Indexed OCR Text
Pages 21-40
كتاب الأدب - المناهي (الأقوال)
وَكَذا.
قال أبو جعفر: يعني: لكان كذا وكذا، ولم يكن كذا وكذا، وقد
بان مما شَرَحْنَا، وذكرنا أنْ لا تَضَادَّ، ولا اختلافَ في شيء مما قد رُوِيَ
عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في هذا الباب، وأنَّ ما تَلَوْنًا من
كتاب الله تعالى شادٌّ لذلك، شاهدٌ له، والله نسألهُ التوفيقَ.
٦٧٩ - بابُ بیانِ مُشْکِل ما رُوي عن رسول الله څ﴾ من قوله:
((لا تَقُولوا للعنَبِ: الكَرْمُ، ولكنْ قُولُوا حَدَائِقُ الأعنَابِ»
٤٨٧٧ - حَدَّثْنَا الربيعُ بن سليمان المُرادِيُّ، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الله
بنُ وهبٍ، قال: حدثني اللَّيثُ بنُ سعد، عن جعفر بنِ ربيعةً، عن عبد
الرحمن بنِ هُرُمُز الأعرج، عن أبي هريرة، أن رسولَ اللهُعَ﴿. قال: «لا
تَقُولُوا الكَرْمُ، فإِنَّما الكَرْمُ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ، ولكِنْ قُولُوا: حَدَائِقُ
الأعنابِ))(١).
٤٨٧٨ - حَدَّثْنَا عليُّ بنُ معبدٍ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنِ بكر
السَّهْمِيُّ، قال: حَدَّثَنَا هشام بنُ حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي
هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهَ ﴿: ((لا تُسَمُّوا العِنَبَ الكَرْمَ، فإنَّما
(١) إسناده صحيح، ورواه أبو داود (٤٩٧٤)، والنسائي في ((الكبرى)) كما في
((التحفة)) ١٥٧/١٠ من طرق عن ابن وهب، به.
ورواه دون قوله: ((ولكن قولوا حدائق الأعناب)) أحمد ٤٦٤/٢ و٤٧٦ و ٥٠٩،
ومسلم (٢٢٤٧) (٩) من طريقين عن الأعرج، به.
- ٢١ -
كتاب الأدب - المناهي (الأقوال)
الكَرْمُ الْمُؤْمِنُ، ولكنْ قُولُوا: الحَبَلَةِ)(١).
٤٨٧٩- حَدَّثَنَا فهدُ بنُ سليمان، قال: حَدَّثْنَا عاصمُ بنُ علي بنِ
عاصم، قال: حَدَّثْنَا شعبةُ، قال: حَدَّثَنَا سماكُ بنُ حرب، عن علقمة بنِ
وائلٍ، عن أبيه، عن النبيِّنَ﴿ قال: (لا تَقُولُوا: الكَرْمُ لِلعِنَبِ، ولكن
قُولُوا: الخَلَةُ، أو الَحَبَلُ)(٢).
فقال قائل: كيف تقبلون هذا عن رسول الله { 4. وقد رويتم عن
رسول الله قال:
٤٨٨٠ - فذكر ما قد حَدَّثَنَا يزيدُ بنُ سِنان، وفهدُ بنُ سليمان،
قالا: حَدَّثْنَا سَعِيدُ بنِ أبي مريم، قال: حَدَّثْنَا محمدُ بن مسلم الطَّائِفِيُّ،
قال: حدثني عمرو بنُ دينار، عن جابر بنِ عبد الله، قال: قال رسولُ
اللّهَةُ: ((لا صَدَقَة في شيءٍ من الزَّرْع أو النّخْلِ أو الكَرْمِ حتّى تكون
خَمْسَةً أَوْسُقٍ، ولا في الوَرِقِ حَتّى يَبْلُغَ مِنَتَي دِرْهَمٍ)(٣).
(١) إسناده صحيح، ورواه مسلم (٢٢٤٧) (٨) من طريق جرير بن حازم، عن
هشام بن حسان، به.
ورواه عبد الرزاق (٢٠٩٣٧)، ومن طرقه أحمد ٢٧٢/٢، ومسلم (٢٢٤٧)
(٦)، والبغوي (٣٣٨٨) من طريق معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين، به، وزاد في
أوله: ((لا تسبوا الدهر، فإن الدهر هو الله)).
(٢) رواه الدارمي ١١٨/٢، والبخاري في (الأدب المفرد)) (٧٩٥)، ومسلم
(٢٢٤٨)، والطبراني ٢٢/(١٤)، وابن حبان (٥٨٣١) من طرق عن شعبة، به.
(٣) رواه الحاكم ٤٠١/١ -٤٠٢ وعنه البيهقي ١٢٨/٤ من طريق الفضل بن
محمد بن المسيّب، عن سعيد بن أبي مريم، به. إلاّ أنه لم يذكر النخل والورق.
-٢٢-
كتاب الأدب - المناهي (الأقوال)
قال: في هذا ذكر رسول الله :﴿ حدائقَ الأعتابِ بالكرم. فكيف
يجوزُ لكم أن تقبلُوا عنه أَنَّه قد قال ما نَهَى أن يُقالَ.
فكان جوابُنا له بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أنَّه قد يجوزُ أن
يكون هذا القولُ كان من رسولِ الله ﴿ من تسميةِ الحدائقِ الكرمَ كانَ
قبلَ أن ينهى عما نهى عنه في الآثارِ الأُخر، ثم نَهَى عما نهى عنه في
الاثارِ الأخر، فعادَ الحكمُ إلى ما في الآثارِ الأُخر، لأنَّ الأشياءَ ما لم يُنْهَ
عنها كانت طلقاً من الأقوالِ ومن الأفعالِ، فإذا نُهِيَ عنها، عادت إلى
الحظرِ وإلى المنعِ من فعلِها ومن قولِها. وقد وجدنا كتابَ الله قد جاء
بتسميةِ الأعنابِ بالاسم الذي في آثار النهي، وهي قولُه جل وعزَّ:
﴿وَحَدَائِقَ غُلْباً﴾ [عبس: ٣٠] والله نسألُه التوفيقَ.
ورواه البيهقي من طريق داود بن عمر الضبي، عن محمد بن مسلم، عن عمرو بن
دينار، عن جابرٍ وأبي سعيد، دونَ ذكر الورق.
ورواه الحاكم ٤٠٠/١ من طريق سعيد بن سليمان عن محمد بن مسلم بلفظ: (لا
صدقة في الرّقة حتى تبلغ مئتي درهم)). وصححه على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
ورواه عبد الرزاق (٧٢٥١)، وعنه أحمد ٢٩٦/٣ عن محمد بن مسلم، به يلفظ:
((لا صدقة فيما دون خمسة أواق، ولا فيما دون خمسة أوسق، ولا فيما دون خمس
ذود)). ورواه ابن ماجه (١٧٩٤) من طريق وكيع عن محمد بن مسلم بنحو حديث
عبد الرزاق.
-٢٣ -
كتاب الأدب - المناهي (الأقوال)
٦٨٠ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ من نهيه أن
يقولَ الرجلُ: عبدِي وأمتي، وأمرِه إيّاه أن يقول مكانَ ذلك:
فتايّ وفتاتِي
٤٨٨١- حَدَّثَنَا أبو أميةَ، قال: حَدَّثْنَا قَبِيصَةُ بن عُقبة، قال:
حَدَّثْنَا سفيان، عن الأعمش، عن ذَكوان، عن أبي هريرة - قال قَبيصةُ:
أراهُ قد رفعهُ - قال: لا يَقُلْ أحَدْكُمْ: عَبْدي - فَكُلُّكُمْ عَبدٌ - ولكنْ
لِيَقُلْ: (فَتَايَ)(١).
٤٨٨٢- حَدَّثْنَا ابنُ أبي داود، قال: حَدَّثْنَا سعيد بن أبي مريم،
قال: حَدَّثْنَا أبو غَسَّان، قال: حدثني العلاءُ بن عبد الرحمن مَوْلَى
الْحُرَقَة، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله مع﴿: (لا يَقُولَنَّ
أحَدُكُمْ: عَبْدِي وأمَتِي، كُلُّكُمْ عَبِيدُ الله، وكُلُّكُمْ إِمَاءُ الله، ولكِنْ
◌ِيَقُلْ: غُلامِي وجَارِيَتِي وَفَتَايَ وَفَتَاتِي)(٢).
(١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ٤٤٤/٢ و٤٩٦، وملم (٢٢٤٩) (١٤)،
والنسائي في ((اليوم والليلة)) (٢٤٢)، والبغوي (٣٣٨١) من طرق عن الأعمش، به.
(٢) إسناده صحيح، ورواه أحمد ٤٦٣/٢ و٤٨٤، والبخاري في (الأدب المفرد)
(٢٠٩)، ومسلم (٢٢٤٩) (١٣)، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٢٤١)،
والبغوي (٣٣٨٢) من طرق عن العلاء بن عبد الرحمن به.
ورواه عبد الرزاق (١٩٨٦٨) و(١٩٨٦٩)، وأحمد ٣١٦/٢ و٤٢٣ ,٥٠٨،
والبخاري (٢٥٥٢)، وفي (الأدب)) (٢١٠)، ومسلم (٢٢٤٩)، وأبو داود
(٤٩٧٥)، والنسائي في ((اليوم والليلة) (٢٤٣)، والبيهقي ١٣/٨، وفي (الآداب))
(٥٢٥)، والبغوي (٣٣٨٠) من طرق عن أبي هريرة، وعند بعضهم زيادات.
- ٢٤ -
كتاب الأدب - المناهى (الأقوال)
قال أبو جعفر: فكان فيما روينا نهيُ رسول الله﴿ أنْ يقولَ
أحدٌ لمملوكه: عبدي، ولا لمملوكتِه أمته، وأمرُه إِيَّاه أن يقول مكان
ذلك: فَتَايَ وفَتَاتي.
فقال قائلٌ: كيف تقبلونَ هذا وقد جاء كتابُ الله تعالى بإطلاق
ما حظَره هذا الحديث، قال الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿ضَرَب الله مَثَلاَ عبدامملوكاً
لَيَقْدِرُ على شَيْءٍ﴾ [النحل: ٧٥] فذكره بالعبوديَّة والملك، ووصفه بأنه
لا يقدر على شيء، وقال الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَأَنْكِحُوا الأيامَى مِكُم
والصَّالِحِينِ مِنْ عِبادِكِم وإمَانِكُمْ﴾ [النور: ٣٢].
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيقِ الله عَزَّ وحَلَّ وعونه: أَنْا نصحِّح
ذلك كُلّه، ولا نجعلُ بعضَه مخالفاً لبعض، ونجعلُ ما في قوله عَزَّ وحَلَّ:
﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ على النّسبة من غيرهم إيّاهم
إلبهم، ونجعلُ المنهيَّ عنه في الآثار التي روينا على إضافة مالكيهم إياهم
إليهم، وأنهم عبيدُهم وإماؤهم، إذْ كان ذلك يرجع إلى معنى
استكبارهم عليهم، وإن كانوا جميعاً لله عَزَّ وجَلَّ عبيداً.
وقد قال قائلٌ: إنَّ قول الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿ضَرَبَ الله مَلَا عْداً
مَعَلُوكَالْآَ يَقْدِرُ على شَيْءٍ﴾ إنَّما هو على أنه عَزَّ وجَلَّ لما ذكر العبد،
كانَ ذلك مما قد يكون على العبدِ غير المملوك، وثمّا قد يكون على
العبد المملوك، فأبان عَزَّ وجَلَّ العبد الذي أراده بقوله مملوكاً ليعلم
بذلك أنه العبد المملوك، لا العبدُ الذي ليس بمملوك، والله عَزَّ وجَلَّ
نسأله التوفيق.
- ٢٥ -
كتاب الأدب - المناهي (الأقوال)
٦٨١ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن أبي هريرة مما لا يُشَكُّ
أنه لم يَقُلْهُ من رأيه، وأنه إنَّما قالَهُ لأخذِهِ إِيَّاه عن رسول الله
﴿ إذْ كان مثلُه لا يُقال بالرأي وهو قوله: «لا يقول أحدُ كم
رَبِّي -يعنِي لمالكِهِ - ولكنْ لِيقُلْ سَيِّدِي))
٤٨٨٣- حَدَّثَنَا أبو أميةَ، قال: حَدَّثْنَا قَبِيصَةُ، قال: حَدَّثَنَا
سفيان، عن الأعمش، عن ذكوان، عن أبي هريرة -قال قبيصةُ، أُراهُ قد
رفعَه- قال: ((لا يقولنَّ أحدُكم رَبِّي -يعني لِمالكِهِ- وليقُلْ
سيِّدِي))(١).
(١) إسنادُه صحيحٌ وقد تقدم في الباب السابق.
قال الإِمامُ الخطابي: سببُ المنعِ أنَّ الإنسان مربوبٌ متعبَّد بإخلاص التوحيد لله،
وترك الإشراك معه، فكره له المضاهاة في الاسم، لئلا يدخل في معنى الشرك، ولا
فرق في ذلك بين الحر والعيد، فأما ما لا تعبد عليه من سائر الحيوانات والجمادات،
فلا يكره إطلاق ذلك عليه عند الإضافة كقوله: رب الدار، ورب الثوب، ولم يمنع
العبد أن يقول: سيدي، لأن مرجعَ السيادة إلى معنى الرياسة على من تحت يده،
والسياسة له، وحسن التدبير لأمره، ولذلك سُمي الزوج سيداً، قال الله سبحانه:
﴿وألفيا سيدها لدى الباب) وقال النبي # للحسن بن علي رضي الله عنهما: ((إن ابني
هذا سيد، وسيصلح الله به بين فتتين عظيمتين))، وقال ابنُ بطال: لا يجوزُ أن يُقال
لأحد غيرِ الله رب، كما لا يجوزُ أن يقالَ له إله، والذي يختص بالله تعالى إطلاق
الرب يلا إضافة، أما مع الإضافة، فيجوز إطلاقُه كما في قوله تعالى حكاية عن
يوسف عليه السَّلامُ: (اذكرني عند ربك)، وقوله: (ارجع إلى ربك)، وقوله عليه
السَّلامُ في أشراط الساعة: ((أن تلد الأمة رَبَّها)) فدل على أن النهي في ذلك محمول
على الإطلاق، ويحتمل أن يكون النهي للتنزيه، وما ورده من ذلك، فلبيان الجواز.
((أعلام الحديث)) ١٢٧١/٢ و((فتح الباري)) ١٧٩/٥.
- ٢٦ -
كتاب الأدب - المناهي (الأقوال)
فقال قائلٌ: فكيف تقبلون هذا حتى تمنعُوا المماليك عن قولهم هذا
لمالكيهم، وقد جاءَ كتابُ الله بإطلاق مثل ذلك. قال الله جلَّ ثَناؤُه
فيما حكاه عن نبيِّه يوسف :﴿ في تعبيرِه الرُؤيا التي اقتصَّت عليه: ﴿أَا
صَاحِبَيِ السّجْنِ أما أحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَّهُ خَمْراً﴾ [يوسف: ٤١] يعني
س
مالكه الذي هو رئيسٌ عليه. وإذا كان مثلُ هذا الرئيس على مرؤوسٍ
غيرِ مالك له، كان من مرؤوس مملوك لِمَنْ يملكه أجُوَزَ.
فكان جوابُنا له ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونه: أنَّ قولَ
يوسف ◌َ﴿ه هذا إنّما هو على الخطاب منه لِمَنْ كان يُسمي الذي اقتصَّ
رؤياهُ عليه ربّاً، فخاطَبَه بذلك على ما هو عنده عليه، لاَ أَنَّه عندَ
يوسفَ﴿ كذلك. وهكذا قولُ موسى بيُّ الله ◌َ﴿ْ لِلسَّامِري: ﴿وَأَنْظُرِإلى
إِكَ الذي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِ نُحَرِّقَّهُ ثُمَ لَتَسِفَّه ◌َ الَمْ نَسِفَا﴾ [طه: ٩٧]
ليس أنه كان عند موسَى إلهاً، لكنَّه كان عند السَّامري كذلك، فخاطَبه
موسى بذلك على ما هو عنده عليه، وليس المملوكُ يجعل مالكه ربّاً له
فُخاطب بذلك كمثل ما خاطبَ به كلُّ واحد من يوسف ومن موسى
لما خاطبه به مما ذكرناه عنه، فنهَى أن يُقال له ذلك، وأمر أن يجعل
مکانه ما لا ربوبیةً فیه.
فإن قال قائلٌ: فقد رَوَيْتُمْ عن رسول الله :﴿ أَنَّه قال في ضالَّةٍ
الإِبِلِ: «هالَك وَلَها؟! معها سِقَاؤُها وحِذاؤُها تَرِدُ الماءَ، وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ
حتّى يَلقَاهَا رَبُّها)).
٤٨٨٤- حَدَّثْنَا يونس، قال: أخبرنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني
-٢٧-
كتاب الأدب - المناهي (الأقوال)
مالك، عن ربيعةً بن أبي عبد الرحمن، عن يزيد مولى المُنَبَعِثِ، عن زيد
بن خالد الجُهَني، عن رسول اللهصل﴿ٌ بذلك(١).
فكان جوابُنا له في ذلك: أنَّ البهائم غيرُ مُتعبَّدة كما بنو آدم
متعبّدون، فكان البهائمُ بذلك بمعنى الأمْتِعة التي جائزٌ إضافتها إلى
مالِكيها، وأنَّهم أرباب لها. ومثلُ ذلك ما قد رُوِيَ عن عمر بنِ
الخطاب من قوله لهُنيّ مولاه لما بعثه على الحِمى: واتّقِ رَبَّ الصُّرَيْمَةِ
وَرَبَّ الْغُنَيْمَةِ.
٤٨٨٥- حَدَّثْنَا يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وَهْب، قال: أخبرني
مالك، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عُمر رضي الله عنه(٢).
ودلَّ ما ذكرناه على اختلاف المملوكين في الآدَمِيِّين ومِمَّن
سواهم فیما ذکرنا.
وقد قال قائلٌ: إنّما نُهِيَ المملوكون من الآدميين عن هذا القول
لمن يملكُهم، لأَنَّهم قد دخلُوا في الميثاقِ الذي أخذه الله على بني آدمَ
بقوله جل وعز: ﴿ وَذْ أَخَذَ رَّكَ مِنْ نَسِ آَهَ مِنْ ظُهُورِ هِمْ ذُرِيَِّهِمِ (٣)
(١) إسناده صحيح، وهو في (الموطأ)) ٧٥٧/٢. ومن طريق مالك رواه المصنف
في ((شرح معاني الآثار)) ١٣٤/٤، والشافعي ١٣٧/٢، والبخاري (٢٣٧٢)
و(٢٣٢٩)، ومسلم (١٧٢٢)، وأبو داود (١٧٠٥)، والنسائي في ((الكبرى) كما في
((التحفة)) ٢٤٢/٣-٢٤٣، وابن الجارود (٦٦٦)، والطبراني في ((الكبير)) (٥٢٥٠)،
والبيهقي ١٨٥/٦ و١٨٦ و١٩٢، هو البغوي (٢٢٠٧)، وابن حبان (٤٨٨٩).
(٢) صحيح، وهو في (الموطأ) ١٠٣/٢ ومن طريق مالك رواه البخاري
(٣٠٥٩).
(٣) هي قراءة نافع وابن عامر وأبي عمرو، وقرأ أهل مكة والكوفة: ﴿ذريتهم)
انظر (حجة القراءات)) ص ٣٠١-٣٠٢.
-٢٨-
كتاب الأدب - المناهي (الأقوال)
وأشهَدَهُمْ عَلَى أنْفُسِهِمْ أَسْتُ بِّكُمْ قَالُوابَى شَهِدْنَا أنْ يَقُولوا (١ ◌َوْمَ القِيامَةِ إِنَّا
كنّا عَنْ هذا غَافِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٣] فكان المملوكون من بني آدم
ثَمّن قد أخذ الله عَزَّ وجَلَّ هذا الميثاقَ كما أخذَه على بَقِيَّةٍ بني آدم
سواهم، ولم تكنْ البهائم كذلك ولا مأخوذ عليها مثلُ هذا الميثاق،
فانطلق بذلك أن يُقالَ للمملوكين سوى بني آدم القولُ الذي ذكرنا،
ومنع من ذلك في بني آدم، لأنّهم قد أُخِذَ عليهم أنَّ الله ربُّهم، فكان
إعطاؤُهم مثلَ هذا القولِ لغيره جلَّ وعزَّ، وإعطاؤُ غيرِهم فيهم مثلَ
ذلك مضاهاةً، فتُهوا عن ذلك. والله نسأله التوفيق.
٦٨٢- بابُ بیانِ مُشْکل ما رُوي عن رسول الله څ من نھیہ أن
يُقال للمنافق، سيِّد
٤٨٨٦- حَدَّثَنَا محمدُ بنُ أحمد الجواربي، حَدَّثْنَا عثمانُ بنُ
طالوت، حَدَّثْنَا معاذُ بنُ هشام، عن أبيه، عن قتادة، عن عبدِ الله بنِ
بريدة، عن أبيه، عن النِّ ◌َ﴿، قال: ((لا تَقُولُوا للمُنافِ سَيِّدٌ، فإنّه إن
يَكُنْ سَيِّدَكُم، فقد أسْخَطْتُمْ رَبَّكم)(٢).
(١) هي قراءة أبي عمرو، وقرأ الباقون: ((أن تقولوا): التاء: انظر ((حجة
القراءات)) ص٣٠٢.
(٢) إسناده قوي، ورواه أحمد ٣٤٦/٥ عن عفان، والبخاري في ((الأدب المفرد)
(٧٦٠)، والبيهقي في ((الشعب)) (٤٨٨٣) من طريق علي ابن المديني، وأبو داود
(٤٩٧٧) عن عبيد الله بن عمرو بن ميسرة، والنسائي في ((اليوم والليلة)) (٢٤٤) وعنه
ابن السني (٣٩١)، عن عبد الله بن سعيد، أربعتهم عن معاذ بن هشام، به.
-٢٩ -
كتاب الأدب - المناهي (الأقوال)
قال أبو جعفر: فتأملنا ما في هذا الحديثِ، فوجدنا السيدَ
المستحقَّ للسُّؤُدُدِ هو الذي معه الأسبابُ العالية التي يستحقُّ بها ذلك،
ويَبينُ بها عمن سواهُ ممن سَادَهُ، كما قال رسولُ اللهِ مَ ◌ّ للأنصار لما
أقبل إليه سعدُ بنُ معاذٍ بعدَ أن حَكَمَ في بني قريظة بما كان حَكَمَ به
فيهم، وبعد أن قال له رسول الله 8# في حُكْمِه ذلك: (لَقَدْ حَكَمْتَ
فِيهِمْ بِحُكْمِ اللهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَماواتٍ. قُوموا إلى سَيِّدِكُم).
وقد ذكرنا ذلك بإسناده فيما تقدم منا في كتابنا هذا.
ومن ذلك قولُه ﴿ لِبِي سَلِمَة: ((مَنْ سَيِّدُكم يا بني سَلِمَة)؟ قالوا:
الجَدُّ بنُ قيس، ثم ذكر بالبُخل. فقال: ((ليس ذلك سَيِّدَكم، ولكن
سَيِّدُكُم بِشْرُ بنُ البراءِ بنِ مَعْرُورٍ)).
وقد ذكرنا ذلك أيضاً بإسناده فيما تقدَّم منا في كتابنا هذا.
وكما قال جابرُ بنُ عبدِ الله: أبو بكر رضي الله عنه سَيِّدنا،
وأعتق سيِّدَنَا -يعني بلالاً-
٤٨٨٧- كما حَدَّثْنَا عليٌّ بنُ شيبة، حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ هارون،
أخبرنا عبدُ العزيز بنُ عبدِ الله بنِ أبي سلمة، عن محمد بن المنكدر، عن
جابر، ثم ذكره(١).
ورواه الحاكم في (المستدرك)) ٣١١/٤، وأبو نعيم في ((أخبار أصبهان)) ١٩٨/٢،
والبيهقي في ((الشعب)) (٥٢٢٠)، والخطيب في ((تاريخه)) ٤٥٤/٥ من طريق عقبة بن
عبد الله بن الأصم، عن عبد الله بن بريدة، به.
(١) إسناده صحيح، ورواه ابن سعد في ((الطبقات)) ٢٣٢/٣-٢٣٣، والبخاري
- ٣٠ -
كتاب الأدب - المناهي (الأقوال)
فكان مَنْ يستحِقُّ هذا الاسمَ والكون بهذا المكان مَنْ هذه صفته،
وكان المنافقُ بضدٌ ذلك، ولما كان كذلك لم يستحِقَّ به أن يكون
سيداً، وكان مَنْ سَمَّاه بذلك واضعاً له بخلاف المكان الذي وضعه الله
بذلك، وكان بذلك مُسخِطاً لِربه.
٦٨٣ - بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ مِن قوله:
((مَنْ قالَ لأخيهِ: تَعالَ أُقَامِرْك، فليتصدَّقْ))، وما في حديث
الأوزاعي زيادة على ذلك: «فليتصدَّق بالقمار»
٤٨٨٨- قال أبو جعفر: قد روينا فيما تقدَّمَ مِنَّا في كتابنا هذا
الحديثَ من حديثِ يونس بن عبد الأعلى، عن ابنِ وهبٍ، عن يونسَ،
عن ابن شهاب، عن حُميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرةَ رضي الله
عنه أن رسولَ الله ﴿ٌ قال: «مَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ: تَعَالَ أُقَامِرْكَ،
فَلَيَتَصدَّقْ)(١).
(٣٧٥٤)، والطبراني في ((الكبير)) (١٠١٥)، والحاكم ٢٨٤/٣ من طرق، عن عبد
العزيز بن أبي سلمة، عن محمد بن المنكدر، أخبرنا جابر بن عبد الله رضي الله عنهما،
قال: كان عمر يقول: أبو بكر سيدنا ... فجعلوه من قول عمر بن الخطاب ليس من
قوله جابر.
(١) إسناده صحيح، ورواه النسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٩٩٢) عن يونس بن
عبد الأعلى، به.
ورواه عبد الرزاق (١٥٩٣١)، وأحمد ٣٠٩/٢، والبخاري (٤٨٦٠) و(٦١٠٧)
- ٣١-
كتاب الأدب - المناهي (الأقوال)
ثم وجدناه من حديث الأوزاعي، عن الزُّهريِّ، بهذا الإسناد:
«فليتصدّق بالقِمارِ)).
٤٨٨٩- كما حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ داود بن موسى، قال: حَدَّثْنَا عليّ
بنُ بحر بن بَرِّي، قال: حَدَّثَنَا الوليدُ بنُ مسلم، قال: حَدَّثَنَا الأوزاعيُّ،
عن الزهريِّ، قال: أخبرني حُميد بنُ عبد الرحمن بن عوف، عن أبي
هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسولُ اللهِ﴿: «مَنْ قَالَ فِي حَلِفِهِ:
بالاَّتِ والعُزَّى، فَلْيَقُلْ: لا إلا إلاّ الله، ومَنْ قالَ لِصاحبه: تَعالَ
أُقَامِرْكَ، فَلَتصدَّقْ بالْقِمَارِ))(١).
غير أنا وجدنا هذا الحديثَ من حديث داود بن رُشَيْدٍ، عن
الوليد، عن الأوزاعي بإضافة هذه الكلمة إلى الأوزاعي.
٤٨٩٠- حَدَّثَنَا إسحاق بنُ إبراهيمَ بنِ يونس، قال: حَدَّثَنَا داودُ
بنُ رُشَيْدٍ، قال: حَدَّثَنَا الوليد بن مسلم، قال: حَدَّثْنَا الأوزاعي، عن
الزهري، قال: أخبرني حميد، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن
و(٦٣٠١) و(٦٦٥٠)، ومسلم (١٦٤٧)، وأبو داود (٣٢٤٧)، والترمذي
(١٥٤٥)، والنسائي ٧/٧ وفي ((الكبرى)) (٤٦٠٣)، وابن ماجه (٢٠٩٦)، وابن
حبان (٥٧٠٥)، والبيهقي ٣٠/١٠، والبغوي (٢٤٣٣) من طرق عن الزهري، به.
(١) إسناده صحيح، ورواه مسلم (١٦٤٧) عن سويد بن سعيد، عن الوليد بن
مسلم، به بلفظ: ((فليتصدق بشيء).
ورواه البخاري (٦١٠٧)، والترمذي (١٥٥٤)، والبيهقي ١٤٨/١ من طريق أبي
المغيرة عبد القدوس بن حجاج، والنسائي في ((عمل اليوم والليلة)) (٩٩١) من طريق
مسكين بن بكير، "كلاهما عن الأوزاعي بلفظ: ((فليتصدق).
- ٣٢ -
كتاب الأدب - المناهي (الأقوال)
النبيَِّ، ثم ذكر نحوه، غير أنه قال: قال الأوزاعي: يَتَصَدَّقُ بالقِمارِ.
قال أبو جعفر: فلم نَجدْ هذه الكلمة الزائدة في حديثِ الأوزاعيِّ
هذا على ما في حديث يونس من أن يكونَ مِن كلام النسِيِّ ◌َ﴾، أو من
كلام الأوزاعي تفسيراً لمرادِ البِيِّ # في الأمر بالصدقة عندَ ذلك ما
هي، ولم يكن الأوزاعي مع علمه وفضله يقول مثل ذلك تفسيراً لمراد
النبيِّ # إِيَّاه بقوله: ((فليتصدق)) إلا من حيث ينطلِقُ له أن يقوله إذ
كان مثلُه لا يُقال بالرأي، ولا بالاستخراج، ولا بالاستنباط.
فتأملنا معنى: ((فليتصدق بالقمار)) لنقف على المرادِ به ما هو إن
شاء الله، فوجدنا القمارَ حراماً، ووجدنا ما يصيرُ إلى من يُقامر مِن
سببه حراماً عليه، واجباً عليه ردُّه إلى من أخذه منه، أو إلى من أعطاه
إَيَّاه على ذلك القمار، وكان المتقامران سبيلُهما إذا حضرا لما يُريدان
من ذلك أن يكونَ كُلُّ واحد منهما يُحْضِرُ شيئاً من ماله إما أن يَقْمِرَهُ،
وإما أن يَقْمِرَ شيئاً يُضيفه إليه، وكان وجهُ الصدقة التي أمر بها في ذلك
هو الصدقة لما أخرجه من ذلك من ماله لِيعصيَ الله عَزَّ وجَلَّ به،
فيصرفه في الصَّدقة به التي هي قُربّةٌ إلى ربِّه عَزَّ وجَلَّ، ليكون ذلك
كفّرةُ لِما كان حاول أن يصرِفَه فيه مما قد حرمه عليه، لا أنه أراد أن
يتصدَّقَ بما يعودُ إليه من مال من قامره بما هُو حرامٌ عليه، ومما حُكْمُهُ
حُكْمُ الغُلول، والله عَزَّ وجَلَّ لا يَقْبَلُ صدقةً من غُلول، كما قد رُوِيَ
عن رسولِ الله {# في ذلك.
٤٨٩١- مما قد حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان، وإبراهيمُ بنُ مرزوق، قالا:
حَدَّثْنَا أبو الوليد الطَّيالسيُّ، قال: حَدَّثْنَا زائدةُ بنُ قدامة، عن سماكِ بنِ
-٣٣-
كتاب الأدب - المناهى (الأقوال)
حرب، عن مُصعب بنِ سعدٍ، عن ابنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عنهما، قال:
رسولُ اللهَ﴿: «لا يَقْبَلُ اللهِ صَلاَةٌ بِغَيرِ طُهُورِ ولا صَدَقَةٌ مِن
غُلُول)(١).
٤٨٩٢- وما قد حَدَّثْنَا إبراهيمُ بن مرزوق، قال: حَدَّثْنَا وهبُ
بنُ جرير، قال: حَدَّثْنَا شعبةُ، عن قتادة، عن أبي مليح بنِ أسامة، عن
أبيه، عن رسول الله ﴿ مثلَه(٢).
فقال قائل: وما دليلُك على ما ذكرت؟ وإنما فيما رويتَ أن
يتصدقَ بالقمار، والقمارُ ما عاد إليه من مال غيره، لا ما أخرجه من
مال نفسه مما عسى أن يعودَ إلى غيره ممن يُأمِره بقماره إِيَّاه له.
فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وحَلَّ وعونه أن الأشياء
قد تُسَمَّى بما قَرُبَتْ منه، وإن لم تتحقق به، ولم تَدْخُلْ فيه، ومن ذلك
قولُ الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النّسَاءَ فَكَغْنَ أْجَلَهَنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُفٍ أوْ
(١) رواه مسلم (٢٢٤)، والترمذي (١)، وابن حبان (٣٣٦٦)، والبيهقي
١٩١/٤ من طريق قتيبة بن سعيد، عن أبي عوانة، عن سماك بن حرب، به.
ورواه الطيالسي (١٨٧٤)، وابن أبي شيبة ٤/١-٥، وأحمد ١٩/٢ -٢٠ و ٣٧
و ٣٩، وابن ماجه (٢٧٢)، وابن خزيمة (٨)، وأبو عوانة ٢٣٤/١، والبيهقي ٤٢/١
من طرق عن سماك بن حرب، به.
(٢) إسناده صحيح، ورواه علي بن الجعد (٩٩٦)، والطيالسي (١٣١٩)، وابن
أبي شيبة ٥/١، وأحمد ٧٤/٥، وأبو داود (٥٩)، والنسائي ٥٦/٥ -٥٧، وابن ماجه
(٢٧١)، وأبو عَوانة ٢٣٥/١، وابن حبان (١٧٠٥)، والطبراني (٥٠٥)، والبغوي في
((شرح السنة) (١٥٧)، والبيهقي ٤٢/١ و٢٣٠ من طرق عن شعبة، به.
ورواه أحمد ٧٥/٥، والنسائي ٨٧/١، والطبراني (٥٠٦) من طريق قتادة، به.
- ٣٤-
كتاب الأدب - المناهي (الأقوال)
سَرِّحُوهُنَّ بَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٢٣١] في سورة البقرة، وفي سورة
الطلاق: ﴿أَوْ فَارِ قُوهُنَّبمعروفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، وهنَّ إذا بلغن أجلَهن
قد بِنَّ ممن طلقهن، وانقطع أن يكونَ لهم عليهن رجعة، لأنهن قد صرن
أجنبياتٍ، وقد بين ذلك قولُه عَزَّ وجَلَّ في الآية الأخرى من سورة
البقرة: ﴿وَإِذَا طَلَقْتُمُ النّساءَ فَلَغْنَ أَجَلُهُنَّ فلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَمْواجَهُنَّإذا
تَرَضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٢]، فكان في ذلك ما قد دَلَّ أن
ما في الآية الأولى من بلوغ الأجل إنما أريد به قربَ بلوغ الأجل، لا
حقيقة بلوغ الأجل.
ومن ذلك أن المسلمين قد سَمَّوا ابن إبراهيمِمَطِ: إِمَّا إسماعيلَ،
وإمَّا إسحاق صلى الله عليهما: الذبيحَ(١) لِقربه من الذبح وإن لم يكن
(١) الصواب أن الذبيح هو إسماعيل عليه السَّلامُ.
قال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿فبشَّرناه بغلامٍ حليم) ٢٣/٧: وهذا الغلامُ هو
إسماعيل - عليه السَّلامُ-، فإنه أول ولد بشر به إبراهيم - عليه السَّلامُ-، وهو أكبرُ من
إسحاق باتفاق المسلمين وأهل الكتاب، بل في نص كتابهم أن إسماعيل ولد لإبراهيم
عليه السَّلامُ ست وثمانون سنة، وولد إسحاق وعمر إبراهيم تسع وتسعون سنة.
وعندهم أن الله تعالى أمر بإبرهيم أن يذبح ابنَه وحيده، وفي نسخة: بكرَه، فأقحموا
هاهنا كذباً وبهتاناً (إسحاق)، ولا يجوز هذا لأنه مخالف لنص كتابهم، وإنما أقحموا
((إسحاق) لأنّه أبوهم، وإسماعيل أبو العرب، فحسدوهم، فزادوا ذلك، وحرفوا
((وحيدَك))، بمعنى الذي ليس عندك غيره، فإنَّ إسماعيل كان ذهب به وبأُمه إلى جنبٍ
مكة. وهذا تأويلُ وتحريفٌ باطل، فإنه لا يُقالُ: ((وحيد)) إلا لمن ليس له غيره، وأيضاً،
فإن أول ولد له معزة ما ليس لمن بعده من الأولاد، فالأمرُ يذبحه أبلغُ في الابتلاء
والاختبار.
- ٣٥-
كتاب الأدب - المناهي (الأقوال)
ذُبحَ، فمثلُ ذلك أيضاً ما ذكرنا مِن القمار المرادُ به القربُ من القمار لا
حقيقة القمار، ومثل هذا كثير في كلام العربِ، فَامَرَ الذي قد سمح أن
يكونَ ما أخرجه ليملكه عليه بقماره إياه له الذي هو حرامٌ عليه بردِّه
إلى الصدقة التي هي الله عَزَّ وجَلَّ قُرْبَةٌ، وعسى أن يكونَ له كفارة، مما
كان حاوله مِن عصيان الله عَزَّ وجَلَّ، ودخوله فيما حرمه عليه. والله
عَرَّ وجَلَّ نسأله التوفيق.
وقد ذهب جماعةٌ من أهل العلم إلى أن الذبيح هو إسحاق، وحكي ذلك عن
طائفة من السلف، حتى نقل عن بعض الصحابة أيضاً، وليس ذلك في كتاب ولا
سنة، وما أظنُّ ذلك تُلقي إلا عن أحبارِ أهل الكتاب، وأخذ ذلك مسلماً من غير
حُجة، وهذا كتابُ الله شاهدٌ ومرشد إلى أنه إسماعيل، فإنه ذكر البشارة بالغلام
الحليم، وذكر أنه الذبيح، ثم قال بعد ذلك: ﴿وبشَّرناه بإسحاق نبياً من الصالحين).
ولما بشرت الملائكة إبراهيم بإسحاق قالوا: ﴿إِنَّا نُبَشِّركَ بِغُلامٍ عليمٍ))، وقال تعالى:
﴿فَبَشُرْناه ياسحاقَ ومِنْ وَرَاءِ إسحاقَ يَعقوب))، أي: يُولد له في حياتهما ولد يُسمى
يعقوب، فيكون من ذريته عقب ونسل، وقد قدمنا هناك أنه لا يجوزُ بعد هذا أن يُؤمر
بذبحه وهو صغير، لأن الله قد وعدهما بأنه سيُعقب، ويكون له نسل، فكيف يُمكن
بعد هذا أن يُؤمر بذبحه صغيراً، وإسماعيل وصف هاهنا بالحلم، لأنّه مناسب لهذا
المقام.
- ٣٦-
كتاب الأدب - السلام
٦٨٤ - بابُ بیانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عَنْهُ عليه السَّلامُ في من اطلع
على رجلٍ في منزله بغير إذنه هل له فق ءٌ عينه لذلك أم لا؟
٤٨٩٣- حَدَّثَنَا بَكَّارٌ، حَدَّثْنَا أبو عاصمٍ، حَدَّثْنَا ابنُ عجلانَ، عن
أبيه، عن أبي هُريرة قال: قَالَ رسولُ الله ◌َ﴿: «لو اطْلَعَ عَلَيْكَ رَجُلٌ،
فَخَذَفْتَهُ، فَفَقَأْتَ عِينَه ما كان عليك جُنَاحِ))(١).
ففي هذا الحديثِ عن رسولِ الله ﴿ نفيُ الجناح عن من خَذَفَ
رجلاً قد اطْلَعَ عليه في منزله، ففقاً بذلك عينيه، إذ كان من حقه قطعه
الاطلاع على منزله، والنظر إلى ما فيه ثمّا لا يحل لأحدٍ النظرُ إليه.
٤٨٩٤- حَدَّثْنَا يونُس، أخبرنا ابنُ عيينةَ، عن الزهريِّ، عن سهل
بنِ سعدٍ سَمِعَهُ يقول: اطْلَعَ رجلٌ من حُحْرِ فِي حُجرة النبيِّ عليه السَّلامُ
ومع النبيَّ ﴿ مِدرى يَحُكُّ به رأسَه، فقال النِيِ﴿هَ: (لَوْ أَعْلَمُ أَنَّك
تَنْظُرُني، لَطَعَنْتُ بِهِ في عَيْنِكَ، إنَّما جُعِلَ الاستئذانُ مِن أَجْلٍ
النّظر)(٢).
٤٨٩٥ - حَدَّثْنَا یونُس، حَدَّثْنَا ابنُ وهب، أخبرني يونس، عن
ابنِ شهاب أن سهل بن سعد أخبره ثم ذكر مثلَه(٣).
(١) إسناده حسن، ورواه ابن حبان (٦٠٠٢)، وابن الجارود (٧٩١) من طريقين
عن محمد بن عجلان، به.
(٢) إسناده صحيح، ورواه ابن حبان (٦٠٠١) من طريق يزيد بن مَوْهَب،
حدثني الليثُ بنُ سعد، وسفيان بن عيينة، به.
(٣) إسناده صحيح، ورواه مسلم (٢١٥٦) (٤١)، والطبراني في ((الكبير))
(٥٦٦٦) من طريقين عن عبد الله بن موهب، به، وانظر ما بعده.
-٣٧-
كتاب الأدب - السلام
٤٨٩٦ - حَدَّثْنَا محمدُ بنُ عبد الرحيم الهرويُّ، حَدَّثَنَا آدمُ بنُ أبي
إياس، عن ابنِ أبي ذئبٍ، عن الزهريِّ، عن سهل بن سعدٍ أن رجلاً
ے
اطْلَعَ فِي حُجْرٍ فِي بَابِ النِّ نَّ وَرسولُ اللهِ ﴿ يَحُثُّ راسَه بالمِدْرَى،
فقال: (لَوْ أَعْلُّمُ أَنَّك تَنْظُرُ، لَطَعَنْتُ في عَيْنِكَ، إنّما جُعِلَ الإذنُ من
أجْلِ الإبصارِ))(١).
ففي هذا إطلاقُ ما في الأول للمطّلَعِ عليه من المطَّلِعِ عليه.
٤٨٩٧ - حَدَّثْنَا ابنُ خزيمة، حَدَّثْنَا معلِّى بنُ أسد، حَدَّثَنَا عبدُ
العزيز بن المختار، عن سهيلٍ، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: قالَ رسول
اللّه ◌َ: «مَنِ الطّلَعَ فِي بَيْتِ قُوْمٍ بغيرِ إِذْنِهِمْ، فقد حَلَّ لهم أنْ يَفْقَؤُوا
عینهُ))(٢).
٤٨٩٨ - حَدَّثَنَا فهدٌ، حدثني موسى بنُ إسماعيل المِنْقَرِيُّ، حَدَّثَنَا
أبانُ بنُ يزيد، حَدَّثْنَا يحيى - وهو ابنُ أبي كثير - أن إسحاقَ بنَ عبدِ الله
بنِ أبي طلحة حدَّته، عن أنس أن أعرابياً أتى رسولَ الله ◌َ﴿ٌ، فَأَلْقَمَ
عَيْنَيْهِ خَصَاصةَ الباب، فَبَصُرَ به رسولُ اللهِ وَ﴿، فأخذ سهماً أو عوداً
مُحَدّدً، وجاء به لِيَفْقَأْ عَيْنَ الأعرابيِّ، فانقمع الأعرابيُّ، وذهب، فقال
رسولُ اللّهُ : ((أما إنَّكَ لو ثَبَتَّ، لَفَقَأْتُ عِينَكَ)(٣).
(١) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٥٩٢٤) عن آدم بن أبي إياس به.
ورواه الدارمي ١٩٨/٢، والطبراني (٥٦٦٥) من طريقين عن ابن أبي ذئب، به.
(٢) إسناده صحيح، ورواه عبد الرزاق (١٩٤٣٣)، وابن أبي شيبة ٧٥٨/٨،
وأحمد ٢٦٦/٢ و٤١٤ و٥٢٧، ومسلم (٢١٥٨)، وأبو داود (٥١٧٢)، والبيهقي
٣٣٨/٨ من طرق عن سهيل بن أبي صالح، به.
(٣) إسناده صحيح، ورواه النسائي ٦٠/٨ من طريق أبان بن يزيد، به.
-٣٨-
كتاب الأدب - السلام
٤٨٩٩- حَدَّثْنَا إبراهيمُ بنُ أبي داود، حَدَّثْنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا
حَمَّادٌ، عن عُبَيْدِ الله بن أبي بكر، عن أنسٍ أن رجلاً اطلع في بعض
حُجَرِ النبيِّ عليه السَّلامُ، فقام إليه النبيُّ : ﴿ بمشقص -أو قال:
(بمشاقص- قال أنس: وكأني أنظر إلى رسول الله:﴿ يَخْتِلُهُ
لِيَطْعَنَهُ(١).
وفيما روينا من هذه الآثار ما قد دَلَّ أنّه لما كان مِن صاحب
المنزل تركُ الاطلاعِ إلى منزله، كان له قطعُ ذلك عن منزله، وإن كان
في قطعه إياه عنه تلفُ عين المطلّع عليه، وكان مَنْ كان له أن يفعلَ
شيئاً، ففعله معقولاً أن لا ضمانَ عليه فيه.
وقد رُوِيَ عن رسول الله ﴿﴿ من نفيه وجوبَ ضمان في ذلك
على من فعله لمن فعله به من قِصاصٍ ومن دِيَّةٍ:
٤٩٠٠- كما حَدَّثْنَا محمدُ بن إبراهيم بن يحيى بن جناد
البغداديُّ، حَدَّثَنَا عليٌّ بن المديني، حَدَّثْنَا معاذُ بن هشام، عن أبيه، عن
قتادة، عن النضر بن أنس، عن بشير بن نَهِيكٍ، عن أبي هريرة، عن
النبيِّ عليه السَّلامُ قال: ((مَنِ اطْلَعَ في دارٍ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ، فَفَقَؤُوا
عَيْنَهُ، فلا دِيَةَ ولا قِصَاصَ)(٢).
(١) إسناده صحيح، ورواه البخاري (٦٢٤٢) عن مُسَدَّد بن مُسرهد، به.
ورواه أحمد ٢٣٩/٣ و٢٤٢، والبخاري (٦٩٠٠)، ومسلم (٢١٥٧)، وأبو داود
(٥١٧١)، والبيهقي ٣٣٨/٨ من طرق عن حماد بن زيد، به.
ورواه البخاري (٥٨٨٩)، والترمذي (٢٧٠٨) من طريق حميد، عن أنس.
(٢) ورواه أحمد ٣٨٥/٢، والنسائي ٦١/٨، وابن الجارود (٧٩٠)، والبيهقي
-٣٩-
كتاب الأدب - السلام
٤٩٠١- وكما حَدَّثْنَا أبو أمية، حَدَّثْنَا عُبَيْدُ الله بنُ عمر
القواريريُّ، حَدَّثْنَا معاذُ بنُ هشام .. ثم ذكر بإسناده مثلَه.
وهذه الرواياتُ قد جاءت بما فيها من ما ذكرناه مجيئاً متواتراً
يَشُدُّ بَعْضُهُ بعضاً، ولم نجد استعمالَ فقهاء الأمصارِ لها كذلك، وكان
قطعُ نظر المطلع إلى بيت غيره بغير أمره عن نظره إلى ما في بيته من ما
قد يقدر عليه بالزجر باللسان، والوعيد بالأقوال، فاحتمل أن يكونَ
تاركُ ذلك ومتجاوزُه إلى فَقْءٍ عينِ الناظر يُوجِبُ الضمانَ عليه في فقئه
إیاها.
فنظرنا في ذلك، فوجدنا جهادَ العدو واجباً علينا، فَكُنَّا إذا فعلناه
بدعاء منا العدو إلى ما نُقاتلهم عليه متقدماً لقتالنا إيّاهم، كان حسناً،
ولو قاتلناهم بغير دعاء منّا إليهم إلى ذلك، لعلمنا أنهم قد عَلِمُوا مما
ندعوهم إليه، وما نقاتِلُهُمْ عليه، كنا غيرَ ملومين في ذلك، وغيرَ
ضامنين لما نُصِيبُه منهم فيه من أنفسهم، ومن أموالهم، ومن أولادهم،
فكان مثلَ ذلك عندنا - والله أعلم - أمرُ هذا المطلع في بيتٍ من اطلع في
بيته إن دعوناه إلى ما يُحاوِلُه منه، وأعلمناه أنه لم ينزجر عن ما هو
عليه أنّ فاعلوه به، كان حسناً، وإن لم نفعل ذلك به، واستعملنا فيه ما
في هذه الآثار التي رويناها، لِعلمنا أنه يعلم ما نريده منه من انزجاره
عن ما هو عليه من الاطلاع إلى ما يطلع إليه مما هو حرام عليه، كان
جائزاً لنا.
٣٣٨/٨، وابن حبان (٦٠٠٤) من طرق عن معاذ بن هشام، به.
- ٤٠-