Indexed OCR Text
Pages 221-240
كتاب الأدب - البذاذة (التقشف)
دُعِيَ أحدُكم وهو صائمٌ فَلْيُجِبْ، فإن كان مُفطِرًاً فَلَيَطْعَمْ، وإن كانَ
صائماً فَلْيُصَلِّ)).
٥١٥٤- حدثناه عليُّ بن معبد، قال: حَدَّثْنَا عبد الله بن بكر
السَّهْمِي، قال: حَدَّثَنَا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي
هريرة، عن النبي څ.
وفيما ذكرنا ما قد بانَ به أنَّ الشيء قد يُسَمَّى باسم الشيء، إذْ
كان كلُّ واحد منهما يفعلُ ما يفعلُه الآخر منهما، فمثلُ ذلك الحياء
ذكرَ أنه من الإيمان إذْ كان قد يكونُ منه ما يكونُ من الإيمان. والله
نسأله التوفيق.
٧٢٨ - بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ من قوله:
((البَذَاذَةُ من الإيمانِ»
٥١٥٥- حَدَّثَنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثْنَا عبد الله بن
حُمران، عن عبد الحميد بن جعفر، عن عبد الله ابنِ ثعلبة أنَّه أتى عبدَ
الرحمن بنَ كعبٍ، فقال له عبدُ الرحمن، سمعتُ أباك يحدِّث أنه سَمِعَ
الْبِيََّّ يقولُ:(البَذَاذَةُ من الإيمان)) يعني التقشُّفَ(١).
(١) إسناده قوي، ورواه الطبراني في ((الكبير)) (٧٩١) عن محمد بن عبد الله
الحضرمي، حَذَّنَا أحمد بن عاصم بن عنبسة العباداني، حَدَّثَنَا عبد الله بن حمران، به.
وقال غيرهما: عبد الله بن كعب بن مالك بدل عبد الرحمن بن كعب، فرواه أبو
داود (٤١٦١) من طريق محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي
أمامة، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبي أمامة.
- ٢٢١ -
كتاب الأدب - البذاذة (التقشف)
قال أبو جعفر: وعبد الله ابن ثعلبة هذا هو ابنُ أبي أمامة
الأنصاري من بني حارثة الذي رَوى عن النبيِّ ◌َ: «مَنْ اقْتَطَعَ بِمِينِهِ
مالَ مُسْلِمٍ، حَرَّمَ الله عليهِ الجَنَّةُ وَأَوْجَبَ لهُ النَّارَ).(١)
قال أبو جعفر: فكان معنى قولِهِ ﴿: ((البَذَاذَةُ مِنَ الإيمان)) أي:
ورواه الحميدي في ((مسنده)) (٣٥٧) عن سفيان، حَدَّثْنَا محمد بن إسحاق، عن
معبد بن كعب، عن عمه أو عن أمه أن النبي * قال: ((تعلمن يا هؤلاء أن البذاذة من
الإيمان)).
ورواه أيضاً الطبراني (٧٨٩) من طريق عبد العزيز بن عبيد الله، عن عبد الله بن
عبيد الله بن حكيم بن حزام أن أبا المنيب - وهو عبد الله بن أبي أمامة - أخبره أنه
لقي عبد الله بن كعب بن مالك، حدثني أبوك ... فذكره.
ورواهُ بعضُهم عن عبد الله بن أبي أمامة عن أبيه دون ذكر ابن كعب بن مالك.
فقد رواه ابن ماجه (٤١١٨) من طريق أيوب بن سويد، عن أسامة بن زيد، عن
عبد الله بن أبي أمامة الحارثي عن أبيه.
ورواه أحمد في ((الزهد) ص٧، ومن طريقه الحاكم ٩/١ عن عبد الرحمن بن
مهدي، وكذلك رواه القضاعي في ((مسند الشهاب)) (١٥٧) من طريق محمد بن
منصور الحارثي، عن عبد الرحمن بن مهدي.
ووراه الطبراني (٧٨٨) من طريق سعيد بن أبي مريم حَدَّثْنَا عبد الله بن المنيب بن
عبد الله بن أبي أمامة بن ثعلبة، أخبرني أبي، قال: انصرفت من المسجد، فإذا برجلٍ
عليه ثيابٌ بيض وقميص ورداء، فقال لي: أخبرني جدُّك أبو أمامة بن ثعلبة ...
ونقل المناوي في ((فيض القدير)) عن الحافظ العراقي في ((أماليه)) أنه: حديث حسن،
وقال الحافظ في ((الفتح)) ٣٦٨/١٠ حديث صحيح أخرجه أبو داود.
(١) حديث صحيح، وقد تقدم في كتاب الأيمان والنذور.
- ٢٢٢ -
كتاب الأدب - البذادة (التقشف)
أنَّها من سِيما أهلِ الإيمانِ، إذ معهم الزهدُ والتواضعُ، وتركُ التكُّر،
كما كان الأنبياءُ صلوات الله عليهم قبلَهم في مثلِ ذلك.
٥١٥٦- حَذَّثَنَا إبراهيم بن مرزوق، قال: حَدَّثْنَا يعقوب
الحضْرمِي، قال: حَدَّثْنَا يزيد بنُ عطاء، قال: حَدَّثْنَا أبو إسحاق
الهَمْدَاني، عن أبي عُبيدةَ بنِ عبد الله بن مسعود، عن أبيه، قال: كانت
الأنبياءُ صلواتُ الله عليهم يلبسُون الصُّوفَ، ويركُبون الحُمُرَ، ويَحْلِبُون
الشَّاءَ، وكان لرسولِ الله :﴿وَ حِمَارٌ يقالُ له: عُفَيرُ (١).
فكان معنى قوله﴿: (الْبَذَاذَةُ من الإيمان)) أنها من أخلاق أهل
الإيمان، فجعلها بذلك من الإيمان. والله نسأله التوفيقَ.
(١) إسنادَه ضعيف. يزيدُ بن عطاء -وهو أبو خالد البزار- ليِّن الحديث وأبو
عبيدة بن عبد الله بن مسعود لم يسمع من أبيه، وروايته عنه منقطعة.
ورواهُ ابنُ سعد في («الطبقات)) ٤٩٢/١ عن يعقوب الحضرمي، به.
- ٢٢٣ -
کتاب الأدب - حديث (الناس كالإبل المئة)
٧٢٩- بابُ بیانِ مُشکل ما رُوي عن رسول الله ﴾ من قوله:
(إِنَّمَا النَّاسُ كإِبلِ مئةٍ لا تَجِدُ فيها راحِلَةً»
٥١٥٧- حَدَّثْنَا يزيدُ بن سِنان، وإبراهيم بن مرزوق جميعاً قالا:
حَدَّثَنَا وهبُ بنُ جرير، قال: حَدَّثْنَا أبي، قال: سمعتُ النعمانَ بنَ راشد
يحدث عن الزُّهري، عن سالم، عن أبيه أن النبي ◌َّ قال: ((إنّما النّاسُ
كابلِ مئةٍ لا تَجِدُ فيها راحلٌ)).
٥١٥٨- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا أبو اليَمَان،
قال: حَدَّثْنَا شعيب بن أبي حمزة، عن الزُّهريِّ، قال: حدثني سالُمُ بنُ
عبد الله، أن عبد الله بن عمر، قال: سمعتُ النبيِ﴿ٌ يقول: ((إِنّما النَّاسُ
كالإبلِ الِئَةِ لا يَكَادُ يُرَى فيها رَاحِلَةٌ)(١).
٥١٥٩- حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: حَدَّثْنَا سُويدُ بنُ نصرِ،
قال: أخبرنا عبدُ الله - يعني ابنَ المبارك- عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن
سالم، عن ابنِ عمر، عن رسول الله:﴿ٍ ... فذكرَ مثلَه(٢).
٥١٦٠- حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ شعيب، قال: أخبرنا محمد بن عُبيد بنِ
(١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ١٢١/٢، والبخاري (٦٤٩٨)، من طريق أبي
اليمان، به. ورواه أحمد ١٢٢/٢، وابنُ حِبَّان (٥٧٩٨)، والطبراني في «الكبير)»
(١٣١٠٥)، وأبو نعيم في ((أخبار أصفهان)) ٢٩٧/٢ من طرق عن الزهري، به.
(٢) إسناده صحيح. ورواه عبد الرزاق (٢٠٤٤٧)، ومن طريقه: أحمد ٨٨/٢،
ومسلم (٢٥٤٧)، والترمذي (٢٨٧٢)، وابن حبان (٦١٧٢)، والقضاعي (١٩٨)،
والبغوي (٤١٩٥) عن معمر، به. ورواه أحمد ٧/٢ و٤٤، وأبو الشيخ في (الأمثال)
(١٣١) و(١٣٢) من طرق عن معمر، به.
- ٢٢٤ -
کتاب الأدب ۔ حدیث (الناس كالإبل المئة)
محمد الكُوفِيُّ، عن سفيان، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهريِّ، عن سالم، عن أبيه،
عن رسول الله ﴿ .. فذكرَ مثلَه(١).
قال أبو جعفر: فتأملنا هذا الحديثَ فوجدنا رسولَ اللهُلِ لْ قد قال
القولَ الذي ذكرناهُ عنه فيه، فكان ظاهرُه عمومه الناسَ جميعاً به، غير
أنَّا عقلنا أنَّهِ وَ﴿ل لم يُرِدْهم جميعاً به، لأنَّ فيهم مَنْ يحمل عن غيره منهم
ما يحمِلُهُ المحمودون من الناس على مَنْ سِواهم منهم ممن يكونُ في جملة
ذلك عنهم، كمثل الرَّوَاحل التي تَبِين بما يُحمَلُ عن ما سواها من الإبل
التي ليست من الرواحل التي تحمل.
فقال قائلٌ: أفيجوزُ هذا في اللَّغةِ أن يكون شيءٌ يجري على ذكر
الناس يُراد به خاصاً منهم دون بقيَّتِهم؟
قيل له: نعم، هذا جائزٌ فيها، قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لهم النَّاسُ
أنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لِكِمْ فَأَخْشِوْهُمْ﴾ [آل عمران: ١٧٣] فكانَ في ذلك
ذكرُهُ عَزَّ وجَلَّ القائلين بذلك القول بالناس وذكرُهُ عَزَّ وجَلَّ المخبَر
عنهم بالجمع أيضاً بالناس، وهناك ناسٌ آخرون وهم المَقُولُ لهم ذلك
القول.
ولما كان ما ذكرنا جائزاً في اللُّغةِ كما وصفنا، جاز فيها أيضاً أن
يكونُ قولُ النبيِ﴿َ: ((النّاسُ كَابِلِ مِئَةٍ)) يريدُ به خاصاً من الناسُ وهُمُ
الذين لا غَنَاءَ معهم، ولا منفعةَ عندهم لِمَن سواهم من الناس كابلٍ مئة
(١) حديث صحيح، ورواه الحميديُّ (٦٦٣)، والترمذي (٢٨٧٣)، وأبو الشيخ
في («الأمثال» (١٣٢) من طريق سفيان، به.
- ٢٢٥ -
کتاب الأدب - حديث (الناس كالإبل المئة)
ليس فيها راحلةٌ تَحْمِلُ ما يَحتاج الناسُ إلى حملِه عنهم، وتكون الإِبلُ
التي لا راحلةَ فيها كالناسِ الذين لا منفعةً عندهم من علمٍ يُؤخذ عنهم،
ولا تَما سوى ذلك مما يحتاج بعضُ الناس إليه من بعض، وفي الناس
سِواهم بحمد الله ونعمته منْ هو في هِدَايةِ الناسِ لِرُشْدِهم وفي تعليمهم
إياهم أمرَ دينهم، وفي تسْدِيديهم لهم في أمورهم، وفي حمل الكل عنهم
كثيرٌ، [وقد روي] هذا أيضاً عن ابنِ عمر من غير هذا الوجه بألفاظٍ
سوى هذه الألفاظِ التي رُوِيَ بها هذا الحديثُ.
٥١٦١- كما قد حَدَّثَنَا يونُس، قال: أخبرنا عبدُ الله بنُ وهبٍ،
قال: أخبرني أُسامةُ بنُ زيدٍ اللَّهِيُّ، عن محمدِ بنِ عبدِ الله بنِ عمرو بنٍ
عثمان بنِ عفان، عن عبدِ الله بنِ دينارِ، عن عبدِ الله بن عمرَ، أنَّ
رسولَ اللهِ وَ﴿ قال: «النّاسُ كالإبلِ الِئَةِ هلْ تَرَى فيها راحلةٌ، أو متى
تَرَى فيها رَاحِلةٌ) قال: وقال رسولُ اللهِعَ ﴿: ((لا نعلم شيئاً خيراً من
مئةٍ مِثْلِه إلا المؤمن))(١).
قال أبو جعفر: ومعنى هذا الحديثِ كمعنى ما رويناهُ قَبْلَه في
صدر هذا البابِ، وقولُه ﴿: ((هَلْ تَرَى فيها راحِلةٌ، أو متى تَرَى فيها
راحلةً) ثُمّا قد يحتمل أن يكونَ على النفي أنْ تَرَى فيها راحلةٌ، أو تجد
فيها راحلةً، أو على الوجود لذلك في الوقت البعيد والله أعلم بما أرادَ
رسولُ الله# بذلك، وإِيَّاه نسأله التوفيق.
(١) رواه أبو الشيخ في (الأمثال) (١٣٩) عن عبد الرحمن بن أبي حاتم، عن
يونس بن عبد الأعلى، به. ورواه أحمد ١٠٩/٢ عن هارون، عن ابن وهب، به.
-٢٢٦ -
کتاب الأدب - حدیث (لايلدغ مؤمن من جحر مرتین)
٧٣٠- بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ◌َ من قوله:
(لا يُلْدَغُ المؤمن من جُحْرٍ مَرَّتینٍ))
٥١٦٢- حَدَّثْنَا أبو القاسم هِشامَ بنُ محمدِ بنِ قُرَّةَ بنِ أبي
خليفةَ، قال: حَدَّثْنَا أبو جعفرٍ أحمدُ بن محمدِ بنِ سلامةَ الأزديُّ، قال:
حَدَّثَنَا يونسُ، قال: حَدَّثْنَا ابنُ وهب وأيوبُ بن سُوَيدٍ، عن يونسَ، عن
ابن شهاب، عن ابن المسيِّب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله خط:
((إِنَّ الْمُؤٍمنَ لا يَلْدَغُ من جُحْرٍ مرَّتينٍ)) في حديث أيوب ((من جحرٍ
واحدٍ)(١).
٥١٦٣- وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ عُزَيرِ الأَيْلِيُّ، قال: حَدَّثَنَا سلامةُ بن
رَوْحٍ، عن عُقيلٍ بنِ خالدٍ، عن محمد بنِ مسلم - يعني الزُّهريَّ- أن
سعيدَ بنَ المسيِّب حدثه أنَّ أبا هريرة أخبرَهُ عن النبيِّ:﴿ قال: «لا يُلْدَغُ
المؤمن من جُحْرٍ واحدٍ مرّتین)).
٥١٦٤- وحَدَّثْنَا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: أخبرنا قُتيبةُ بنُ سعيدٍ،
قال: حَدَّثَنَا الليثُ بنُ سعد، عن عُقيل، عن ابنِ شهاب، عن ابنٍ
(١) إسناده صحيح، ورواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (١٢٧٨) عن عبد الله بن
صالح، قال: حدثني اللِّيث، قال: حدثني يونُس، به.
ورواه مسلم (٢٩٩٨) من طريقين، عن يعقوب بن إبراهيم، حَدَّثْنَا ابن أخي
الزهري، عن عمِّه، به.
ورواه ابن حبان (٦٦٣)، وأبو الشيخ في ((الأمثال)) (٩)، وأبو نعيم في ((الحلية))
١٢٧/٦ من طرق عن هشام بن خالد الأزرق، عن الوليد بن مسلم، عن سعيد بن
عبد العزيز، عن الزهري، به، وفيه قصة. وقال أبو نعيم: تفرَّد به الوليد عن سعيد.
-٢٢٧ -
كتاب الأدب - حديث (لايلدغ مؤمن من جحر مرتين)
المسيِّب، عن أبي هُريرةً، عن النبيِّ ◌َ﴿، مثلَه (١).
قال أبو جعفر: فتأملُنا هذا الحديث، فوجدنا كلَّ من حدثّناه ممن
ذكرناهُ في هذا البابِ ومن غيرهم ثمّن لم يُذكر فيه، إنما حدَّثُوناه: (لا
يُلدَغْ مؤمنٌ من جُحْرِ مرَّتين)) ويجزمون (يلد غ)) فكان ذلك عندنا -
والله أعلم- على ظاهره إنما هو على الأمرِ، وقد ذهبَ إلى ذلك قومٌ
جعلوا معناه: ألاَّ تُثنَى على مؤمن عقوبةٌ في ذنبٍ أتاه، وذلك أن الجزمَ
إذا وقعَ في هذا، كان وَجْهُهُ الأُمرَ، لا ما سواه، ومِنْ ذلك قولُ الله عَزَّ
وجَلَّ: ﴿كَلاَّلَا تُطِعْهُ واسجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، وقوله عَزَّ وجَلَّ:
﴿ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آيِماً أو كَفُوراً﴾ [الإنسان: ٢٤] في أمثال هذا في القرآن
کثیر.
وقد أبى ذلك قومٌ على قائليه، وقالوا: أصْلُ الحديثِ: ((لا يُلدَغُ
مؤمنٌ من جُحْرٍ مرَّتين) بلفظ يلدغُ، وجعلوا ذلك من الخبر، كقول الله
عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَلَ تَنِرُوانِرَةٌ ونِهْرَ أُخْرِى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وكقولِه
جلَّ وعزَّ: ﴿وَلا يخافُ عُقْبَاهَا﴾ [الشمس: ١٥]، وكقوله جل وعز: ﴿لا
(١) إسناده صحيح، ورواه البيهقي ١٢٩/١٠، وفي (الآداب)) (٤٤٧) من طريق
النسائي، به. ورواه أحمد ٣٧٩/٢، والبخاري (٦١٣٣)، ومسلم (٢٩٩٨)، وأبو
داود (٤٨٦٢)، والبغوي (٣٥٠٧)، والبيهقي في ((الآداب)) (٤٤٧) من طريق قتيبة
بن سعيد، به. ورواه الدارمي ٣١٩/٢-٣٢٠ عن عبد الله بن صالح، وابن ماجه
(٣٩٨٢) عن محمد بن الحارث، وأبو الشيخ (١٠) عن كامل بن طلحة، ثلاثتهم عن
الليث بن سعد، به.
-٢٢٨ -
کتاب الأدب - حدیث (لايلدغ مؤمن من جحر مرتين)
تَسْمَعُ فيها لاغِيةٍ﴾ [الغاشية: ١١]، كل ذلك على الخبر باستعمال الرفعِ
فيه وقالوا مُحتجِّين على أهلِ المقالةِ الأولى: لو كان التأويلُ كما
ذكرتم، لَمَا احتاجَ ﴿ إلى القصدِ بذلك إلى المؤمن، لأن الكافرَ لا تَتنى
عليه عقوبةُ ذنْبه، ولأن المنافقَ أيضاً كذلك لا تُثَنَّى عليه عقوبةُ ذنبْه،
وإِنما قصدَ النِيَُّ﴿ بهذا القول إلى المؤمن لأنه يبينُ فيه بمعنى من المعاني
سِوى المنافقِ وسوى الكافرِ، لأَنَّه إذا كان منه الذنبُ، أحزَته ذلك،
وخافَ غِبَّهُ، فكان ذلك سبباً لترك عودِه فيه أبداً، فقال النبيُّ ◌َ﴿:
لذلك: «إِنَّ المؤمنَ لا يُلْدَعُ من جُحْرِ مَرَّتين)) أيْ: لا يذنبُ ذنباً يخافُ
عقوبتَهُ، ثم يعودُ فيه بعدَ ذلك، وجعلوا معنى قوله: ((إنَّ المؤٍمنَ لا
يُلْدَغُ من جُحْرِ مرَّتينٍ» معنى قوله: إنَّ المؤمن ليس يُلدَعُ من جحرٍ
مرتين، وكذلك هي فيما تلونا مِن الآي من كتاب الله في هذا المعنى إنما
هي بمعنى ليس. وهذا عندنا - والله أعلم- أشبَهُ الوجهين بالمعنى في هذا
الباب، وقد سمعتُ يونسَ يقول بعد أن حدثّنَا هذا الحديث، قلتُ لابن
وهب: ما تفسيرُه؟ قال: الرجلُ يقعُ في الشيء يكرهُهُ، فلا يعودُ فيه،
فكان هذا مجملاً من ابن وهب، ومعناه على المعنى الذي مِلْنَا إليه، وهو
إن لم يكن ذكرَه بإعرابه، فقد ذهب إلى أن معناه المعنى الذي يوجبُ
أن يكونَ إعرابُه الرفعَ لا الجزمَ.
ومما يدلُّ على ما ذكرنا أيضاً أنَّ الله عَزَّ وجَلَّ قد ذكر في كتابهِ
التوبةَ التي أمر بها المؤمنين مِن عباده، فقال: ﴿يَا أُبِها الذِينَ آمَنُوا تَوِبُوا إلى اللهِ
جَ
تَوْبَةٌ نَصُوحاً﴾ [التحريم: ٨].
-٢٢٩ -
کتاب الأدب - حدیث (لایلدغ مؤمن من جحر مرتین)
٥١٦٥- فحدثنا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثَنَا أبو عامر
العَقديُّ، عن إسرائيلَ بنِ يونس، عن سِماكٍ - وهو ابنُ حربٍ - قال:
سَمِعْتُ النُّعمان - وهو ابنُ حميدٍ (١) - يقول: سمعتُ عمرَ بن الخطاب
رضي الله عنه يقول: التوبةُ النصوحُ أن يجتنبَ الرجلُ العملَ السوءَ كان
يعملُهُ يتوبُ إلى الله عَزَّ وجَلَّ منه، ثم لا يعودُ فيه أبداً(٢).
فكان ذلك مما قد دلَّك على ما ذكرنا من تأويلِ الحديثِ الذي
رویناهُ.
ومن ذلك ما قد رُوِيَ عن النبي # في الندمِ أنه توبة:
٥١٦٦- كما قد حَدَّثْنَا يونسُ، قال: حَدَّثْنَا سفيانُ بنُ عيينةً،
عن عبد الكريمِ الْجَزَرِي، قال: أخبرني زيادُ بنُ أبي مريم، عن عبد الله
بنِ مَعْقِلٍ، قال: دخلتُ مع أبي على عبدِ الله بن مسعود، فقال له أبي:
أنْتَ سمعتَ رسول الله﴾ يقول: (النِّدَمُ تَوْبةٌ)؟ قال: نَعَمْ (٣).
(١) كذا قال الطحاوي، وهو عند غيره: النعمان بن بشير، وليس ابن حميد.
(٢) رواه ابن أبي شيبة ٢٧٩/١٣، وهناد في (الزهد)) (٩٠١)، وعنه الطبري في
((جامع البيان)) ١٦٧/٢٨ عن أبي الأحوص، والطبري والحاكم ٤٩٥/٢ من طريق
سفيان، كلاهما عن سماك بن حرب، عن النعمان بن بشير، عن عمر.
(٣) إسناده قوي، ورواه القضاعي (١٣) من طريق يونس به.
ورواه ابن أبي شيبة ٣٦١/٩-٣٦٢، والحميدي (١٠٥)، وأحمد ٣٧٦/١
و ٤٣٣، والبخاري في ((تاريخه الكبير)) ٣٧٤/٣، وابن ماجه (٤٢٥٢)، والحاكم
٢٤٣/٤، والبيهقي في (الشعب)) (٧٠٢٩)، والخطيب في ((موضح أوهام الجمع
والتفريق)) ٢٤٩/١، والمزي في ((تهذيب الكمال)) ٥١١/٩ من طريق ابن عيينة، به.
- ٢٣٠ -
کتاب الأدب - حدیث (لا يلدغ مؤمن من جحر مرتين)
ورواه علي بن الجعد (١٨١٤)، والفسوي في (المعرفة والتاريخ)) ١٣٥/٣-١٣٦
و٣٦٢، والخطيب ٢٤٨/١، والبيهقي ١٥٤/١٠، وفي (الشعب)) (٧٠٣١)، والمزي
٥١٢/٩ من طريق سفيان الثوري، عن عبد الكريم، به.
ورواه عليّ بن الجعد (١٨١٥)، وعنه الخطيب ٢٤٩/١، عن شريك، عن عبد
الكريم، به. ورواه ابن الجعد (٢٣٤٧) عن سفيان وشريك عن عبد الكريم، به.
وقال الحافظ المزي في (تهذيب الكمال)) ٥١٢/٩: قال علي بن الجعد: عن سفيان
الثوري وشريك عن عبد الكريم، عن زياد بن أبي مَرْيم، وكأنه حمل شريك على
حديث سفيان، والمحفوظ: عن شريك، عن عبد الكريم، عن زياد بن الجراح. أ.هـ.
رواية شريك عن زياد بن الجراح: عند البخاري في ((التاريخ الكبير)) ٣٧٥/٣،
وأبو يعلى (٥٠٨١)، والخطيب في (الموضح)) ٢٥١/١ من طرق عن شريك، به.
ورواه الطيالسي (٣٨١)، ومن طريقه الخطيب البغدادي ٢٥١/١ عن زهير بن
معاوية، عن عبد الكريم الجزري، عن زياد - وليس بابن أبي مريم- عن عبد الله بن
معقل. ورواه الخطيب ٢٤٩/١ من طريق يحيى بن يحيى، أخبرنا أبو خيثمة، عن عبد
الكريم، عن زياد، عن عبد الله بن معقل، به.
وقال: وهكذا رواه شبابة بن سوار ويحيى بن بكير عن زهير.
ورواه البخاري في ((التاريخ)) ٣٧٤/٣، والفسوي ١٣٦/٣، والخطيب في («تلخيص
المتشابه)) ٢٨٠/١ من طريق أبي عاصم، عن ابن جريج، عن عبد الكريم، به.
ورواه البخاري ٣٧٥/٣، والخطيب ٢٤٩/١ - ٢٥٠، وأبو نعيم في ((الحلية)
٣١٢/٨ من طريق أبي بكر بن عياش، عن عمر بن سعيد بن مسروق الثوري -وهو
أخو سفيان الثوري- عن عبد الکریم، عن زياد بن أبي مريم، به.
ورواه الخطيب ٢٥٠/١ من طريق علي بن حجر، أخبرنا عبد الله بن عمرو، عن
عبد الکریم، عن زياد بن أبي مريم، به.
ورواه الخطيب ٢٥٠/١ من طريق علي بن حجر، أخبرنا عبد الله بن عمرو، عن
- ٢٣١ -
کتاب الأدب - حديث (لايلدغ مؤمن من جحر مرتين)
٥١٦٧- وكما حَدَّثْنَا يونس، قال: وحدثناه ابنُ وهب، عن
مالكٍ، عن عبد الكريم، عن رجلٍ، عن أبيه، عن ابنِ مسعود، عن
الْبِيِ ﴿ .. ثم ذكر مثلَه.
فكان الندمُ على ذلك مما يمنعُ من العَوْدِ إلى مثلِه، وفي ذلك دليلٌ
على ما ذكرنا، وبالله التوفيق.
عبد الکریم، عن زياد بن أبي مريم، به.
وذكر بإسناده عن يحيى بن معين قوله: لم يتابع ابن عيينة على حديث عبد
الكريم، عن زياد بن أبي مريم أحدٌ، وخالفه عبيد الله بن عمرو، وهو أروى الناس
عن عبد الكريم. قال عبيد الله: عن زياد بن الجراح، وهو غيرُ ابن أبي مريم.
ثم عقب عليه بقوله: وفي هذا إغفال شديد، لأن سفيان الثوري وأخاه قد تابعا
ابنَ عُبينة من غير اختلاف عنهما في ذلك، وأما عُبيد الله بن عمرو، فقد ذكرنا
الحديث عنه، بموافقة ابن عيينة، وإن كان المحفوظ عنه ما ذكر يحيى.
ثم ذكر الحديث ٢٥٢/١ من طرق عن عبيد الله بن عمرو، عن عبد الكريم، عن
زياد بن الجراح. ورواه الخطيب أيضاً ٢٥٢/١ من طريق الحسن بن سوار أبي العلاء،
حَدَّثنَا النضر بن عربي، حَدَّثْنَا عبيد الله بن عمرو، حَدَّثْنَا عبد الكريم، عن زياد بن
الجراح، به.
ثم قال: وخالفه أبو يزيد أحمد بن داود السجستاني، فرواه عن الحسن، عن النضر
بن عربي، عن عبد الكريم، ولم يذكر عبيد الله بن عمرو في الإسناد، وقوله أشبه
بالصواب، ثم رواه من طريق الطبراني عن أحمد بن يزيد السجستاني به. وهو عند
الطبراني في ((معجمه الصغير)) (٨٠).
ورواه أحمد ٤٢٣/١، والبخاري ٣٧٥/٣، والخطيب البغدادي ٢٥٤/١ من طريق
معمر بن سليمان الرقي، عن خصيف، عن زياد بن أبي مريم.
- ٢٣٢ -
کتاب الأدب - الدین النصيحة
٧٣١ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ من قولِهِ:
(الدِّينُ النَّصیحَةُ، ومن جوابِهِ لِمَنْ قالَ له:لِمَنْ یا رَسولَ
الله؟ بما أجابه عن ذلك
٥١٦٨- حَدَّثْنَا بكارُ بنُ قتيبةَ، قال: حَدَّثْنَا صفوانُ بنُ عيسى،
قال: حَدَّثْنَا محمد بن عجلانَ، عن القَعْقَاعِ بنِ حكيمٍ، عن أبي صالحٍ،
عن أبي هريرةَ، أن رسولَ الله ﴿. قال: ((الدّينُ النَّصِيحَةُ)) - ثلاثاً- قِيل:
لِمَنْ يَا رَسول الله؟ قال: (لَّهِ عَزَّ وجَلَّ ولِكتابهِ ولَرَسولِهِ، ولأنمَّةٍ
الُسلمينَ وعامَّتِهم))(١).
٥١٦٩- حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ شعيبٍ، قال: أخبرنا عبدُ القدوسِ بنُ
محمدٍ، قال: حدثني محمدُ بنُ جَهْضَمٍ، قال: حَدَّثْنَا إِسماعيلُ بنُ جعفرٍ،
عن ابنِ عجلانَ، عن القَعقَاعِ بنِ حكيم، وعن سُمَي، وعن عبيد الله بنِ
مِقْسِمٍ، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسولِ الله ◌ِ﴿ ... ثم ذكرَ
مِثْلَه(٦).
(١) حديث صحيح بطرقه. ورواه أحمد ٢٩٧/٢، والترمذي (١٩٢٦) عن
صفوان به. ورواه محمد بن نصر المروزيّ في ((تعظيم قدر الصلاة)) (٧٤٨) عن
إسحاق بن رَاهَوِيْهِ، عن صفوان به، وقال: هو غلط، وإنما حدث أبو صالح عن أبي
هريرة بحديث ((إن الله يرضى لكم ثلاثاً ... ) الحديث وكان عطاء بن يزيد حاضراً،
فحدَّثهم عن تميم الداريّ بحديث ((إن الدين النَّصيحة)) فسمعها سُهيل منهما. وانظر
((تغليق التعليق)) ٥٧/٢.
(٢) رجالُه رجال الصحيح غير ابن عجلان، وهو عند النسائي ١٥٧/٧، وفي
((الكبرى) كما في التحفة ٤٤٣/٩، انظر ما قبله.
-٢٣٣-
كتاب الأدب - الدين النصيحة
٥١٧٠- حَدَّثْنَا الحسنُ بنُ غُلْيْبِ بنِ سعيد الأزْدِيُّ، قال: أخبرنا
يحيى بنُ عبد الله بنِ بُكَيْرِ، قال: حدثني الليثْ بنَ سعدٍ، قال: حدثني
ابنُ العَجْلانِ، عن زيدِ بنِ أسلم، وعن القَعْقَاعِ بن حكيمٍ، عن أبي
صالح السَّمَّانِ، عن أبي هريرة، عن رسولِ اللهِعَ﴿ ... ثم ذكرَ مثلَه(١).
٥١٧١ - حَدَّثْنَا أبو أميةَ، قال: حَدَّثْنَا عليُ بنُ قادمٍ، قال: حَدَّثَنَا
سفيانُ، عن سُهيل، عن أبيه، عن عطاء بنِ يزيد، عن تميم الداريِّ، عن
رسولِ اللهِنَ﴿ ... فذكرَ مثلَه.
قال أبو جعفرٍ: وهذا الإسنادُ مما يَذْكُرُ أهلُ العلمِ بالأسانيدِ أن
عليّ بنَ قادمٍ غَلِطَ فيه، فأدخلَ فيه (أبا سهيلٍ) وهو أبو صالح بينَ
سهيلٍ، وبينَ عطاءِ بنِ يزيد، ويذكرون أنَّ أصل هذا الإسناد عن
سهيل، عن عطاءِ نفسِهِ(٢).
٥١٧٢- كما قد حَدَّثْنَا فهدُ بن سليمان، قال: حَدَّثَنَا أبو
غسان، قال: حَدَّثْنَا زهيرُ بنُ معاوية، قال: حَدَّثَنَا سهيلُ بنُ أبي صالح،
عن عطاء بنٍ يزيد، عن تميم الدّاري، قال: قال رسولُ اللهِ صَ﴿5 ... ثم
ذكرَ مثلَه(٣).
(١) ورواه النسائي ١٥٧/٧ من طريق شعيب بن اللَّيث، عن اللَّيث، بهذا
الإسناد، وقد أخطأ فيه ابن عجلان، وتّه على خطئه الحافظ في ((تغليق التعليق)).
(٢) انظر كلام الحافظ في ((تغليق التعليق)) ٥٥/٢.
(٣) إسناده صحيح. ورواه أبو داود (٤٩٤٤)، والطبراني في ((الكبير)) (١٢٦٦)،
وابن حبّان في (روضة العقلاء)) ص ١٩٤، والحافظ في ((تغليق التعليق) ٥٥/٢ مِنْ
طرق عن زهير بن معاوية، به. ورواه أحمد ١٠٢/٤ و١٠٢-١٠٣، ومسلم (٥٥)،
- ٢٣٤ -
كتاب الأدب - الدين النصيحة
قال أبو جعفر: ومما قد دَلَّ على ما قالُوه في ذلك:
٥١٧٣- ما حَدَّثَنَا بكارُ بنُ قُتِبةَ، قال: حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ بَشَّار،
قال: حَدَّثْنَا سفيان، قال: حَدَّثْنَا عمرو بن دينارِ، عن القَعْقَاعِ بنِ
حكيم، عن أبي صالح، قال: قال النِيُّ ◌َ﴿ّ: ((الدِّينُ النَّصِيحَةُ .. )) ثم ذكرَ
مثلَه. من غيرِ أن يذكرَ فيه مَنْ بَعْدَ أبي صالح أخذَ يحدثُ به عن رسول
الله ﴿، قال سفيانُ: فلقيتُ سهيلَ بنَ أبي صالحٍ، فقلتُ: حديثٌ
حدَّثَنِيهِ عمرو بن دينار، عن القعقاع، عن أبيكَ، أسمعتَهُ منه؟ قال: وما
هو؟ قلت: قول النبيِّمَ﴿ّ: ((الدِّينَ النصيحَةُ)) فقال سهيل: أنا سمعته من
الذِي سمعَهُ أبي منه، قال: سمعتُ رجلاً من أهلِ الشامِ يقالُ له عطاء بنُ
يزيد الليثي يُحَدِّثُ به أبي، عن تميم الداريِّ، أن النبيَّ ◌َ﴿ قال: «الدِّينُ
النَّصيحَةُ .. )) ثم ذكرَ بقَّةَ الحديثِ(١).
قال أبو جعفر: فَدَلَّ ذلك أن أصلَ الحديث من حديث أبي صالح
والنسائي ١٥٦/٧-١٥٧، وأبو عوانة ٣٦/١-٣٧ و٣٧، والقضاعي (١٧)،
والطبراني في ((الكبير)) (١٢٦٠) و(١٢٦١) و(١٢٦٢) و(١٢٦٤) و(١٢٦٥)
و(١٢٦٧) و(١٢٦٨)، والبيهقي في («الآداب)) (٢٤٦)، وابن حبان (٤٥٧٤)،
والمروزي في ((تعظيم قدر الصلاة)) (٧٤٧) و(٧٤٩)، والحافظ في ((تغليق التعليق))
٥٦/٢ و٥٧ من طرق عن سهيل بن أبي صالح، به، وقد صرح سهيل بالسماع من
عطاء في رواية الطبراني (١٢٦٢)، والمروزي (٧٤٧).
(١) رواه أحمد ١٠٢/٤، والبخاري في (التاريخ الصغير) ٣٤/١ و(الكبير))
٤٦٠/٦، ومسلم (٥٥)، والحميدي (٨٣٧)، والطبراني (١٢٦٣)، والقضاعي
(١٨)، والمروزي (٧٥١)، وابن حبان (٤٥٧٥) من طرق عن سفيان، به.
- ٢٣٥-
كتاب الأدب - الدين النصيحة
إنّما هو عن عطاء بن يزيد، عن تميم، اللهمَّ إلاَّ أن يكونَ أبو صالح
سَمِعَهُ من عطاء بنِ يزيد، وسمِعَهُ من أبي هريرة أيضاً.
وقد روى هذا الحديث عبدُ الله بنُ نافع، عن مالك، عن سهيل،
فخالفَ الناسَ في إسنادِهِ
٥١٧٤- كما قد حَدَّثَنَا عبيدُ بن رجال، قال: حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ
صالح، قال: قرأتُ على عبد الله بنِ نافع، قال: أخبرني مالكٌ، عن
سهيل بنِ أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، عن رسولِ الله ﴿5 ... ثم
ذكرَ الحديثَ كما ذكرنا سواء.
٥١٧٥- وقد حَدَّثْنَا محمد بنُ خزيمة، قال: حَدَّثْنَا مُعَلَّى بنُ أسدٍ،
قال: حَدَّثْنَا عبدُ العزيز بنُ المختار، عن سهيلِ بنِ أبي صالح، عن عطاءِ
بنِ يزيد، عن تَميمٍ الدَّاريِّ، عن رسولِ اللهِ﴿ .. ثم ذكرَ هذا الحديثَ
كما ذَكرَهُ فهدٌّ، عن أبي غسان، عن زهير، عن سُهيل.
قال أبو جعفرٍ: فقَوِيَ في القلوبِ أن أصلّ هذا الحديثِ عن سهيل
هو كما حدثهُ عنه زهيرُ بنُ معاوية، وعبد العزيز بنُ المختار، لا كما قد
حدثهُ سِواهما لا سيَّما وقد بَيَّن ابنُ عبينةً عنه في ذلك ما قد ذكرناهُ
عن بكّارِ، عن إبراهيمَ بنِ بشار، في هذا الباب. وقد وجدنا هذا
الحديث عن رسول الله 8* من غيرِ حديث أبي هريرة وتميمٍ الداري.
٥١٧٦- كما قد حَدَّثْنَا بكار بن قتيبة، قال: حَدَّثْنَا أبو هَمَّامٍ
الدَّلاَّلُ، قال: حَدَّثْنَا هشامُ بنُ سعد، عن زيدِ بنِ أسلم ونافع، عن ابنِ
عمرَ، قال: قال رسولُ الله :﴿: ((الدِّينُ النَّصيحَةُ .. )) ثم ذكر بقيَّةً
-٢٣٦ -
كتاب الأدب - الدین النصيحة
الحديثِ كمثلٍ حديثِهِ عن صفوان الذي ذكرناهُ في هذا البابِ(١).
فقال قائلٌ: كيف تقبلون هذا وتُصحِّحونَهُ عن رسولِ الله ◌ِ﴿ٌ
وفيه: ((الدِّينُ النَّصيحَةُ) وكيف يكون الدِّين النصيحَةَ وقد وجدتم الله
عَزَّ وجَلَّ قال في كتابه: ﴿إِنَّالدِّينَ عِندَ اللّهِالإسلامُ﴾ [آل عمران: ١٩]؟
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونِه: أنَّ الذي
رويناهُ عن رسول اللهَ#ٌ غيرُ مخالفٍ لما تلاه علينا من كتاب الله عَزَّ
وجَلَّ، إذْ كانت النصيحةُ من الإسلامِ، وقد بايَعَ رسولَ اللهِحَلّ عليها
من بايَعَهُ على الإسلام.
٥١٧٧- كما حَدَّثَنَا عليُّ بنُ معبدٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو أحمد
الزبيريُّ، قال: حَدَّثْنَا سفيانُ، عن زيادِ بنِ عِلاَقة، قال: سمعتُ جريرَ بنَ
عبدِ الله يقولُ: بايعتُ رسولَ اللهِ ﴿ على السَّمْعِ والطاعةِ، والنَّصحِ
لكلِّ مسلمٍ. قال جريرٌ: وإنّي لكم لناصِحٌ(٢).
(١) رواه الدارمي ٣١١/٢، والبزار (٦٢)، والمروزي في ((الصلاة)) (٧٥٧)
و(٧٥٨)، والحافظ في ((التغليق)) من طريق جعفر بن عون، عن هشام بن سعد، به.
وقال البزار: وهذا لا نعلمه يُروى عن ابنِ عمر إلاّ من هذا الوجه، ولا نعلم أحداً
جمع بين زيد ونافع إلّ جعفر بن عون، عن هشام!
(٢) إسناده صحيح، ورواه أحمد ٣٦١/٤ و٣٦٦، والبخاري (٢٧٤١)، ووكيع
في «الزهد)) (٣٤٨)، والمروزي في (تعظيم قدر الصلاة)) (٧٦٣)، والطبراني (٢٤٦٣)
و(٢٤٦٧) و(٢٤٦٨) من طرق عن سفيان الثوري، به.
ورواه الحميدي (٧٩٤)، وأحمد ٣٦١/٤، ومسلم (٥٦)، والنسائي ١٤٠/٧،
وفي ((الكبرى)) كما في ((التحفة)) ٤٢١/٢، ووكيع (٣٤٨)، والطبراني (٢٤٦٥)
-٢٣٧ -
كتاب الأدب - الدين النصيحة
٥١٧٨- وكما قد حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ مرزوق، قال: حَدَّثَنَا وَهْبُ
بنُ حرير، قال: حَدَّثَنَا شعبةٌ، عن زياد بنِ عِلاقة، قال: شهدتُ جریرَ
بن عبد الله .... ثم ذكر عنه عن النبي {48* مثلَه(١).
فكان فيما ذكرنا ما قد دَلَّ على أن النصيحةَ من الإسلام.
فقال هذا القائل: أفَهي كُلُّ الإسلام الذي هو الدينُ على ما في
هذه الآثار التي رَوَيْتُموها في هذا الباب؟
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيقِ الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أنها ليست
كُلَّ الدين، ولكنها بمكانٍ من الدين جليلٍ، وكلُّ ما جلَّ من جِنْسٍ من
الأجناس، جاز أن يُطلِقَ له الاسم الذي يُسمَّى به ذلك الجنس، فيُذكَرَ
به، كما يُذكر به ذلك الجنس، من ذلك أنك تقول: النَّاسُ العربُ،
وفيهم غير العرب لجلالة العرب في الناس، ولأنهم يبينون بالخاصِّيَّةِ التي
فيهم عن سائر الناسٍ، فجازَ بذلك أن يُقال: هم الناسُ، ومن ذلك
قولُهم: المالُ النَّخلُ لجلالةِ النّخل في الأموالِ، وإنْ كان في الأموال
سِوى النّخْلِ. فمثلٌ ذلك قولُ رسول الله ﴿: ((الدِّينُ النَّصيحَةُ) هو
لجلالة موضعِ النصيحةٍ من الدين، وإن كان في الدِّين سواها.
فقال هذا القائلُ: فما معنى ما في تلك الآثارِ من قولِه:
و(٢٤٦٦) و(٢٤٦٩) و(٢٤٧٠) و(٢٤٧٢) من طرق عن زياد بن علاقة، به.
وقد رواه غیرُ واحدٍ، عن حریر. وانظر (ابن حبان)) (٤٥٤٥) و(٤٥٤٦).
(١) إسنادُه صحيح. ورواه أحمد ٤٦١/٤، والنسائي في الشروط من ((الكبرى)
كما في ((التحفة)) ٤٢١/٢ من طريق شعبة، به.
-٢٣٨ -
كتاب الأدب - الدين النصيحة
«ولِكتابهِ)؟
فكان جوابنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أن ذلك
عندنا على تعليمٍ كتابِهِ، وعلى النصحِ لمن يعلّمُونَهُ أَيَّاه في تعليمهم ما
يحتاجون إلى علمِهِ، من مُحْكَمِهِ ومن مُتشابهِهِ وما يعملُون به منه، وما
يَقِفون عنده منه، لأن الناسَ كانوا كذلك في أوَّلِ الإسلامِ يتعلمون
القرآنَ.
٥١٧٩- كما قد حَدَّثَا فهدُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله
بنُ صالح، قال: حدثني شَريكٌ، عن عطاءِ بنِ السائب، عن أبي عبد
الرحمن السُّلَميِّ، عن ابن مسعود، قال: كُنَّا نتعلَّمُ من رسولِ اللهَ﴾
عشرَ آيات، فما نُعَلِّمُ العشرَ التي بعدهنَّ حتى نتعلّم ما أُنزِلَ في هذه
العشرِ من العملِ (١).
٥١٨٠- وكما حَدَّثْنَا سليمانُ بنُ شعيب الكَيْسَانِيُّ، قال: حَدَّثْنَا
خالدُ بنُ عبد الرحمن الخراساني، قال: حَدَّثْنَا سفيان، عن عطاء بن
السائب، عن أبي عبد الرحمن السُّلميِّ، قال: أخبرنا أصحابُنَا الذين
كانوا يُعَلِّمونَا، قالوا: كنّا نُعَلَّمُ عشر آياتٍ، فما نتجَاوَزُهنَّ حتَّى نعلمَ
ما فِيهِنَّ من عَمَلٍ.
٥١٨١- وكما حَدَّثْنَا سليمان بن شعيب، قال: حَدَّثْنَا الْخَصيبُ
(١) رواه الحاكم ٥٥٧/١، وعنه البيهقي ١١٩/٣ - ١٢٠، ومن طريق البيهقي
رواه ابنُ عساكر ٩٣/٣٩ ٩٤ عن أبي العَبَّاس محمد بن يعقوب، حَدَّثْنَا العباسُ بنُ
محمد الدُّوري، حَدَّثْنَا شاذان الأسودُ بنُ عامر، حدثنا شريكٌ به.
٢٣٩
کتاب الأدب - الدین النصیحة
بنُ ناصحِ الحارثيُّ، قال: حَدَّثْنَا همَّامُ بنُ يحيى، عن عطاءِ بنِ السائب،
عن أبي عبد الرحمن السُّلمي، قال: كان أصحابُنا يُقرؤونا ويُعلِّمُونا
ويُخبرونا أن النبيَّ ◌َ﴿ كان يُقرئُ أحدَهم عشرَ آياتٍ فما يَجوزُها حتى
يَتعلَّمَ العمل فيها، قال: وقالوا: عُلِّمْنَا القُرآنَ والعمل جميعاً.
٥١٨٢- وكما حَدَّثَنَا فهدٌ، قال: حَدَّثَنَا عليٌّ بن مَعْبَدٍ، قال:
حَدَّثَنَا عُبِيدُ الله بنُ عمرو، عن زيدِ بنِ أبي أَنْسَةَ، عن القاسمِ بنِ
عوفٍ، قال: سمعتُ عبد الله بن عمر يقول: لقد عِشْنَا بُرْهَةٌ من دهرٍ
وأحدُنا يُؤْتَى الإِيمانَ قَبْلَ القرآن، وتَنْزِلُ السورةُ على محمدٍ لَ﴿، فيتعلمُ
حلالَها وحرامَها وآمرَها وزاجرَها، وما ينبغي أنْ يُوقَفَ عنده منها كما
تتعلمون أنتم اليومَ القرآنَ، ثم لقد رأيتُ اليومَ رجالاً يُؤْتَى أحدُهم
القرآنَ قبل الإِيمان، فيقرأُ ما بين فاتحتِهِ إلى خاتمتِهِ، ولا يدري ما آمرُه
ولا زاجرُه، ولا ما ينبغي أن يوقفَ عندَه منهُ، وينتثرُهُ نثرَ الدَّقَلِ.
فكان فيما روينا كيفيةُ تعليمِ النَّاس كانَ القرآنَ، وكيفيةُ أخْذِهِم
كان إِيَّهِ، وفي ذلك مِنَ المشَقَّةِ على من كان يُعَلِّمُه وعلى من كان
يتعلِّمُهُ ما لا حَفَاءَ بهِ على سامعي هذه الآثار. فأعلَّمَ رسولُ اللهَ﴿ من
سأله عن النصيحة التي ذكرها في هذه الآثارِ لِمَنْ هي، وفي ذلك
النصيحةُ لكتابِ الله، والنصيحةُ له هي النصيحةُ لمن يأخذُه تعليماً ممن
يأخذُه منه، وفيما ذكرنا بيانُ وجهِ هذا المعنى، والله نسأله التوفيقَ.
- ٢٤٠ -