Indexed OCR Text

Pages 321-340

كتاب الأدب - آداب اللسان (الشعر)
٥٢٩٩- وحَدَّثْنَا أحمدُ بنُ شعيب، قال: أخبرنا عليُّ بنُ حُجر،
قال: أخبرنا شريكٌ، عن المقدام بنِ شُريح، عن أبيه، عن عائشة رَضِي
الله عنه، قيلَ لها: هل كان النبيُّ :﴿ يَتَمِثْلُ بشيءٍ من الشعر؟ قالت:
كان يتمثَّلُ بشعر ابن رواحة: ((ويأْتِيكَ بِالأخْبَارِ مَنْ لَمْ تُزَوِّدٍ)(١).
٥٣٠٠- وحَدَّثْنَا أبو أمية، قال: حَدَّثَنَا جعفر بنُ عون
المخزوميُّ، قال: حَدَّثْنَا الأجلحُ، عن أبي الزبير، عن ابنِ عباس، قال:
أنكحت عائشةُ ذاتَ قرابة لها رجلاً من الأنصار، فجاء رسولُ الله مص﴿
فقال: (أهديتُم الفتاةَ؟) قالوا: نعم، قال: ((أرسلتُم معها مَنْ يُغني؟)
قالت: لا، قال رسولُ اللهِمَ﴿: ((إنَّ الأنصارَ قَوْمٌ فِيهِم غَزَلٌ، فَلاَّ بَعَنْتُمْ
مَعَهَا مَنْ يَقُولُ:
أَيْنَاكُمْ أَيْنَاكُمْ
وحَيُّونَا نُحَيِّكُمْ)(٢).
ورواه أبو يعلى (٤٩٤٥) من طريق محمد بن بكار، عن الوليد بن أبي ثور (وهو
على ضعفه لم يسمع من عكرمة)، عن عكرمة، عن عائشة.
ورواه أبو الشيخ في (الأمثال)) (١٢) من طريق الوليد بن أبي ثور، عن سماك بن
حرب، عن عكرمة، به.
ورواه البيهقي ٢٣٩/١٠ - ٢٤٠ من طريق عبد الملك بن عبد الزيز بن جريج، عن
سماك بن حرب، عن عائشة.
(١) هو عند النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٩٩٧)، وهو مكرر ما قبله، ونسبة
البيت لابن رواحة في هذه الرواية وهم من بعض الرواة، فهو لطرفة يقيناً ما جاء
مصرحاً به في الروايات السالفة.
(٢) رواه ابن ماجه (١٩٠٠) عن إسحاق بن منصور، عن جعفر بن عون،
-٣٢١-

کتاب الأدب - آداب اللسان (الشعر)
٥٣٠١- حَدَّثْنَا فهدُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثَنَا أبو الوليد
الطيالسيُّ، قال: حَدَّثْنَا شعبةُ، قال: أخبرنا أبو إسحاق، أنَّ رجلاً من
بني قيس قال للبراء وهو يسمعُ: أقررتُم عن رسول الله لَّ يَوْمَ حُنَين؟
قال: البراءُ: لكنَّ رسولَ اللهِلَ﴿ لم يَفِرَّ، إن هوازِنَ كانوا قوماً رماةً،
وإنا لَمَّا حَمَلْنا على القَوْمِ، انهزموا، وإن القومَ أقبلُوا على القتالِ، فلقد
رأيتُ رسولَ الله ◌َّ على بغلةٍ بيضاءَ، وإن أبا سُفيان بن الحارث آخذٌ
بلجامها وهو يقولُ:
«أنا النِِّيُّ لا كَذِبْ
أنا ابنُ عبدِ الْمُطَّلِبْ)(١).
٥٣٠٢- حَدَّثَنَا إبراهيم بن أبي داود، قال: حَدَّثْنَا علي بن
الجعد، قال: أخبرنا زهيرُ بنُ معاوية، عن أبي إسحاق، قال: قال رجلٌ
للبراء، يا أبا عمارة وَلَيْتُمْ يَوْمَ حُنين؟ قال: لا واللهِ ما وَلَّى رسولُ الله
﴿، ولكنا لَقِينا قوماً رُماةً ما يَسْقُطُ لهم سهم جَمْعَ هَوازِن فَرَشَقُونا
رشقاً ما يَكادون يُخطئون، فأقبلوا هُناك إلى رسولِ الله ﴿، ورسولُ
الله﴿ على بغلته البيضاء وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقودُ
به، فنزل فاستنصَرَ وقالَ:
والبيهقي ٢٨٩/٧ من طريق أبي عَوان، كلاهما عن الأجلح، به.
(١) ورواه البخاري (٤٣١٦)، وابن حبان (٤٧٧٠) من طريق أبي الوليد، به.
ورواه الطيالسي (٧٠٧)، وأحمد ٢٨١/٤، والبخاري (٢٨٦٤) و(٤٣١٧)،
ومسلم (١٧٧٦) (٨٠)، وابن سعد ٢٤/١-٢٥، وأبو يعلى (١٧٢٧)، والطبري
(١٦٥٨٠)، والبيهقي في ((دلائل النبوة)) ١٣٣/٥ من طرق عن شعبة، به.
-٣٢٢-

كتاب الأدب - آداب اللسان (الشعر)
أنا ابنُ عبدِ الُطَّلِبْ))
(أنا الِِّيُّ لا كَذِبْ
قال: ثم صفّهم، أو قال: صَفَّنا(١).
٥٣٠٣ - وحَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ
بكر السَّهميُّ، قال: حَدَّثَنَا حميدٌ الطويل، عن أنسٍ، قال: خَرَجَ نِيُّ الله
في غداةٍ باردةٍ والمهاجرون والأنصار يحفرون الخندقَ بأيديهم،
فقال:
((اللّهِمَّ إِنَّ الخيرَ خِيرُ الآخرِهِ فاغْفِرْ للأنصار والمُهَاجِرَهُ))
فأجابوه:
على الجَهَادِ ما بَقِينا أبدا(٢)
نَحْنُ الَّذِينَ بَايَعُوا محمدا
٥٣٠٤- حُدَّثْنَا فهد، قال: حَدَّثْنَا عُمَرُ بن حفصِ بنِ غِياث،
(١) إسناده صحيح، وهو في ((مسند علي بن الجعد)) (٢٦٠٠).
ورواه البخاري (٢٩٣٠)، والبغوي (٢٧٠٦) من طريق عمرو بن خالد الحراني،
ومسلم (١٧٧٦) (٧٨) عن يحيى بن يحيى، كلاهما عن زهير بن معاوية، به.
ورواه ابن أبي شيبة ٧١٥/٨ و٥٢١/١٤-٥٢٢ و٥٢٢ و٥٠٧/١٢، وابن سعد
٢٤/١-٢٥ و٥١/٤، والطيالسي (٧٠٧)، وأحمد ٢٨٠/٤ و٢٨٩ و٣٠٤،
والبخاري (٢٨٧٤) و(٣٠٤٢) و(٤٣١٥)، ومسلم (١٧٧٦) و١٥٤/٩ و١٥٥،
وفي («الدلائل)) ١٧٧/١ و١٣٣/٥ من طرق عن أبي إسحاق به.
(٢) إسناده صحيح، ورواه الطيالسي (٢٣٥٢)، وأحمد ٢٨٥/٤ و٢٩١، وابن
سعد ٧١/٢، والبخاري (٢٨٣٧) و(٤١٠٤) و(٤١٠٦) و(٦٦٢٠)، والبغوي
(٣٤٠٣) من طرق عن شعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء.
وقوله: إن الأُلى قد بغوا علينا: ليس بموزون، وتحريره كما قال الحافظ: إِن الَّذِينَ
قَدْ بَغَوْا عَلَيْنا.
٣٢٣٠٠-

كتاب الأدب - آداب اللسان (الشعر)
قال: حَدَّثْنَا أبي، قال: حَدَّثْنَا الأعمشُ، قال: حَدَّثْنَا أبو إسحاق، عن
البراءِ أَنَّه حدَّهم أنَّ النبيَّ ◌ِ﴿ كان يقولُ:
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةٌ عَلَيْنَا
(واللهِ لَوْلا اللهُ ما اهْتَدَيْنَا
إِنَّ الأُلى قد بَغَوْا عَلَيْنَا)
وثَبِّتِ الأقْدَامَ إِنْ لاَقَیْنا
٥٣٠٥- وحَدَّثَنَا أبو أمية، قال: حَدَّثْنَا شبابةُ بنُ سَوَّار، عن
يونسَ بن أبي إسحاق، عن أبيه، قال: سمعتُ البراءَ بنَ عازب يقول:
رأيتُ رسول الله ﴿ يَنْقُلُ الترابِ يَوْمَ أُحُدٍ حتَّى ورى الترابُ شعرَ
صدرِه وهو يرتَجزُ بكلمةٍ عبد الله بن رواحة يقول:
((اللّهِمَّ لَوْلا أنتَ ما اهْتَدَيْنَا ولا تَصَدَّقْنَا ولا صَلَّيْنَا
فَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لاَقَيْنا
إِنَّ الأُلى قد بَغَوْا عَلَيْنَا وإن أرادُوا فِْشَةً أَبَيْنـا)
قال: يَمُدُّ النبيُّ :﴿ّ بها صوتَه(١).
٥٣٠٦- وحَدَّثْنَا ابنُ مرزوق، قال: حَدَّثَنَا وهبُ بن جرير، قال:
حَدَّثَنَا شعبةُ، عن عبدِ الملك بنِ عُمير، عن ابنِ أبي ليلى، عن البراء مثلَ
حديث أبي إسحاق، عن البراء غَيْرَ أَنَّه قَال:
((إذا أرادُوا فِسَةً أبينا))
قالها مراراً.
(١) رواه ابن أبي شيبة ٧١٥/٨ عن أبي الأحوص، وأحمد ٢٨٢/٤ من طريق
عمر بن أبي زائدة، و٣٠٢ من طريق إسرائيل، ثلاثتهم عن أبي إسحاق، به.
-٣٢٤-

كتاب الأدب - آداب اللسان (الشعر)
٥٣٠٧ - وحَدَّثْنَا أبو بشر الرَّقي، قال: حَدَّثَنَا الْفِريابيُّ، قال:
حَدَّثْنَا سفيانُ، عن أبي إسحاق، عن البراءِ بنِ عازِبٍ، قال: رأيتُ
النبيِّ ◌َ﴿ يَوْمَ الْخَندق وهو يقولُ، ثم ذكر مثلَه، غير أنه لم يَقُلْ: يَمُدُّ بِهَا
صوتَه، وغَيْرَ أَنَّه لم يقل: يقولها مراراً.
٥٣٠٨- وحَدَّثْنَا فهدٌ، قال: حَدَّثَنَا أبو نُعيم، قال: حَدَّثْنَا سفيانُ، عن
عبد الملك بن عُمير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال:
قالَ رسولُ اللهِلَ﴿: «أصدقُ كَلِمَةٍ قالَها الشَّاعِرُ كلمةُ لَبِيدٍ:
ألا كُلُّ شَيءٍ ما خَلاَ اللهَ بَاطِلُ
وكاد ابنُ أبي الصَّلْتِ يُسْلِمُ)(١).
٥٣٠٩- وحَدَّثَنَا عبدُ الغني بنُ أبي عقيل، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ،
عن الأسودِ بنِ قيس: سمع جندياً يقولُ: كنّا معَ رسول الله :﴿ في غزاة
فُنُكِبَتْ إصبَعُه، فقال:
(هَلْ أنْتِ إلَّ إصْبِعٌ دَميتٍ
وفي سَبِيلِ اللهِ ما لَقِيتٍ)(٢)
(١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ٣٩٣/٢، وابن أبي شيبة ٦٩٥/٨، والبخاري
(٣٨٤١)، وابن حبان (٥٧٨٤) من طريق أبي نعيم، به.
ورواه أحمد ٤٧٠/٢، والبخاري (٦١٤٧)، ومسلم (٢٢٥٦) (٣)، والترمذي في
(الشمائل)) (٢٤٢)، والبغوي (٣٣٩٩) من طرق عن عبد الرحمن بن مهدي، عن
سفيان، به.
(٢) إسناده صحيح، ورواه أحمد ٣١٣/٤، وابن أبى شيبة ٧١٦/٨، والبخاري
(٦١٤٦)، ومسلم (١٧٩٦) (١١٣)، عن سفيان، به. ورواه البخاري (٢٨٠٢)،
ومسلم (١٧٩٦) (١١٢) عن أبي عوانه، عن الأسود، به.
- ٣٢٥ -

كتاب الأدب - آداب اللسان (الشعر)
٥٣١٠- وحَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثَنَا وهبُ بنُ
جرير، قال: حَدَّثْنَا شعبةٌ، عن الأسودِ بنِ قيسٍ، عن جندب بنِ عبد الله
أن النبيَّ ◌َ﴿ كان يمشي، فأصابَ إصبَعَهُ حجرٌ، ثم ذكرَ بقيةَ الحديثِ(١).
قال أبو جعفر: فأنكر مُنْكِرٌ هذه الآثارَ كُلُّها، ودفع أن يكونَ
رسولُ الله :﴿ قال شيئاً مما ذكر عنه فيها، وقال: في كتاب الله ما قد
دفع ذلك وهو قولُه عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَمَا عَلَّنَهُ الشّعْرَ، وما يَغِي لَهُ﴾ [يس:
٦٩].
قال أبو جعفر: وكانت حُجَّتْنَا عليه بتوفيق الله وعونِه: أنَّ الذي
تلاه علينا من كتاب الله عَزَّ وجَلَّ لا يدفعُ شيئاً مما رويناه عن رسول
الله ◌َّ من هذه الآثار، لأن الذي تلاه عليناه مِن كتاب الله عَزَّ وجَلَّ
إنما هو إعلامُ الله عَزَّ وجَلَّ خلقه أنه ما علم نبيَّه :﴿ّ الشعر رداً على
المشركين في قولهم له: ﴿بَل افْتَرَاهُ بَلْ هُوَشَاعِرُ﴾ [الأنبياء: ٥]، فأَعْلَمَ الله
عَزَّ وجَلَّ خلقه أنَّه بخلاف ما قالُوا، ثم اتبع ذلك بقوله: ﴿وما يَغِي لَهُ﴾
إذ كانت المنزلةُ التي أنزله إيَّها مع النُبُوَّةِ التي آتاه إياها المنزلةَ التي لم
يُنْزِلْها أحداً من خلقه سواه، وكان مَنْ علَّمه عَزَّ وجَلَّ الشِّعْرَ مِن خلقه
قد عرفه الناسُ، وعلموا أنه الذي يشعُر ويقصِد، فيمدح بذلك قوماً
ويهجو به آخرين، ويَصِفُ به ما يميل إليه قلبُه، وتدعوه إليه نفسُه،
ورسولُ اللهِ ﴿ بخلاف ذلك، ثم دفع رسولُ الله ◌ُ﴿ عن نفسه ما
أضافوه إليه.
(١) رواه أحمد ٣١٢/٤ عن محمد بن عفر وعفان، كلاهما عن شعبة، به.
-٣٢٦ -

كتاب الأدب - آداب اللسان (الشعر)
٥٣١١- كما قد حَدَّثْنَا أبو أُمية، قال: حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ المفضل
الحَفَرِيُّ، قال: حَدَّثْنَا عيسى بنُ عبدِ الرحمن، عن عدي بنِ ثابت، عن
البراء بن عازب رضي الله عنه، قال: قالَ رسولُ اللهِمَ﴿: ((اللهمَّ إنَّ
فلاناً ابنَ فلان هجاني، وهُوَ يَعْلَمُ أَنّ لستُ بِشاعِرٍ فأهجوَه، فالعنه
عدد ما هَجاني، أو مكان ما هجاني)(١).
قال: ثم أبان الله على ألسنتهم أن الذي كانوا يسمعونه عن
رسول الله :﴿ لم يكن كما قالوا: إنه شاعر يتكلم بالشعر كما يتكلم به
أهلُه، وإنهم حملوه على الشعر، فلم يلتئمْ على لسان أحدٍ أنه شعر.
٥٣١٢- وكما حَدَّثْنَا إبراهيمُ بن مرزوق، قال: حَدَّثَنَا أبو داود
الطيالسيُّ، قال: حَدَّثْنَا سليمانُ بنُ المغيرة
٥٣١٣- وكما حَدَّثْنَا علي بن شيبة، قال: حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ هارون،
قال: أخبرنا سليمانُ بنُ المغيرة، قال: أخبرنا حُمَيْدٌ بنُ هلال العدوي،
عن عبد الله بنِ الصامتِ، عن أبي ذرٌ، قال: قال لي أخي أُنْيْسٌ: إنّي
منطلق إلى مكة، فاكْفِني حتى آتِيَكَ، فانطلق، فرات عليَّ، فقلت: ما
حَبَسَكَ؟ فقال: لقيتُ بمكة رجلاً على دينك يَزْعُمُ أن الله عَزَّ وجَلَّ
(١) أحمد بن المفضل الحفري، صدوق في حفظه شيء، وباقي رجاله ثقات.
وقال ابن أبي حاتم في «العلل) ٢٦٢/٢-٢٦٣: سألت أبي عن حديث رواه سهل
بن حماد أبو عتاب، عن عيسى بن عبد الرحمن السلمي، قال: حدثني عدي بن ثابت،
عن البراء، عن النبي * أنه قال: ((اللهم إن فلاناً هجاني وهو يعلم أني لست بشاعر
فأهجوه، فالعنه عدد ما هجاني)). قال أبي: هذا حديث خطأ، إنما يروونه عن عدي،
عن النبي # مرسلاً بلا براء.
-٣٢٧-

كتاب الأدب - آداب اللسان (الشعر)
أرسله، قلتُ: فما يقولُ فيه الناسُ؟ قال: يقولون: شاعرٌ، ويقولون:
كاهنٌ، ولقد سمعتُ قولَ الكهنة فما هو بقولهم، ولقد وضعت قوله
على أقراءِ الشِّعر، فما يلتِمُ على لسان أحد أنه شعر، قال أبو ذر: يا
ابنَ أخي (وكان أُنيس أحدَ الشعراء) فوالله إنه لَصادِقٌ، وإنهم
لكاذبون(١).
قال أبو جعفر: وكان في الشعر حُكم، ومنه قولُ رسولِ الله ◌ِ﴿ ..
(إنَّ مِن الشعر حِكمة))، وسنذكر ذلك فيما بعدُ مِن كتابنا هذا في
موضع هو أولى به من هذا الموضع إن شاء الله، فكان ما تكلّم به
رسولُ الله ◌ِ﴿ مما قد حُكِيَ عنه في هذه الآثار كلامه به هو من الحِكَم
التي في الشعر، فتكلم به على أنه حِكمة، والله يجري الحكمة على لسانه
لا أنه شعر أراده مما لا حِكمة فيه.
ومما يَدُلُّ على ذلك أنه لم يأت منه إلا بما فيه حاجته منه من هذا
الجنس لا بما سواه، وقد يتكلّمُ الرجلُ بالكلام الموزون مما لو شاء غيرُه
أو أن يبني عليه ما يكون شعراً فعل، وليس بشعر، ولا قائله شاعر،
ونحن نَجِدُ في طباع بني آدم الذي ليسوا من أهل الصناعات بعمل
الألسن كالفقه وما أشبهه، فيحكي منه شيئاً كما يحكيه الفقهاء، فلا
يكون بحكايته إيَّه فقيهاً، فمثل ذلك من يحكي بيتاً من الشعر، أو ما
دونَ البيت على وزن الشعر لا يكون به شاعراً، ولقد زعم الخليل بن
(١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ١٤٧/٥، وابن سعد ٢١٩/٤ ومسلم (٢٤٧٣)
من طريق سليمان بن المغيرة، به.
-٣٢٨-

كتاب الأدب - آداب اللسان (الشعر)
أحمد - وموضعه من العربية موضعُه، لا سيما من الشعر ومن وزنه،
ومن تقطيعه، ومن ذكر أنواعه- أن الأراجيزَ ليست بشعر، وأنها كلامٌ
من الكلام الذي يتكلم به الناسُ على وزن الشعر هو الذي يتصرع
وليس بشعر.
وفيما ذكرنا ما قد وَضَحَ به جهلُ هذا الجاهل ونفيه عن رسول الله
* ما ليس منتفياً عنه، لأنه ليس مخالفةٍ لما في الآية التي تلاها، ولأن
ما تكلم به في الآثار التي رويناها إنما كان بالحكمة التي فيها، أو بشيءٍ
عَلِقَ بلسانه من الشعر، فنطق به لم يكن به شاعراً، ولا داخلاً في المعنى
الذي نفاه الله عنه، والله عَزَّ وجَلَّ نسأله التوفيق.
٧٥٥- بابُ بیانِ مُشکل ما روي عن رسول الله ﴾ من قوله:
«اللهمّ إنَّ فُلاناً ھَجاني وهو يعلَمُ أَنِّي لست بشاعرٍ فأهجوه،
فالعَنْهُ عددَ ما هجاني، أو مكانَ ما هجاني»
قال أبو جعفر: قد ذكرنا هذا الحديث بإسناده فيما تقدَّم منا في
كتابنا هذا، فقال قائل: في هذا الحديث ما قد دَلَّ أن رسولَ الله { * لو
كان شاعراً لهجا ذلك الشاعر كما هجاه، فكيف جاز لكم أن تقبلُوا
هذا عن رسول الله ﴿ وأخلاقُه التي تروونها عنه تَدُلُّ على خلافٍ
ذلك مما كان عليه، فمما ذكر في ذلك:
٥٣١٤- ما قد حَدَّثْنَا إبراهيمُ بن مرزوق، قال: حَدَّثَنَا مسلمُ بنُ
إبراهيم الأزديُّ، قال حَدَّثْنَا سلامُ بنُ مسكين، قال: حَدَّثَنَا عَقِيلُ بنُ
-٣٢٩-

كتاب الأدب - آداب اللسان (الشعر)
طلحة، عن أبي حُرَيُّ الهُحيمي، قال: قال النبيُّنَ﴿: (يا أبا جُرَيٍّ لا
تَحْقِرَنَّ مِنَ المعروفِ شيئاً، ولو أنْ تَصُبَّ من دَلْوكَ في دَلْو
المستسقي، وأن تُلْقى أخاكَ وَوَجْهُكَ إليه منبسطٌ، وإِيَّاكَ وإسبالَ
الإزارِ، فإنه مِن الْمَخِيلَةِ، والله لا يُحِبُّ الْخُيَلاءَ))، قلتُ: يا رسول الله:
الرجل يسُبُّني بما فيَّ أسبُّه بما فيه؟ قال: (لا، فإن أجرَ ذلك لك، وإثّه
ووبالَە علیه)).
فكان في هذا الحديث أمرُ رسولِ الله لَ ﴿ بالصَّفْحِ، وتركِ السباب
لمن سَبَّ، والشعرُ من أكبر السبِّ، فَمِنْ أَيْن جاز لكم أن ترووا عنه فِثَّ
ما يُخَالِفُ هذه الأخلاق؟
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيقِ الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أن الذي
توهمه في الحديثِ الأوَّل ليس هو كما توقَّمه فيه، لأن الذي فيه من
قولِ رسولِ اللهِ ﴿: ((إنَّ فلاناً هجاني وهو يعلم أني لستُ بشاعرٍ
فأهجوه)، إنما وجهُ ذلك عندنا - والله أعلم - على نفي الشعر عنه، لأن
رتبته * أجَلُّ مِن رُتَبِ الشعراء وهي أعلى رتب النبوة، وتبليغ الرسالة
عن الله عَزَّ وجَلَّ، ولما كانت تلك منزلته في الرفعة، وكان من هجاه
منزلته المنزلة الوضيعة، إذ كان من أهل السباب، وكانوا مع ذلك إنما
يُهاجون إذا هجوا أكفّاءِهم، فأما مِنْ سوى أكفائهم، فإنهم لم يكونوا
يُهاجونهم، فكانوا يرفعون أنفسَهم عن ذلك. ومن ذلك هجاءُ حسان
بن ثابت لأبي سفيان بن الحارث لما هجا رسولَ الله ◌ِ ﴾.
٥٣١٥- كما حَدَّثَنَا يوسف بنُ يزيد، قال: حَدَّثَنَا يعقوبُ بنُ
- ٣٣٠ -

كتاب الأدب - آداب اللسان (الشعر)
إسحاق بن أبي عبَّاد، قال: حَدَّثْنَا مسلمُ بنُ خالد، عن محمد بن
السائب بن بركة، عن أمِّه، قالت: كنتُ عند عائشة في نسوةٍ، فَذُكِرَ
عندها حسانُ بنُ ثابت، فوقعن فسبينه، فقالت عائشة: لا تَسُبُّوه، فقد
أصابه ما قال الله عَزَّ وجَلَّ، وقد عَمِيَ، والله إني لأرجو أن يُدْخِلَهُ الله
عَزَّ وجَلَّ الجنة بكلمات قالهن في محمد ﴿ حين يقولُ لأبي سفيان بن
الحارث:
هَجَوْتَ محمداً فَأَجّبْتُ عنه وعِنْدَ اللهِ في ذلكَ الْجَزَاءُ
فإنَّ أبي وَوَالِدَهُ وعِرْضي لِعِرْضِ مُحَمَّدٍ مِنْكُم وِقَاءُ
أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِ كما الفِدَاءُ(١)
(١) الأبياتُ الثلاثة من قصيدة مطولة قالها حسان يومَ فتح مكة مدح بها النبيَّ ﴾،
وهجا أبا سفيان بن الحارث. مطلعها:
عفت ذاتُ الأصابع فالجِواء
إلى عذراء منزِلُها خلاء
وهي في ((ديوانه) ١٠/٣، و((سيرة ابن هشام)) ٦٤/٤ -٦٦.
وقوله حسان: فشرُّكما لخيرِكُما الفداء. قال السهيلي في (الروض الأنف))
٢٨١/٢، وتقله عنه البغدادي في (خزانة الأدب) ٩/:٢٣٧ في ظاهر اللفظ بشاعة،
لأن المعروف أن لا يقال: هو شرهما إلا وفي كليهما شر، وكذلك شر منك .. ولكن
سيبويه قال في كتابه: تقول: مررت برجل شرِّ منك: إذا نقص عن أن يكون مثلَه،
وهذا يدفع الشناعة عن الكلام الأول. ونحوٌ منه قوله ﴾: ((شرُّ صفوف الرجال
آخرها)) يريد نقصان حظهم عن حظ الصف الأول، كما قال سيبويه، ولا يجوز أن
يريدَ التفضيل في الشر.
- ٣٣١ -

كتاب الأدب - آداب اللسان (الشعر)
قال أبو جعفر: ولما كان الأمرُ كما ذكرنا، والمهاجاةُ من أهلِ
الشرف إنما تكونُ منهم لأكفائهم لا لمن ليس كذلك، كان قولُ رسولٍ
الله * الذي ذكرناه عنه في الحديث الذي ذكرنا في صدرِ هذا البابِ
لهذا المعنى، وإعلاماً منه الناسَ: أن الذي هجاه ليس بكفءٍ له، فيحتاج
إلى أن يهْجُوَهُ لو كان شاعراً، ثم أتبع ما كان منه في هجائه إيَّه بسؤاله
الله عَزَّ وجَلَّ أن يلعَنه: ﴿وَمَنْ يَلْمَنِ اللُّ غَلَنْ تَجِدَلَهَنَصِيراً﴾ [النساء: ٥٢]. والله
عَزَّ وجَلَّ نسأله التوفيق.
-٣٣٢-

كتاب الرقاق
كتاب الرقاق
-٣٣٣-

کتاب الرقاق
موضوعات كتاب الرقاق
إذا رضي الله عن العبد
٣٣٥
أُطت السماءُ وحُقَّ لها أن تئط
٣٣٧
إذا أراد الله بامرئ خير عَسله.
٣٣٩
لكل عمل شرة ..
٣٤١
هل يجزى الرجل يوم القيامة بقدر عقله
٣٤٥
الواعظ الذي في قلب المؤمن
٣٤٩
الذنوب بين العقاب والستر والعفو
٣٥١
- ٣٣٤-

كتاب الرقاق
٧٥٦ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عنه من قوله: «إذا رَضِيَ الله
تعالى عن العبد، أثنى عليه سبعة أضعافٍ من الخير لم يعملها))
وما رُوِيّ عنه في السخط مثل ذلك
٥٣١٦- حَدَّثْنَا يونسُ، حَدَّثَنَا ابنُ وهب، أخبرني حيوةُ بنُ
شريحٍ، عن سالم بنِ غيلان، عن دَرَّجٍ، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيدٍ،
عن النبيِّ عليه السَّلامُ قال: ((إذا رَضِيَ الله عن العَبْدِ، أثنى عليه سَبْعَةً
أضعافٍ من الخير لم يَعْمَلْها)) وقال في السخط مثلَه(١).
٥٣١٧- حَدَّثَنَا بكارٌ، وابنُ مرزوقٍ، قالا: حَدَّثْنَا أبو عاصم، عن
حيوة ... ثم ذكر بإسناده مثلَه(٢).
٥٣١٨- حَدَّثْنَا صالحُ بنُ عبدِ الرحمن الأنصاري، حَدَّثْنَا عبدُ الله
بن يزيد المقرئ، حَدَّثْنَا حيوةُ، أخبرني سالُ بنُ غيلان أنه سَمِعَ دراجاً
يُحدث عن أبي الهيثم، عن أبي سعيدٍ، عن رسولِ الله عليه السَّلامُ
مثله(٣).
(١) إسناده ضعيف. دراج في روايته عن أبي الهيثم - واسمه سليمان بن عمرو
العتواري- ضعيف. ورواه أحمد ٧٦/٣ من طريق ابن لهيعة عن دراج، به.
(٢) إسناده ضعيف كسابقه، ورواه أحمد ٤٠/٣، والبيهقي في ((الزهد)) (٨١٢)
من طريق أبي عاصم، به.
(٣) إسناده ضعيف كسابقيه، ورواه أحمد ٣٨/٣، وأبو يعلى (١٣٣١)، وابن
حبان (٣٦٨) من طريق عبد الله بن يزيد المقرئ، به.
وأورده الهيثمي في (المجمع) ٢٧٢/١٠-٢٧٣ وقال بعد أن نسبه لأحمد وأبي
يعلى: ورجاله وثقوا على ضعف في بعضهم.
-٣٣٥-

كتاب الرقاق
فتأملنا معنى هذا الحديثِ، فوجدنا ما فيه مِنْ ذكر الله ثناءَ الله
على عبده إذا رَضِيَ الله عنه سبعةً أضعافٍ من الخير لم يعملها قد
يحتمل أن يكونَ العبدُ إذا رَضِيَ الله عنه بأعماله الصالحة يُثني عليه سبعةً
أضعافٍ من الخير لم يعملها مما قد علم تعالى أنَّه سيعملها في المستأنَفِ،
وإن كان قد يعمل في المستأنف من الخير أضعافَها مما لا يُثني به عليه،
لأنه لا يستوجبُ ذلك، إذ كان لم يعمله، ولكن الله تعالى بفضله عليه،
ومحبته إِيَّه للخير الذي هو عليه أثنى عليه بما شاء أن يُثْنِيَ به عليه مما
هو عامِلُه في المستأنف، ولو شاء الله عَزَّ وجَلَّ أن لا يُثني عليه شيئاً مِن
ذلك إذا كان لم يعمله، لما أثنى عليه شيئاً منه، وإذا كان له عَزَّ وجَلَّ أن
لا يُثني عليه بشيءٍ مما ذكرنا، كان له أن يُثني عليه بما شاء منه، ويترك
الثناء عليه بنفسه، هذا فيمن رَضِيَ عنه، وأما من سَخِطَ عليه، فقد يجوزُ
أيضاً أن يكون يُثني عليه بسبعة أضعافٍ من الشر لم يعملها مما هو
عاملُها في المستأنف، ولعله أن يعمل في المستأنفِ من الشر أضعافَها،
ولو شاء الله تعالى أن لا يُثني عليه بذلك، لفعل، إذ كان لم يعمله إلى
ذلك الوقتِ، فأثنى عليه بماء شاء مما سيعملُه، وترك أن لا يثني عليه بما
سوى ذلك مما هو كمثل ما أثنى عليه به جَلَّ وعزَّ، والله نسألُه
التوفيق.
-٣٣٦-

كتاب الرقاق
٧٥٧- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ من قوله﴿: أُطّتِ السَّماءُ
وحُقَّ لَها أن تَئِطُّ ما منها موضِعُ قدم» في أحدِ الحدیثین
المروبينِ في ذلك، وفي الآخرِ منهما: «ما مِنْها موضعُ
أربعٍ أصابعَ إلا وفیُه مَلَكُ ساجِدٌ))
٥٣١٩ - حَدَّثْنَا أبو غسَّانَ مالكُ بنُ يحيى الَمْدانيُّ ومحمدُ بنُ بحرٍ
بنِ مَطَرِ البغداديُّ، قالا: حَدَّثَنَا عبدُ الوهَّابِ بنُ عطاء، قال: أخبرنا
سعيدٌ - وهو ابنُ أبي عَرُوبَةَ- عن قتادةً، عن صفوانَ بن مُحرزٍ، أن
ء
حكيمَ بنَ حِزامٍ، قال: بينما رسولُ اللهِ﴿ معَ أصحابِهِ إذ قالَ لهم:
((هَل تسمعونَ ما أسَعُ؟) قالوا: ما نسمعُ مِنْ شيءٍ يا رسولَ الله. قال
رسولُ اللهِ وَ﴿ِ: ((إنّي لأَسمَعُ أَطِيطَ السَّماءِ، وما تُلامُ أنْ تَنِطَّ، وما فيها
مَوضِعُ قَدَمٍ إلاّ وعليه مَلَكٌ إمَّا ساجدٌ، وإمَّا قائمٌ)(١).
٥٣٢٠ - حَدَّثْنَا أبو أميةَ، قال: حَدَّثْنَا عُبِيدُ اللهِ بنُ موسى
العبسيُّ، قال: حَدَّثْنَا إسرائيلُ بنُ يونسَ، عن إبراهيمَ بنِ الْمُهَاجِرِ، عن
مجاهدٍ، عن مُوَرِّق العِجْلِيِّ، عن أبي ذَرُ، قال: قال رسولُ اللهَ﴿: ((إِنَّ
السَّماء أطَّتْ، وحقَّ لها أن تَتِطِّ، ما فيها موضعُ أربعِ أصابعَ إلاَّ وفيه
مَلَكْ ساجدٌ، واللهِ لو تعلمون ما أعلمُ لضحِكْتُم قليلاً، ولَكِيتُم
كثيراً، ولخرجْتُم إلى الصُّعُداتِ تَجْأَرُون إلى الله)(٢).
(١) رواه الطبراني (٣١٢٢) من طريقين عن عبد الوهَّاب بن عطاء، به.
وفي الباب عن أنس بن مالك عند أبي نعيم في ((الخِلْية)) ٢٦٩/٦ بإسناد ضعيف.
(٢) إبراهيم بن المهاجر صدوق في حديثه لين.
-٣٣٧-

كتاب الرقاق
قال قائلٌ: وهل تعقِلُون أن يكونَ في موضعٍ قدمٍ أو في موضعٍ
أربعِ أصابعَ مَلَكٌ ساجدٌ أو راكعٌ؟
فكان جوابُنَا لَهُ في ذلك بتوفيقِ الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أنَّ هذا
الكلامَ كلامٌ عربٌّ يفهمُهُ المخاطبون، ويقفون على ما أرادَ رسولُ الله
﴿ به، والعربُ تُطْلِقُ أن يُقالَ: فلانٌ جالسٌ على كذا لما نَقَصَ عنه،
وفلانٌ جالسٌ على كذا لما يَفْضْلُ عنه، وذلك موجودٌ في كلامِ الناسِ،
يقولونَ: فلانٌ جالسٌ على الْحَصِيرِ، وهي مقصرةٌ عنهُ، وجلوسُه في
الحقيقةِ، عليها وعلى غيرها من الأرضِ وثمّا سِواها، ويقولون: فلانٌ
جالسٌ على الحصيرِ الفاضلةِ عنه، وكانت حقيقةُ ذلك أنَّ جلوسَه على
بعضِها لا على كُلِّها. ولما كانَ ذلك كذلكَ، كان مثلَه قولُ رسولِ الله
* في هذين الحديثينِ: «ما منها مَوْضِعُ قدمٍ)) أو: ((ما منها مَوْضِعُ أربعِ
أصابعَ إلاَّ وعليها مَلَكّ، إمَّا ساجدٌ، وإمَّا راكِعٌ) على معنى: إلّ وفيه
مَلَكَ ساجدٌ، أو إلاَّ وعليه مَلَكُ راكعٌ أو ساجدٌ، على أن كونَهُ عليه في
الحقيقةِ كونٌ عليهِ وعلى غيرِهِ، كَمَا كانَ الجلوسُ على الحصيرِ المقصرةِ
على الجالسِ عليها، جلوساً عليها، وعلى ما سواها، والله نسألُهُ
التوفيقَ.
ورواه ابن ماجه (٤١٩٠)، والحاكم ٥١٠/٢-٥١١ و٥٥٤/٤ , ٥٧٩،
والبغوي (٤١٧٢) من طرق عن عبيد الله بن موسى، به.
ورواه أحمد ١٧٢/٥ عن أسود بن عامر، والترمذي (٢٣١٢) من طريق أبي أحمد
الزبيري، كلاهما عن إسرائيل، به، وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
-٣٣٨-

كتاب الرقاق
٧٥٨- بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِي عن رسول الله ﴾ من قوله:
إِنَّ الله عَزَّ وجَلَّ إذا أراد بامرئٍ خيراً عَسَلَهُ
٥٣٢١- حَدَّثْنَا أبو أُمية، قال: حَدَّثْنَا يحيى بنُ كثير بنِ يحيى بنِ
عبد الله بنِ أبي كثير، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ يحيى بن أبي كثير، عن
أبيه، عن حُبَيْرٍ بن نُفَيْرِ، عن عَمْرٍو بنِ الحَمِقِ، قال: قال رسولُ الله
﴿: (إذا أرادُ اللهُ بِعَبْدِهِ خَيْراً عَسَلَهُ)) قالوا: وكَيْفَ يَعْسِلُه؟، قال:
(يَهْدِيه إلى عَمَلِ صالحٍ حَتَّى يَقْبِضَهُ عَلَيْهِ)(١).
٥٣٢٢- وحَدَّثْنَا فهدٌ بنُ سليمانَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ
صالح، قال: حدَّثْني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عبد الرحمن بن جُبَيْرِ، حدَّثْه
عن أبيه، عن عمرو بن الحمق، قال: سمعتُ رسولَ اللهمُ﴿ يقول: (إذا
أرادَ اللهُ عَزَّ وجَلَّ بعبدٍ خيراً عَسَلَهُ. وهل تدرون ما عَسَلَهُ؟ قالوا:
اللهُ عَزَّ وجَلَّ ورسولُه أعلمُ قال: ((يفْتَحُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ له عملاً صالحاً
بَیْنَ یدي موته حتی یرضى عنه جیرانُه أو مَنْ حوله»(٢).
(١) رواه البيهقي في ((الأسماء والصفات) ص ١٥٣ من طريق أبي أمية، به، وفيه:
يحيى بن عبد الله بن يحيى بن أبي كثير.
ورواه الخطيب في ((تاريخه)) ٤٣٤/١١ من طريق عبد الملك بن محمد الرقاشي،
فقال: حَدَّثْنَا يحيى بن كثير.
وعلقه البخاري في ((تاريخه)) ٣٠٢/٨، فقال: يحيى بن أبي كثير، عن جبير بن
نفير، عن عمرو بن الحمق ..
(٢) رواه أحمد ٢٢٤/٥، والبزار (٢١٥٥)، والبيهقي في ((الزهد)) (٨١٤)، وابن
قتيبة في ((غريب الحديث)) ٣٠١/١-٣٠٢ من طريق زيد بن الحباب، عن معاوية بن
-٣٣٩-

كتاب الرقاق
قال: فطلبنا معنى قول رسول الله :﴿ ما هو، فوجدنا العربَ
تقولُ: هذا رُمْحٌ فيه عَسَلٌ، يُريدون: في اضطرابٌ، فَشَبَّهَ سُرعته التي
هي اضطرابُه باضطرابٍ ما سواه مِن الرمح ومن غيره، فاحتمل أن
يكونَ قولُه ◌َ﴿: ((إذا أراد الله بعبد خيراً عسله): أن يكون أرادَ بِمَيْلِهِ
إِيَّاه إلى ما يُحِبُّ من الأعمالِ الصالحةِ حتى يكون ذلك سبباً لإدخاله
إِيّاهِ جَنْتَه، والله عَزَّ وجَلَّ نسأله التوفيقَ.
صالح، به، وصححه ابن حبان (٣٤٢) و(٣٤٣)، والحاكم ٣٤٠/١، ووافقه الذهبي.
ورواه الطبراني في ((مسند الشاميين)) (١٨٣) و(٢٠٢٦) من طريق بقية: حَدَّثْنَا
ابنُ ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن جُبير بن تغير، عن عمرو بن الحمق.
وأورده الهيثمي في ((المجمع)) ٢١٤/٧ من رواية أحمد واليزار، وقال: ورجال أحمد
رجال الصحيح.
ورواه القضاعي (١٣٩٠) من طريق قتادة، عن الحسن، عن عمرو بن الحمق.
قال ابن قتيبة في ((غريب الحديث)) ٣٠٢/١: قوله: ((عسله)) أُراه مأخوذاً من
العسل، شبّه العمل الصالح الذي يفتح للعبد حتى يرضى الناسُ عنه، ويطب ذكرُه
فيهم بالعسلِ.
وقال الزمخشري في ((الفائق)) ٤٢٩/٢: هو من عَسَلَ الطعام يعْسِلُه: إذا جعل فيه
العسل، كأنه شبَّه ما رزقه الله تعالى من العمل الصالح الذي طاب به ذكرُه بين قومه
بالعسلِ الذي يجعل في الطعام، فَيَحْلَوْلي به ويطيبُ.
- ٣٤٠-