Indexed OCR Text
Pages 521-540
كتاب الأدب - المناهي والنّهْبَة، ورُكوب النمورِ، واتخاذِ الدِّيباج على العائق، واتخاذِ الدِّيباج في أسفل الجباب، والخاتم إلا لذي سلطان(١). قال أبو جعفر: وكان معنى المكامعة المذكورة في أحاديث ابن لهيعة، وعبد الله بن سويد، والمفضل بن فَضالة المضاجعة المذكورة فيها، وكان معنى المعاكمة المذكورة في حديث يحيى بن أيوب هي ضم الشيء إلى الشيء، ومنه قيل: عكمت الثياب: إذا شددتَ بعضها إلى بعض. ومما قد رُوِيَ عن رسولِ الله﴿ النهي عن هذه المعاني: ٤٦٤٨ - ما قد حَدَّثَنَا محمد بنُ عبدِ الرحيم المرويُّ، قال: حَدَّثْنَا دُحَيْمٌ، قال: حَدَّثْنَا ابنُ أبي فديك، قال: حدثني الضحاكُ بنُ عثمان، عن زيد بن أسلم، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه، أنَّ البِّ ◌َ﴿ٌ قال: «لا يَنْظُرُ الرجل إلى عُرْيةِ الرَّجُلِ، ولا تَنْظُرُ المرأةُ إلى عُرْيَةِ المرأةِ، ولا يُفضي الرجلُ إلى الرجل في ثوبٍ، ولا تُفضي المرأة إلى المرأة في ثوب))(٢). (١) رواه أحمد ١٣٤/٤، والدارمي ٢٨٠/٢ من طريق زيد بن الحباب، به. (٢) رواه أحمد ٦٣/٣، ومسلم (٣٣٨)، وأبو يعلى (١١٣٦)، والبيهقي ٩٨/٩، والطبراني (٥٤٣٨) عن محمد بن إسماعيل بن أبي فدیك، به. ورواه ابن أبي شيبة ١٠٦/١، ومسلم (٣٣٨)، والترمذي (٢٧٩٣)، وابن ماجه (٦٦١)، والبغوي (٢٢٥٠) من طريق زيد بن الحباب، عن الضحاك بن عثمان، به. وقوله: ((عرية الرجل))، قال النووي: ضبطناه على ثلاثة أوجه: عِرية وعُرِية وعُرِّيَّة، وكلها صحيحة، قال أهل اللغة: عرية الرجل: هي مُتَجَرَّدُهُ، والثالثة على التصغير. - ٥٢١- كتاب الأدب - المناهي ٤٦٤٩- وما قد حَدَّثْنَا أبو أمية، قال: حَدَّثْنَا يحيى بنُ يعلى بن الحارث المحاربي، قال: حَدَّثْنَا أبو بكر بن عياش، عن هشام، عن محمدٍ، عن أبي هريرة، عن النبيَِّ﴿، قال: ((لا تُبَاشِرُ المرأةُ المرأةَ، ولا الرجلُ الرجلَ)). وقد روى الليثُ بنُ سعد حديث أبي ريحانة الذي ذكرناه عن يزيدَ بنِ أبي حبيب، عن أبي الحُصين، فخالف رواية الذين ذكرناهم في هذا الباب في إسناده، وفي متنه. ٤٦٥٠- كما قد حَدَّثَنَا الربيع المرادي، قال: حَدَّثَنَا شعيبُ بنُ الليث بن سعد، قال: حَدَّثَنَا الليث، عن يزيد - يعني ابن أبي حبيب-، عن أبي الحصين الحَجْرِي، عن ابن عباس ريحانة - ولم يذكر بينَه وبينَه أحداً-، أنه قال: بلغنا أن رسولَ اللهِ﴿ُ نهى عن الوَشْرِ والوَشْمِ والنّبذة والمشاغَرَةِ والمكامعة والوصال والملامسة(١). ٤٦٥١- وأجاز لنا عليُّ بنُ عبد العزيز عن أبي عُبَيْدٍ في المكامعة: هي أن يُضاجعَ الرجلُ الرجلَ في ثوبٍ واحد، وأُخِذَ من الكميع، وهو الضجيع، قال: ومنه قيل لزوج المرأة: هو كميعها. قال أبو عبيد في هذه الإجازة: وقد رُوِيَ هذا الحديث من حديث الليث، فذكر ما حدثه أبو النضر، عن الليث بن سعد، عن عياش بن عباس رفعه إلى النبي ﴿ أنه نهى عن المكاعمة(٢). (١) رواه أحمد ١٣٤/٤ عن حجاج بن محمد، عن الليث بن سعد، به، بإسقاط الواسطة بين أبي الحصين وبين أبي ريحانة. (٢) ((غريب الحديث)) ١٧١/١ و١٧٢. - ٥٢٢- كتاب الأدب - المناهي قال أبو عبيد: والمكاعمة: أن يَلْثِمَ الرجلُ صاحبَه، أُخِذَ من كِعامٍ البعيرِ، وهو أن يُشَدَّ فَمُهُ إذا هاج، يقال: كَعَمْتُه أكَعَمُهُ كَعْماً، فهو مکعوم، و کذلك کل مشدودِ الفم، فهو مکعومٌ. قال ذو الرمة: بَيْنَ الرَّجَا مِنْ جَنْبٍ وَاصِيَةٍ يَهْمَاءَ خَابِطُها بالخَوْفِ مَكْعُومُ (١) يقول: قد سدَّ الخوفُ فَمَهُ، فمنعه من الكلام، فجعل النبيُّ 98َ. اللّام حين بمنزلة ذلك الكِعام. وأما قوله: المكامعة، فهو أن يُضاجعَ الرجلُ صاحبه في ثوبٍ واحدٍ أخِذَ من الكميع، والكميع: هو الضجيع. قال أوسُ بن حُجر: وَهَّتِ الشَّمْألُ البَلِيلُ وَإِذْ بَاتَ كَمِيعُ الفَتَاةِ مُلْتَفِعا وأما ما في الحديث من (الوشر))، فإن علياً أجاز لنا عن أبي عُبيد، قال: هي التي تَبْشُرُ أسنانها حتى تُفَلِّحَها وَتُحَدِّدَها. وأما الوشم، ففي اليد وذلك أن المرأة كانت تَغْرِزُ ظهر كفّها ومِعُصَمِها بإبرةٍ أو مسلّةٍ حتى تُؤثِّرَ فيه، ثم تحشوه بالكحل، فيخضرّ لذلك. (١) البيت في ((ديوان ذي الرمة)) ٤٠٧/١ من قصيدة مطلعها: أَأنْ ترسَّمتَ مِن خرقاء منزلةً ماءُ الصَّبَابَةِ من عينيك مَسْجِومُ -٥٢٣- كتاب الأدب - المناهي وأما بقية ما في الحديث فقد مضى منه في الباب الذي قبل هذا البابِ ما قد مضى منه فيه غير النهي عن لبس الخاتم إلا لذي سلطان، فإنا أخرناه لِنجعله في بابٍ مما بعدُ من أبواب كتابنا هذا إن شاء الله تعالى، والله عَزَّ وجَلَّ نسأله التوفيق. ٦٤٧ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ في نهيه عن إضاعةِ المالِ ٤٦٥٢- حَدَّثْنَا عليُّ بنُ معبدٍ، قال: حَدَّثْنَا يعلى بنُ عُبيد الطنافِسيُّ، قال: حَدَّثْنَا محمدُ بنُ سُوقَةً، عن محمد بن عُبيدِ الله الثقفيِّ، عن وَرَّادٍ، قال: كَتَبَ المغيرةُ بنُ شُعبةَ إلى معاوية - وزعم ورَّادُ أنه كتبه بيده: إنّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِوَ﴿ قال: ((إِنَّ اللّه حَرَّمَ ثلاثاً، ونهى عن ثلاثٍ: عقوقَ الوَالِدَيْنِ، وَوَأَدَ البناتِ، ولا، وهاتٍ، ونهى عن ثلاثٍ: قِيلَ وقالَ، وإضاعَةَ المالِ، وإلحافَ السؤالِ))(١). (١) إسناده صحيح، ورواه الطبراني في (الكبير)) ٢٠/(٩٤٢) عن يعلى بن عبيد، به. ورواه أحمد ٢٥٠/٤ عن الحسين بن علي، ومسلم (٥٩٣) (١٤) ص١٣٤١، والطبراني ٢٠/(٩٤٢) من طريق مروان بن معاوية الفزاري، والبيهقي في ((الآداب) (٩٤) من طريق محمد بن يحيى الذهلي، والطبراني ٢٠/(٩٤٢) من طريق علي بن مسهر، أربعتهم عن محمد بن سوقة، به. ورواه الدارمي ٣١٠/٢-٣١١، والبخاري (٥٩٧٥)، وفي (الأدب المفرد) (٤٦٠)، ومسلم ١٣٤٢/٣ (١٤)، والطبراني في ((الكبير) ٩٠٩١/٢٠) و (٩١٠) و(٩١٣) و(٩١٩) و(٩٢٠) و(٩٣٠) و(٩٤٣) من طرق عن ورَّاد، به. -٥٢٤- كتاب الأدب - المناهي ٤٦٥٣- حَدَّثْنَا أبو أُمية، قال: حَدَّثْنَا عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسِيُّ، قال: أخبرنا شيبانُ - وهو النحوي-، عن منصورٍ، عن الشعبيِّ، عن ورَّادٍ كاتبِ المغيرة، عن المغيرة بن شعبة، قال: قال رسولُ الله ◌ِ *: (إنَّ الله عَزَّ وجَلَّ كَرِةَ لَكُمْ ثلاثاً، قِيلَ وقالَ، وكَثرةَ السُّؤالِ، وإضاعَةَ المال، وحرَّمَ عليكُم ثلاثاً: وَأَدَّ البناتِ، وعقوقَ الأُمهات، ومنعاً وهات))(١). فتأملنا ما في هذا الحديث من إضاعة المال ما هو؟ ٤٦٥٤- فوجدنا أبا أمية قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثْنَا فيضُ بنُ الفضل السُّحَيمي، -قال أبو جعفر: وهو فَخِذٌ من بَجيلة، وهم مِن رهط أب يوسف القاضي، لأن أبا يوسف من بَجيلة حليف الأنصار، غير أنهم قد ولده-، قال: حَدَّثْنَا السَّرِيُّ بنُ إسماعيل، قال: حَدَّثْنَا عامِرِ الشعبي، قال: حَدَّثْنَا مسروق، عن عبدِ الله، أتى رسول الله :﴿ آتٍ وأنا عِنْدَهُ، فقال: يا رسولَ الله، إنِّي مُطَاعٌ في قومي فِبِمَ آمُرُهُمْ؟ قال: «مُرْهُم بإفشاء السَّلامُ، وقِلَّةِ الكلامِ إلا فيما قِيلَ وقَالَ، وكَثرةِ السُّؤالِ، (١) صحيح، ورواه مسلم ١٣٤١/٣ (١٢) عن القاسم بن زكريا، والطبراني ٢٠/(٩٠٣) من طريق آدم بن أبي إياس، كلاهما عن عبيد الله بن موسى، به. ورواه أحمد ٢٤٦/٤ عن حسين، والطبراني ٢٠/(٩٠٣) من طريق آدم بن أبي إیاس، كلاهما عن شیبان، به. ورواه البخاري (٢٤٠٨)، ومسلم ١٣٤١/٣ (١٢)، والنسائي في الرقائق من ((الكبرى) كما في («التحفة) ٤٩٧/٨، وابن حبان (٥٥٥٥)، والطبراني ٢٠/(٩٠١)، والبغوي (٣٤٢٦) من طرق عن جرير بن عبد الحميد، عن منصور بن المعتمر، به. - ٥٢٥- كتاب الأدب - المناهي وإضاعَةِ المالِ - يعني بالمالِ الحيوان أن لا يُضَّعَ ويُحْسِنَ إليهم، هكذا في الحديث-، وَأَنْهَهُمْ عن عقوقِ الأُمَّهاتِ، ووَأْدِ البَناتِ، ومنْعِ وهاتٍ). قال أبو جعفر: وكان هذا الحديث، وإن كان مدارُه على السري بن إسماعيل، قد تكلم فيه من تكلم، فإنه شيخ قديم قد روى عنه الجلَّةُ من الكوفيين ومن غيرهم، وليس متروك الحديث. فكان [في] هذا الحديثِ عن رسول الله عَ﴿ نهيه عن إضاعة المال، وتأويل إضاعة المال على الحيوان أن لا يُضيع وأن يُحسن إليهم، وكان هذا التأويلُ حسناً، لأنَّ القيامَ بهم فيهما لا تقوم أنفسُهم إلا به من الطعام والشراب والكسوة، أعني في بني آدم، ومن العلوفات في سائر الحيوانات، وأحبٌ على مالكيهم لهم، وكان مالكوهم إن قَصَّرُوا عن ذلك آنمین، وبه مأخوذین. ومما يُقوي ذلك ما قد رُوِيَ عن رسول الله :﴿ فيما كان منه عندَ موته مِن الوصية للناس بما ملكته إيمانُهم مَعَ وصيته إِيَّاهم بالصلاة المفروضة عليهم. ٤٦٥٥- حَدَّثَنَا أبو أُمية، قال: حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بنُ عبقةَ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن سليمان التيميِّ، عن أنسٍ، قال: أوصى رسولُ الله ولِسأنُه لا يَكَادُ، فذكر كلمةٌ، فقال: ((الصلاةَ وما مَلَكَتْ أيْمَانُكُمُ). ٤٦٥٦- حَدَّثَنَا أبو أُمية، قال: حَدَّثَنَا النُّغَيْلِيُّ، قال: حَدَّثَنَا زهيرُ بنُ معاوية، قال: حَدَّثْنَا سليمانُ التيميُّ، عن أنس، قال: كان آخِرُ وصيةٍ رسول الله :﴿ حين حضره الموتُ: «الصلاةَ وما مَلَكَتْ أيمانُكُمْ)، فما زال يُغَرْغِرُها في صدره وما يَفِيصُ بها لِسَانُه. - ٥٢٦- كتاب الأدب - المناهي قال أبو جعفر: غير أنا وجدنا سليمانَ التيمي قد أُدخل فيما بينه وبَيْنَ أنسٍ في هذا الحديث رجلاً لم يُسَمِّه: ٤٦٥٧- كما حَدَّثْنَا محمدُ بنُ عمرو بن يونس، قال: حدثني وكيعُ ابنُ الجرَّاحِ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن سليمان التيميِّ، عن مَنْ سَمِعَ أنسَ بنَ مالك يقول: كان عامةُ وَصِيَّةِ رسولِ الله :﴿ وهو يُغَرْغِرُ بنفسه: ((الصلاةَ وما مَلَكَتْ أيمانُكُمْ). فنظرنا في ذلك الرجلِ المسكوتِ عنه اسمه في هذا الحديث هل سَّاه أحد؟ ٤٦٥٨- فوجدنا محمد بن عمرو بنِ يونس قد حَدَّثَنَا، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ بنُ محمدٍ، عن سليمان التيمي، عن قتادة، عن أنس بنِ مالك رضي الله عنه، قال: كانت عامةُ وصية رسول الله :﴿ حين حضره الموت: (الصَّلاةَ وما مَلَكَتْ أيمانكم) حتى جعل النبيِمَا يُغَرْغِرُ بها لِسَانُهُ(١). ثم نظرنا هل رُوِيَ هذا عن رسولِ اللهِلُ / من غير هذا الوجه. ٤٦٥٩- فوجدنا الربيعَ بنَ سليمانَ المراديَّ قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا أسدُ بنُ موسى، قال: حَدَّثَنَا أبو عَوانة، عن قتادة، عن سَفِينَةً مولى أمِّ سلمة، عن أمِّ سلمة، قَالَتْ: كانت عامَّةُ وصية رسول الله مع﴿: (١) رواه أحمد ١١٧/٣، وابن سعد ٢٥٣/٢ من طريق أسباط بن محمد، به. ورواه ابن ماجه (٢٦٩٧)، وأبو يعلى (٢٩٣٣) و(٢٩٩٠) من طريق المعتمر بن سليمان، وابن حبان (٦٦٠٥) من طريق جرير بن عبد الحميد، كلاهما عن سليمان التيمي، به. - ٥٢٧- كتاب الأدب - المناهي «الصَّلاةَ الصَّلاةَ وما مَلَكَتْ أيمانكم))، حتَّى جَعَل يُحَلْجِلُها في صدره، وما يَفِيصُ بها لسانُه(١). قال: وكانَ ما في هذا الحديثِ مِنْ ضمِّ رسولِ اللهِلَ﴿ في وصيّته ما ملكت الأيمان إلى الصَّلاة، وتوكيد الأمر في ذلك على الناس، ما قد دَلَّ على وجوبها الوجوبَ الذي لا يَسَعُ التقصيرُ عنه، ولا يكملُ الإِيمانُ إلا به. وهذا التأويلُ الذي تُؤُوِّلَ على هذا المعنى أحسنُ ما تُؤوِّل في النهي عن إضاعة المال. وقد تأوله آخرون على خلاف ذلك، وذهبوا إلى أنه النهي عن إضاعة المال الذي جعله الله قياماً للنّاسِ في معايشهم، وفيما لا تستقيمُ لهم أمورُهم إلا به من الحيوان ومِن غيرِ الحيوان، واحتجُّوا في ذلك بما قد رُوِيَ عن عمرو بن العاص، وعن قيس بن عاصم في هذا المعنى. ٤٦٦٠- كما حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ عبد الرحمن بنِ وهب، قال: حَدَّثْنَا إسحاقُ بنُ الفرات، قال: حَدَّثْنَا ابنُ لِيعة، عن الأسودِ بنِ مالك الحِمْيَرِيِّ، عن بَحِير بنِ ذَاخرِ الَعَافِرِي، أنه سَمِعَ عمرو بن العاص في خبطته يَوْمَ الجمعة، يقول: يا معشرَ الناس، إِيَّي وخلالاً أربعاً، فإنهن (١) رواه أحمد ٢٩٠/٦ و٣١٥ من طريق سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، به. ورواه أحمد ٣١١/٦ و٣٢١، وابن سعد ٢٥٤/٢، وابن ماجه (١٦٢٥)، والنسائي في ((الكبرى) كما في (التحفة) ٧/١٣، وأبو يعلى (٦٩٧٩)، والبغوي (٢٤١٥) من طريق همام، عن قتادة، عن صالح بن أبي مريم أبي الخليل، عن سفينة، عن أم سلمة. -٥٢٨- كتاب الأدب - المناهي يدعون إلى النَّصب بعدَ الراحة، وإلى الضِّيقِ بَعْدَ السَّعةِ، وإلى المَذَلَّةِ بعدَ العِزَّة، إِيَّايَ وكثرةَ العِيالِ، وإخفاضَ الحالِ، والتضييعَ للمال، والقيلَ بعدَ القالِ في غير دَرَكَ ولا نوالٍ.(١) ٤٦٦١- وكما حَدَّثْنَا يونسُ، والربيعُ المرادي، وسليمانُ الكيسانيُّ، قالوا: حَدَّثْنَا يحيى بنُ حسَّان، قال: حَدَّثْنَا هُشَيْمٌ، عن زياد الجصَّاصِ، عن الحسن، عن قيس بن عاصم أنه قال لبنيه لما حضرته الوفاةُ: عليكم بالمال واصطناعِه، فإنه مَنْبَهَةٌ للكريم، ويُستغنى به عن اللئيم. وقد تأوَّله آخرون على غيرِ هذا التأويل. كما حَدَّثْنَا عليُّ بنُ معبدٍ، قال: حَدَّثْنَا يعلى بنُ عُبيدٍ، قال: حَدَّثْنَا محمد بن سوقة، عن ابنِ سعيد بن جُبير، قال: سال رجلٌ سعيدَ بنَ جُبيرٍ عن إضاعة المال، فقال: أن يَرْزُقَكَ الله رزقاً فَتُنْفِقَه فيما حرَّم عليك. قال: وكُلُّ هذه التأويلات، فمحتملةٌ لما أُرِيدَ في إضاعةِ المالِ، غير أنَّ أقواها في قلوبنا: التأويلُ الأولُ منها، والله أعلم بما أراد رسولُ الله ﴿ منها أو مما سواها، والله عَزَّ وجَلَّ نسألُهُ التوفيق. (١) في إسناده ضعف وجهالة. -٥٢٩- کتاب الأدب - المناهي ٦٤٨ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله # فيمن أکل برجل مسلم، أو اكتسى به، أو قامَ به مقامَ سمعةٍ ٤٦٦٢- حَدَّثْنَا عليُ بنُ معبدٍ، حَدَّثْنَا روحُ بنُ عبادة، حَدَّثْنَا ابنُ جريج، قال: قال سيمان - يعني ابن موسى-، حَدَّثْنَا وَقَاصُ بنُ ربيعة، أن المستوردَ حدَّثْهم أن النبيَّلَ ﴿، قال: «مَنْ أَكَلَ بِرَجُلٍ مُسلِمٍ أَكْلَةً، فإِنَّ اللّهَ عَزَّ وجَلَّ يُطْعِمُهُ مِثلها مِن جَهَنْمَ، ومَن اكْتَسَى بِرَجُلٍ مُسْلِمٍ ثوباً، فإنَّ الله تعالى يَكْسُوهُ مِن جهنّم معلَه، ومن قام برجلٍ مسلم مقامّ سمعةٍ، فإن الله يقومُ به مقامَ سمعةٍ يومَ القيامةِ)(١). فتأملنا هذا الحديثَ، فكان أحسنَ ما حضرنا فيه مِن قوله: ((من أكل برجل أُكلة، فإن الله تعالى يُطعمه من جهنم مثلها)) أن ذلك على الرجل الذي يأكل بالرجل أموالَ الناسِ، كالرجل يأخذ أموالَهم لِيَسُدَّ بها فَقْرَهُ، فيأخذها لنفسه، فهو بذلك من أهل الوعيد المذكورِ في هذا (١) رواه أحمد ٢٢٩/٤، وأبو يعلى (٦٨٥٨)، والطبراني (٢٠/(٧٣٤) من طریقین عن ابن جريج، به. ورواه البخاري في ((الأدب المفرد)) (٢٤٠)، وأبو داود (٤٨٨١)، والطبراني ٢٠/(٧٣٥) من طريق بقية بن الوليد، عن ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن وقاص بن ربيعة، به. وقوله: ((من أكل برجل مسلم))، أي: أكل بسبب غيبته أو قذفه أو وقوعه في عرضه، أو بتعضه له بالأذية عند من يعاديه، فإن الله يجازيه على سوء صنيعه بأن يطعمه مثلها من نار جهنم أو عذابها. وأكلة بالضم: اللقمة، وبالفتح: المرة والحدة مع الاستيفاء. - ٥٣٠- كتاب الأدب - المناهي الحديث، وهو مثل معنى ما يُقال: فلان يَأْكُلُ بدينه، وفلانٌ يأكل بعلمه وكان معنى ((من اكتسى برجل مسلم)) مثل هذا المعنى أيضاً، وكان معنى: ((من قام برجل مسلم مقامَ سُمعة))، أي: من قام من أجله مقام سمعةٍ، لا معنىً استحقَّ به ذلك، ولكن لِيفضحَه، ويُسَمِّعَ به فيه، كان مِن أهل الوعيد المذكورِ في هذا الحديثِ. والله نسأله التوفيق. ٦٤٩ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ من قوله: ((لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ فِي قلبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ حِبْرٍ» ٤٦٦٣- حَدَّثَنَا إبراهيمُ بن مرزوق، حَدَّثْنَا يحيى بنُ حماد، حَدَّثَنَا شعبةُ، عن أبانَ بنِ تغلب، عن فُضَيْلِ الفقيمي، عن إبراهيمَ النخعي، عن علقمةَ بنِ قَيْسٍ، عن عبدِ الله بن مسعودٍ رضي الله عنه: أن النِيَّ ◌ِ﴾ قال: ((لا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ كان في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيْمان، ولا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ في قَلِبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ كِبْرِ)). فقال رجلٌ: يا ےے رسولَ الله، إنَّ أَحَدَنا يُحِبُّ أن يكونَ ثَوْبُه حسناً، ونعُه حسنةً، قال: (الكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ، وَغَمْصُ النَّاس))(١). قال لنا إبراهيمُ: وحَدَّثَنَا مرةً أُخرى، فقال: (غَمْطُ الْحَقِ). ٤٦٦٤- وحَدَّثْنَا يزيدُ بنُ سِنان، حَدَّثَنَا يحيى بنُ حماد، حَدَّثْنَا شعبةُ، عن أبانَ بنِ تغلب، عن فضيل الفقيمي، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة بن قيس، عن عبد الله بن مسعودٍ، عن النبيِّ ﴿، قال: «لا يَدْخُلُ (١) رواه مسلم (٩١) وقد تقدم في كتاب الإيمان. - ٥٣١- كتاب الأدب - المناهي النَّارَ مَنْ فِي قلبهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ من إيمان، ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ من كِيْرِ)). قال رجلٌ: يا رسولَ الله، إنَّ الرَّجُلَ لَيُحِبُّ أن يكونَ ثوبُه حَسَناً، ونعلُه حسنةً. فقال: ((إنَّ الله تعالى جَمِيلٌ يُحِبُّ الَجَمَالَ، الكِبْرُ بَطَرُ الحَقِّ وَغَمْصُ النَّاسِ)). . ولا نعلمُ أحداً روى في هذا الباب عن رسول الله ﴿ أحسن مما رواه الكوفيون عنه فيه من هذا الحديثِ في صحة طريقه، وفي حُسْنٍ سياقة متنه. وقد رَوَوْهُ أيضاً مِنْ وجهٍ آخر مما قد يجوزُ أن يكونَ متصلَ الإسنادِ، وما يغلِبُ على القلوبِ أنه بخلاف ذلك، وهو: ٤٦٦٥- ما قد حَدَّثْنَا محمد بن علي بن داود، حَدَّثْنَا عُبيد الله بن محمد بن عائشة، حَدَّثْنَا عبدُ العزيز بنُ مسلم، عن الأعمشِ، عن حبيبٍ بنِ أبي ثابت، عن يحيى بن جعدة، عن عبدِ الله، قال: جاء رجُلٌ إلى النبيِّ ◌َ﴾، فقالَ: يا رسولَ الله إنّي أُحِبُّ أن يكونَ رَأُسي دهيناً، وثوبي غَسِيلاً، وشِراكُ نعلي جديداً، أفَمِنَ الكِبْرِ ذلك يا رسول الله؟ فقال النبيُّ ﴿: (لا، ولكنَّ الكِبْرَ مَنْ سَفِهَ الحَقَّ، وَغَمَصَ النَّاسَ)). فكان يحيى بنُ جعدة قديماً، غيرَ أنّا لا نعلمُ له مع قدمه لِقاء عبد الله بن مسعود، غير أن بعض الناس يذكر أن عبدَ الله المذكور في هذا الحديثِ ليس هو ابن مسعود، وإنما هو عبدُ الله بنُ عمر، فإن كان كذلك فقد ثَبَتَ اتصالُه، وصار هذا لاحقاً بالحديثِ الأوَّلِ، ولهم فيه أيضاً حديثٌ آخرُ، وهو: ٤٦٦٦- ما قد حَدَّثْنَا أبو أُمية، حَدَّثْنَا محمدُ بنُ عمْران بن أبي -٥٣٢- كتاب الأدب - المناهي ليلى، قال: حدَّثْني أبي، قال: حدَّثْني ابنُ أبي ليلى، عن عيسى -يعني أخاه-، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن ثابت بن قيسٍ، قال: ذُكِرَ الكِبْرُ عندَ البَِّ﴿ْ فِشَدَّدَ فيه، فقال رسولُ اللهِلَ﴿. ((إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُورً). فقال رَجُل مِن القومِ: واللهِ يا رسولَ الله، إنَّ ثيابِي لَتُغْسَلُ فَيُعجبني بياضُها، ويُعجِبني شِراكُ نَعْلي وعِلاقة سَوْطي. فقال رسول الله :﴿: ((ليسَ ذلك الكِبْرَ، إنما الكِبْرُ أن تَسْفَهَ الَحَقَّ وتَغْمِصَ النَّاسَ)). ٤٦٦٧- وما قد حَدَّثَنَا محمدُ بن علي بن داود، حَدَّثْنَا محمدُ بنُ عمران، ثم ذکر بإسناده مثله. وقد روى البصريُّون في هذا الباب حديثاً حَسَنَ الإسنادٍ، غير أن في متنه تقصيراً عما في معن هذا الحديث، وهو: ٤٦٦٨- ما قد حَدَّثَنَا إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بن يونس، حَدَّثْنَا محمدُ بنُ المثنى، حَدَّثَنَا عبدُ الوهَّابِ، عن هشام بنِ حسان، عن محمد بنِ سيرين، عن أبي هريرة، فذكر قصة الرجلِ الذي قال للنِيِّ لَ﴾: حُبِّبَ إليَّ الجمالُ، أَفَمِنَ الكِبْرِ ذاك؟ قال: (لا)(١). وقد رواه الشامُّون تامَّ المتن: (١) رواه أبو داود (٤٠٩٢)، ومن طريقه البيهقي في ((الشعب)) (٦١٩٣) عن محمد بن المثنى، به. ورواه ابن حبان (٤٥٦٧) من طريق محمد بن إسماعيل، عن عبد الوهّاب، به. ورواه الحاكم ١٨١/٤-١٨٢ من طريق أبي بحر بعد الرحمن بن عثمان البكراوي، عن هشام، به. -٥٣٣- كتاب الأدب - المناهي ٤٦٦٩- كما حَدَّثْنَا فهدُ بنُ سليمان، حَدَّثْنَا عليُّ بنُ عيَّاش، حَدَّثْنَا حريزُ بن عثمان، حَدَّثْنَا سعيد بن مَرْتَدِ الرحْبِيُّ، عن عبد الرحمن بن حَوْشَبٍ، عن ثوبانَ الأشعريِّ، قال: سَمِعْتُ كريبَ بنَ أبرهةَ وهو جالس مع عبد الملك في سطح بديرِ الُرَّانِ، وذكروا الكشبْرَ، فقال كُريب: سمعتُ أبا ريحانة، يقولُ: سمعتُ رسول الله ﴿ يقولُ: ((إنّه لا يَدْخُلُ الجنةَ شيءٌ مِنَ الكِبْرِ)). فقال قائل: يا نِيَّ اللهِ، إنّي أُحِبُّ أن أَتَجَمَّلَ بجلازِ سوطي، وبِشِسْعُ نعلي. فقال النبيَُّ﴿هُ: (إِنَّ ذلك لَيْسَ بالكِبْرِ، إنَّ الله تعالى جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، وإنما الكِبْرُ مَنْ سَفِهَ الحَقَّ وغَمَصَ الناسَ). ويعني بالجلاز سيرَ السوط. فكان فيما روينا تبيانُ الكِبْرِ المراد في هذه الآثار، ما هو؟ وهو الترفُّعُ على الناسِ، ووضعُ الرجلِ نفسه في الموضع الذي لم يَضَعْهُ اللهُ فيه، وغَمْصُهُ للناسِ بإنزالهم دونَ المواضِعِ التي وضعهم الله فيها، وفي خلاف ذلك لِحكم الله تعالى فيه وفيهم، والوعيدُ من الله تعالى غيرُ مستنكر في ذلك بما في هذه الآثار، وبالله التوفيقُ. -٥٣٤- كتاب الأدب - المناهي ٦٥٠ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴿ في الناقةِ التي لعنتها صاحبتها من قوله لها: ((خَلِّي عنها، فإنّها ملعونةٌ) ٤٦٧٠- حَدَّثْنَا يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: حَدَّثْنَا عبدُ الله بنُ وهب، قال: أخبرني جرير بن حازم، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي الُهَلِّبِ، عن عِمرانَ بنِ حُصين، قال: كُنَّا معَ النّبِيِّ ◌َ﴿، فلعنتِ امرأةٌ ناقتها، فقال رسولُ اللهَ مَ: ((خُذُوا مَتَاعَكُمْ عَنْها، فإنَّها مَلْعُونَةٌ))، قال عمران: فكأني أنظر إليها [ناقة ورقاء](١). فسأل سائلٌ عن المعنى الذي أُمِرَت به مالكةُ هذه الناقةِ بتخليتها للعنها إيَّاهَا. ٤٦٧١- حَدَّثَنَا عليٌّ بن شيبةَ، قال: حَدَّثْنَا يزيدُ بنُ هارونَ، قال: أخبرنا سليمانُ التيمي، عن أبي عُثمانَ النَّهديِّ، عن أبي بَرْزَةَ: أنَّ جاريةً بينا هي على بعيرٍ أو راحلةٍ عليه بعضُ متاعٍ القوم، فأتت على جبلٍ، فتضايق بها الجَبَلُ، فأتى عليها رسولُ الله ﴿ فأبصرتْه، فَجَعَلَتْ تقولُ: حَلْ اللهُمَّ الْعَنْهُ، حَلْ اللهم العنه، فقال رسولُ اللهِلَ ﴾: ((مَنْ صَاحِبُ الْجَارِيَةَ؟ لا يَصْحَبْنا بَعِيرٌ أو رَاحِلَةٌ عليها لعنةٌ مِن الله)، أو كما قال(٢). (١) إسناده صحيح، ورواه أحمد ٤٢٩/٤ و٤٣١، والدارمي ٣٨٦/٢، ومسلم (٢٥٩٥)، وأبو داود (٢٥٦١)، وابن حبان (٥٧٤١)، والبيهقي ٢٥٤/٥، وفي (الشعب)) (٥١٦٥)، والخرائطي في ((مساوئ الأخلاق)) (٧١) من طريق أيوب، به. (٢) رواه أحمد ٤٢٣/٤، وابن حبان (٥٧٤٣)، البيهقي في («السنن)) ٢٥٤/٥، و في «شعب الإيمان)) (٥١٦٥) من طریق یزید بن هارون، به. - ٥٣٥- كتاب الأدب - المناهي فكان جوابُنا له في ذلك بتوفيق الله عَزَّ وجَلَّ وعونِهِ أن اللعنَ في كلامِ العربِ هو الطردُ والإبعادُ، ومنه قولُ الله عَزَّ وجَلَّ: ﴿أولئك الّذِينَ يَلْعُهُمُ اللهُ وَلْعَهُمُ اللَّعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]، فكان لعنةُ الله عَزَّ وجَلَّ إِيَّاهم طَرْدَهُم عنه، وإبعادهم منه. كما حَدَّثَنَا ولاَّد النحوي، قال: حَدَّثَنَا المصادريُّ، عن أبي عُبَيْدَةً معمرِ بنِ المثنى: ﴿لَعَنِهِمُ الله﴾، أي: أطردهم اللهُ وأبعدهم، يُقال: ذئبٌ لَعِينٌ، أي: مطرود، قال شَمَّاخِ بنُ ضرار: ذَعَرْتُ بِهِ القَطَا وَنَفَيْتُ عَنْهُ مقامَ الذّئب كالرَّجُلِ اللَّعِينِ فكان قولُها ذلك -أعني لعنها الله- لناقتها، أي: أُطردها الله وأبعدها على وجهِ الدُّعاءِ منها عليها بذلك، فيحتمل أن يكونَ ذلك وافق منها وقتاً يُنِيلُ اللهُ عَزَّ وجَلَّ فيه عطاءَه، فلما سألته تلك المرأةُ ذلك في ناقتها، أجابَها فيها، فصارت به ملعونةٌ، أي: مطرودةٌ مباعدة لا لمعنى من المعاني حَلَّ بالناقة من عقوبةٍ لها، إذ كانت لا ذنبَ لها فيما كان مِن مالكتها فيها، وعادت العقوبةُ في ذلك والذمُّ عليه على المرأة التي كانت منها اللعنةُ، فمنع رسولُ الله ﴿ أَن تَصْحَبَهُ نَاقَةٌ قد جعلها الله عَزَّ وجَلَّ مطرودةٌ، وكان في ذلك منعُ صاحبتها من الانتفاعِ بها في المستأنَفِ لإِجابةِ الله عَزَّ وَلَّ إِيَّاها فيها بما دَعَتْهُ عليها، ولما عادت ورواه أحمد ٤٢١/٤ و٤٢٣، ومسلم (٢٥٩٦)، وابن أبي الدنيا في ((الصمتف» (٦٦٩) من طرق عن سليمان التيمي، به. وقوله: ((حَلْ)) كلمة زجر للإبل واستحثاث على السير. - ٥٣٦- كتاب الأدب - المناهي مطرودةً مِن الله عَزَّ وجَلَّ، منع رسولُ الله من صحبتها إيّاه، لأنَّ صحبتُها إِيَّاه ضِدٌّ للطردِ الذي أحلَّها اللهُ عَزَّ وجَلَّ به، وأصارها إليه، وقد دَلَّ على ما ذكرنا مِن اللعنِ أنَّه الدعاءُ: ٤٦٧٢- ما قد حَدَّثْنَا الحسينُ بنُ نصر البغداديُّ، وسعيدُ بنُ مروان الأزديُّ أبو عثمان، قالا: حَدَّثَنَا مهديُّ بنُ جعفر، قال: حَدَّثَنَا حاتِمُ بنُ إسماعيل، عن أبي حَزْرَةً المدنيِّ يعقوبَ بنِ مجاهد، عن عُبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، قال: أتينا جابرَ بنَ عبد الله، فحدثنا، قال: سِرْنا مَعَ رسولِ الله ◌ِ﴿ في غزوة بُوَاطَ وهو يَطْلُبُ الَحْدِيَّ بنَ عمرو الجهنَّ، فكان الناضِحُ يعتقِبُه منا الخمسةُ والسِّنَةُ والسَّبْعَةُ، فدارت عُقْبَةُ رجلٍ من الأنصار على ناضحٍ له، فركبه ثم بعثه، فَتَلَدَّنَ عليه بعضَ التَلَّدُّن، فقال: شَأْ لَعَنْكَ الله، فقال رسولُ اللهِلَ﴿َ: ((مَنْ هذا اللَّعِنُ بَعِيرَهُ؟)) قال: أنا يا رسولَ الله، قال: (أُنْزِلْ عنه لا يَصْحَبْنَا مَلْعُونٌ، لا تَدْعُوا على أنفُسِكُمْ، ولا تَدْعُوا على أولادِكُم، ولا تَدْعوا على أموالِكُم، فيُوافِقَ مِنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ سَاعَةَ نَيْلٍ، فيها عطاءٌ، فیستجيب لكم»(١). قال أبو جعفر: فردَّ ما في هذا الحديث إلى الدعاء، فدلَّ ذلك أنَّ اللعنَ الذي كان من المرأة لناقتها في حديثٍ عمران كان دعاءً منها (١) حديث صحيح، رواه مسلم (٣٠٠٩)، وابن حبان (٥٧٤٢) من طرق عن حاتم بن إسماعيل، به. ورواه أبو داود (١٥٣٢) من طرق عن حاتم بن إسماعيل، حَدَّثْنَا يعقوبُ بن مجاهد أبو حزرة، عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن جابر بن عبد الله، قال: رسول الله *: (لا تدعوا على أنفسكم .. )). -٥٣٧- كتاب الأدب - المناهي عليها وافقت فيه ساعةً ينال مِن الله عَزَّ وحَلَّ عطاءه لِمن سأله فيها، فأجابها في دُعائها على ناقتها فيما دعت به عليها. وفي حديث جابر مثلُ ذلك في الرجل اللاعن بعيره، وكانت الناقةُ في حديث عمران، والناضحُ في حديث جابر بحالهما الذي كانا عليه قبلَ أن يكونَ من مالكيهما فيهما ما كان، إذ لا ذنب لهما كان في ذلك، وعادت العقوبةُ بما كان من مالكيهما على مالكيهما فَحُرِمَا بذلك المنافعَ التي كانا يَصِلان إليها من الناقة، ومن الناضحِ الَّذَّيْنِ كانا لهما، وعاد ذلك تخفيفاً عن الناقة والناضح مِن الحمولة عليهما، والركوب من مالكيهما إياهما. والله نسأله التوفيق. وقد رُوِيَ عن أبي هريرة في هذا الباب مثلُ الذي رواه عِمران بنُ حُصین فیه. ٤٦٧٣- كما قد حَدَّثَنَا أحمدُ بن شعيبٍ، قال: أخبرنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ، قال: حَدَّثْنَا الليثُ بنُ سعدٍ، عن ابنِ عجلانَ، عن أبيه، عن أبي هُريرة: بينا رسولُ اللهِ ﴾ في ناس من أصحابه إذ لعن رَجُلٌ منهم بعيرَه، فقال رسولُ الله ﴿: «مَنِ اللَّعِنُ بَعيرَهُ؟)) فقال رجلٌ: أنا يا رسولَ الله، قال: ((فَأَخَّرْهُ عنّا، فقد أَوْجَبَتْ). فكان في هذا الحديث إخبارُ رسول الله:﴿ لاعِنَ بعيره المذكور فيه أنَّه قد أوجب، فكان ذلك بمعنى أنّه كان منه الدعاءُ الذي أجيبَ فيه، فوجبت به اللعنةُ، وهي الطردُ في البعيرِ الذي لعنه، فعاد معنى هذا الحديث إلى معنى حديث عِمران، وزاد عليه الإيجابَ الذي دَلَّ عليه حديث جابر الذي ذكرنا. والله نسألُه التوفيق. -٥٣٨ - كتاب الأدب - المناهي ٦٥١ - بابُ بيانِ مُشْكِل ما رُوِيَ عن رسول الله ﴾ في لَعنِ الرجلِ أخاهُ ٤٦٧٤- حَدَّثْنَا سليمانُ بنُ شعيب الكيساني، قال: حَدَّثَنَا خالدٌ بنُ عبدِ الرحمن الخراساني، قال: حَدَّثْنَا عُمَرُ بنُ ذرُ، عن العيزار بن حَرْوَلِ أَنَّه قال: كان فيهم رجلٌ يُكنى أبا عُمير، وكان صديقاً لابنِ مسعود، فأتاه ابنُ مسعود في داره فلم يُوافِقه في أهله، فاستأذن على أهلِه، فدخل عليهم، واستسقاهم من الشراب، فبعثت المرأةُ الخادِم إلى الجيرانِ في طلب الشراب، فاستبطأتْها، فَلَعَنْها، فخرج عبدُ الله، وجلس في جانب الدارِ، وجاء أبو عُمير، فقال: يَرْحَمُكَ اللهُ أبا عبدِ الرحمن، وهل يُغَارُ على مثلك؟! ألا دخلتَ على ابنةٍ أخيك، فسلمتَ عليها وأصبتَ مِن الشَّرابِ، قال: قد فعلتُ، قد دخلتُ عليهم، فسلمتُ واستسقيتُهم، فإما لَمْ يَكُنْ عِندهم شَرابٌ، وإمَّا رَغِبُوا فيما عَندَهُم، فَبَعَثَتِ المرأة الخادمَ إلى الجيران في طلب الشراب، فاستبطأتها فَلَعَنْها، وسمعت رسولَ الله :﴿ يقول: ((إِنَّ اللَّعنةَ إذا وُجِّهَتْ تَوَجَّهَتْ إلى من وُجِّهَتْ إليه، فإن وَجَدَتْ عليهِ سِبيلاً، أو وَجَدَتْ مسلكاً دَخَلَتْهُ، وإلا جَارَتْ إلى رَبِّها عَزَّ وجَلَّ، فقالت: يا ربِّ إنَّ عبدك فلاناً وجَّهني إلى فلان، وإني لم أجدْ عليه سبيلاً، ولم أجد فيه مسلكاً، فما تأمرنين فيقال لها: ارجعي من حيثُ جنتٍ))، فخفتُ أن تكونَ الخادمُ معذورةً، فترجع اللعنة، فأكون سبيلَها، فذلك الذي أخرجني(١)، ولم (١) إستاده ضعيف، الواسطة بن العيزار بن جرول وبين ابن مسعود وهو أبو -٥٣٩- كتاب الأدب - المناهي يذكر لنا الكيسانيُّ في حديثه هذا بَيْنَ ابنٍ مسعودٍ وَبَيْنَ العيزارِ أحداً، والعيزار فرجلٌ قديم، فاحتمل أن يكونَ حدَّث بهذا الحديث لأخذه إَّاه عن عبد الله بن مسعود، واحتمل أن يكون بينه وبينَه فيه غيره ممن حدّته به عنه. فنظرنا في ذلك: ٤٦٧٥ - فوجدنا إسحاقَ بنَ إبراهيم بنِ يونس، قد حَدَّثْنَا، قال: حَدَّثْنَا أحمدُ بنُ إبراهيمَ الدَّورقيُّ، قال: حَدَّثْنَا شعيبُ بنُ حرب، قال: أخبرنا عمر بن ذَرُّ، قال: حَدَّثْنَا العيزارُ بنُ جرول، قال: سمعتُ أبا عمير، وكان صديقاً لعبدِ الله يُحدِّثُ، عن عبد الله، قال: سمعتُ رسولَ الله ◌َّ يقولُ: ((إنَّ اللعنةَ إذا هي وُجُّهَتْ إلى أحدٍ تَوَجَّهَتْ، فإن ء وَجَدَتْ عليه سبيلاً، أو وجدت فيه مسلكاً، دخلت عليه، وإلا رجعت إلى ربها عَزَّ وجَلَّ، فقالت: أي ربِّ: إن فلاناً وجهني إلى فلان، وإني لم أجدْ عليه سبيلاً، ولم أجد فيه مسلكاً، فما تأمرني؟ قال: ارجعي من حیث جئتٍ)(١). فعقلنا بذلك أن العيزارَ إنما أخذ هذا الحديث عن أبي عمير هذا عن عبد الله، قال: فكان في هذا الحديث أن الإنسانَ إذا لعن الإنسانَ، فكان الملعونُ ممن يستحق ذلك سَلَكَتْ فيهِ لَعْنَتُهُ، وإن كان بخلاف عمير مجهول، قال الهيثمي في («المجمع)) ٧٤/٨: لكن الظاهر أن صديق ابن مسعود الذي يزروه هو ثقة، والله أعلم. (١) إسناده ضعيف كسابقه لجهالة أبي عمير. ورواه أحمد ٤٠٨/١ عن وكيع، عن عمر بن ذر، به. - ٥٤٠-