عليه بظلمه ذلك ما قد كان حلالاً له؛ لأنَّ الأشياءَ كلَّهَا على طلِقها وعلى حلّها حتَّى يُحدِثَ الله تعالى فيها التَّحريم، فتعود حراماً، وإذا عادَ ذلك الَّذي سألَ عنه السائل الَّذي ذكرنا حراماً مِنْ أجل مسألتِهِ عليه، عاد حراماً على النَّاسِ جميعاً، فكان في ذلك عظيمُ الجُرْمِ فيهم، ولم نجد لتأويل هذا الحديثِ معنى هو أوْلى به مِنْ هذا المعنى الّذي ذكرناه فيه، والله أعلم بمرادِ رسولِ الله ◌ُ/ كان به فيه. قال أبو جعفرٍ: فإن قال قالٌ: فهل تدخلُ سؤالاتُ عمرَ رضي الله عنه المذكوراتُ في حديث أبي مَيْسَرَةَ عنه رسول الله:﴿ حتى أنزلَ الله عَّ وجَلَّ جواباتٍ لها ما أنزل مِنَ الآي المذكوراتِ في ذلك الحديثِ في الأولى، وابن أبي حاتم بعد قوله: انتهينا: إنها تُذهِب المالَ وتُذهِب العقلَ. وأورده السُّيوطي في (الدر المنثور)) ٦٠٥/١، وزاد نِسَبَتَه لابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وأبي يعلى، وأبي الشيخ، والضياء المقدسي في ((المختارة)). - ٤٤٥- كتاب العلم . قولِ الْنِيِ ﴿ في حديث سعدٍ رضي الله عنه «أعظمُ الُسلِمِينَ في الْمُسلِمِينَ جُرِماً مَنْ سَألَ عن شَيْءٍ لم يَكُنء مُحَرَّماً فَحَرُمَ مِنْ أَجْلٍ مسألَتِهِ)؟ قيل له: ليس بداخلٍ ذلك في شيْءٍ من حديثِ سعدٍ هذا؛ لأنَّ حديثَ سعدٍ إنَّما هو فيمن سألَ عن ما كان حَلالاً، فَحُرِّمَ من أجل مسألتِهِ، وعمرُ رضي الله عنه في حديث أبي ميسرةَ الَّذي ذكرنا إنَّما سأل عن شيءٍ قد تقدَّم تحريمُ الله له قبلَ ذلك. ألا تراهُ يقولُ فيه لَّا نزلَ تحريمُ الخمر، قال عمرُ رضي الله عنه: اللَّهُمَّ بيِّن لنا في الخمر بيانَ شفاء، وذلك منه رضي الله عنه يُحتمل أن يكونَ أرادَ به ما بَّن الله عَزَّ وجَلَّ جواباً له في إعلام القومِ الَّذين كان عَظُمَ تحريمُ الخمرِ في قلوبِهم الجلالةِ مقدارِها، كان عندهم قبلَ ذلك أنَّ الله عَزَّ وجَلَّ إنَّما حرَّمها عليهم لِمَا لهم مِنْ ذلك مِنْ الصَّلاحِ، لأَنّها رجسٌ، ولأنَّ فيها إثماً كبيراً، ولأَنّها تمنعُ مِنَ الصَّلاةِ، الا ترى أنَّهم قد كان مُنادِي رسول الله ﴿ إِذا حَضَرَتِ الصَّلاةُ يُنادي: (لا يَحْضُرَنَّ الصَّلاةَ سكرالُ). ٥٤٧٦- حدثناه عليٌّ بن معبَدٍ، قال: حَدَّثْنَا إسحاقُ بنُ منصور السَّلُولِيُّ، قال: حَدَّثَنَا إسرائيلُ بنُ يونس، عن أبي إسحاقَ، عن عَمرو بنِ ميمون، عن عُمر رضي الله عنه، قال: سمعتُ مناديَ رسول الله مِ﴿ يُنادي: ((إذا أقيمتِ الصَّلاةُ، فلا يَقْرَبَنَّ الصَّلاةَ سكراث))(١). (١) رواه الحاكم ١٤٣/٤ من طريق عُبيد الله بن موسى، أُتْبَأْنَا إِسرائيلُ، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عمر، وصححه، ووافقه الذهبي. -٤٤٦- كتاب العلم فأخبر رضي الله عنه أنّهم قد كانوا يَصِيرونَ بشُربِها إلى حالٍ يُمنعون لأجلِها قُربَ الصَّلاةِ، ولأنَّها قد كانت تُوقُع العداوة والبغضاء بينهم؛ إذْ كانت سبباً لما نزل بسعدٍ رضي الله عنه عند شُرِبه هو ونفرٌ مِنَ الأنصارِ إِيَّها، وتفاخرهم عند ذلك، حتّى قال بعضهم: المهاجرون أفضلُ. وقال بعضُهم: الأنصارُ أفضلُ، فأخذ لَحْيَ جَزُورِ، فَقَزَرَ به أنفَ سعدٍ، فكان أنفُهُ مفزُوراً. ٥٤٧٧- حَدَّثْنَا بذلك إبراهيمُ بنُ مرزوقٍ، قال: حَدَّثَنَا وهبُ بنُ جرير، قال: حَدَّثْنَا شعبةٌ، عن سِماك بنِ حرب، عن مصعب بنِ سعد، عن سعدٍ ... (١). قال أبو جعفر: وفي ذلك عِظَمُ منفعةِ سؤال عمرَ رضي الله عنه الله عَزَّ وجَلَّ للمسلمين، حتى عَلِموا من أجل سؤاله أنَّ تحريمَ الله عَزَّ وجَلَّ الخمر كان عليهم خيراً لهم مِن بقاء حِلِّها لهم؛ إذْ كان حِلَّها يُوقِعُ بينهم العداوةَ والبغضاء والجناياتِ مِن بعضهم على بعض، وتحريمُها ليس ذلك فيه، ولِيَعلَموا أنَّ ذلك نعمةٌ من الله عَزَّ وجَلَّ عليهم كان سببُها سؤالَ عمر رضي الله عنه إَيَّاه عَزَّ وجَلَّ، لا عقوبةٌ منه إياهم كان بذلك، وبالله التَّوفيق. (١) ورواه البيهقي ٢٨٥/٨ من طريق محمد بن عبيد الله المنادي، عن وهب بن جرير، بهذا الإسناد. ورواه الطيالسي (٢٠٨)، وأحمد ١٨١/١ و١٨٥- ١٨٦، والطبري في ((جامع البيان)) (١٢٥١٩) من طرق عن شعبة، به. ورواه مسلم (٤٣) ص ١٨٧٧، وأبو يعلى (٧٨٢)، والطبري (١٢٥١٨) و (١٢٥٢٠)، والواحدي في ((أسباب النزول)) ص ١٣٨، والنحاس في ((الناسخ والمنسوخ) ص ٥٢ من طريقين عن سماك، به. -٤٤٧ - كتاب العلم ٧٨٣ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيّ عن رسول الله ﴾ من قوله: (رُبَّ حاملٍ فقةٍ إلى مَنْ هُو أفْقَهُ مِنْهُ، ورُبَّ حَامِلٍ فِقْهِ لیسَ بفقيهٍ» ٥٤٧٨- حَدَّثَنَا أبو بشر عبدُ الملك بن مروان الرَّقّي، قال: حَدَّثْنَا حجَّاجُ بنُ محمد، عن شُعبة، عن عُمر بنِ سليمان، عن عبد الرحمن بنِ أَبَانِ بنِ عثمان، عن أبيه، أنّه سَمِعَ زيد بن ثابت يقولُ: سمعتُ رسول الله ﴿ يقولُ: (فَضَّرَ اللهِ امْرَءاً سَمِعَ مِنِّي حَديثاً، فَحَفِظَهُ حَتَّى بَلَّغَهُ غيرَهُ، فَرُبَّ حَامِلٍ فقهٍ إلى أفْقَهَ منهُ، ورُبَّ حامِلٍ فقهٍ ليسَ بِفِقِيمٍ)(١). ٥٤٧٩- حَدَّثَنَا إبراهيمُ بن أبي داود، قال: حَدَّثْنَا أحمد بنُ خالد الوَهْبي، قال: حَدَّثَنَا مُحمَّدُ بن إسحاق، عن الزُّهري، عن محمد بن جُبير بنِ مطعم، عن أبيه، قال: قام رسول الله :﴿ٌ بالَخَيْفِ من مِنِىِّ، فقال: (نَضَّرَ الله امْرَءاً سَمِعَ مَقَالَتِي، فَوَعَاهَا، ثُمَّ أَذَّاهَا إلى مَنْ لَمْ يَسمَعْها، فَرُبَّ حَامَلٍ فِقْهٍ لا فِقْهَ له، ورُبَّ حاملٍ فقٍ إلى مَنْ هو أفْقَهُ مِنْهُ))(٢). (١) صحيح. رواه الإمام أحمد ١٨٣/٥، والدارمي (٢٣٥)، وأبو داود (٣٦٦٠)، وابن ماجه (٤١٠٥)، والترمذي (٢٦٥٦)، وابن حبان (٦٧) و(٦٨٠)، والطبراني (٤٨٩٠) و(٤٨٩١) من طرق عن شعبة، به. وبعض الروايات بأطول منه. (٢) حديث حسن بشاهده السالف، فإن رجاله ثقات إلّ أن ابن إسحاق مدلس، وقد عنعن. لكن له متابعة. ورواه الدارمي (٢٣٤)، والحاكم ٨٧/١، والقضاعي في ((مسند الشهاب)) -٤٤٨- كتاب العلم ٥٤٨٠- حَدَّثْنَا إبراهيم بن أبي داود، قال: حَدَّثْنَا محمد بن عبد الله بن نُمير، قال: حَدَّثْنَا أبي، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني عبدُ السَّلامُ، عن الزُّهري، عن محمد بنِ جبير بنِ مُطعم، عن النبيِّ ◌ِ﴿ ... فذ کر مثله. قال أبو جعفر: فسألَ سائلٌ عن الفقهِ المقصودِ إليه في هذين الحديثين ما هو؟ فكان جوابنا له بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أنَّه الفهمُ، ومنه قولُ الله عَزَّ وجَلَّ في كتابه مما حكاه عن نبِّه موسى ◌َ﴿ّ: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةَمِنْ لِسَانِي ◌َعْتُهُوا قولى﴾ [طه: ٢٧]، وقوله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْ إِلَيْسَحُ بِحَمْدِهِ ولكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسِيحَهُم﴾ [الإسراء: ٤٤]، أي: لا تفهمونه. (١٤٢١) من طريق أحمد بن خالد الوهبي، بهذا الإسناد. ورواه أحمد ٨٠/٤ و٨٢، وابن ماجه (٢٣١)، وابن حبان في ((المجروحين)) ٤/١ - ٥، وابن أبي حاتم في ((الجرح والتعديل)) ١٠/٢ و١٠-١١، والطبراني (١٥٤١)، وابن عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضله)) ٤١/١، والخطيب البغدادي في ((شرف أصحاب الحديث)) ص١٨، والحاكم من طرق عن محمد بن إسحاق، به. ورواه الطبراني (١٥٤٤)، والحاكم ٨٦/١-٨٧ من طريق نعيم بن حماد، عن إبراهيم بن سعدٍ، عن صالح بنٍ كيسان، عن الزهري، به. ورواه الدارمي (٢٣٣) عن سليمان بن داود الزهراني، أن إسماعيل بن جعفر، ثنا عمرو بن أبي عمرو، عن عبد الرحمن الحويرث، عن محمد بن جبير بن مطعم، عن أبيه، نحوه. -٤٤٩- کتاب العلم قال: أفيكون كلُّ فِهِم فقيهاً؟. فكان جوابُنا له في ذلك: أنه لا يُقال : - كلُّ فَهم فقيةٌ، وإنْ كان قد فَقِهَ ذلك الشيءَ الذي قد فَهِمَهُ، لأنَّ الفقه لما جلَّ مقدارُه، وتجاوزَ مقاديرَ كُلِّ الأشياءِ من العلوم، خُصَّ أهلُه بأن قيل لهم: الفقهاءُ، ورُفِعُوا بذلك على مَنْ سِواهم من الفقهاء، فلم يَحُزْ أن يُطلَّقَ لغيرهم من ذلك ما أُطْلِقَ لهم منه. ومما قد دَلَّ على ذلك ما قد رُوِيَ عن رسول الله ◌ِ﴿ من قوله: (الفِقْهُ یَمان)» ٥٤٨١- كما قد حَدَّثَنَا إبراهيم بن مرزوق، قال: حَدَّثْنَا وَهْبُ بن جرير، قال: حَدَّثْنَا هشامُ بنُ حَسَّانَ، عن محمد بن سيرين، عن أبي هُريرة، عن النبيِّلَ﴿ أنه قال: ((الإِيمَانُ والفِقْهُ يَمان والحِكْمَةُ يَمَانِيَّةٌ)(١). ٥٤٨٢- وكما حَدَّثَنَا فهد بنُ سليمان، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ صالح، قال: حدثني الليثُ بنُ سعدٍ، قال: حدثني جريرُ بنُ حازم، عن أيوب السَّخْتِيانِيِّ وعبدِ الله بنِ عَوْن، عن محمدٍ بنِ سيرين، قال: حَدَّثْنَا أبو هريرة، عن رسول الله ﴿ أنه قال: «الإِيمَانُ يمان، والفِقْهُ يَمان والحِكْمَةُ یَمانِّةٌ». فسمَّى رسولُ الله ذلك فقهاً وأبانه عن سائرِ الأشياء المفهومةِ سواه، فلم يُسَمِّها فقهاً، فكذلك أهلُه انطلق لهم أنْ يُسَمَّوا فقهاء، ولم ينطلق لِمَنْ سِواهم من الفُهماء أن يُسمَّوا فُقَهاء، وثبتَ بذلك أن كلَّ فقيهِ فَهِمٌ، وأنه ليس كلُّ فَهم فقيهاً. والله نسأله التوفيق. (١) صحيح. رواه مسلم (٥٢) وسيأتي في المناقب. - ٤٥٠ - كتاب العلم ٧٨٤- بابُ بیانِ مُشْکِل ما رُوي عن رسول الله ﴾ فیما کان من قولِه وأبو هريرة حاضره: ((أيُّكُمْ بَسَطَ ثَوْبَهُ ثُمَّ اخَذَ من حديثي هذا، فإنّه لا ينْسَى شيئاً سمِعَهُ)) وإنَّ أبا هريرة فعل ذلك فَمَا نَسِيَ بعدَ ذلك شيئاً سمعهُ ٥٤٨٣- حَدَّثْنَا هارونُ بنُ كامل، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: حدَّثْني اللَّيث بن سعد، قال: حدثني يونس بن يزيد، عن ابن شِهاب، أنه قال: قال ابنُ المسيِّب: إنَّ أبا هريرة قال: يقولُون: إنَّ أبا هريرة هذا قد أكثرَ - والله الَوعِدُ- ويقولون: ما بالُ المهاجرين والأنصار لا يتحدَّثُونَ بمثلٍ أحاديثه، وسأُخْبِرُكُم عن ذلك: إنَّ إخواني مِن الأَنْصَارِ كانَ يشغّلُهم عَمَلُ أرضيهم، وأمَّا إخواني مِنَ الُهاجرين، فكان يشغَلُهم صفقهم بالأسواق، وكنتُ أُلْزَمُ رسولَ اللهِ:﴿ على مِلِ بطني، فأشهَدُ إذا غَابُوا، وأحفَظُ إذا نَسُوا، ولقد قال رسولُ الله ◌ِ ◌ّ يوماً: ((أَيُّكُمْ بَسَطَ ثوبَه فَأَخَذَ مِنْ حَدِيثِي هذا، ثم يَجْمَعُهُ إلَى صَدْرِهِ، فإنّه لا يَنْسَى شَيئاً سَمِعَهُ)) فبسطتُ بُردَةً عليَّ حتّى فَرَغَ من حديثِه، فم جمعتُهُما إلى صدْرِي، فما نسيتُ بعدَ ذلك اليوم شيئاً حدَّثَنِي به ولَوْلا آيتانِ أَنزَلَهُما الله عَزَّ وجَلَّ في كتابه ما حَدَّثْتُ بِشيْ أبداً: ﴿إِنَّ الّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَنَا مِنَ الَبَيْنَاتِ والهُدى﴾ إلى آخر الآيتين [البقرة: ١٥٩، ١٦٠](١). (١) حديث صحيح، عبد الله بن صالح متابع. ورواه مسلم (٢٤٩٢)، وابن حبان - ٤٥١- كتاب العلم . قال أبو جعفر: ففي هذا الحديث من كلام أبي هريرة: فما نسیتُ بعد ذلك تاليوم شيئاً حدثني به، يعني رسول الله ﴾ .. فقال قائل: فقد وجدناه حدَّث عن رسول الله﴿ بشيءٍ، ثمَّ نَسِيَهُ بعدَ ذلك، فذکر ٥٤٨٤- ما قد حَدَّثْنَا يُونُسُ بنُ عبد الأعلَى، قال: أخبرنا عبدُ الله بن وَهْب، قال: أخبرني يُونُس بن يزيد، عن ابن شهابٍ، أن أبا سَلَمَةً حدثه أنَّ رسولَ اللهِمَ﴿ قال: ((لا عَدْوَى))، ويحدث أن رسولَ الله ◌ُلَّ قال: ((لا يُورِدُ مُمْرِضٌ على مُصِحٌ). قال أبو سلمة: كان أبو هريرة يُحدِّث بهما كليهما عن رسولٍ الله ﴿، ثم صَمَت أبو هريرة بعد ذلك عن قوله: ((لا عَدْوَى) وأقام على: ((لا يُورِدُ مُمْرِضٌ على مُصِحٌ))، قال: فقال الحارث بن أبي ذُبَاب -وهو ابنُ عمِّ أبي هريرة -: قد كنتُ أسمعُك يا أبا هريرة تحدِّثُنا مع هذا الحديث حديثاً آخر قد سكتَّ عنه، تقولُ: قال رسولُ الله ◌ِ ﴿: ((لاَ عَدْوى) فَأَبَى أبو هريرة ذلك وقال: ((لا يُورِدُ مُمْرِضٌ على مُصِحٌ)) فَمَا رَآهُ الحارثُ بعد ذلك حتَّى غَضِبَ أبو هريرة، فَرَطَنَ بالحبشيَّة، فقال (٧١٥٣) من طريق ابن وهب، عن يونس، به. ورواه الإمام أحمد ٢٤٠/٢، والبخاري (٢٠٤٧)، ومسلم (٢٤٩٢) من طريق شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن ابن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة، به. ورواه أيضاً عن أبي هريرة: الأعرج وسعيد المقبري. وانظر (٥٤٨٧) - ٤٥٢- کتاب العلم الحارث: أتدري ماذا قلت؟ قال: لا. قال أبو هريرة أنّي قلتُ: أَبَيْتَ. قال أبو سلمة: ولَعَمْري لقد كان ابو هريرة يحدِّثْنَا أنَّ رسولَ الله ﴿ قال: ((لا عَدْوَى)) فلا ندري أنَّسِيَ أبو هريرة أمْ نسخَ أحدُ القولين الآخر (١). ٥٤٨٥- وما قد حَدَّثَنَا إبراهيم بن أبي داود، قال: حَدَّثْنَا أبو اليَمان الحَكَمُ بن نافعِ الْبَهْرَاني، قال: حَدَّثَنَا شُعيبُ بنُ أبي حمزة، عن الزُّهري، قال: أخبرني سِنانُ بن أبي سنان الدُّؤَلي، أنَّ أبا هريرة قال: قال رسول الله :﴿ُ: ((لا عَدْوى) فقام أعرابيٌّ، فقال: يا رسولَ الله أرأيتَ الإِبلَ تكون في الرِّمال أمثالَ الظّبَاء، فيأتيها الْبَعِيرُ الأجْرَبُ فتحرب كلُّها، فقال له النبيُّ ﴿: ((فمَنْ أعدَى الأوَّل؟!). قال أبو سلمة: وسمعتُ أبا هريرة يقولُ: إنَّ النبيَّ # يقول: ((لا يُورِدُ الُمْرِضُ على المُصِحِّ، فقال له الحارثُ بن أبي ذُباب الدَّوْسِي: فإنك قد كنت حدَّثْتَنَا أنَّ النبيَّمَ﴿ٌ قال: ((لا عَدْوى) فأنكر ذلك أبو هريرة. فقال الحارث: بَلَى، فتمارَى هو وأبو هريرةً حتى اشتدَّ أَمْرُهما، ثم ذكر بقيَّةَ الحديثِ الأول(٢). (١) إسناده صحيح، ورواه الإمام أحمد ٢٦٧/٢ و٤٠٦، والبخاري (٥٧٧٠) و(٥٧٧١) و(٥٧٧٣) و(٥٧٧٤) ومسلم (٢٢٢١)، وأبو داود (٣٩١١)، وابن حبان (٦١١٥)، والبيهقي ٢١٦/٧ من طرق عن الزهري، به. ورواه الإمام أحمد ٤٣٤/٢، وابن ماجه (٣٥٤١) من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، به. (٢) صحيح وهو مكرر ما قبله، ورواه البخاري (٥٧٧٥)، ومسلم (٢٢٢٠) (١٠٣) مختصراً عن أبي اليمان، بهذا الإسناد. -٤٥٣ - كتاب العلم - قال أبو جعفر: فكان جوابُنا له في ذلك: أنَّ هذا الحديثَ المذكورَ نسيان أبي هريرة إيَّه في حديث الزُّهري هذا قد يحتمِلُ أن يكونَ مَّا سِمِعَهُ مِن النبي ﴿ قبل أن يكونَ من النبيِّ ◌َ﴿ من أمرِه ما في حديث ابن المسيب عنه. وهذا أولى ما حُمِلَ عليه هذان الحديثان جميعاً، حتّى يخرجا، أنْ يكون في شيء منهما تضادٌّ أو اختلافٌ، ولا خُلفَ لوعدٍ رسول الله ﴿ ولا تضادّ في قوله. فقال هذا القائلُ: فقد رُوِيَ أيضاً عن أبي هريرة نسيانُهُ لشيءٍ آخر يقرب سماعُه إِيَّاه من رسول اللهلح﴿ٌ، فذكر: ٥٤٨٦- ما قد حَدَّثْنَا صالحُ بنُ عبد الرحمن الأنصاريُّ قال: حَدَّثْنَا أبو عبد الرحمن المقرئ، قال: حَدَّثْنَا يحيى بنُ عبد الله بنِ سالم بنِ عبد الله بنِ عُمر بنِ الخطاب، عن خازم بنِ خُزيمةَ، من تيم الرَّباب، عن مُجاهد المكي، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كُنَّا نَحْرُسُ رسولَ الله ﴿ في بعض مغازيه ذات ليلة -قال أبو جعفر: وسقط فيما أظن عن صالح -: فجئت- ثم ذكر الباقي الذي سيأتي به موصولاً بهذا الحرفِ الذي سقط عن صالح - ذات ليلةٍ إلى المكان الذي فيه رسول الله ﴿ يكون مضطجعاً، فلم أجد رسولَ الله ﴿ في مضجعِه، فعلمتُ أنَّ رسولَ اللهِ وَ﴿ إِنَّمَا أَقَامَتْهُ الصلاةُ، فتلفَّتُّ ورميتُ ببصري يميناً وشمالاً، فإذا رسولُ اللهِ ﴿ قائمٌ إلى الشجرة يصلّي، فهوَيتُ نحوه فإذا ورواه ابن أبي عاصم في ((السنة)) (٢٨٤) مختصراً، والبيهقي ٢١٧/٧ مطولاً من طريقين عن شعیب، به. -٤٥٤- كتاب العلم . رجلٌ قد أخرجه مثلُ الذي أخرجني، فقمتُ أنا وهو خلفَ رسول الله * نصلّي بصلاة رسول الله ﴿ ما شاء أن نصلّيَ، حتّى إذا كان بين ظهراني صلاتِه سجدَ سجدةً ظننتُ أنْ قد قُبضَ فيها، فابتدَرْناه فجلسنا بين يديه أنا وصاحي، فساءلنا رسولُ اللهِلَ﴿ وسأءِلْناه ثمَّ قال: ((هل أنكرتُم من صَلاتي اللَّيْلَةَ شيئاً)، قال: فُقلنا: نعم يا رسولَ اللهُ سَجَدْتَ من بين ظهراني صلاتِك سحدةً، حتَّى ظنًّا أَنَّك قد قُبضْتَ فيها. فقال رسولُ اللهِلَ﴿ٌ: ((إنّي أُعطيت فيها خمساً لم يُعطَها نبيٌّ قبلي: إنّي بُعِثْتُ إلى الناسِ كافةً أحمرِهم وأسودِهم، وكان النبيُّ قبلي يُبْعَثُ إلى أهلِ بيتِهِ أوْ إلى أهلٍ قريتِهِ، ونُصِرْتُ على عدوِّي بالرُّغْبِ مسيرةَ شهرٍ أمّامِي وشهرٍ خلفِي، وأُحِلَّتْ لي الغَنائِمُ والأخماسُ، ولم تَحِلَّ لنبي قبلي، إنّما تُؤَخِذُ فُوضعُ، فتنزلُ عليها نارٌ من السَّماء بيضاءُ، فتحْرِقُها، وجُعِلَتْ لي الأرضُ مَسجداً وطَهوراً أُصلِّي فيها حيثُ أدركتِي الصَّلاةُ، وأُعْطِيتُ حينئذٍ دعوةٌ فَذَخَرْتُها شفاعةً لأُمَّتي يومَ القيامَةِ)) قال مجاهدٌ: قال أبو هريرة: وقال لي صاحبي وكان أفضلَ منّي أو نسيتَ أفضلَها أو أخيَرَها قول رسول اللهِمَ﴿: «وأنا أرْجُوا أن تَالَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ لا يُشْرِكُ بالله شيئاً). وذكر أبو هريرة أنَّ صاحبَه ذلك كان أبا ذر الغِفَاري رضي الله عنه(١). (١) خازم بن خزيمة: ذكره ابن حبان في ((الثقات)) ٢٣٢/٨، وقال: ربما أخطأ، يعتبر حديثه براويته عن الثقات، وقال العقيلي في ((الضعفاء) ٢٦/٢: يخالف في حديثه، ثم روى حديثه هذا من طريقين عن خازم بن خزيمة البصري، بهذا الإسناد. - ٤٥٥- کتاب العلم فكان في هذا الحديث إخبارُ أبي ذر أبا هريرة نسيانَه ما قد سِعَه من رسول الله ﴿ بقرب سماعه إيّاه منه. فكان جوابنا له بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه أنَّه قد يحتملُ أن يكونَ هذا كان من أبي هريرة قبل أن يكونَ من رسولِ اللهِمُ ® فيه ما في حديث ابن المسيِّب غير الذي ذكرنا، ثم تأمَّلنا نحنُ حديث أبي هريرة في هذه القصَّة، هل رواه غيرُ سعيدِ بنِ المسيِّب فخالَفَه فيه أو وافَقَه، فخالف الأعرج فيه أو وافقه عليه؟ ٥٤٨٧- فوجدنا الربيعَ بنَ سليمان المُرادِيَّ قد حَدَّثْنَا قال: حَدَّثْنَا أسَد بن موسى، قال: حَدَّثْنَا إبراهيم بن سعد بن إبراهيم عن أبيهِ، عن عبد الرحمن الأَعْرَج، أنَّ أبا هريرة قال: يقولون: أبو هريرة يُكْثِرُ والله الْمَوْعِدُ، يقولون: ما بالُ المهاجرينَ لا يحدِّثون مثلَ حديثه، وما بالُ الأنصارِ لا يحدِّثون بمثل أحاديثِهِ، وإنّي أحدِّتُكُم عن ذلك: إنَّ إخواني من المهاجرين كان يشغَلُهم الصفقُ بالأسواقِ، وإنَّ إخواني من وحديث أبي ذر رواه ابن حبان (٦٤٦٢)، وأحمد ١٤٨/٥ من طريقين عن أبي عوانة، عن سليمان الأعمش، عن مجاهد، عن عُبيد بن عمير، عن أبي ذر، قال: قال رسول الله : ((أُعطيت خمساً لم يُعطهنَّ أحدٌ قبلي: بعثت إلى الأحمر والأسود، وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي، ونصرت بالرغب، فيرعب العدو من مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض طهوراً ومسجداً، وقيل لي: سل تعطه، واختبات دعوتي شفاعةُ لأُمتي في القيامة، وهي نائلة - إن شاء الله - لمن لم يشرك بالله شيئاً). ورواه الحاكم في المستدرك)) ٤٢٤/٢ من طريق أبي أسامة، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) ٤٧٣/٥ من طريق جرير، كلاهما عن الأعمش، بهذا الإسناد. - ٤٥٦- كتاب العلم الأنصار كان يشغّلُهم عملُ أموالهم، وكنتُ مسكيناً ألزمُ النِيَّ ◌َ﴿ على شِبَع مِلءٍ بَطْني وأحضُرُ حينَ يَغِيُون، وأعِي حينَ يَنْسَوْنَ، ولقد قال البِيُّ ◌َّ يوماً: ((إِنْ بَسَطَ أحدٌ منكم ثوبَه حتَّى أقضِيَ مَقَالَتِي هذه ثُمَّ يَجمَعُ ثوبَهُ إلى صدْرِهِ فلا يَنْسَى من مقالَتِي شيئاً أبداً) قال أبو هريرة: فبسطتُ نَمِرَةٌ ليسَ عليَّ ثوبٌ غيرِها حتّى قضَى النِيُّ ◌َ﴿ مقالَتَهُ، ثمَّ جمَعْتُه إلى صدري فوالذِي بعث محمداً:﴿ بالحق ما نَسيتُ من مقالَتَهُ تلكَ كلمةً إلى يَومِي هذا، ووالله لولا آيتان أنزلَهما الله في كتابه ما حدثْتُكم بشيءٍ أبداً، قولُ الله عَزَّ وحَلَّ: ﴿إِنَّالَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَثْرَكنَا مِنَ البَّاتِ والهدى ... ﴾ [البقرة: ١٩٥](١). فوقفنا بذلك على خلاف عبد الرحمن الأعرج سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة في هذا الحديث، وعلى رواية سعيد بن المسيِّب إياه على إطلاق نفي النسيان عن أبي هريرة ما سمعه من النبيِّ # بعد أن كمان منه فيه ما كان، وعلى رواية الأعرج عنه أنه إنّما كان ذلك من رسول الله* في المقالَةِ التي كانت منه في ذلك المجلسِ لا فيما كان أبو هريرة سمعه منه قبل ذلك، ولا فيما سواه فَمَّا سَمِعَهُ منه بعد ذلك. والله أعلم بحقيقة الأمر كان في ذلك. (١) حديث صحيح. ورواه أحمد ٢٤٠/٢ و٢٧٤، وأبو خيثمة في ((العلم)) (٩٦)، والبخاري (١١٨) و(٢٣٥٠) و(٧٣٥٤)، ومسلم (٢٤٩٢) (١٥٩)، والنسائي في ((الكبرى) كما في «التحفة) ٢١٧/١٠، وابن ماجه (٢٦٢)، والبغوي (٣٧٢٣) من طرق عن الزهري، عن عبد الرحمن الأعرج، بهذا الإسناد. -٤٥٧- كتاب العلم وقد استدلَّ قومٌ على تثبيت ما رَوى الأعرجُ عن أبي هريرة في ذلك من ما قَضَوا له على سعيد بن المسيِّب فيما رواهُ عن أبي هريرة من ذلك مما خالفَه فيه ثَمّا قد رواهُ عنه غيرُهما. ٥٤٨٨- حَدَّثْنَا يونس، قال: حَدَّثْنَا ابنُ وهب، قال: وأخبرني - يعني عبد الرحمن بن سلمان- عن عقيل، عن المغيرة بن حَكيم أنَّه سَمِعَ من أبي هريرة ... (١) [ح]. وما قد حَدَّثْنَا ابن أبي داود، قال: حَدَّثْنَا أحمد بن خالد الوَهْبِي، قال: حَدَّثَنَا ابنُ إسحاق، عن عمرو بن شُعيب، عن الْمُغِيرة بنِ حكيم ومُجَاهد أنَّهما سَمِعَا أبا هريرةٍ يقولُ: ما كانَ أحدٌ أحفظَ لحديثِ لحديثِ رسول ◌ِ﴿ مِنِّي إلاّ ما كانَ من عبدِ الله بن عمروٍ، فإنّي كنتُ أَعِي بقليِي، وكان يَعِي بقلبِهِ، ويكتبُ بيدِهِ، استأذنٌ B البِيَّ ◌ِ﴿ في ذلك، فأذِنَ له(٢). ٥٤٨٩- وما قد حَدَّثْنَا محمد بن خُزيمة، قال: حَدَّثْنَا إبراهيم بن (١) عبد الرحمن بن سلمان -وهو الحجري الرعيني المصري- قال البخاري: فيه نظر، وقال ابن يونس: يروي عن عقيل غرائب ينفرد بها، وهو ثقة، وقال أبو حاتم: مضطرب الحديث، يروي عن عقيل أحاديث عن مشيخة لعقيل يدخل بينهم الزهري في شيء سمعه عقيل من أولئك المشيخة، ما رأيت من حديثه منكراً، وهو صالح الحديث، وقال النسائي وابن حجر في التقريب: لا بأس به. ورواه العقيلي في ((الضعفاء)) ٣٣٤/٢ في ترجمة عبد الرحمن بن سلمان من طريق أحمد بن صالح، حَدَّثَنَا ابن وهب، بهذا الإسناد. وانظر ما يأتي ... (٢) رجاله ثقات إلاّ أن ابن إسحاق مدلس، وقد عنعنه، لكن الطريق السالفة تقويه، وقد حسن الحافظ هذا الإستاد في ((الفتح)) ٢٠٧/١. ورواه أحمد ٤٠٣/٢ من طریق ابن إسحاق، به. -٤٥٨- كتاب العلم . بَشَّار، قال: حَدَّثْنَا سُفيان، عن عمرو بن دينار، عن وَهُب بن مُنَبِّه، عن أخيه، عن أبي هُريرة، قال: مَا مِنْ أصحابِ رسولِ الله :﴿ أحدٌ أكثرَ حديثاً عنه منّي إلاَّ عبدَ الله بن عَمرو، فإنّه كان يكتُب، وكنت لا أكتبُ(١). قالوا: فكان معقولاً أنَّ ما خُصَّ به أبو هريرة ثَمّا كان أخَذَه من حديثِ رسول الله :﴿ إِنَّما هو حفظُه له لا مَا سِواه، وأنَّ الذي خُصَّ به عبدُ الله بن عمرو هو حفظُه له وكتابته إيّاه. فكانت معاناةُ عبدِ الله بن عمرو في ذلك الحفظَ بقلبه والكتابَ بيدهِ، وكانت معاناةُ أبي هريرة في ذلك هو الأخذ بقلبه دونَ الكتاب بيدِهِ. فكان ما كان عبدُ الله بنُ عمرو يُعانِيه في أخذِهِ أشقَّ مما كان أبو هريرة يُعانِيه في أخذِهِ. فكان يجب أن يكونَ أبو هريرة لو كانَ ينسَى شيئاً سَمِعَ أكثرَ حديثاً عن رسول الله :﴿ وأحفظَ من عبد الله بن عمرو. قالوا: ولمّا كان الأمرُ بخلاف ذلك، وكان عبدُ الله بن عمرو أكثرَهما حديثاً عن رسول الله * وَجَبَ القضاءُ للأعرج على ابن المسيِّب فيما اختلفا فيه عن أبي هريرة رضي الله عنه، وكان الذي مع أبي هريرة ثَمّا انتفَى عنه فيه النسيانُ هو ما كان من رسولِ اللهِ﴿ٌ في ذلك المَوْطِنِ الواحدِ لا فِيما كان من قبلَه، ولا فيما كان منه بعدَه. والله نسأله التوفيق. (١) حديث صحيح. رواه الإمام أحمد ٢٤٨/٢، والبخاري (١١٣)، والترمذي (٢٦٦٨) و(٣٨٤١)، وابن حبان (٧١٥٢) من طرق عن سفيان بن عيينة، به. -٤٥٩- كتاب العلم ٧٨٥ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴿ «مَنْ یُرِد الله بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ)) ٥٤٩٠- حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ عبد الرحمن بن وهب، قال: حَدَّثَنَا عمي عَبْدُ الله بن وَهْب، قال: أخبرني يُونسُ بنُ يزيد، عن ابنِ شِهاب، قال: أخبرني حُميد بن عبد الرحمن بنِ عَوْف، قال: سمعتُ معاويةً بن أبي سفيان وهو يخطبُ يقول: سمعتُ رسولَ الله ◌ِ﴿ يقولُ: ((مَنْ يُرِدٍ الله بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ، وإِنما أنا قَاسِمٌ، وَيُعْطِي الله عَزَّ وجَلَّ، ولَنْ تَزَالَ هذه الأُمَّةُ قائِمَةٌ على أمرِ الله عَزَّ وجَلَّ لا يَضُرُّهُم مَنْ خَالَفَهُم حَتَّى يَأْتِي أَمْرُ الله عَزَّ وجَلَّ وَهُمْ ظَاهِرُونَ على النّاسِ)). ٥٤٩١- حَدَّثْنَا يونُس، قال: أخبرنا ابنُ وَهْب أن مالكاً أخبره عن يزيد بنِ زياد - قال أبو جعفر: يزيدُ هذا من بني قُرَيظة - عن محمد بن كَعبٍ القُرظي، قال: قال معاوية بن أبي سفيان -وهو على المنبر -: يا أيُّها الناس، إنَّه لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللهِ، ولا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ، ولا يَنْفَعُ ذا الجَدّ مِنْهُ الجَدُّ، مَنْ يُرِدِ الله بِهِ خَيراً يُفَقِّهْهُ في الدِّين. ثم قال: سمعتُ هؤلاء الكلماتِ من رسولِ الله:﴿ على هذه الأعوادِ. ٥٤٩٢- حَدَّثْنَا عبدُ الملك بن مروان الرَّقّي، قال: حَدَّثْنَا شجاعُ بنُ الوليد، عن عثمان بن حكيم الأنصاري، عن محمد بن كَعْب القُرَظِي، قال: قال معاويةُ في حجَّته: سمعتُ رسولَ اللهلَ﴿ّ يقولُ على هذه الأعوادِ: «اللهمَّ لا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيتَ، ولا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، مَنْ يُرِدِ الله بِهِ الخَيْرَ يُفَقّهْهُ في الدِّينِ). ٥٤٩٢ مكرر - حَدَّثْنَا إبراهيم بن مرزوق، قال: حَدَّثْنَا يحيى بن - ٤٦٠-